← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

أصل مالك: إلى منزله. ويحتمل أن يريد الانصراف إلى مكانه. ويدل عليه حديث البخاري في باب التطوع بعد المكتوبة: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته" (١)، فلما خص المغرب والعشاء بالبيت دل بأن غيرهما بخلافهما، فيحمل هذا الانصراف على الانتقال في المسجد. وظاهره هنا أن المغرب وحدها ببيته، وفي الحديث المذكور ذكر العشاء معها. فإما في المسجد فلا يخلو المصلي أن يكون إمامًا أو مأمومًا، فأما الإمام فقال مالك: لا يصلي بعد الجمعة حَتَّى ينصرف إلى منزله، ثم نقل عن النخعي موافقة عمر وعمران. قَالَ: ودليل مالك من القياس أنها صلاة فرض ركعتان غير مقصورة، يجهر بالقراءة فيها، فكان للمنع تكثير في التنفل بعدها كالصبح. وأما المأموم فإن شاء ركع وإن شاء لم يركع، واختار ابن القاسم الثاني، والفرق بين الإمام والمأموم أنَّ الإمام شرع له سرعة القيام من موضع مصلاه ولا يقيم به، ولم يشرع ذلك للمأموم، وفي الحديث دليلٌ على أن صلاة التطوع مثنى مثنى وستعلمه.

стр. 4307

٤٠ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية ٩٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ. [٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٧] ٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٧] ذكر فيه عن سَهَل قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَة تحقل (١) عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا .. الحديث. ويأتي إن شاء الله في المزارعة والأطعمة (٢)، وأخرجه النسائي، وأهمله ابن عساكر والطرقي. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حدثني ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نتَغَذَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. ثم قَالَ:

стр. 4308

٤١ - باب القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ ٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. [انظر: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٤٢٨] ٩٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٨] ذكر فيه عن أنس: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. وعن سهل: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ. الشرح (١): بعد أن (أقرر) (٢) أني لم أعرف اسم هذه مع شدة البحث عنها. الأربعاء: جمع ربيع، وهي الساقية الصغيرة تجري إلى النخل، حجازية. ذكره ابن سيده. وقال ابن التين: هي الساقية. وقيل: النهر الصغير. وقال أبو عبد الملك: هو حافات الأحواض ومجاري المياه. وقال "صاحب العين": هي: الجداول، واحدها: ربيع (٣). والعَرْق: عظم عليه لحم، والجمع: عُراق، وتحقل مأخوذة من الحقل، وهو الزرع المتشعب الورق. كذا قاله ابن بطال (٤)، وتبعه ابن التين فقال: تحقل أي: تغرس. وقيل: تزرع. قَالَ: وفي رواية أبي ذر

стр. 4309

تجعل بالعين والجيم (١). قلتُ: وهو ما كتبه الدمياطي بخطه. وفي سند الأول أبو غسان المسمعي، وهو: محمد بن مطرِّف الليثي (٢)، وأبو حازم واسمه: سلمة بن دينار القاص، مات سنة أربعين ومائة، وقيل: ثلاث وثلاثين (٣). وفي الثاني: ابن أبي حازم، واسمه: عبد العزيز بن سلمة بن دينار المدني، مات فجأة في يوم الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين، وقيل: أربع وثمانين ومائة، ومولده سنة سبع وثما نين، وبيعت داره فوجد فيها أربعة آلاف دينار (٤). قَالَ أحمد: لم يكن يعرف بطلب الحديث، ولم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت له ولم يسمعها (٥).

стр. 4310

إذا عرفت ذلك؛ فقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] الإباحة بعد حظر بالاتفاق، وقيل: هو أمر على بابه. وعن الداودي أنه إباحة لمن كان له كفاف أو لا يقدر على الكسب وفرض على عكسه. وألحق غيره من يعطف عليه بسؤال أو غيره ممن له كسب. قلتُ: ونظير ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَكَاتِبُوهُم﴾ -على اختلاف فيه- ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يحرمون لحوم الضحايا فأعلم بالإباحة، ومنه: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ومنه قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله: (كُنَّا نتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا). يحتمل التبرك به والحاجة إليه. وفيه: اصطناع المعروف ومواساة الأنصار وإمساك الرباع؛ ليصونوا بها وجوههم وعدم الاحتقار لشيء من المعروف وإن قل، وفضل الكفاف، وفرح المرء مما يأتيه من الفضل، والتهجير بالجمعة، وزيارة الصالحين و ( … ) (١) والصالحة. وقوله: (فتكون أصول السلق عُراقه) ضبطه في رواية أبي الحسن بالغين المعجمة وبالفاء، وفي رواية أبي ذر بالعين المهملة والقاف. قيل: معناه: أنها جعلته مكان العرق، وهو اللحم. وقوله: (مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نتَغَدى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ) فقد سلف الجواب عنه في باب: وقت الجمعة. أي: لاشتغالهم بالغسل والتبكير (٢). وفيه: نوم القائلة، وهو مستحب، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ

стр. 4311

ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨] أي: من القائلة. ثم موافقة الحديث للترجمة ظاهر؛ فإن انصرافهم كان لابتغاء الغداء، والقائلة عوض ما فاته من ذلك في وقته، وهذا الحديث رد على قول مجاهد وأحمد أن الجمعة تصلى قبل الزوال استدلالًا بقوله: وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة. ولا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، فبان أن قائلتهم وغدائهم بعد الجمعة، إنما كان عوضًا عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء، وقد أسلفنا ذلك. ووجه ذكر البخاري الحديث في باب: الغرس من كتاب المزارعة (١) ليستدل به على عمل الصحابة رجالًا ونساءً بأنفسهم، وذلك شعار الصالحين من غير عارٍ ولا نقيصة على أهل البصيرة. واعترض الإسماعيلي في قوله: (في مزرعة لها سلقًا) المعروف أن السلق يزرع ولا يغرس، ولو استدل بحديث محمد بن جعفر بن الزبير عن أبي حاتم كان واضحًا إذ فيه: كانت لنا عجوز تزرع السلق، وفي لفظٍ: ترسل إليَّ بضاعة (٢). قَالَ ابن مسلمة: نخل بالمدينة، فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر، وتكركر عليه حبات من شعير (٣) (٤).

стр. 4312

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٢ - كتاب صلاة الخوف] (١) ١ - باب صلاة الخوف وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢] ٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ؟ يَعْنِى: صَلَاةَ الخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ التِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٢/ ٤٢٩]

стр. 4313

ذكر فيه حديث الزهري: سَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ؟ يَعْنِي: صَلَاةَ الخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث يأتي أيضًا في المغازي والتفسير إن شاء الله (١)، وأخرجه مسلم (٢). ورويت على وجوهٍ كثيرة. قَالَ الترمذي: قَالَ الإمام أحمد: قد روي عن النبي ﷺ الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا. وعنه: لا أعلم أنه روي عن رسول الله ﷺ في صلاة الخوف إلا حديثٌ ثابتٌ، هي كلها صحاح ثابتة (٣)، وقيل: أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه. وقال ابن العربي: رويت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة (٤)، وقال في "القبس": صلاها أربعًا وعشرين مرة (٥).

стр. 4314

وقال أبو عمر: المروي عن النبي ﷺ في ذلك ستة أوجه. وقال غيره: صح منه سبعة. وذكر ابن القصار أنه صلاها في عشرة مواطن، وصححها بعضهم في ثلاث فقط. وقال ابن حزم: هو غير بين أربعة عشر وجهًا، كلها صح عن رسول الله ﷺ ، وعبارته: من حضره خوفٌ من عدو ظالمٍ كافرٍ أو باغٍ من المسلمين أو من سيل أو من نار أو وحشٍ أو سبع أو غير ذلك، وهم في ثلاثة فصاعدًا فأميرهم مخيَّر بين أربعة عشر وجهًا كلها صحت عن رسول الله ﷺ (١). قَالَ ابن القطان: لم يذكر البخاري في أبواب صلاة الخوف غير حديث ابن عمر هذا، وليس كذلك لما ستعلمه، أحد الأحاديث حديث سهل بن أبي حثمة أخرجه البخاري في المغازي (٢) ومسلم والأربعة (٣). وكان ابن ثمان حين قبض النبي ﷺ أو خمس عشرة والإشكال على هذا. ثانيها: حديث جابر (٤) أخرجه البخاري تعليقًا (٥). ثالثها: حديث ابن عباس أخرجه البخاري والنسائي (٦). رابعها: حديث أبي عياش الرزقي، أخرجه أبو داود والنسائي

стр. 4315

وصححه الحاكم على شرط الشيخين (١). خامسها: حديث حذيفة أخرجه أبو داود والنسائي (٢). سادسها: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٣) (٤)، وعائشة وابن مسعود أخرجهما أبو داود، وصحح الحاكم الأول على شرط مسلم، وهو أتم حديث في صلاة الخوف (٥)، وأبي بكرة أخرجه أبو داود

стр. 4316

والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين (١) وقال ابن حزم: إنه آخر فعله، فهي أفضل الصفات. وقال أبو عمر: لا وجه لمن قَالَ: إنه وحديث جابر أنه كان في الحضر. وعبد الله بن أنيس أخرجه أبو داود وترجم عليه: صلاة الطالب والمطلوب، وصححه ابن حبان (٢).

