← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

يكون إنما نهى عن السجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدل رسول الله ﷺ على أن يصلى عند كسوفهما فاشتبه ذلك الاختصاص بهما، ولا يفعل في شيء غيرهما، هذا معنى كلامه ملخصًا. وقال ابن التين: استحب بعض العلماء أن يفزع إلى الصلاة عند الزلازل والظلمة. نص عليه عند أشهب في الظلمة والريح الشديدة، وقال: يصلون أفرادًا وجماعةً (١)، وكره في "المدونة" السجود عند الزلازل وسجود الشكر (٢). ويروى عن مالك جواز السجود عند الشكر، وعلى هذا يجوز عند الزلازل أن يسجد خوفًا. وقوله: "ويتقارب الزمان" في معناه أربعة أقوال، حكاها ابن الجوزي: أحدها: أنه قرب القيامة، والمعنى إذا اقتربت القيامة كان من شرطها الشح والهرج. ثانيها: أنه قصر مدة الأزمنة عما جرت به العادة، كما جاء حين تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم. ثالثها: أنه قصر الأعمار يعني: قلة البركة فينا. رابعها: أنه تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم. ويكون المعنى: يتقارب أهل الزمان أي: تتقارب صفاتهم في القبائح. ولهذا ذكر على أثره الهرج والشح. وقال ابن التين: قيل: إن الأيام والليالي والساعات تقصر. ويحتمل أن يريد تقارب الآيات بعضها من بعض، وقرب الساعة. قَالَ

стр. 4587

تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، وقال: ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١]. وقال المنذري في "حواشيه": قيل: معناه: تطيب تلك الأيام، حَتَّى لا تكاد تُستطال بل تقصر. وقيل: على ظاهره من قصر مددها. وقيل: تقارب أحوال أهله في قلة الدين حَتَّى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف، ولا يُنهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله. قَالَ الطحاوي: وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة. وقوله: ("يكثر الهرج وهو القتل"). " قَالَ ابن التين: الهرج ساكن الراء: القتل، كما ذكر وبتحريكها: أن تظلم عينا البعير من شدة الحر. وقوله: ("حَتَّى يكثر فيكم المال فيفيض") الفيض: الكثيرة، كما قاله أهل اللغة (١). قَالَ صاحب "المطالع": يفيض المال أي: يكثر حَتَّى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به. وقيل: بل ينتشر في الناس ويعمهم، وهو الأولى. وقد سلف نحو هذا الحديث في باب رفع العلم (٢)، فليراجع منه. وفي الحديث أشراط من الساعة قد ظهرت، قَالَ ابن بطال: ونحن في ذلك قد قُبض العلم، وظهرت الفتن، وعمت وطبقت، وكثر الهرج -وهو القتل- وكثر المال، ولا سيما عند أراذل الناس، كما جاء في الحديث "عند تقارب الزمان يكون أسعد الناس في الدعاء لكع بن لكع" (٣)، "ويتطاول،

стр. 4588

رعاة الإبل البهم في البنيان" (١)، وقد شاهدناه عيانًا، أعاذنا الله من سوء المنقلب، وختم أعمالنا بالسعادة والنجاة من الفتن (٢). هذا لفظه. فكيف لو أدرك زماننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما الحديث الثاني فيأتي نحوه في الفتن، من طريق نافع عن ابن عمر (٣)، وأخرجه الترمذي في المناقب، وقال: حسن صحيح غريب (٤). قَالَ: وقد روي هذا الحديث أيضًا عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ في نسخ وقف هذا الحديث على ابن عمر، وفي نسخة الدمياطي رفعه، قَالَ الحميدي: وقد اختلف على ابن عون فيه، فروي عنه مسندًا وموقوفًا على ابن عمر من قوله (٥). والخلاف إنما وقع من حسين بن حسن، فإنه هو الذي روى الوقف، أما غيره فرواه مرفوعًا. قلتُ: وحسين هذا ثقة، مات سنة ثماني وثمانين ومائة، بعد معتمر لسنة.

