← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

رواه هشام بن عروة عن أبيه. وقال هشام: أمرهم بما كان يأمر أهله، ورأى أن ذلك حق. وكره العلماء كلام الناس والإمام يخطب، روي ذلك عن عطاء والحسن والنخعي (١)، وقال مالك: لينصت للخطبة وليستقبل، وليس من تكلم في ذلك كمن تكلم في خطبة الجمعة (٢). وقال شعبة: كلمني الحكم بن عتيبة يوم عيد والإمام يخطب (٣). وقوله: (إن عندي عناقًا جذعة خير من شاتي لحم) يريد: لسمنها. وقوله: ("فليذبح باسم الله") يحتمل أن يريد: من تأخر ذبحه شيئًا بعد الصلاة فليذبح، ويحتمل أن يأمر من لم يضح أن يضحي فيؤكد أمر الأضحية. واختلفت عبارات المالكية في التسمية، فقال ابن الجلاب: هي شرط في صحة الذكاة همن تركها ناسيًا أكلت (٤). وقال القاضي أبو محمد: هي سنَّة. وقال غيره: هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان. قَالَ في "المدونة": من تركها عمدًا لم تؤكل (٥). وقال أشهب: إن تركها جهلًا أُكلت، أو استخفافًا فلا (٦). يريد أن الجاهل كالناسي.

стр. 4447

٢٤ - باب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ العِيدِ ٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. [فتح: ٢/ ٤٧٢] حَدَّثنَا مُحَمَّد، ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. الشرح: هكذا في الرواية، وذكر الجياني (١) أن في روايته هكذا عن أبي الحسن والأصيلي وأبي ذر، وعند ابن السكن بزيادة بعد فليح: عن سعيد عن أبي هريرة. وحديث جابر أصح. وعن النسفي عن البخاري، تابعه يونس عن فليح لم يرد شيئًا في الباب. وقال أبو مسعود في روايته عن البخاري: تابعه يونس عن فليح. وقال محمد بن الصلت: عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة. قَالَ أبو مسعود: (وأما ما) (٢) رواه يونس عن أبي هريرة لا عن جابر، قَالَ: وكذلك رواه الهيثم بن جميل، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة، كما رواه (الصلت) (٣). ونقل المزي عن أبي مسعود أنه قَالَ بعد قوله: وتابعه يونس عن

стр. 4448

فليح: وقال محمد بن الصلت: عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة. قَالَ أبو مسعود: كذا ذكره البخاري، وقد رواه محمد بن حميد عن أبي تميلة، عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، هكذا رواه الناس عنه، وأما حديث (يوسف) (١) إنما رواه عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة لا عن جابر، وكذا رواه الهيثم بن جميل عن فليح به، فصار مرجع الحديث إلى أبي هريرة (٢). قَالَ الجياني لما ذكر ما نقله عن أبي مسعود، وهذا تصريح منه في الرد على البخاري، وقول البخاري صحيح، ومتابعة يونس لأبي تميلة صحيحة. وذكر أبو مسعود في مسند أبي هريرة قَالَ: قَالَ البخاري في كتاب العيدين: وقال محمد بن الصلت، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة بنحوه. يعني: بنحو هذا الحديث. قَالَ الجياني: ورواية يونس لهذا الحديث من طريق جابر محفوظة صحيحة من رواية الثقات عن يونس. ثم ذكر طريق سعيد بن السكن إلى محمد بن الصلت: ثنا فليح، عن سعيد، بن الحارث، عن أبي هريرة. الحديث. ويرى أن ذلك من اصطلاحه، وأورده كذلك الترمذي وقال: غريب. قَالَ وروى أبو تميلة ويوسف بن محمد هذا الحديث عن فليح، عن سعيد، عن جابر (٣)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة والعقيلي (٤) (٥).

стр. 4449

ورواه البيهقي من طريق أبي تميلة، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة، وساقه بإسناده (١)، وساق بإسناده إلى يوسف بن محمد، عن سعيد، عن أبي هريرة (٢). ومحمد بن الصلت، اثنان أخرج لهما البخاري: أحدهما: أبو جعفر محمد بن الصلت الأزدي الكوفي الأصم، مات سنة تسع عشرة ومائتين، روى عن ابن المبارك في مناقب عمر (٣). الثاني: أبو يعلى محمد بن الصلت التوزي، وتوز من فارس (٤)، أصله منها، سكن البصرة، ومات سنة ثمانٍ وعشرين ومائة، روى عن فليح وجماعة (٥). وأما محمد شيخ البخاري فهو: محمد بن سلام البيكندي كما صرح

стр. 4450

به الجياني (١) وابن بطال، وفي "أطراف خلف" على الحاشية: ابن مقاتل ثنا أبو تميلة. وتعجب ابن العربي من إخراج البخاري الحديث المذكور لأجل الاضطراب الذي فيه. قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر وأبي رافع (٢). ورواه البيهقي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر (٣). ورواه البخاري في "التاريخ"، ورواه البيهقي من طريق معاذ بن عبد الرحمن التميمي، عن أبيه، عن جده (٤). إذا عرفت ذلك فجمهور العلماء على استحباب الذهاب يوم العيد في طريقٍ والرجوع في أخرى، اقتداءً به. قَالَ مالك: وأدركنا الأئمة يفعلونه. وقال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج عليه. واختلف الناس في سر ذلك على أقوال: قَالَ القاضي أبو محمد: ذكر الناس في فوائد هذا أشياء بعضها يقرب من الإمكان، ويحتمل أن يقال: وكثير منها دعاوى فارغة واختراعات عنه، ونحن نذكر ما قيل في ذلك، فأقوى ذلك أنه فعله؛ لتعم الناس بركته من كل جهة ويراه الناس في الطريق الذي رجع فيه من لم يره في الأخرى.