стр. 4317

وخوات بن جبير والد صالح أخرجه البيهقي (١). وزيد بن ثابت أخرجه النسائي والبيهقي (٢). وعلي أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وأبي موسى أخرجه البخاري (٤) وغير ذلك. واختار أصحابنا منها ثلاثة: صلاته بعسفان، وببطن نخل، وبذات الرقاع، وصلاة المسايفة. وزعم الداودي أن صلاة الخوف كانت بذات الرقاع فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وكانت في المحرم يوم السبت لعشرٍ خلون منه، وقيل: سنة خمس. وقيل: في جمادى الأولى سنة أربعٍ. وذكرها البخاري قبل غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٥)، ويقال:

стр. 4318

كانت قبل بدرٍ الموعد (١). وحديث زيد بن ثابت أنه ﷺ صلاها مرة، ثم لم يصل قبلها ولا بعدها. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد (٢)، ووهاه ابن حزم فقال: خبر ساقط. وعند ابن بزيزة: نزلت في عسفان في صلاة العصر. وفي حديث جابر: صلاها في غزوة جهينة. وقيل: في بطن نخل. وقيل: في ذات الرقاع، سنة خمس. وقيل: في غطفان. وحديث ابن عمر في الكتاب استشكل من حيث أنه إنما أجيز في الخندق. وغزوة نجد -المذكورة هنا- هي ذات الرقاع، وهي قبل الخندق إجماعًا، إلا ما شذ به البخاري من أنها بعد خيبر. اللهم إلا أن يكون حضرها من غير إجازة، نعم لما كان يوم الخندق لم تنزل صلاة المسايفة، كما رواه الدارمي وأبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد، فاتجه ما قاله ابن عمر، وإن كان أهل السير على خلافه (٣).

стр. 4319

وكذا وقع في كلام النووي (١) وابن القصار: إن صلاة الخوف كانت بعد الخندق في غزوة ذات الرقاع (٢). وفي مسلم من حديث ابن عباس: وفي الخوف ركعة (٣). وأخرجه الحاكم مطولًا: وصلاته بذي قرد. وقال صحيح على شرطهما (٤). قَالَ ابن بطال: وإليه ذهب ابن أبي ليلى. قَالَ الطحاوي وأبو يوسف أيضًا: إذا كان العدو في القبلة، فإن كانوا في غيرها فكما روى ابن عمر (٥). وأما أبو حنيفة ومالك فتركا العمل به لمخالفته الكتاب (٦). وقال أحمد فيما حكاه الخلال في "علله" عنه: لا أعلم أحدًا قَالَ في الماشي يصلي إلا عطاء، وما يعجبني أن يصلي الماشي. قلتُ: حكاه عطاء عن أصحاب رسول الله ﷺ ، رواه ابن أبي شيبة، وروى أيضًا عن مجاهد الصلاة وهو بمنًى (٧).

стр. 4320

وقال مكحول: لا بأس به وفعله سعيد بن جبير وأبو برزة الصحابي (١). وفي "المصنف" عن عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري وأصحابهم قالوا: إذا التقى الزحفان وضرب الناس بعضهم بعضًا وحضرت الصلاة فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فتلك صلاتك، ثم لا يعيد (٢). وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد وسَل السيوف أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيرًا، فإن لم يكن إلا تكبيرةً واحدةً أجزأته أينما كان وجهه، وعن إبراهيم: إذا حضرت الصلاة في المطاردة فأوم حيث كان وجهك. وفي لفظٍ: ركعة (٣). وقال هرم بن حيان لأصحابه وكانوا في جيش: ليسجد كل رجل منكم سجدة تحت جنته، وسئل الحسن عن الصلاة إذ ذاك. قَالَ: يصلي ركعة وسجدتين تلقاء وجهه. وقال حماد: ركعة حيث كان وجهه (٤). ونهى ثابت بن السمط (٥) -أو عكسه- عن النزول للصلاة حالتئذ (٦).

стр. 4321

وقال جابر بن عبد الله: صلاة الخوف ركعة (١). وللبزار عن ابن عمر مرفوعًا: "صلاة المسايفة ركعة، على أي وجه كان الرجل تجزئ عنه، فإذا فعل ذلك فيما أحسب لم يُعد" (٢). وزعم ابن حزم أنه إن كان وحده فهو مخير بين ركعتين في السفر أو ركعة واحدة وتجزئه (٣). وقد روي هذا عن حذيفة أنه صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا (٤). وعن زيد بن ثابت مثله. قَالَ: وصح هذا أيضًا مسندًا عن جابر (٥). وأخبر جابر أن القصر المذكور في الآية عند الخوف هو هذا. وصح من طريق الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، وروي أيضًا عن ابن عمر. فهذِه آثار متظاهرة متواترة، وقال بها جمهور السلف، كما رويناه عن حذيفة أيام عثمان ومن معه من الصحابة، لا ينكر ذلك أحد منهم، وروينا عن أبي هريرة أنه صلى بمن معه صلاة الجمعة بكل طائفة ركعة، إلا أنه لم يقض ولا أمر بالقضاء، وعن الحسن أن أبا موسى صلى في الخوف ركعة (٦)، وعن ابن عباس: يومئ بركعة عند القتال.

