← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالمَطلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الفَوْتُ، وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". - باب ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [٤١١٩ - مسلم: ١٧٧٠ - فتح: ٢/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا في بَني قُرَيْظَةَ .. " الحديث. كذا في بعض النسخ: (باب). وفي شرح شيخنا حذفه. وهذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي (١) ومسلم أيضًا هناك (٢). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا ابن عون، عن رجاء بن حيوة الكندي قَالَ: كان ثابت بن السَّمط -أو السَّمط بن ثابت- في مسيرٍ في خوفٍ، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانًا، فنزل الأشتر. فقال: ما له؟

стр. 4342

قالوا: نزل يصلي. قَالَ: ما له خالف خولف به (١). وذكر ابن حبان أن ثابت بن السَّمط أخو شرحبيل بن السمط (٢)، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكونا كانا في ذلك الجيش فنسب إلى كل منهما؛ لأنهما كانا رئيسيه. والسَّمط بفتح السين وكسر الميم، قيده الجياني (٣). وعن بعضهم بكسر السين وإسكان اليم، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة، وثابتًا في التابعين، وشرحبيل هو الذي كان على حمص، وهو الذي افتتحها. قال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي صاحب "تاريخ حمص": مات بسلمية سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقَالَ أبو داود: مات بصفين (٤). واختلفت الرواية: هل قَالَ: "لا يصلين أحد الظهر" أو"العصر"؟ ففي البخاري عن شيخه عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية: "العصر". ووافقه أبو غسان عن جويرة، أخرجهما الإسماعيلي. وروى عنه مسلم "الظهر" (٥)، وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق أبي غسان (عنه) (٦) (٧).

стр. 4343

واختلف على أبي يعلى الموصلي عنه، فرواه عنه الإسماعيلي بلفظ: "العصر" ورواه أبو نعيم في "مستخرجه" على البخاري "الظهر"، ورواه ابن سعد، عن مالك كذلك أيضًا (١). وذكر ابن إسحاق: لما انصرف رسول الله ﷺ عن الخندق راجعًا إلى المدينة، والمسلمون قد وضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ قَالَ: لقد وضعت السلاح؟ قَالَ: "نعم". قَالَ جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم. فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (٢). قَالَ ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة عقب الخندق (٣). والاختلاف في الخندق هل هي سنة خمس أو أربع؟ فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وقيل: خمسًا وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: بضعًا وعشرين ليلة. وذكر ابن حزم: وتتابع المسلمون، ولما كانت صلاة العصر وهم في الطريق ذكروا الصلاة، فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟ فصلت طائفة منهم، وأخرت طائفة منهم العصر فصلوها في بني قريطة بعد العشاء. وفي الجمع بين روايتي الظهر أو العصر احتمالان:

стр. 4344

أحدهما: أنه كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلاها بالمدينة بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوها: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة. وللذين صلوها بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. الثاني: أنه قيل ذلك للجميع، ويحتمل ثالثًا وهو أنه قيل للذين ذهبوا أولًا: لا تصلوا الظهر إلا في كذا. وللذين ذهبوا بعدهم: العصر. إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: صلاة شرحبيل ظاهرها أنها كانت في الوقت، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] واحتجاج الوليد بحديث بني قريظة لا حجة فيه كما قاله الداودي؛ لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف، أو لأنه إنما أراد سرعة سفرهم، ولم يجعل لهم في بني قريظة موضعًا للصلاة، وقيل: إنما صلى شرحبيل على ظهر الدابة؛ لأنه طمع بالفتح للحصن فصلى إيماءً ثم فتحه، وجوز ذلك بعض أصحاب مالك، وهو نحو ما سلف عن ابن حبيب، وقاله مالك أيضًا والأوزاعي في الأصل. وقال عطاء والحسن والثوري والشافعي: لا يصلي الطالب إلا بالأرض (١)، ويحتمل أن يكون لما أمرهم ﷺ بتأخير العصر ترك الفرض، وهو فرض ولم يعنفهم بذلك فشرع للطالب أن يصلي راكبًا في الوقت إيماءً، قياسًا على ترك الوقت. الثاني: اختلف العلماء في صلاة الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على

стр. 4345

جواز صلاة المطلوب راكبًا، فذهبت طائفة إلى أن الطالب لا يصلي على دابته وينزل فيصلي بالأرض، هذا قول عطاء -ومن أسلفناه- وأحمد وأبي ثور (١). وقال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وهو أن يقطع الطالبون من أصحابهم فيخافوا عودة المطلوبين إليهم، فإذا كان هكذا جاز لهم الإيماء ركبانًا (٢). وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قَالَ: صلاة الطالب بالأرض أولى من الصلاة على الدواب وفيها قول ثان. قَالَ ابن حبيب: هو في سعة، وإن كان طالبًا لا ينزل فيصلي إيماءً؛ لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن، وقاله مالك (٣)، وهو مذهب الأوزاعي وشرحبيل، وذكر المدائني عن الأوزاعي قَالَ: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع مادام الطلب. ونقل ابن النقيب في "تفسيره" عن أبي حنيفة أن المطلوب يصلي وهو مسايف، والطالب لا يصلي على الدابة (٤). وعن مالك وجماعة من أصحابه: هما كل واحد منهما يصلي على دابته (٥). وعن الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث كقول أبي حنيفة؛ لأن الطلب تطوع والصلاة المكتوبة فرضها أن يصلي الرجل