стр. 4451

ثانيها: خشية الزحام، لئلا يتأذى الناس منه، واختاره الشيخ أبو حامد وابن الصلاح، وورد في رواية لابن عمر: لئلا يكثر الزحام. ثالثها: لتعم الناس صدقته، إذ قد يكون من الفقراء من لا يمكنه الحركة. رابعها: للاستفتاء فيهما. خامسها: ليحصل لهما فضل مروره فيه. سادسها: لاحتمال أن العدو كمن له كمينًا، وفيه نظرٌ. سابعها: لتكثر خطاه فيكثر ثوابه، إذ حض على كثرة الخطا إلى المساجد. ثامنها: ليكثروا في أعين الأعداء. قَالَ ابن بطال: ورأيت للعلماء في معنى رجوعه من طريق أخرى تأويلات كثيرة، وأَوْلاها عندي -والله أعلم- أن ذلك ليري المشركين كثرة عدد المسلمين ويرهب بذلك عليهم (١). قلتُ: والأصح أنه كان يقصد أطول الطريقين في الذهاب والأقصر في الرجوع؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع، ولا يختص ذلك بالعيد بل سائر العبادات كالجمعة والصلاة وغيرهما يفعل كذلك، ومن ذلك لمَّا سار إلى عرفة سار على طريق ضب وعاد على طريق المازمين.

стр. 4452

٢٥ - باب إِذَا فَاتَهُ العِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ [وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِي البُيُوتِ وَالقُرَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ". وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.] ٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ". وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٧] ٩٨٨ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ". يَعْنِي: مِنَ الأَمْنِ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٧٤] (وكذلكَ النِّساءُ، ومَنْ كانَ فِي البُيُوتِ وَالقُرى لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هذا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ".) (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.) هذا التعليق سلف في باب سنة العيدين خلا: أهل الإسلام (١)، وكأنه من البخاري.

стр. 4453

قَالَ: (وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مالك مَوْلَاهُمُ ابن أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوَيةِ، فَجَمَعَ أَهْلَة وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ). وهذا رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن يونس قَالَ: حَدَّثَني بعض آل أنسٍ أن أنسًا كان ربما جمع أهله وحشمه يوم العيد فيصلى بهم عبيد الله بن أبي عتبة ركعتين (١). وقال البيهقي في "المعرفة": وروينا عن أنس بن مالك أنه كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد. قَالَ: وفي رواية أخرى: أمر مولاه عبيد الله ابن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل العصر ركعتين، ويكبر بهم كتكبيرهم. قَالَ: وهو قول محمد بن سيرين وعكرمة (٢). وأسنده في "سننه" من حديث هشيم عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس ابن مالك قَالَ: كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد. ثم قَالَ: ويذكر عن أنس أنه كان إذا كان بمنزله بالزاوية فلم يشهد العيد بالبصرة جمع مواليه وولده ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل العصر ركعتين، ويكبِّر بهم كتكبيرهم (٣). وابن أبي عتبة (خ م س) جاء في بعض الروايات: عبد الله.

стр. 4454

وفي بعضها: عبيد الله (١). وفي "الجعديات" عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله -أو عبيد الله، مولى لأنس- عن أبي سعيد الخدري. وهو روى عن مولاه أنس وعدة من الصحابة، وروى له، مسلم أيضًا، وذكره ابن حبان في "ثقاته" في عبد الله مكبرًا (٢). قال البخاري: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ.) وهذا رواه ابن أبي شيبة عن غندر، عن شعبة، عن قتادة عن عكرمة أنه قَالَ في القوم يكونون في السواد في السفر في عيد فطر أو أضحى، قَالَ: يجتمعون فيصلون ويؤمهم أحدهم (٣). قَالَ البخاري: (وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وهذا رواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء قَالَ: يصلي ركعتين ويكبر. ذكره ابن أبي شيبة في الرجل تفوته الصلاة في العيدين، كم يصلي؟ (٤). ثم ذكر حديث عائشة أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ .. الحديث.

стр. 4455

وسلف في باب: الحراب والدرق يوم العيد (١). أما فقه الباب: فاختلف العلماء فيمن فاته صلاة العيد مع الإمام، فقالت طائفة: يصلي ركعتين مثل صلاة الإمام. روي ذلك عن عطاء والنخعي والحسن وابن سيرين (٢)، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور، إلا أن مالكًا قَالَ: يستحب له ذلك من غير إيجاب. قلتُ: وكذا قَالَ الشافعي. وقال الأوزاعي: يصلي ركعتين ولا يجهر بالقراءة، ولا يكبر بتكبير الإمام، وليس بلازم (٣). وقالت طائفة: يصليها أربعًا إن شاء؛ لأنها إنما تصلى ركعتين إذا صليت مع الإمام بالبروز لها، كما على من لم يحضر الجمعة مع الإمام أن يصلي أربعًا. روي ذلك عن علي وابن مسعود (٤)، وبه قَالَ الثوري وأحمد، لكن إن شاء بتسليمة وإن شاء بتسليمتين (٥).