стр. 4589

ونقل ابن بطال عن القابسي أنه سقط من الحديث (عن رسول الله ﷺ )؛ لأن مثل ذلك لا يدرك بالرأي (١). وهذا نقله ابن التين عن أبي الحسن. إذا علمت ذلك؛ فالشام مأخوذ من اليد الشومى، وهي اليسرى أي: عن يسار الكعبة. واليمن مأخوذ عن اليمين؛ لأنها عن يمين الكعبة. قَالَ ابن الأعرابي: ما كان عن يمينك إذا خرجت من الكعبة فهو يمن، وما كان عن يسارك فهو شام. قَالَ: وقيل: إنما سمي اليمن؛ لأنه عن يمين الشمس. وقوله: (قالوا: وفي نجدنا قَالَ: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا"، قالوا: وفي نجدنا. قَالَ: "هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان") وفي رواية أخرى: (ذكر ذلك مرتين) (٢)، وفي أخرى: (ثلاثًا) (٣)، وفي رواية عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن عون -أخرجها الإسماعيلي- فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا، قَالَ: أظنه قَالَ: "وفي نجدنا" قَالَ: بها الزلازل والفتن. وخصت الفتن بالمشرق؛ لأن الدجال ويأجوج ومأجوج يخرجون من هناك. وروى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن كعب قَالَ: يخرج الدجال من العراق (٤)، وقال عن عبد الله بن عمرو بن العاص: يخرج الدجال من كورٍ من الكوفة (٥).

стр. 4590

و (قرن الشيطان) ذهب الداودي إلى أن له قرنًا حقيقة، يطلع مع الشمس، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال. ولا يمتنع أن يخلق الله شيئًا يسمى شيطانًا تطلع الشمس بين قرنيه، ويحتمل أن يريد به قبائل من الناس يستعين بهم الشيطان على كفره. وفي حديث: "القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب البقر؛ حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر" (١). وقال ابن بطال: أمته وحزبه (٢)، وقال المهلب: إنما ترك الدعاء لأهل المشرق -والله أعلم- ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم؛ ولاستيلاء الشيطان بالفتن فيها كما دعا على أهل مكة بسبع كسبع يوسف؛ ليؤذيهم بذلك. وكذا دعا أن ينقل الحمى إلى الجحفة. وذلك والله أعلم لما رآه من إرداف السوداء في المنام، فتأول أنهم أحق بمثل هذا البلاء؛ ليضعفوا عما كانوا عليه من أذى الناس، وإنما لم يقل: في نجدنا؛ لأنه لا يحب أن يدعو بما سبق في علم الله خلافه؛ لأنه لا يبدل القول لديه. وقول ("هناك الزلازل") يعني: ما كان بتلك الجهة من الحروب والفتن.

стр. 4591

٢٨ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ. ١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ". [فتح: ٢/ ٥٢٢] وهذا رواه عبد بن حميد في "تفسيره" من حديث عكرمة عنه، ومن حديث عمرو عنه الاستسقاء بالأنواء (١). ثم روى حديث زيد بن خالد الجهني: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ .. الحديث. سلف في باب يستقبل الإمام الناس إذا سَلَّم (٢). كذا فسر ابن عباس الرزق بالشكر هنا، وروي عنه أنه قَالَ: هو استسقاؤهم بالأنواء (٣)، وقد تقدم. وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنكم تَكذِبون) بفتح التاء وتخفيف الذال،

стр. 4592

وهي قراءة تؤول على التفسير. وذكرت عن ابن عباس، إلا أنها مخالفة للمصحف الذي وقع الإجماع عليه. وقيل: معناه شكر رزقكم كقوله: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وقيل هو مثل عتابك السيد أي: الذي يقوم مقام الشكر التكذيب؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقال الطبري: إن قلت: كيف يكون الرزق بمعنى الشكر؟ ثم أجاب عنه بمخارج في اللغة: أحدها: أن يراد به وتجعلون ما جعله الله سببًا لرزقكم من الغيوث أنكم تكذبون به، ثم ترك ذكر السبب وأقيم الرزق مقامه إذ كان مؤديًا عنه كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَه﴾ [آل عمران: ١٧٥] بمعنى يخوف بأوليائه، إذ كان معلومًا أنه لا يخاف من كان له وليا، وإنما يخوف من كان له عدوًّا، فاكتفي بذكر أوليائه. ثانيها: أن يكون المراد: وتجعلون رزقكم الذي رزقكم من الغيث الذي به حياتكم، ووجب به عليكم شكر ربكم تكذيبكم به، فاكتفى بذكر الرزق من ذكر الشكر إذ كان معلومًا أن من رزق إنسانًا فقد اصطنع إليه معروفًا يستوجب به الشكر. ثالثها: أن يكون الرزق اسمًا من أسماء الشكر، حديث عن الهيثم بن عدي أنه قَالَ: من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان فلانًا بمعنى: ما شكره (١). قَالَ المهلب: تعليق الترجمة بهذا الحديث هو أنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله تعالى، فيظنون أن النجم يمطرهم ويرزقهم، فهذا