стр. 4346

حيثما أمكن ذلك، وهو قول عطاء ومن سلف (١)، وعن الأوزاعي مرة: إن كان الطالب قرب المطلوب أومأ وإلا فلا. وعن الشافعي ما سلف. وروى أبو داود في صلاة الطالب حديث عبد الله بن أنيس قَالَ: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرفة وعرفات، وقال: "اذهب فاقتله". قَالَ: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي، أومئ إيماءً نحوه، فلما دنوت منه قَالَ: من أنت؟ قلتُ: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك قَالَ: إني لفي ذلك قَالَ: فمشيت معه ساعة حَتَّى إذا أمكنني علوته بسيفي حَتَّى برد (٢). قَالَ ابن بطال: وطلبت قصة شرحبيل بن السمط بتمامها لأبيِّن هل كانوا طالبين أم لا؟ فذكر الفزاري في "السير" عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن ثابت بن السمط -أو عكسه- قَالَ: كانوا في سفر في خوفٍ فصلوا ركبانًا، فالتفت فرأى الأشتر قد نزل للصلاة، فقال: خالف خولف به. فجرح الأشتر في الفتنة (٣). فبان بهذا الخبر أنهم كانوا طالبين حين صلوا ركبانًا؛ لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلي إلا راكبًا، إنما اختلفوا في الطالب،

стр. 4347

وأما استدلال الوليد بقصة بني قريظة على صلاة الطالب راكبًا، فلو وجد في بعض طرق الحدشج أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانًا لكان ثبتًا في الاستدلال، ولم يحتج إلى غيره، ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يكون لما أمرهم ﷺ بتأخير العصر إلى بني قريظة. وقد علم بالوحي أنهم لا يأتونها إلا بعد مغيب الشمس، ووقت العصر فرضٌ، فاستدل أنه كما ساغ للذين صلوا في بني قريظة ترك الوقت وهو فرض، ولم يعنفهم ﷺ ، فلذلك سوغ للطالب أن يصلي في الوقت راكبًا بالإيماء، ويكون تركه للركوع والسجود المفترض كترك الذين صلوا في بني قريظة الوقت الذي هو فرض، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، قاله المهلب. قَالَ: والأمر بالصلاة في بني قريظة أراد به إزعاج الناس إليها لما كان خبره جبريل أنه لم يضع السلاح بعد، وأمره ببني قريظة (١)، وقد أسلفنا ذلك. وقال ابن المنير: أشكل ذلك على ابن بطال ثم لخص كلامه السالف، وقال: والأبين عندي والذي أعلم على غير ذلك. وإنما استدل البخاري بالطائفة التي صلَّت فظهر له إنما لم تنزل؛ لأنه ﷺ إنما أمرهم بالاستعجال إلى بني قريظة، والنزول ينافي مقصود الجد في الوصول، فمنهم من بني أن النزول للصلاة معصية للأمر بالجد، فتركها إلى أن فات وقتها لوجود المعارضين (٢)، ومنهم من جمع بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع في هذ السير، فصلى راكبًا،

стр. 4348

ولو فرضناها صُليت نازلة لكان ذلك مضادة لما أمر به الرسول، وهذا لا يظن بأحد من الصحابة على تقوية أفهامهم وحسن أفئدتهم، وأما صلاة المطلوب فمأخوذ بالقياس على الطالب بطريق أولى (١). وقال بعضهم: يحتمل أنه لما بوَّب ما سلف ثم ذكر قول الوليد أن هذا الأثر هو حكم التبويب، وأن الحديث الذي ساقه بعد ذلك لا تكون الترجمة له مطابقة، ولأجل ذلك فرق بينهما بباب كما سلف ولم يجعل فيه ترجمة، وأن يكون ما ذكره من قول الوليد والأوزاعي هو حكم صلاة الطالب والمطلوب عند البخاري، وأن يكون الحديث الذي أورده في الباب بعده حكم صلاة الطالب والمطلوب إما أن يصلي أو يؤخر، وهو قول بعضهم، أو يكون مراد البخاري لما ذكر استدلال الوليد بالحديث أورد لذلك الحديث سندًا ليعلم صحة الحديث عنده، واستدلاله. الثالث: استنبط أبو حاتم بن حبان منه معنًى حسنًا حيث قَالَ: لو كان تأخير المرء للصلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الأخرى يلزمه بذلك اسم الكفر لما أمر المصطفي بذلك (٢). الرابع: قَالَ السهيلي: فيه دليل على أن كل مختلفَيْن في الفروع من المجتهدين مصيب، إذ لا يستحيل أن يكون الشيء صوابًا في حق إنسان خطأً في حق غيره، فيكون من اجتهد في مسألة فأدَّاه اجتهاده