стр. 4456

وقال أبو حنيفة: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، فإن صلى صلى أربعًا، وإن شاء ركعتين (١). وقال إسحاق: إن صلى في الجبانة صلى كصلاة الإمام وإلا صلى أربعًا، وأولى الأقوال بالصواب أن يصليها كما سنَّها رسول الله ﷺ ، وهو الذي أشار إليه البخاري، واستدل على ذلك بقوله: "هذا عيدنا أهل الإسلام" و"إنها أيام عيد" وذلك إشارة إلى الصلاة، وقد أبان ذلك بقوله: "أول نسكنا في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا" (٢) ومن صلى كصلاة الإمام فقد أصاب السنة، واتفق مالك والكوفيون والمزني على أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد. وقال الشافعي في أظهر قوليه: إنها تقضى متى شاء (٣). وحكى ابن المنذر عنه مثل ذلك (٤)، وفي قولٍ: تصلى من الغد أداءً (٥). واحتج عليه المزني فقال: لما كان ما بعد الزوال أقرب إلى وقتها من اليوم الثاني (٦)، وأجمعوا أنها لا تصلى إلا قبل الزوال فأحرى أن لا تصلى من الغد إذ هو أبعد. وحرر بعض المتأخرين مذهب أبي حنيفة فقال: من فاتته مع الإمام لم يقضها. يعني أنه صلاها الإمام في جماعة وفاتت بعضهم حَتَّى خرج

стр. 4457

وقتها فإنه لا يصليها وحده ولا جماعة، وسقطت عنه. وأما إذا فاتت الإمام أيضًا فإنه يصليها مع الجماعة في اليوم الثاني، إذا كان الفوات لعذر، مثل أن يظهر أنهم صلوها بعد الزوال في يوم غير (١). وقال ابن حزم: من لم يخرج يوم الفطر ولا يوم الأضحى للعيد خرج لها ثانية، فإن لم تخرج غدوة خرجت ما لم تزل الشمس؛ لأنه فعل خير، والله تعالى يقول: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ثم قَالَ: وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ولو لم يخرج في الثاني من الأضحى وخرج في الثالث فقد قَالَ به أبو حنيفة، وهو فعل خير لم يأت عنه نهيٌ (٢)، واستدل بحديث أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ أن ركبًا جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا يغدو إلى مصلاهم (٣). صححه الخطابي والبيهقي وابن المنذر (٤).

стр. 4458

فرع: من تخلف عن الجماعة هل يصليها جماعة؟ قَالَ مالك: لا. وخالفه ابن حبيب.

стр. 4459

٢٦ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ العِيدِ وَبَعْدَهَا وَقَالَ أَبُو المُعَلَّى: سَمِعْتُ سعيد بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ العِيدِ. ٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٤٧٦] ثم ساق حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ. وهذا الحديث قد سلف في باب الخطبة بعد العيد (١)، وذكرنا مذاهب العلماء هناك واضحًا. وأبو المعلى اسمه: يحيى بن ميمون العطار (٢)، سماه الحاكم أبو أحمد ومسلم، ولم يذكره الكلاباذي.

стр. 4460

١٤ كتاب الوتر

стр. 4461

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٤ - كتاب الوتر] (١) ١ - باب مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ ٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩١ - وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ. [فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ -وَهْيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ

стр. 4462

رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ، خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ". قَالَ القَاسِمُ: وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ. [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ -تَعْنِي: بِاللَّيْلِ- فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٣٦ فتح: ٢/ ٤٧٨] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى" .. الحديث. وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ.

стр. 4463

الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم وباقي الجماعة (١). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عائشة وجابر والفضل بن عباس وأبي أيوب وابن عباس، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح (٢)، ورواه عن ابن عمر جماعات منهم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وفي روايته: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٣) وقال الدارقطني: هو غير محفوظ، وإنما نعرف صلاة النهار. وقد خالفه نافع، وهو أحفظ منه، وساق بسنده إلى الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا "صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربعًا" (٤) وساق بسنده إلى يحيى بن سعيد عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى ويصلي بالنهار أربعًا. ورواه عن نافع خلق، منهم بكير بن الأشج، وفي روايته: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" قاله الدارقطني، ثم ذكر فيه اختلافًا، ثم قَالَ: والمحفوظ عن ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى" وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعًا (٥).

стр. 4464

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الرجل جاء أنه من أهل البادية، ولم أره مسمى، والمراد: صلاة الليل، وأفضله آخره. وأما النهار فأفضل أوقاته الهاجرة. قَالَ مالك: إنما كانت عبادتهم آخر الليل والهاجرة والورع والفطرة. وقال ابن عبد البر: "مثنى مثنى" كلام خرج على جواب السائل كأنه قَالَ له: يا رسول الله، كيف نصلي بالليل؟ فقال: "مثنى مثنى" ولو قَالَ له: بالنهار. جاز أن يقول له كذلك وجائز أن يقول بخلافه، فصلاة النهار موقوفة على دلائلها (١)، ومن الدليل على أنها وصلاة الليل مثنى مثنى جميعًا أنه قد روي عنه ﷺ أنه قَالَ: "الصلاة مثنى مثنى يتشهد في كل ركعتين" لم يخص ليلًا من نهار، وإن كان حديثًا لا يقوم بإسناده حجة فالنظر يقصده والأصول توافقه، وأورد هذا الحديث من كتاب أبي داود عن عبد الله بن الحارث عن المطلب، وذكر أن الليث خالف شعبة في هذا الحديث (٢). ثم أورد حديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وفي رواية: "ركعتين" (٣)، وذكر أن في "الموطأ" أنه بلغه أن ابن عمر