стр. 4322

وعن مكحول: إذا لم يقدروا أن يصلوا على الأرض فيصلوا على ظهور الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتان، فإن لم يقدروا أخروا حَتَّى يأمنوا. قَالَ ابن حزم: أما التأخير فلا يحل البتة، وبالأول يقول سفيان بن سعيد. قال: وملنا إلى هذا لسهولته، ولكثرة من رواه عن رسول الله ﷺ ، ولكثرة من قَالَ به من الصحابة والتابعين لتواتر الخبر به عن النبي ﷺ ولموافقته القرآن العظيم (١). وحكى ابن بزيزة عن جابر: صلاة الخوف ركعة للمأموم واثنتان للإمام. وحكي عن طاوس والحسن وجماعة من التابعين، ولما ذكر المنذري القائلين بأنها ركعة: عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة: يومئ إيماءً. وكان ابن راهويه يقول: أما عند المسايفة فيجزئك ركعة واحدة تومئ بها إيماءً. وكان يقول: فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة؛ لأنها ذكر الله تعالى، وأما سائر أهل العلم، فلم ينقصوا منها شيئًا، ولكن يصلي بحسب الإمكان ركعتين أي وجه يوجهون إليه يومؤن إيماءً. وحمل قول ابن عباس: وفي الخوف ركعة (٢). يعني مع الإمام فلا يكون مخالفًا لغيره من الأحاديث الصحيحة.

стр. 4323

إذا تقرر ذلك، فمذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت، إلا أبا يوسف والمزني فقالا: إنها مخصوصة به (١). قَالَ مكحول والحسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن (٢) وبعض علماء الشاميين، كما نقله ابن بزيزة عنهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. والجواب: أن هذا خطاب مواجهة؛ لأنه المبلغ عن الله، لا خطاب تخصيص، لما صح أن الصحابة صلوها بعده، منهم علي وأبو هريرة وأبو موسى وغيرهم (٣)، وقد قَالَ: "صلوا كلما رأيتموني أصلي" (٤). وقالت طائفة، منهم: أبو يوسف وابن علية، فيما حكاه في "التمهيد": لا يصلي بعده إلا بإمامين كل واحد بطائفة ركعتين، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. فإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأنه ليس كغيره في ذلك، ولم

стр. 4324

يكن من أصحابه من يؤثر بنصيبه منه غيره، وكلهم كان يحب أن يأتم به، والناس بعده يستوي أحوال أهل الفضل منهم أو يتقارب، فليس بالناس اليوم حاجة إلى إمام واحد عند الحرب. والجواب أن الإجماع على أن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أن خلفاءه يقومون مقامه في ذلك، فكذا هذِه الآية وغيرها (١). وقيل: إن أبا يوسف رجع عن ذلك، حكاه الأقطع في "شرحه" (٢)، وأجاب ابن العربى عن شبهة أبي يوسف أنه إذا زال الشرط بطل المشروط من أوجه: أحدها: أن شرط كونه ﷺ أنما دخل لبيان الحكم لا لوجوده، تقديره: بيِّن لهم بفعلك، فهو أوقع في الإيضاح من قولك. ثانيها: أنه إذا جاز له فعل ذلك جاز لنا إلا ما خص. ثالثها: أن كل عذر طرأ على (٣) العبادة يستوي فيها الشارع وغيره كالسفر وغيره (٤)، وذكر ابن التين أن المعنى الذي أمر به في صلاة الخوف؛ تعليمًا لحراسة المسلمين وحذرًا من العدو، وذلك واجبٌ على كافة المسلمين، فوجب أن لا يختص ﷺ به دون أمته. تنبيهات: أحدها: أخذ أبو يوسف بحديث ابن مسعود وابن عمر، إلا أنه قَالَ: بعد سلام الإمام تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي ثم

стр. 4325

تذهب، ثم تأتي الطائفة الثانية فتقضي ثم تذهب. وقد أنكرت عليه هذِه الزيادة، وقيل: إنها لم تذكر في حديث. قَالَ ابن حزم: وأما قوله: تقضي الأولى الركعة التي بقيت عليها بلا قراءة شيء من القرآن فيها وتقضي الثانية التي بقيت عليها (بقراءة) (١) القرآن فيها، ولابد، وهذا لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة (٢)، ووافق أبو حنيفة أشهب (٣) والأوزاعي، ثم رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع (٤). والشافعي أخذ بحديث صالح بن خوات الآتي (٥)، واختاره أحمد وأبو ثور، ورجع عنه مالك (٦). قَالَ الشافعي: والمصير إليه أولى (٧). ثانيها: روى الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ليس في صلاة الخوف سهو" (٨)، وهو واهٍ رده ابن عدي (٩) ببقية (١٠) وشيخه عبد الحميد بن

стр. 4326

السري (١)، وأما السهيلي فقال: سنده ثابت. الثالث: قَالَ ابن حزم: روينا عن الضحاك ومجاهد والحكم بن عتيبة وإسحاق: أن تكبيرتين فقط تجزئان في صلاة الخوف، وروينا أيضًا عن الحكم ومجاهد تكبيرة واحدة تجزئ في صلاة الخوف. قَالَ: وليس له أجل من كتاب ولا سنة (٢). وعن إسحاق: إن لم يقدر على ركعة ربما صلى سجدة، وإن لم يقدر فتكبيرة، وسيأتي قريبًا قول الأوزاعي ومن وافقه، وقول أنس في تستر. الرابع: القضاء في رواية ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي رواية ابن مسعود القضاء متفرق على صفة صلاتهم، وقد تأول حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود. الخامس: قَالَ مالك في حديث "سهل بن سعد" (٣): هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف (٤)، وفي رواية: إنه أحب ما سمعت (٥)، ثم رجع وقال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحبُّ إليَّ على حديث سهل (٦)