стр. 4349

إلى الحل مصيبًا في حلها، وكذا الحرمة، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخصٍ واحدٍ، وإنما عرفهم هذا الأصل على طائفتين: الظاهرية: لأنهم علقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معًا إلا على وجه النسخ. والمعتزلة: فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حسن العقل عندهم أو قبحه صفة عين، فاستحال عندهم أن يتصف فعلٌ بالحسن في حق زيد والقبح في حق عمرو، كما يستحيل ذلك في الألوان والأكوان، وغيرها من الصفات القائمة بالذوات. وأما ماعدا هاتين الطائفتين فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام. وردَّ هذا الخطابي فقال: فيه حجة لمن يرى تساوي الأدلة ويقول: كل مجتهد مصيب، وليس كما ظنه، وإنما هو ظاهر خطاب خص بنوع من الدليل، ألا تراه قَالَ: بل نصلي، لم يرد منا ذلك؛ يريد أن طاعة رسول الله ﷺ فيما أمر به من إقامة الصلاة في بني قريظة لا توجب تأخيرها عن وقتها على عموم الأقوال، وإنما هو كأنه قَالَ: صلوا في بني قريظة إلا أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليها. وكذا الطائفة الأخرى في تأخيرهم الصلاة، كأنه قيل لهم: صلوا الصلاة في أوَّل وقتها، إلا أن يكون لهم عذر، فأخروها إلى آخر وقتها، وتخصيص العموم بناء على أصل متقرر، ومن خصه بدليل فإنه لا يخصه (١) عن جملة أصله الموجوب (٢)، وفي القول بتساوي الأدلة

стр. 4350

تجويز أحكام متضادة (١). وقال غيره: اختلاف الصحابة في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها سببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم، فإن الصلاة مأمورٌ بها في الوقت، مع أن المفهوم من قوله: "لَا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ -كذا- إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ": المبادرةُ بالذهاب إليه، وأن لا يشتغل عنه بشيء؛ لأن تأخير الصلاة مقصودٌ في نفسه من حيث أنه تأخيرٌ، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم، ونظر إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا الفوت، وأخَّر آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته، ولم يعنف الشارع واحدًا منهما؛ لأنهم مجتهدون، ففيه دليل لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا. وفيه: أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد. قَالَ: وقد يستدل به على أن كل مجتهد مصيب وللقائل الآخر أن يقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين، بل ترك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد. الخامس: فيه أيضًا: كما قَالَ الداودي: إن المتأول إذا لم يتعد في التأويل ليس بمخطئ، وأن السكوت على فعل أمرٍ كالقول بإجازته. فرع: في جواز الجمع بالخوف قولان في مذهب مالك، وقال ابن القاسم: لا بأس به، أي: لأن مشقته أكثر من مشقة السفر والمطر (٢).

стр. 4351

٦ - باب التَّبْكِيرِ وَالغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالحَرْبِ . ٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ". فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ -قَالَ: وَالخَمِيسُ الجَيْشُ- فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٢/ ٤٣٨] ذكر فيه حديث أنس أنه ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ .. الحديث. وقد سلف في باب: ما يذكر في الفخذ (١)، وسيأتي في المغازي أيضًا (٢)، وأخرج قطعة منه في البيوع (٣)، وهو مشتمل على صلاته بغلس ونزوله بخيبر وعتق صفية. و (الغلس): بقايا ظلام الليل، وكان نزوله بها ليلًا فصلى الصبح بغلس ثم ركب. وفيه: التكبير شكرًا لله تعالى عندما يرى الإنسان ما يسر به كبَلَدِهِ، وكذا لولادة الغلام، ورؤية الهلال؛ لأنه إعلام بما ظهر، ورفع الصوت به إظهارًا لعلو دين الله وظهور أمره. فإن قلتَ: ثواب العتق معلوم، فكيف فوته وفعله في مقابلة النكاح؟

стр. 4352

فالجواب: أن صفية كانت بنت ملك، ومثلها لا تقنع بالمهر إلا بالكثير، فلم يكن بيده ما يرضيها ولم ير أن يقصر بها، فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من الأموال الكثيرة. وقوله: (مَا مَهَرَهَا؟) قَالَ: أمْهِرْها نفسها. قَالَ شيخنا قطب الدين: صوابه: مهرها. يعني: بحذف الألف، وبخط الحافظ الدمياطي، يقال: مهرت المرأة وأمهرتها: أعطيتها الصداق. وأنكر أبو حاتم: أمهرت. إلا في لغةٍ ضعيفة. قَالَ: وهذا الحديث يرد عليه، وصححها أبو زيد، وقال: تميم تقول: مهرت. وكذا قَالَ ابن التين: يقال: مهرت المرأة وأمهرتها، وقيل: مهرتها، ثلاثي أفصح وأغرب. والتغليس بالصبح سنة سفرًا وحضرًا وكان من عادته ذلك، ولم يخالف ذلك إلا يوم الأعرابي الذي سأله عن المواقيت لأجل التعليم (١). وقوله: ("إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ") يريد: أنهم تقدم إليهم الإنذار فعتوا، فنزل بساحتهم نزول الانتقام منهم والإذلال لهم، يقول: إذا حللنا مع قوم في ديارهم غلبناهم. قَالَ ابن التين: والساحة: الموضع. وقيل: ساحة الدور. وقوله: ("فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ") أي: أصابهم السوء من القتل على الكفر والاسترقاق.

стр. 4353

وقوله: (جَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا) قد أسلفنا أن هذا من خواصه، وحكاه ابن التين عن مالك، ثم قَالَ: وعند الشافعي: لا. وهذا نقل غريب عن الشافعي (١)، ولعله تبع الترمذي فيه (٢)، وليس فيه ذكر الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، وإن كان يحتمل وقوعه وعدم نقله لكنه بعيد.