стр. 4465

كان يقول مثل ذلك، يسلم من كل ركعتين (١)، وقال: فهذِه فتيا ابن عمر. وقد روي مرفوعًا: "صلاة الليل مثنى مثنى" وعلم مخرجه، وفهم مراده. وحديث مالك هذا وإن كان من بلاغاته فإنه متصل عن ابن عمر، ثم ساقه بإسناده، وقال في آخره: يعني: التطوع. قَالَ: ومن الدليل أيضًا على أن صلاة النهاركالليل مثنى مثنى سواء أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وبعد الفجر، وكان إذا قدم من سفرٍ صلى في المسجد ركعتين، وصلاة الفطر والأضحى والاستسقاء وتحية المسجد، ومثل هذا كثير. ودليل آخر أن العلماء لما اختلفوا في صلاة النافلة في النهار، وقام الدليل على حكم صلاة النافلة بالليل وجب رد ما اختلفوا فيه على ما اجتمعوا عليه قياسًا. وفي أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٢) وهو محمول على بيان الأفضل، والليل والنهار فيه سواء، فإن جمع ركعات بتسليمة جاز، أو صلى ركعة فردة جاز. وقال البخاري: وقد سئل عن زيادة النهار فصححها. وكذا قَالَ ابن الجوزي: إنها زيادة من ثقة فقبلت، فكان ابن عمر لا يصلي أربعًا إلا يفصل بينهن، إلا المكتوبة (٣).

стр. 4466

واختلف العلماء في التطوع ليلًا ونهارًا، فقال مالك وأحمد والليث والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور: صلاة الليل والنهار مثنى للحديث السالف (١)، لا يقال: إن معنى الحديث أن يجلس المصلي في كل ركعتين؛ لأن مثل هذا اللفظ لا يستعمل بالجلوس، وكذلك لا يقال: صلاة العصر مثنى مثنى، وإن كان يجلس في كل ركعتين، ويقال: الصبح مثنى؛ لما كان يسلم من ركعتين، وسيأتي في التطوع: مثنى مثنى (٢)، عن يحيى بن سعيد: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار (٣). وقال الداودي: لم يأت عنه ﷺ حديث صحيح مفسر أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين، وثبت عنه من غير طريق أنه كان يصلي بالليل والنهار ركعتين (٤)، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا: يسلم من كل ركعتين. وكذا في حديث ابن عباس هنا: "ركعتين ثم ركعتين" (٥)

стр. 4467

وقال غيره: روي عن الشارع في ذلك أحاديث دالة على التوسعة، منها حديث عائشة: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها (١). وقال طائفة: كان نبي الله ﷺ يصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم، ويصلي التاسعة، فلما أسنَّ وأخذه اللحم أوتر بسبع، أخرجهما مسلم (٢). قَالَ: وحديث: كان ﷺ يقوم من الليل فيصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا. أخرجه البخاري (٣). وقال أبو حنيفة والثوري: صل بالليل والنهار إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا (٤). وقال الثوري: صل ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين (٥)، وهو قول الحسن بن حَيّ (٦). وقال الأوزاعي: صلاة الليل مثنى والنهار أربعًا، وهو قول إبراهيم النخعي وابن معين (٧). وقال أحمد فيما حكاه الأثرم: أما الذي أختار فمثنى مثنى، وإن

стр. 4468

صلى أربعًا فلا بأس، وأرجو أن لا يضيق عليه (١). وضعف ابن معين حديث: "النهار مثنى". وقال: مَنْ عليٌّ الأزدي حَتَّى أقبل منه هذا وأدع يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن، وآخذ بحديث عليٍّ الأزدي؟! لو كان حديث عليٍّ صحيحًا لم يخالفه ابن عمر، وقد كان شعبة يتقي هذا الحديث وربما لم يرفعه (٢)، ولما أورده الترمذي ذكر فيه اختلافًا عن ابن عمر في الرفع والوقف. قَالَ: والصحيح ما روي عنه ذكر الليل فقط (٣). وقال النسائي: ذكر النهار خطأ (٤). فرع: قام إلى ثالثة سهوًا فالأصح أنه يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء. وقال ابن القاسم: يتمها أربعًا. وقال ابن عبد الحكم: يرجع إلى الجلوس يسجد بعد السلام. وقال محمد بن مسلمة: إن كان بالليل قطع -أي: رجع إلى الجلوس- وإن كان بالنهار أتم أربعًا، وهو يراعي قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٥). ثانيها: معنى "مثنى مثنى": اثنين اثنين. يريد: ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، ومثنى معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل

стр. 4469

المكرر، وكأنها عدلت مرتين: مرة عن صيغة اثنين، ومرة عن تكررها، وهي نكرة تعرف بلام التعريف، تقول: المثنى. وكذا ثلاث ورباع، وقيل: إنما لم تنصرف للعدل والوصف، تقول: مررت بقوم مثنى. أي: مررت بقوم اثنين اثنين. وموضعها رفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو قوله: "صلاة الليل" وفي رواية عن ابن عمر سئل: ما مثنى مثنى؟ قَالَ: يسلم في كل ركعتين (١). ثالثها: قوله: ("فإذا خشي أحدكم الصبح") وجاء: "فإذا خفت الصبح" (٢) و"إذا رأيت الصبح فأوتر بواحدة" (٣) وفي أخرى: "أوتروا قبل الصبح" (٤) وهذا دليل على أن السُّنَّة جعل الوتر آخر الليل، وعلى أن وقته يخرج بطلوع الفجر، وهذا هو المشهور من مذهبنا، وبه قَالَ جمهور العلماء، منهم ابن عمر وعطاء والنخعي وسعيد بن جبير، وقيل: يمتد بعده حَتَّى يصلي الفجر. وبقول الجمهور قَالَ الثوري وأبو حنيفة وصاحباه، واختلف فيه قول مالك، والمشهور من مذهبه أنه يصليه بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، والشاذ من مذهبه أنه لا يصلي بعد طلوع الفجر (٥).

стр. 4470

وادَّعى ابن بزيزة: أن بالمشهور من مذهب مالك قَالَ أحمد والشافعي (١)، وقال به السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وحذيفة، وأبو الدرداء، وعائشة. وقال جماعة من السلف بقول أبي حنيفة، وهو قول جماعة من الكوفيين، وهو رواية ابن مصعب عن مالك، وحكاه الخطابي عنه (٢)، وقال طاوس: يصلي الوتر بعد صلاة الصبح (٣). وقال أبو ثور والأوزاعي والحسن والليث والشعبي وطاوس (٤): يصلي ولو طلعت الشمس. وقال سعيد بن جبير: يوتر من الليلة القابلة بعد العشاء (٥). وقال عليُّ بن الجهم: الخلاف في ذلك مبني على الخلاف الذي بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، هل هو من الليل أو من النهار أو زمن قائم بنفسه؟ وقال ابن العربي: اختلف الناس في أقل النفل، فقال الشافعي: ركعة. قَالَ: ولا يشرع إلا في الوتر. قلتُ: قائل الحديث الصحيح: "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر" (٦). قَالَ:

стр. 4471

واختلفوا في الوتر فقالت طائفة: الوتر ركعة. وروي ذلك عن ابن عمر وقال: كذلك أوتر رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر (١). وروي عن عثمان أنه كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن يوتر بها (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص وابن عباس ومعاوية وأبي موسى وابن الزبير وعائشة: الوتر ركعة. وبه قَالَ عطاء (٣) ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، إلا أن مالكًا قَالَ: والوتر واحدة، ولابد أن يكون قبلها شفع، يسلم بينهن في الحضر والسفر. وعن مالك: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة. وعنه: يوتر بثلاث وأقل. وأوتر سحنون في مرضه بواحدة، وهو دالٌّ على أن الشفع ليس بشرط في صحة الوتر. وقال الأوزاعي: إن شاء فصل بينهما، وإن شاء وصل. وقالت طائفة: يوتر بثلاث لا يفصل بينهن بسلام. روي ذلك عن عمر وعليٍّ وابن مسعود وحذيفة وأُبي بن كعب وابن عباس وأنس وأبي أمامة، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز (٤) والفقهاء السبعة بالمدينة. وقال سعيد بن المسيب: لا يسلم في ركعتي الوتر (٥). وإليه ذهب الكوفيون والثوري (٦)، وقال الترمذي: ذهب جماعة من الصحابة

стр. 4472

وغيرهم إلى هذا. وقال الزهري: يوتر بثلاث في رمضان، وفي غيره بواحدة. قَالَ القاسم: ورأينا الناس منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلًّا لواسع، أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس. ذكره البخاري في الحديث الثالث (١). وتأول الكوفيون حديث ابن عباس الآتي حين بات عند خالته ميمونة ورمق صلاته ﷺ ليلًا، فذكر أنه صلى ركعتين ثم ركعتين، حَتَّى عدَّ ثنتي عشرة ركعة. قَالَ: ثم أوتر. فيحتمل أن يكون أوتر بواحدة مع اثنتين قد تقدمتاها. فتكون مع الواحدة ثلاثًا؛ ولذلك تأولوا في حديث عائشة الآتي: كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته بالليل. أن الوتر منها الركعة الأخيرة مع ركعتين تقدمتها، ويدل على ذلك أنه ﷺ كان لا يزيد في رمضان وغيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا كذلك، ثم ثلاثًا، فدل أن الوتر ثلاث (٢). وقال أهل المقالة الأولى: قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" تفسير حديث عائشة أنه كان يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا، وهي زيادة يجب قبولها. وقوله: "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت" دلالة على أن الوتر واحدة؛ لأنه ﷺ قَالَ في الوكعة: "إنما هي التي توتر ما كان قبلها" (٣).