стр. 4327

ولم يذكر فيه سلام الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها، ولا ذكر سلامه ﷺ قبل أن تتم لانفسها، وذكر مالك ذلك في روايته عن يحيى بن سعيد، والزيادة مقبولة. سادسها: لا يعترض على بعض الأحاديث لمخالفة الأصول، فإن الصلاة نفسها خرجت عنه للحاجة إليه. سابعها: دل الدليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلا بعد انصراف الأولى، وقوله ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] دليلٌ على أن الطائفة الأولى تنصرف، فلم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام، وقد يقال: إن معنى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ما بقي من صلاتك ويقضون ما فاتهم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ لا يقتضي قضاء الجميع معًا، وإنما هو إخبارٌ عما أبيح لهم فعله بعدها من الذكر وغيره. ثامنها: حديث جابر أخذ به الشافعي أيضًا: يصلي بكل طائفة ركعتين بناءً على جواز صلاة الفرض خلف المتنفل، وهذا إذا كان في سفر، ولم يُحْفظ عن رسول الله ﷺ أنه صلى صلاة الخوف قط في حضرٍ، ولم يكن له حرب في حضرٍ إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد. ودفع مالك وأبو حنيفة هذا التأويل، وقال أصحابهما: إنه ﷺ كان في حضرٍ ببطن نخل على باب المدينة ولم يكن مسافرًا؛ وإنما كان خوف، فخرج منه محترسًا، ولم ينقل عنه سلام في ركعتين بهم، وادَّعى ابن القصار خصوصية ذلك به على تقدير أن يكون سفرًا، وهو بعيدٌ.

стр. 4328

ويرد دعوى الحضر، أن جابرًا ذكر في الحديث أنهم كانوا بذات الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت. وادَّعى الطحاوي أنه قد يجوز أن يكون ذلك منه والفريضة حينئذٍ تصلى مرتين، وكان ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ (١). تاسعها: روي عن جابر أنه ﷺ صلى أيضًا، فركع في الصف المتقدم ركعة كاملة، ثم تأخروا، ثم تقدم الآخرون فركع بهم ثانية كذلك، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتين وللناس ركعة ركعة (٢)، ويجوز أن تكون هذِه صفة أخرى، وقد اْسلفنا عن أحمد أن أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، وهو قول الطبري وطائفة من أهل الحديث. العاشر: (الضرب) في الآية التي ذكرها البخاري (السفر). وهذِه الآيات نزلت في عسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عياش الزرقي السالف. وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾) [النساء: ١٠٢] أي: وليأخذ الباقون أسلحتهم.

стр. 4329

وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾) يحتمل أن يكون الجميع، ويحتمل أن يكون لمن لم يصل. الحادي عشر: الخلاف في صلاة الخوف في ثلاثة مواضع في جواز فعلها الآن، وهل تفعل في الحضر؟ وفي صفتها. وقد عرفت ذلك، وانفرد ابن الماجشون فمنعها في الحضر (١)؛ تمسكًا بظاهر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]. الثاني عشر: قوله في الحديث: (فوازينا العدو). أي: حاذيناهم. وفي "الصحاح": وقد آزَيْتُهُ إذا حاذيته، ولا تقل: وازَيته (٢). وأقره ابن التين في "شرحه".

стр. 4330

٢ - باب صَلَاةِ الخَوْف رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ: قَائِمٌ. ٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا". [انظر: ٩٢٤ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٢/ ٤٣١] ذكر فيه حديث ابن عمر نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكبَانًا". الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وبه أخذ الأئمة مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة الفقهاء (٢). وقال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه، وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماءً، وقد سلف هذا. ولا شك أن صلاة الخوف رجالًا وركبانًا إنما تكون إذا اشتد الخوف واختلطوا في القتال، وتسمى: صلاة المسايفة، فيصلي إيماءً وكيف تمكَّن، وممن قَالَ بذلك ابن عمر، ذكره عنه مالك في "الموطأ" (٣)، وهو قول مجاهد وطاوس وإبراهيم والحسن والزهري وطائفة من التابعين (٤).

стр. 4331

روى ابن جريج عن مجاهد قَالَ: إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس (١)، فمذهب مجاهد إجزاء الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن عمر، وهو مذهب مالك والثوري والشافعي (٢). وقول البخاري: (وزاد ابن عمر .. ) إلى آخره مراده: أنه رواه لا من رأيه، وكذلك قَالَ مالك. قَالَ نافع: ولا أرى ذكر ذلك عبد الله إلا عن رسول الله ﷺ (٣). ومراده بقوله: (وإن كانوا أكثر من ذلك) ما ذكره في "الموطأ" من قوله: فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك. يعني: خوفًا لا يمكن معه القيام في موضع، ولا إقامة صف، فليصلوا قيامًا على أقدامهم، كما زاده في "الموطأ" (٤)، يريد: أن ركوعهم وسجودهم إيماءً. وقوله: (وركبانًا) يريد: على رواحلهم؛ لأن فرض النزول سقط. قَالَ الشافعي في ذلك: لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة الخفيفة ويطعن، وإن تابع الضرب أو الطعن أو عمل عملًا يطول بطلت صلاته (٥). وقال الطحاوي: وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول. قَالَ: وذهب آخرون إلى أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلي، وإن