стр. 4354

١٣ كتاب العيدين

стр. 4355

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٣ - كتاب العيدين] (١) ١ - باب فِي العِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ ٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ، بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ؛ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ". فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: "إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ". وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الجُبَّةِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ". [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٢/ ٤٣٩] هو في اللغة: الوقت الذي يعود فيه الفرح والسرور، وأصله من الرجوع والمعاودة في كل سنة بفرحٍ، قلبت الواو منه ياء لسكونها

стр. 4356

وانكسار ما قبلها كالميزان والميقات من الوزن والوقت، وجمعه: أعياد. فلم يعيدوا الواو لزوال علة القلب للفرق بينه وبين جمع عود، وقيل للزوم الياء في الواحد ولهذا صغر على عييد، بالياء، وقيل: سمي عيدًا لكثرة عوائد الله فيهما على عباده. وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، وأول عيد صلاه ﷺ عيد الفطر من السنة الثانية من الهجرة، وفي "سنن أبي داود" والنسائي من حديث أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيها في الجاهلية. فقال ﷺ : "إن الله قد أبدلكما بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى والفطر" (١)، إسناده صحيح (٢). وصلاة العيد سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. واختلف في النساء والعبيد والصبيان والمسافرين وأهل القرى الذين لا جمعة عليهم، ففي "المدونة": لا تجب على النساء والعبيد، ولا يؤمرون بالخروج كالجمعة (٣). وقال مطرف وابن الماجشون: عند ابن حبيب: هي سنة لجميع المسلمين، النساء والعبيد والمسافرين ومن عقل الصلاة من الصبيان. وقال في "العتبية": إنما يجمع في العيدين من تلزمهم الجمعة. وروى ابن القاسم عن مالك أنها تلزم قرية فيها عشرون رجلًا، والنزول إليها

стр. 4357

من ثلاثة أميال كالجمعة (١). ذكر في الباب حديث عبد الله بن عمر قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ .. الحديث. سلف في الجمعة (٢)، ولا شك أن التجمل بالثياب غير منكر شرعًا، وأن التهيؤ للقاء الناس بالتجمل المباح لا ينكر، ولهذا لم ينكر الشارع إلا كونها حريرًا، وهذا على خلاف بعض المتقشفين، وقد روي عن الحسن البصري أنه خرج يومًا وعليه حلة يمان، وعلى فرقد جبة صوف، فجعل فرقد ينظر ويمس حلة الحسن ويسبح، فقال له: يا فرقد، ثيابي ثياب أهل الجنة، وثيابك ثياب أهل النار -يعني: القسيسين والرهبان- ثم قَالَ له: يا فرقد، التقوى ليس في هذا الكساء إنما التقوى ما وقر في الصدر وصدقه العمل. وفيه: استفهام الصحابة عند اختلاف القول والفعل؛ ليعلموا الوجه الذي يصرف إليه الأمر الثاني. وفيه: ائتلاف أصحابه بالعطاءِ وقبول العطية، إذا لم تجر عن مسألة، وفضل الكفاف، وجواز بيع الحرير للرجال والنساء وهبته، وهذا أغلظ حديث جاء في لبس الحرير، وقد جاء في التجمل في العيد وغيره أحاديث سلف بعضها في الجمعة. وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم، أنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كان يلبس بردَ حبَرةٍ في كل عيد، وحَدَّثنَا إبراهيم، ثنا جعفر بن محمد قَالَ: كان ﷺ يعْتَم في كل عيد (٣).

стр. 4358

ولابن خزيمة من حديث الحجاج، عن أبي جعفر، عن جابر أن رسول الله ﷺ كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. وقال: حجاج: أظنه ابن عثمان (١). وللبيهقي عن أبي رزين، عن علي بن ربيعة قَالَ: شهدت عليًا يوم عيدٍ معتمًا قد أرخى عمامته من خلفه، والناس مثل ذلك، وعن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه (٢)، وصح أنه ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء، أخرجه مسلم من رواية عمرو بن حريث، عن أبيه (٣). وللبيهقي عن السائب بن يزيد قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب معتمًّا قد أرخى عمامته من خلفه (٤).

стр. 4359

٢ - باب الحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَومَ العِيدِ ٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵇ فَقَالَ: "دَعْهُمَا". فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: ٩٥٢، ٩٨٧، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٣٩٣١ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٠] ٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ". حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي". [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٠] حدثنا أَحْمَدُ، ثَنَا ابن وَهْبٍ، أنا عَمْروٌ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ علينا النبي ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث أخرجه أيضًا عقب هذا الباب (١)، وفي باب: نظر المرأة إلى الحبشة (٢)، وفي باب: إذا قام العبد يصلي ركعتين (٣)، وفي باب: حسن العشرة مع الأهل (٤)، وفي باب: أصحاب الحراب

стр. 4360

في المسجد (١)، وفي باب: الدرق من الجهاد (٢)، فهذِه سبعة أبواب، وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وعمرو هذا هو ابن الحارث، مصري، مات سنة ثمان وأربعين ومائة (٤). وأحمد هذا شيخ البخاري (٥)، قَالَ الدمياطي في الحاشية: أحمد بن صالح، مات سنة ثمان وأربعين، وابن عيسى سنة ثلاث وأربعين. وقال الجياني: أحمد هذا نسبه ابن السكن: أبو علي أحمد بن صالح المصري، وقال الحاكم: روى البخاري في كتاب الصلاة في