стр. 4473

والوتر في لسان العرب هو الواحد، فلذلك قَالَ ﷺ : "إن الله وترٌ" (١) أي: واحد لا شريك له والاسم يتعلق بأول الاسم، كما أن الظاهر من قوله: "مثنى مثنى" أي: ثنتين مفردتين، فدل ذلك أن الواحدة هي الوتر دون غيرها، وإذا جازت الركعة بعد صلاة ركعتين أو أكثر جازت دونها؛ لأنها منفصلة بالسلام منها، وكان مالك يكره الوتر بواحدة ليس قبلها نافلة، ويقول: أي شيء يوتر له الركعة وقد قَالَ ﷺ : "يوتر له ما قد صلى"؟ (٢) ألا ترى أنه لم يوتر قط إلا بعد عشر ركعات أو اثنتي عشرة ركعة على اختلاف الأحاديث في ذلك (٣)، فلذلك استحب أن تكون للركعة الوتر نافلة توترها، وأقل ذلك ركعتان. تنبيه: ادَّعى بعضهم أن معنى قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح" ظاهره: إذا خشي وهو في شفع انصرف من ركعة واحدة، فالوتر إذن لا يفتقر إلى نية، وليس كما زعم، بل ظاهره أنه يصلي ركعة كاملة بعد الخشية. فرع: هل يحتاج الوتر إلى نية؟ قَالَ مالك: نعم. وخالفه أصبغ، وقال محمد: إذا أحرم بشفع ثم جعله وترًا لا يجزئه.

стр. 4474

رابعها: قوله: "توتر له ما قد صلى" قد يستدل به مالك أن يكون قبل الوتر شفع، وهو مشهور مذهبه، وأقل الشفع: ركعتان عنده. وقول البخاري: (وعن نافع .. ) إلى آخره. مبني على السند الذي قبله، وهو حديث "صلاة الليل مثنى مثنى" وإنما ذكره كذلك لأمرين: أن يكون سمع كلاًّ منهما مفترقًا عن الآخر، أو أراد أن يفرق بين الحديث والأثر. والبيهقي لما ذكر الأثر خاصة من طريق مالك عن نافع أن ابن عمر كان يسلم، فذكره وعزاه إلى البخاري (١)، ورواه الشافعي عن مالك، ولفظه: من الوتر. بدل: في الوتر (٢). وروي من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله المخزومي قَالَ: أتى عبد الله بن عمر رجل قَالَ: وكيف أوتر؟ قَالَ: أوتر بواحدة. قَالَ: إني أخشى أن يقول الناس: البُتَيراء. قَالَ: أسُنَّة الله ورسوله تريد؟ هذِه سُنَّةُ الله ورسوله (٣). وفي رواية أخرى: البتيراء: أن يصلي الرجل الركعة الثانية

стр. 4475

في ركوعها وسجودها وقيامها ثم يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعها ولا سجودها ولا قيامها، فتلك البُتّيراء (١). ثم ساق عن عثمان أنه أوتر بركعة، وعن ابن عباس أنه قَالَ لعطاء: ألا أعلمك الوتر؟ قلت: بلى. فقام فركع ركعة (٢). وإنما ذكر البخاري عن ابن عمر هذا الأثر ليرد على أبي حنيفة قوله، وكل من روي عنه الفصل بين الشفع وركعة الوتر بسلام يجيز الوتر بواحدة ليس قبلها شيء. قَالَ الشعبي: كان آل سعيد وآل عبد الله بن عمر يسلمون في ركعتي الوتر ويوترون بركعة (٣). خامسها: أكثر العلماء على أن الوتر سُنَّة متأكدة، منهم عليُّ وعبادة بن الصامت وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي وابن شهاب، وبه قَالَ الثوري والأئمة الثلاثة والليث وعامة الفقهاء، وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول العلماء كافة حَتَّى أبو يوسف ومحمد. قَالَ: وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب وليس بفرض، فإن تركه حَتَّى طلع الفجر أثم ولزمه القضاء. وقال أبو حامد في "تعليقه": الوتر سُنَّةٌ مؤكدة ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأمة كلها (٤). وقال أبو حنيفة: هو واجب. وهو آخر أقواله، وعنه: فرض. وهو قول زفر. وسُنَّة، وهو قول صاحبيه كما سلف (٥).

стр. 4476

وعن مالك فيما رواه ابن حزم عنه: ليس فرضًا، ولكن من تركه أُدب وكانت جرحة في شهادته (١). ومال سحنون وأصبغ فيما حكاه عنه ابن العربي إلى وجوبه (٢)، وعن أحمد فيما حكاه في "المغني" أنَّ تاركه عمدًا رجل سوءٍ، ولا ينبغي أن تقبل شهادته (٣). وحكى ابن بطال عن ابن مسعود وحذيفة والنخعي أنه واجب على أهل القرآن دون غيرهم (٤). وعن يوسف بن خالد السمتي شيخ الشافعي: واجب (٥). وفي المرغيناني الحنفي: لو اجتمع أهل قرية على ترك الوتر أدبهم الإمام وحبسهم، فإن امتنعوا قاتلهم (٦). وفي "الذخيرة": يعصي في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: لا. وعند محمد: أحبه (٧). وعند الشافعي: لا يجب القضاء. وفي استحبابه قولان: أظهرهما: نعم (٨). وعن أحمد وأبي مصعب واللخمي: لا تقضى بعد الفجر وتقضى طلوعَ الشمس (٩). لا تقضى عند مالك (١٠). حجة الجمهور حديث الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنتقص قَالَ ﷺ : "أفلح إن صدق" فيه أدلة أربعة (١١) إخباره أن