стр. 4332

كان راكبًا لا يمكنه النزول ولا يقاتل صلى؛ ويجوز أن يكون ﷺ يوم الخندق لم يصل؛ لأن القتال عمل، والصلاة لا عمل فيها، ورد الطحاوي القول الأول بأنه ﷺ لم يكن صلى يوم الخندق؛ لأنها لم تشرع إذ ذاك. وروى ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قَالَ: صلى النبي ﷺ الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق بعد المغرب بهوي من الليل كما كان يصليها في وقتها (١)، وذلك قبل أن ينزل الله عليه في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٢). قَالَ الطحاوي: وأخبر أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ ركبانا إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك، ثم أبيح بهذِه الآية، فثبت بذلك أن الرجل إذا كان في الخوف لا يمكنه النزول عن دابته أنَّ له أنْ يصلي عليها إيماءً، وكذلك لو أن رجلًا كان على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه رجل بسيف فله أن يصلي قاعدًا إن كان يخاف ذلك في القيام ويومئ إيماء، وهذا كله قول أبي حنيفة وصاحبيه (٣).

стр. 4333

قَالَ في "المدونة": حيث توجهت به (١)، وكان أحبَّ إليه إن أمن أن يعيد في الوقت، ولم يره كالعدو. وقال المغيرة: هما سواء، ويعيد الخائف من العدو في الوقت. وقال ابن المنذر: وكل ما فعله المصلي في حال شدة الخوف مما لا يقدر على غيره، فالصلاة مجزئة عنه قياسًا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو، وهذا أشبه بظاهر الكتاب والسنة مع موافقته للنظر (٢). وروي عن ابن زياد عن مالك فيمن خاف أن ينزل عن دابته من لصوص أو سباع، فإنه يصلي عليها الفريضة حيثما توجهت به ويومئ، وقاله أشهب (٣). وقال ابن التين: الخوف ضربان: يمكن فيه إقامة الصف لكن يخاف من ظهور العدو بالاشتغال بالصلاة، ولا يخلو أن يرجو أن يأمن في الوقت، فهذا ينتظر أن يأمن أو لا يرجو، فيصلي صلاة الخوف. ولا يمكن معه إقامة الصف، ولا استدبار مثل المنهزم المطلوب، فهذا يصلي كيف أمكنه راجلًا وراكبًا؛ للآية لأنه لم يقدر على أكثر من ذلك، فلم يلزمه غيره. فرع: ما سلف إذا كان مطلوبًا، فإن كان طالبًا فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي إلا بالأرض صلاة الآمن.

стр. 4334

وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك، كذا نقل أبو الوليد عن ابن عبد الحكم (١)، ونقل غير واحد عنه أن صلاته بالأرض أولى منها على الدواب.

стр. 4335

٣ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الخَوْفِ ٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [فتح: ٢/ ٤٣٣] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ .. الحديث. وهو من أفراده، وفي رواية أنها كانت بذي قرد (١). وفي آخره: وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، ولكن يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وهذا إذا كان العدو بينه وبين القبلة، فيصف الناس صفين، فيركع بالصف الذي يليه ويسجد معه، والصف الثاني قائم يحرس، فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الأول فركع ﷺ بهم وأكمل الركعة، وهم كلهم في صلاة. وقد روي الحديث من طريق آخر عن ابن عباس أنه ﷺ صلى بهم صلاة الخوف بذي قرد والمشركون بينه وبين القبلة (٢)، وقد روى نحوه أبو عياش الزرقي وجابر بن عبد الله مرفوعًا (٣)، وبه قَالَ ابن عباس: إذا كان العدو في القبلة أن يصلي على هذِه الصفة (٤). وهو مذهب ابن أبي

стр. 4336

ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعي نحوه. وقال الطحاوي: وذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة فالصلاة هكذا، وإن كان في غيرها فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره. قَالَ: وبهذا تتفق الأحاديث. قَالَ: وليس هذا بخلاف التنزيل؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، ثم أوحي إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا في القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران (١). وترك مالك وأبو حنيفة (٢) العمل بهذا الحديث لمخالفته القرآن، وهو قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ الآية، والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات في صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره من دخول الطائفة الثانية في الركعة الثانية، ولم يكونوا صلوا قبل ذلك. وقال أشهب وسحنون: إذا كان العدو في القبلة لا أحبُّ أن يصلى بالجيش أجمع؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه، ويصلى بطائفتين سنة صلاة الخوف (٣).