стр. 4361

ثلاثة مواضع عن أحمد، عن عبد الله بن وهب، فقيل: إنه أحمد بن صالح. وقيل: ابن عيسى التستري، ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في "جامعه"، ونسبهما في مواضع وذكر الكلاباذي عن أبي أحمد الحافظ: أحمد عن ابن وهب في "جامع البخاري" هو ابن أخي ابن وهب. قَالَ الحاكم: وهذا وهمٌ وغلط، والدليل على ذلك أن المشايخ الذين ترك أبو عبد الله الرواية عنهم في "الصحيح" قد روى عنهم في سائر مصنفاته كابن صالح وغيره، وليس عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع، فهذا يدلك على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه ثم ترك الرواية عنه أصلاً. قَالَ ابن منده: كل ما في البخاري: حَدَّثَنَا أحمد، عن ابن وهب. فهو ابن صالح، ولم يخرج البخاري عن ابن أخي ابن وهب في "صحيحه" شيئًا، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه (١). قلتُ: وقد ساق ابن حزم هذا الحديث من طريق البخاري وقال فيه عنه: حَدَّثَنَا أحمد بن صالح (٢). ورواه الإسماعيلي وأبو نعيم، عن الحسن بن سفيان، ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب. وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن أحمد بن عيسى، وذكره في المناقب في باب: قصة الحبش عن يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة (٣).

стр. 4362

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، ويقال على من دون البلوغ منهما. ثانيها: معنى تغنيان: ترفعان أصواتهما بالإنشاد، وكل من رفع صوته بشيءٍ ووالى به مرة بعد مرة فصوته عند العرب غناءٌ، وأكثره فيما ساق من صوت أو شجا من نغمة ولحن، ولهذا قالوا: غنت الحمام، ويغني الطائر. هذا قول الخطابي (١)، وفي رواية له في الباب بعده: وليستا بمغنيتين (٢)، وللنسائي: تضربان الدف بالمدينة. وفي قوله: (ليستا بمغنيتين) إرشاد إلى أن ذلك ليس بالغناء الذي يهيج النفوس إلى أمور لا تليق، وإنما لم يتخذا الغناء صناعة وعادة. قَالَ القرطبي: ولا خلاف في تحريم هذا الغناء؛ لأنه من اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من المحرمات فيجوز القليل منه في الأعراس والأعياد وشبهها (٣)، ومذهب أبي حنيفة تحريمه، وبه يقول أهل العراق، ومشهور مذهبنا ومذهب مالك كراهته (٤)، وقد ألَّف الناس في تحريمه وإباحته تصانيف عديدة، والتحقيق ما ذكرناه. وقد بسطت المسألة في "شرح المنهاج" في الشهادات فراجعها منه تجد ما يشفي الغليل (٥).

стр. 4363

ثالثها: بغُاث -بالباء الموحدة، ثم غين معجمة- وتهمل وهو المشهور -كما قال ابن قرقول- وبعد الألف ثاء مثلثة، والأشهر ترك صرفه، موضع من المدينة على ليلتين وذكر ابن الأثير أنه أعظم حصن، وكان فيه حرب بين الأوس والخزرج. قَالَ: ومن قاله بالمعجمة فقد صحف (١). وقال ابن الجوزي: إنه يوم كان الأنصار في الجاهلية اقتتلوا فيه، وقالوا فيه الأشعار، وبقيت الحرب قائمة بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة حَتَّى جاء الإسلام. قَالَ القرطبي: وكان الظهور فيه للأوس (٢). وذكر ابن التين أنه قتل فيه صناديدهم توطئة بين يدي رسول الله ﷺ حَتَّى لا يطول شغبه مع الرؤساء. رابعها: كان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب، وإذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة على أمر الدين كما سلف، وأما الغناء الذي فيه غناء بمحظور كما سلف. وحاشا من هو دون الشارع أن يقال بمحضره ذلك، فيترك النكير له فيحمل على ما قلناه، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء، وفعلوه بحضرة الشارع، وفي هذا إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا ومثله ليس بحرام ولا يجرح الشاهد.

стр. 4364

خامسها: جاء في مسلم أن هذا كان أيام مني (١)، وكذا في النسائي: ورسول الله بالمدينة (٢). وفي مسلم أيضًا: والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله (٣). وقد سلف في أبواب المساجد، باب: أصحاب الحراب في المسجد، وذكر فيه حديثًا في ذلك (٤). سادسها: (مزمارة) بكسر الميم، وروي: أبمزمور الشيطان (٥)؟ بضم الميم الأولى، وقد تفتح، وأصله: صوت تصفير، والزمير: الصوت الحسن، يطلق على الغناء أيضًا. قَالَ القرطبي: إنكار أبي بكر مستصحبًا لما كان تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء جملة، حَتَّى ظن أن هذا من قبيل ما ينكر، فبادر إلى ذلك قيامًا عنه بذلك على ما ظهر، وكأنه ما كان بين له أنه ﷺ قررهن على ذلك بعد فقال له: "دَعْهُمَا" وعلل الإباحة بأنه يوم عيد، يعني: يوم سرور وفرح شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا (٦). وقال المهلب: الذي أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان، ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما

стр. 4365

أنكر مشابهة الزمير، فما كان من الغناء الذي يجري هذا المجرى من اختلاف النغمات وطلب الإطراب فهو الذي يخشى فتنته واستهواؤه للنفوس، وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حَتَّى لا يخفي معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهي عنه (١). وقد روي عن عمر أنه رخص في غناء الأعراب وهو صوت كالحداء يسمى: النصب. إلا أنه رقيق. قَالَ عمر لرباح بن المعترف: اسمع واقصر المسير، فإذا سحرت فارفع. فرفع عقيرته وتغنى (٢)، فهذا لم ير به بأس؛ لأنه حداء، وفي هذا أن مواضع الصالحين وأهل الفضل ينزه عن اللهو واللغو ونحوه. وفيه: أن التابع الكبير إذا رأى ما يستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير ينكره، ولا يكون هذا من باب الافتيات على الكبير، بل هو أدب ورعاية حرمة وإجلال به وتسجيه بثوبه وتحويله وجهه إعراضًا عن اللهو؛ ولئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن، وهذا من رأفته وحلمه وحسن خلقه. سابعها: قولها: (بغناء بعاث). كذا هنا، وفي الباب بعده: بما تقاولت الأنصار يوم بعُاث (٣). وفي رواية: بما تقاذفت (٤). أي: رمى به

стр. 4366

بعضهم بعضًا من الأشعار. وروي: تعازفت. والظاهر أنه من العزيف كعزيف الرياح وهو دويها، ويبعد أن يكون من عزف اللهو وضرب المعازف. ثامنها: قوله: ("دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ") كذا هنا، وفي باب: إذا فاته العيد: "أمنًا بني أرفدة"، يعني من الأمن (١). و (دونكم) منصوب على الظرف بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف دلت عليه الحالة، وهو لعبهم بالحراب، فكأنه قَالَ: دونكم اللعب. والعرب تغري بعليك وعندك ودونك، وشأنها أن يتقدم الاسم كما في هذا الحديث، وقد يتأخر شاذًّا كقوله: يا أيها المائح دلوي دونكا … إني رأيت الناس يحمدونكا و (بنو أرفدة): لقب للحبشة أو اسم أبيهم الأقدم. وقيل: جنس منهم يرقصون. وقيل: أراد بني الإماء. وأرفدة بتفح الفاء، وكسرها وهو أشهر، وهو في كتب اللغة بالفتح كما قاله ابن التين. وفي نصب: "أمنًا". وجهان: أحدهما: أن المعنى: آمنوا أمنًا ولا تخافوا. والثاني: أنه أقام المصدر مقام الصفة كقوله: رجل صور. أي: صائم، والمعنى: آمنين. قَالَ ابن التين: وضبط في بعض الكتب: آمنا على وزن فاعلا، وتكون أيضًا بمعنى آمنين اسم للجنس. وقوله: ("حَسْبُكِ؟ ") هو استفهام، وحذفت همزته بدليل قولها:

стр. 4367

قلتُ: نعم. تقديره: أحسبك؟ أي: هل يكفيك هذا القدر؟ وقوله: (فَزَجَرَهُمْ) يعني: أبا بكر، كما ذكره المهلب في "مختصره" عن الليث، وفي البخاري في باب: فوات العيد: فزجرهم عمر (١). تاسعها: في فوائده: الأولى: جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد وقد سلف. ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد، وأن السودان يلعبون بمثل هذا في المسجد. وقال ابن التين: كان هذا في أول الإِسلام تعلمًا لقتال أعداء الله. ونقل عن أبي الحسن في "تبصرته" أنه منسوخ بالقرآن والحديث ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [التوبة: ١٨] "وجنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم" لكن هذا ضعيف (٢). قَالَ ابن التين: حمل السلاح والحراب يوم العيد لا مدخل له عند العلماء في سنة العيد ولا في هيئة الخروج إليه، ولا استحبه أحد من العلماء ولا ندب إليه، ويمكن أن يكون ﷺ محاربًا خائفًا من بعض أعدائه، فرأى الاستعداد والتأهب بالسلاح وإذا كان كذلك فهو جائز عند العلماء.

стр. 4368

قَالَ: ولعب الحبشة ليس فيه أن الرسول خرج بهذا في العيد ولا أمر أصحابه بالتأهب بها، ولم يكن الحبشة للنبي ﷺ حشدًا ولا أنصارًا وإنما هم يلعبون. قَالَ: وفائدة هذا الحديث إباحة النظر إلى اللهو إذا كان فيه تدريب الجوارح على تقليب السلاح لتخف الأيدي بها في الحرب، ولك أن تقول: البخاري بوب لذلك بيانًا للجواز أو بيانًا لضعفِ مرسل أبي داود عن الضحاك بن مزاحم قَالَ: نهى رسول الله ﷺ أن يخرج يوم العيد بالسلاح (١)، ومخالفة لما ذكره هو بعد من قوله للحجاج وجاءه يعوده: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه (٢). ولابن ماجه بإسنادٍ جيد عن عياض الأشعري (٣): وشهد عيدًا بالأنبار فقال: ما لي أراكم تقلسون كما كان يقلس عند رسول الله ﷺ ؟! (٤) وله أيضًا بإسنادٍ جيد عن قيس بن سعد قَالَ: ما كان شيء على عهد رسول الله ﷺ إلا وقد رأيته إلا شيءٌ واحدٌ، فإن رسول الله ﷺ كان يقلس له يوم الفطر (٥). والتقليس: اللعب.