стр. 4477

الواجب الخمس فقط: هل علي غيرها؟ قال "لا إلا أن تطوع" فصريحه أن الزيادة تطوع (١). "أفلح إن صدق" دليل على أن لا إثم بترك غير الخمس، وحديث معاذ: "أعلمهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات". الحديث. أخرجاه (٢)، وهو من أحسن الأدلة؛ لأن بعث معاذ كان قبل وفاته بقليل، وبحديث عبادة بن الصامت وتكذيبه المُخدَجي فإنه قَالَ: هو واجب. قَالَ عبادة: كذب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" رواه مالك في "الموطأ" (٣) وأبو داود والنسائي بإسنادٍ صحيح (٤). احتج المخالف بأدلة: بحديث أبي أيوب مرفوعًا: "الوتر حق على كل مسلم" صححه الحاكم (٥)، وبحديث على مرفوعًا: "يا أهل القرآن، أوتروا، فإن الله وترٌ يحب الوتر" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه (٦). وبحديث بريدة مرفوعًا: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس

стр. 4478

منا" قَالَ ذلك ثلاثًا، رواه أبو داود وصححه الحاكم (١). وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها، وهي الوتر" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢)، وبحديث أبي سعيد مرفوعًا: "أوتروا قبل أن تصبحوا" (٣) وبحديث عائشة: كان ﷺ يصلي من الليل الوتر، فإذا أوتر قَالَ: "قومي يا عائشة فأوتري" رواه مسلم أيضًا (٤)، وبحديث خارجة بن حذافة العدوي مرفوعًا: "إن الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، الوتر الوتر" مرتين، أخرجه أبو داود والترمذي (٥)، وبحديث أبي

стр. 4479

سعيد الخدري مرفوعًا: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره" روياه أيضًا (١)، والقضاء فرع الأداء لكن لا يسلم الوجوب، وبحديث معاذ مرفوعًا: "زادني ربي صلاة -وهي الوتر- وقتها بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد (٢)، وبحديث جابر: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد" الحديث، أخرجه مسلم (٣). والزيادة والأمداد تكون من جنس اللاحق به كمد الله في عمرك، وأمد السلطان الجيش، ونسب زيادته للرب ﷻ ، فكان بأمره وإيجابه، ولو لم يكن واجبًا لكان كالتراويح والسنن التي واظب عليها ولم يجعلها زائدة في الفرائض، فجعل الوتر زيادة على الفرائض من الله، ولم يجعل السنن زيادة عليها، فدل على أن الوتر زيادة. وذكر الطحاوي (٤) أن وجوب الوتر إجماع من الصحابة، وأجابوا عن حديث الأعرابي أنه كان قبل وجوبه؛ لأن قوله: "زادكم" يشعر بتأخيره عن الخمس، ولا نسلم لهم ذلك. وأما صلاته الوتر على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها، فكان واجبًا عليه، ومن خصائصه تأدِّيه على الراحلة، وحديث: "ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع". وعد منها الوتر (٥)، لا يصح، فلا أحتج به.

стр. 4480

وادعى القرافي في "الذخيرة" أن الوتر في السفر ليس بواجب عليه، وفعله ﷺ كان في السفر (١)، وهو غريب، وروى الطحاوي عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض (٢). ويزعم ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣). وفي "المحيط" للحنفية: لا يجوز أن يوتر قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا على راحلته من غير عذر (٤). وفي "المبسوط": يوتر عندهما -يعني: الصاحبين على الدابة- من غير ضرورة. وإنما لم يكفر جاحده للاختلاف. وفي النسائي والترمذي محسنًا عن عليٍّ قَالَ: ليس الوتر يحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سُنَّة سنَّها رسول الله ﷺ (٥). وقال عبادة بن الصامت: الوتر أمر حسن جميل عمل به النبي ﷺ والمسلمون من بعده، وليس بواجب. أخرجه

стр. 4481

الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١)؛ ولأنها صلاة لا يشرع لها أذان ولا إقامة فلم تكن واجبة على الأعيان كالضحى وغيرها، واحترزنا بالأعيان عن الجنازة والنذر. والأحاديث التي استدلوا بها للوجوب محمولة على الاستحباب والتأكد، ولا بد من ذلك للجمع بينهما وبين الأحاديث التي استدللنا بها على عدم الوجوب، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأخبر أن لها وسطى. وإذا جعلنا الوتر واجبًا لزمنا المحافظة على ست، وإنما هي خمس. وحديث الباب: "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى" أي: توتر له تلك الصلاة، وصلاة الليل ليست بواجبة فكذا ما يوتر بها. الحديث الثاني: حديث كريب عن ابن عباس أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ .. الحديث. وقد سلف في باب: السمر في العلم، والتخفيف في الوضوء وغيرهما، ويأتي -إن شاء الله- في تفسير آل عمران بزيادة (٢)، ومما لم يتقدم هناك قوله: فاضطجعت في عرض وسادة. كذا في الرواية؛ وفي رواية أخرى: الوسادة (٣). والعرض بفتح العين: ضد الطول، قَالَ صاحب "المطالع": كذا لأكثرهم، ولبعضهم بضمها وهو: الناحية والجانب. والفتح أشهر. قَالَ ابن عبد البر: وهي الفراش وشبهه. قَالَ: وكان -والله أعلم-