стр. 4337

٤ - باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ [وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأمَنُوا. فَيُصَلُّوا رَكعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وُيؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أنَسٌ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا]. ٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأَنَا وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ". قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ بَعْدَهَا. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٤٣٤] وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً. إلى أن قال: وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أنَسٌ: حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَرَ .. إلى آخره. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ .. الحديث.

стр. 4338

وقد سلف في مواضع منها: باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (١). وشيخ البخاري فيه: يحيى. قَالَ الجياني (٢)، نسبه ابن السكن: يحيى بن موسى الحداني. ونسبه أبو ذر عن المستملي: يحيى بن جعفر البلخي. وروى الكلاباذي أن يحيى بن موسى ويحيى بن جعفر يرويان جميعًا عن وكيع في الجنائز، وبخط الدمياطي الحافظ هو: خت. وقيل: خت أبوه موسى، مات سنة تسع (٣) وثلاثين (٤). إذا عرفت ذلك، فالصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، فهي صلاة حال المسايفة والقتال، الذي تقدم ذكرها في باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا (٥). وحديث جابر هو حجة الأوزاعي ومكحول أن من لم يقدر على الإيماء أخَّر الصلاة حتى يصليها كاملة، ولا يجزئ عنها تسبيح ولا تهليل؛ لأنه ﷺ قد أخَّرها يوم الخندق، وإن كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى لم يعب تأخيره لها لما كان فيه من شغل الحرب، فكذا الحال التي هي أشد من ذلك؛ إلا أنه استدلالٌ ضعيفٌ من أجل أن سُنَّة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك، فأما قول الأوزاعي: فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فقد

стр. 4339

روي مثله عن الحسن البصري وقتادة، وهو قول مكحول (١). وعن الحسن أن الإمام يصلي ركعتين والمأموم ركعة، فلعله اختلف قوله فيه، أو تكون صلاة المسايفة تخالف غيرها، ويحتمل أن مستند ذلك قول مجاهد عن ابن عباس: صلاة الخوف ركعة. قَالَ الطحاوي: وهذا الحديث يعارضه القرآن، وذلك أنه تعالى قَالَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، ففرض الله صلاة الخوف، ونص فرضها في كتابه هكذا، وجعل صلاة الطائفة الأخرى بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام، فثبت بهذا أن الإمام يصليها في حال الخوف ركعتين، وقد روى عبد الله عن ابن عباس خلاف ما روى عنه مجاهد (٢)، وقد سلف. والفقهاء وأكثر الصحابة على أن القصر في الخوف ليس بقصر عدد، وإنما هو قصر هيئة. وأما التكبير فقد روي عن مجاهد أنه قَالَ: صلاة المسايفة تكبيرة واحدة (٣). وعن سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن قَالَ: الصلاة عند المسايفة تهليل وتسبيح وتمجيد وتكبير (٤). وذكر ابن المنذر عن إسحاق: تجزئك ركعة تومئ بها، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة واحدة؛ لأنه ذكر الله (٥).

стр. 4340

وقال الحسن بن حَيّ: يكبر مكان كل ركعة تكبيرة. وقد سلف. وأما أئمة الفتوى فلا يجزئ عندهم التكبير عن الركوع والسجود؛ لأن التكبير لا يسمى بركوع ولا سجود، وإنما يجزئ الإتيان بأيسرهما، وأقل الأعمال الثابتة عنها الإشارة والإيماء الدال على الخضوع لله تعالى فيهما. قَالَ الأصيلي: ومعنى (قول أنس: فلم يقدروا على الصلاة): فإنهم لم يجدوا السبيل إلى الوضوء من شدةِ القتال، فأخروا الصَّلاةَ إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون تأخيره ﷺ يوم الخندق حَتَّى غربت؛ لأنه لم يجد السبيل إلى الوضوء. قلتُ: ويحتمل النسيان، ولأجل الخوف والشغل بحرب المشركين. وقوله: (لَمْ يُصَلِّ إلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ). قَالَ خليفة بن خياط في "تاريخه": حدَّثَنَا ابن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قَالَ: لم نُصَلِ يومئذِ الغداة حَتَّى انتصف النهار. قَالَ خليفة: وذلك في سنة عشرين. وقوله: (مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وفي رواية خليفة: الدنيا كلها. بمعنى: أنهم أتوا بها في وقتها لم يفرطوا، ولم يكن عليهم أكثر من ذلك. وقيل: يريد: لو كانت في وقتها كان أحبَّ إليَّ من الدنيا وما فيها. وقول الأوزاعي: فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال. فيه مخالفة لقول مالك؛ لأنه لا يعجزه عن الإيماء طالبين ولا مطلوبين، ولا يمنعهم مسايفة (١). وقوله: (لا يجزئهم التكبير). قد سلف ما فيه.