стр. 4369

الثانية: ما كان عليه ﷺ من الخلق الحسن، وما ينبغي للمرء أن يتمثل مع أهله من إيثاره مسارهم فيما لا حرج عليهم فيه. الثالث: قَالَ ابن حزم: الغناء واللعب والزمر أيام العيدين حسن في المسجد وغيره (١). وساق هذا الحديث. وحديث مسلم من طريق أبي هريرة قَالَ: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله ﷺ بحرابهم إذ دخل عمر فأهوى إليهم يحصبهم فقال: "دعهم يا عمر" (٢) ثم قَالَ: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيديِّ هذِه الأمة بعد نبيها؟! وقد أنكر ﷺ عليهما فرجعا. الرابعة: رخصة المثاقفة في المسجد. الخامسة: راحة النفوس في بعض الأوقات وراحة من ينظر إليهم؛ ليستعين بذلك على ما وراءه من أداء الفرائض؛ لأن النفس تمل، ولا شك أن العيد موضوع للراحة، وبسط النفس إلى المباحات، والأخذ بالطيبات، وما أحل الله من اللعب والأكل والشرب والجماع، ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل العيد حيث قَالَ: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد" وكان أهل المدينة على سيرة من أمر الغناء واللهو، وكان ﷺ وأبو بكر على خلافه، ولذلك أنكر أبو بكر ذلك، فرخص في ذلك للعيد وفي ولائم إعلان النكاح. السادسة: جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن، وأما نظرها إلى وجهه بغير شهوة ومخافة فتنة، فالأصح عندنا أنه حرام لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

стр. 4370

ولقوله ﷺ لأم سلمة وأم حبيبة: "احتجبا عنه" -أي: عن ابن أم مكتوم- فقالتا: إنه أعمى لا يبصرنا. فقال: "أفعمياوان أنتما؟ أليس تبصرانه؟ " حسنه الترمذي (١). وأجيب عن حديث عائشة بجوابين: أقواهما: أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد صرفته في الحال. والثاني: لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، أو أنها كانت صغيرة قبل بلوغها فلم تكن مكلفة على قول من يقول: إن

стр. 4371

الصغير المراهق لا يمنع النظر. السابعة: من تراجم البخاري على هذا الحديث باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وستعلم ما فيه من الخلاف هناك (١)، وروي عن ابن مسعود والضحاك: أنه يصلي أربعًا إذا فاتته الصلاة مع الإمام (٢)، وقال عليٌّ فيمن لا يستطيع الخروج إلى (الجبانة) (٣) لضعف: يصلي أربعًا (٤). وفيه أيضًا: الرفق بالمرأة الصغيرة واستجلاب مودتها، وإنه لم يعب على أبي بكر تأويله وقوله: (مزمارة الشيطان) لأنه: أراد الخير. وفيه: خوف عائشة من حدة أبيها. وفيه: ستر الشارع إياها ولعلهم لم يكونوا يرونها. وفيه: إغراء الشارع إياهم، وأن إظهار السرور في العيدين من شعار الدين والاستراحة. وفي حديث آخر: "إنها أيام أكل وشرب" (٥). وفي بعض الأخبار: وبعال (٦).

стр. 4372

٣ - باب سُنَّهَ العِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ ٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا". [٩٥٥، ٩٦٥، ٩٦٨، ٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٤٥] ٩٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ -قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا" .. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٥] ذكر فيه حديث البراء وحديث عائشة. فأما حديث عائشة فسلف الكلام عليه في الباب قبله. وأما حديث البراء: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا". وقد أخرجه البخاري مطولًا ومختصرًا في هذا الكتاب، أعني:

стр. 4373

صلاة العيدين، وأخرجه في الأضحية في ثلاثة مواضع (١)، وفي الإيمان والنذور (٢)، وأبو داود والترمذي في الأضاحي، والنسائي هنا والأضاحي (٣). و (حجاج) - شيخ البخاري فيه، هو ابن منهال. و (زبيد) بضم الزاي ثم باء موحدة هو ابن الحارث اليامي الكوفي، مات سنة اثنتين أو أربع وعشرين ومائة (٤)، وقد أسلفنا أن كل ما في البخاري: زبيد، فهو بالباء الموحدة، وكل ما في "الموطأ" فهو بالياء المثناة (٥). واختلف العلماء في صلاة العيدين، فعندنا أنها سنة مؤكدة. وقال الإصطخري: فرض كفاية (٦). وهو مذهب أحمد، وقولٌ في

стр. 4374

مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو قول ابن أبي ليلى (١)، والصحيح عند مالك كمذهبنا (٢)، وعند الحنيفة أنها واجبة، وقيل: سنة مؤكدة كمذهبنا (٣)، ونقل القرطبي عن الأصمعي أنها فرضٌ (٤). وقوله: (فننحر) يستدل به من يرى أن النحر كصلاة العيد سنة وواجب، وفيه أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، فإن قوله: "أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر". والنحر لا يكون إلا بعد الصلاة، ولو ذبح قبل مضي قدر الصلاة لم يجز عندنا كما ستعلمه في بابه، وأبو حنيفة اعتبر الفراغ من الصلاة، ومالك اعتبر صلاة الإمام وذبحه إلا أن يؤخر ( … ) (٥) متعديًا فيسقط الاقتداء به. وفيه: التعليم في الخطبة. واختلف فيمن يخاطب بالعيد، فروى ابن القاسم عن مالك، في القرية فيها عشرون رجلاً: أرى أن يصلوا العيدين. وروى ابن نافع عنه: أنه ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة (٦)، وهو قول الليث وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطال (٧)، وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال.