стр. 4482

مضطجعًا عند رجلي رسول الله ﷺ أو رأسه (١). قَالَ ابن الأثير: الوسادة: المخدة، والجمع: وسائد (٢). وقد وسدته الشيء فتوسده. أي: جعلته تحت رأسه، وكذا هو في "الصحاح" (٣). وقال صاحب "المطالع": وقد قالوا إساد ووساد، واشتقاقهما واحد، والواو هنا بعد الألف ولعلها صورة الهمزة، والوساد: ما يتوسد إليه للنوم. يقال: إساد وإسادة ووسادة، وكانت هذِه الوسادة آدم حشوها ليف كما في أبي داود والنسائي (٤). قَالَ أبو الوليد: والظاهر أنه لم يكن عندهما فراش غيره، فلذلك ناموا جميعًا فيه. واستنبط بعضهم منه قراءة القرآن على غير وضوء؛ لأنه ﷺ نام ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ. أقول: ولا يصح؛ لأن وضوءه ﷺ لا ينتقض بالنوم كما هو معلوم، ولا شك أن الأولى قراءته على وضوء، وبهذا قَالَ عمر للذي قَالَ له: أتقرأ وأنت على غير وضوء؟! فقال له عمر: من أفتاك بهذا، أمسيلمة الكذاب (٥)؟ وكان الرجل فيما زعموا من بني حنيفة قد صحب مسيلمة ثم هداه الله للإسلام. وقول ابن عباس: فصنعت مثله. يحتمل كما قَالَ ابن التين: أن يريد به جميع ما فعله ﷺ على وجه الاقتداء به والمبادرة إلى الانتفاع لما يعلم منه.

стр. 4483

وفيه: ما كان عليه ﷺ من التواضع كيف أمكنه. وقوله: (فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه). يحتمل أن يكون أراد بمسحه إزالة النوم عن وجهه أو إزالة الكسل به. وقوله: (ثم قرأ عشر آيات من آل عمران). وفي رواية: العشر الآيات الخواتم منها (١). وفي أخرى: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة (٢) فيقتدى به ليبدأ يقظته بذكر الله تعالى، ويختمها به عند نومه. وآخر شيء أنت أول هجعة … وأول شيء أنت عند هبوبي فيذكر ما ندب إليه من العبادة وما وعد على ذلك من الثواب، وتوعد على المعاصي من العقاب، فإن الآيات المذكورة جامعة لكثير من ذلك، فينشط على العبادة. وقوله: (ثم صلى ركعتين .. ) إلى آخره. مقتضاه الفصل بين كل ركعتين بسلام. وقوله: (ثم اضطجع حَتَّى جاءه المؤذن). هذا الاضطجاع؛ لأجل طلوع الفجر، والخلاف في الاضطجاع بين الفجر والصبح. وقوله: (فقام فصلى ركعتين) زاد في "الموطأ": خفيفتين (٣) يعني بذلك: ركعتي الفجر. وفيه أن قيام الليل سُنَّة مسنونة لا ينبغي تركها لهذا الحديث. وقد روى عبد الله بن سلام قَالَ: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة،

стр. 4484

وكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنَّة بسلام" (١) وقد روي عن بعض التابعين أن قيام الليل فرض، حكاه ابن عبد البر (٢)، وسيأتي. واختلفت الآثار في اضطجاعه المذكور في هذا الحديث، فروي أن ذلك كان بعد وتره قبل أن يركع الفجر، وروي أن ذلك كان بعد ركوعه الفجر، وذلك في رواية عروة عن عائشة (٣). وقوله: فقمت إلى جنبه. جاء أن ذلك على يساره فأخذ بأذنه فجعله عن يمينه. الحديث الثالث: حديث ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى" .. الحديث. وقد سلف ما فيه. الحديث الرابع: حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً .. الحديث. يأتى في صلاة الليل في باب: طول السجود (٤)، فإنه أليق به،

стр. 4485

وأخرجوه أيضًا (١)، ورواه جماعة عن ابن شهاب فزادوا فيه: يسلم من كل ركعتين، ويوتر منها بواحدة. كذا في "الموطأ" (٢)، وروى مالك عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين (٣). وفيما سلف: لا يزيد على إحدى عشرة ركعة. وذكر بعض من لم يتأمل قوله أن رواية عائشة اضطربت في الحج والرضاع وصلاته بالليل وقصر الصلاة في السفر، وهو عجيب، فإنه راجع إلى اختلاف حالاته، وأغلبها: إحدى عشرة (٤)، ومرة وصلها: ثلاث عشرة (٥)، ومرة: خمس عشرة بإضافة الركعتين أول قيامه إليها وركعتي الفجر، أو ركعتي سنة العشاء، ولم يعتد بذلك في غيرها فلا تضاد إذن. وقوله: (ثم يضطجع على شقه الأيمن) هذِه الضجعة سنة، ويقوم مقامها الكلام، وعند المالكية: بدعةٌ، وإنما فعلت للراحة. ووافقنا ابن حبيب، وشذَّ ابن حزم فأوجبها وجعلها شرطًا للصحة -وستكون لنا عودة عند الكلام عليها- وكونها على الأيمن؛ لأنه كان يستحب التيمن في شأنه كله.
следующие страницы →