стр. 4341

٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالمَطلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الفَوْتُ، وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". - باب ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [٤١١٩ - مسلم: ١٧٧٠ - فتح: ٢/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا في بَني قُرَيْظَةَ .. " الحديث. كذا في بعض النسخ: (باب). وفي شرح شيخنا حذفه. وهذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي (١) ومسلم أيضًا هناك (٢). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا ابن عون، عن رجاء بن حيوة الكندي قَالَ: كان ثابت بن السَّمط -أو السَّمط بن ثابت- في مسيرٍ في خوفٍ، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانًا، فنزل الأشتر. فقال: ما له؟

стр. 4342

قالوا: نزل يصلي. قَالَ: ما له خالف خولف به (١). وذكر ابن حبان أن ثابت بن السَّمط أخو شرحبيل بن السمط (٢)، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكونا كانا في ذلك الجيش فنسب إلى كل منهما؛ لأنهما كانا رئيسيه. والسَّمط بفتح السين وكسر الميم، قيده الجياني (٣). وعن بعضهم بكسر السين وإسكان اليم، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة، وثابتًا في التابعين، وشرحبيل هو الذي كان على حمص، وهو الذي افتتحها. قال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي صاحب "تاريخ حمص": مات بسلمية سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقَالَ أبو داود: مات بصفين (٤). واختلفت الرواية: هل قَالَ: "لا يصلين أحد الظهر" أو"العصر"؟ ففي البخاري عن شيخه عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية: "العصر". ووافقه أبو غسان عن جويرة، أخرجهما الإسماعيلي. وروى عنه مسلم "الظهر" (٥)، وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق أبي غسان (عنه) (٦) (٧).

стр. 4343

واختلف على أبي يعلى الموصلي عنه، فرواه عنه الإسماعيلي بلفظ: "العصر" ورواه أبو نعيم في "مستخرجه" على البخاري "الظهر"، ورواه ابن سعد، عن مالك كذلك أيضًا (١). وذكر ابن إسحاق: لما انصرف رسول الله ﷺ عن الخندق راجعًا إلى المدينة، والمسلمون قد وضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ قَالَ: لقد وضعت السلاح؟ قَالَ: "نعم". قَالَ جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم. فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (٢). قَالَ ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة عقب الخندق (٣). والاختلاف في الخندق هل هي سنة خمس أو أربع؟ فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وقيل: خمسًا وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: بضعًا وعشرين ليلة. وذكر ابن حزم: وتتابع المسلمون، ولما كانت صلاة العصر وهم في الطريق ذكروا الصلاة، فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟ فصلت طائفة منهم، وأخرت طائفة منهم العصر فصلوها في بني قريطة بعد العشاء. وفي الجمع بين روايتي الظهر أو العصر احتمالان:

стр. 4344

أحدهما: أنه كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلاها بالمدينة بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوها: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة. وللذين صلوها بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. الثاني: أنه قيل ذلك للجميع، ويحتمل ثالثًا وهو أنه قيل للذين ذهبوا أولًا: لا تصلوا الظهر إلا في كذا. وللذين ذهبوا بعدهم: العصر. إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: صلاة شرحبيل ظاهرها أنها كانت في الوقت، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] واحتجاج الوليد بحديث بني قريظة لا حجة فيه كما قاله الداودي؛ لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف، أو لأنه إنما أراد سرعة سفرهم، ولم يجعل لهم في بني قريظة موضعًا للصلاة، وقيل: إنما صلى شرحبيل على ظهر الدابة؛ لأنه طمع بالفتح للحصن فصلى إيماءً ثم فتحه، وجوز ذلك بعض أصحاب مالك، وهو نحو ما سلف عن ابن حبيب، وقاله مالك أيضًا والأوزاعي في الأصل. وقال عطاء والحسن والثوري والشافعي: لا يصلي الطالب إلا بالأرض (١)، ويحتمل أن يكون لما أمرهم ﷺ بتأخير العصر ترك الفرض، وهو فرض ولم يعنفهم بذلك فشرع للطالب أن يصلي راكبًا في الوقت إيماءً، قياسًا على ترك الوقت. الثاني: اختلف العلماء في صلاة الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على

стр. 4345

جواز صلاة المطلوب راكبًا، فذهبت طائفة إلى أن الطالب لا يصلي على دابته وينزل فيصلي بالأرض، هذا قول عطاء -ومن أسلفناه- وأحمد وأبي ثور (١). وقال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وهو أن يقطع الطالبون من أصحابهم فيخافوا عودة المطلوبين إليهم، فإذا كان هكذا جاز لهم الإيماء ركبانًا (٢). وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قَالَ: صلاة الطالب بالأرض أولى من الصلاة على الدواب وفيها قول ثان. قَالَ ابن حبيب: هو في سعة، وإن كان طالبًا لا ينزل فيصلي إيماءً؛ لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن، وقاله مالك (٣)، وهو مذهب الأوزاعي وشرحبيل، وذكر المدائني عن الأوزاعي قَالَ: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع مادام الطلب. ونقل ابن النقيب في "تفسيره" عن أبي حنيفة أن المطلوب يصلي وهو مسايف، والطالب لا يصلي على الدابة (٤). وعن مالك وجماعة من أصحابه: هما كل واحد منهما يصلي على دابته (٥). وعن الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث كقول أبي حنيفة؛ لأن الطلب تطوع والصلاة المكتوبة فرضها أن يصلي الرجل
следующие страницы →