стр. 4375

وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد (١). وقال ابن القاسم وأشهب: إن شاء من لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا، ولكن لا خطبة عليهم، فإن خطب فحسنٌ (٢).

стр. 4376

٤ - باب الأَكْلِ يَوْمَ الفِطرِ قَبْلَ الخُرُوجِ (١) ٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. وَقَالَ مُرَجَّا بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا .. [فتح: ٢/ ٤٤٤] ذكر فيه حديث هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. وَقَالَ مُرَجَّا (٢) بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيُّ ﷺ : وَيَأُكُلُهُنَّ وِتْرًا. الشرح: هذا الحديث من أفراد البخاري. قَالَ أبو مسعود الدمشقي (٣): هذا من قديم حديث هشيم، وعنده فيه طريق آخر. يعني: المخرَّج عند الترمذي عن قتيبة، عنه، عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس: أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى. قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح غريب (٤). وقال الدارقطني: رواه علي بن عاصم عن عبيد الله، وتابعه أبو الربيع فرواه عن هشيم، عن ابن إسحاق، عن حفص (٥).

стр. 4377

وقد أنكر أحمد حديث أبي الربيع عن هشيم -يعني: المخرَّج في صحيحي أبي نعيم والإسماعيلي- وقال: هشيم مدلس (١). وقد روى عنه ابن أبي شيبة هذا الحديث: عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بلفظ: كان النبي ﷺ يفطر يوم العيد على تمرات ثم يغدو؛ وأخبرناه محمد بن زياد، ثنا أحمد بن منيع، نا هشيم مثله (٢). وقال المزي في "أطرافه": تابعه عمرو بن عون الواسطي عن هشيم. قَالَ: ورواه سعيد بن سليمان وجبارة بن المغلس، عن هشيم، عن عبيد الله، عن أنس (٣). وأما التعليق المذكور فأخرجه أحمد عن حرمي بن عمارة عن مرجَّا، به (٤). ورواه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم ثنا مرجا، به ولفظه: كان لا يخرج حَتَّى يأكل تمرات في يوم الفطر ويأكلهن وترًا. ورواه الإسماعيلي أيضًا كذلك، ورواه هو والدارقطني من حديث أبي النضر ثنا مرجا (٥). قلتُ: ومرجا ضعفه يحيى وأبو داود مرة، وقال مرة: صالح. وقال أبو زرعة: ثقة (٦). وله طريق آخر رواه عمرو بن عون، عن هشيم، عن

стр. 4378

حفص، عن أنس، أخرجه البيهقي (١). ورواه الإسماعيلي من طريق زهير، ثنا عتبة بن حميد الضبي، حَدَّثَني عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قَالَ: ما خرج رسول الله ﷺ يوم فطر حَتَّى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر؛ وترًا. وله شواهد منها حديث بريدة: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حَتَّى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حَتَّى يرجع. أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢)، وللبيهقي: فيأكل من كبد أضحيته (٣). ومنها حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حَتَّى يغذي أصحابه من صدقة الفطر. أخرجه ابن ماجه من حديث عمرو بن صهبان -وهو متروك- عن نافع عنه (٤). وروى الترمذي محسنًا عن الحارث عن عليٍّ قَالَ: من السنة أن

стр. 4379

يطعم الرجل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى (١). وأخرجه الدارقطني عنه وعن ابن عباس (٢). وفي "الموطأ" عن ابن المسيب: إن الناس كانوا يؤمرون بالأكل قبل الغدو يوم الفطر (٣). وللشافعي: حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد، أخبرني صفوان بن سليم أن النبي ﷺ كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبان، ويأمر به (٤). وهذا مرسل. وقد روي مرفوعًا عن عليٍّ (٥)، ورواه الشافعي بمعناه عن ابن المسيب وعروة بن الزبير (٦). وفي "المصنف" من حديث ابن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: كان النبي ﷺ يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى (٧). زاد البزار في "مسنده": فإذا خرج صلى ركعتين للناس، فإذا رجع صلى

стр. 4380

في بيته ركعتين، وكان لا يصلي قبل الصلاة شيئًا. يعني: يوم العيد. وفيه أيضًا من حديث الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: إن من السنة أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، ولا يخرج حَتَّى يطعم (١). وعن الشعبي قَالَ: إن من السُّنَّة أن يطعم قبل الفطر قبل أن يغدو، ويؤخر الطعام يوم النحر حَتَّى يرجع. وعن السائب بن يزيد قَالَ: مضت السنة أن تأكل قبل أن تغدو يوم الفطر. وعن أبي إسحاق عن رجلٍ من الصحابة أنه كان يأمر بالأكل يوم الفطر قبل أن يأتي المصلى (٢). وحكاه عن معاوية بن سويد بن مقرن، وابن مغفل، وعروة، وصفوان بن محرز، وابن سيرين، وعبد الله بن شداد، والأسود بن يزيد، وأم الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وتميم بن سلمة، وأبي مجلز (٣). وعن عبيد الله بن نمير: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ولا يطعم شيئًا؛ وحَدَّثَنَا هشيم أنا مغيرة عن إبراهيم قَالَ: إن طعم فحسن، وإن لم يطعم فلا بأس (٤).
следующие страницы →