стр. 4593

تكذيبهم، فنهاهم الله تعالى عن نسبة الغيوث التي جعلها الله تعالى حياة لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمرهم أن يضيفوا ذلك إليه؛ لأنه من نعمته وبفضله عليهم، وأن يفردوه بالشكر على ذلك، والحمد على تفضله. فإن قلت: إن كان كما وصف من نهي الله ورسوله عن نسبة الغيوث إلى الأنواء، فما أنت قَائل فيما روي عن عمر أنه حين استسقى قَالَ للعباس: يا عم، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا. قَالَ: فما مضت سابعة حَتَّى مطروا (١)؟ قيل: إن ذلك من عمر لم يكن على المعنى المنهي عنه، وذلك أن المنهي عنه إضافة ذلك إلى أنه من فعل النوء وحده، فكان كفرًا. وأما ما كان من عمر فإنه كان [منه أنه] (٢) من قبل الله تعالى عند نوء النجم، كما يقول القائل: إذا كان الصيف كان الحر، وإذا كان الشتاء كان البرد؛ لا على أن الشتاء والصيف يفعلان شيئًا من ذلك، بل الذي يأتي بها والحر والبرد الرب تعالى خالق كل ذلك. ولكن ذلك من الناس على ما جرت عادتهم فيه، وتعارفوا معاني ذلك في خطابهم، ومرادهم لا على أن النجوم تحدث شيئًا من نفع أو ضر بغير إذن خالقها لها بذلك.

стр. 4594

٢٩ - باب لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إِلَّا اللهُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللهُ". ١٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ". [٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩ - فتح: ٢/ ٥٢٤] هذا التعليق سلف في باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام (١). ثم ساق عن محمد بن يوسف، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ النبي ﷺ : "مِفْتَاحُ (٢) الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ .. " الحديث. وأخرجه أيضًا في التفسير (٣). وأخرجه النسائي في النعوت من طريق سفيان الثوري، عن عبد الله ابن دينار، به (٤). ورواه عن ابن عمر ولده سالم كما ستعلمه في سورة الرعد ولقمان من التفسير إن شاء الله (٥).

стр. 4595

و (محمد بن يوسف) هذا هو الفريابي، كما صرح به أبو نعيم. ثم قال: رواه -يعني: البخاري- عن الفريابي. وإذا كان الفريابي فسفيان هو الثوري، وبه صرح أصحاب الأطراف، وإن كان سفيان بن عيينة روى عن ابن دينار لكن الفريابي لا يروي إلا عن الثوري. وقد سبق بيان هذا الحديث فيما أسلفناه. ويأتي في التفسير أيضًا. وقوله: ("لا يدري أحد متى يجيء المطر") يدل على صحة التأويل السالف في الباب قبله، أن نسبة الغيث إلى الأنواء كفر؛ لأنه ﷺ قد أخبر أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان الغيث من قبل الأنواء لعلم متى يكون المطر على ما رسمه أهل الجاهلية في الأنواء، وقد وجدنا خلاف رسمهم في ذلك بالشهادة، وذلك أنه من فعل الله وحده. ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] وهذه الآية مع هذا الحديث يبطل تحريض المنجمين في تعاطيهم علم الغيب، ومن ادعى علم ما أخبر الله به تعالى ورسوله، أن الله منفرد بعلمه وأنه لا يعلمه سواه فقد كذب الله ورسوله، وذلك كفر من قائله. وفي حديث آخر: "ولا يدري متى تجيء الساعة" ودليله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. آخر الاستسقاء. ولله الحمد

стр. 4596

١٦ الكسوف

стр. 4597

[١٦ - الكسوف] ١ - باب الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ١٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ : يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ". [١٠٤٨، ١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥ - فتح: ٢/ ٥٢٦] ١٠٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا". [١٠٥٧، ٣٢٠٤ - مسلم: ٩١١ - فتح: ٢/ ٥٢٦] ١٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا". [٣٢٠١ - مسلم: ٩١٤]

стр. 4598

١٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ". [١٠٦٠، ٦١٩٩ - مسلم: ٩١٥ - فتح: ٢/ ٥٢٦] الكسوف: من كسفت حاله، أي: تغيرت، وأصله: التغطية بنقصان الضوء، والأشهر في ألسِنة الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر. وادَّعى الجوهري أنه أفصح (١)، وقيل: هما فيهما، وبوب له البخاري بابًا كما سيأتي، وقيل: الكسوف للقمر والخسوف للشمس، عكس السالف؛ وهو مردود، وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره. وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض فيهما (٢). وعن ابن حبيب وغيره: الكسوف أن يكسف ببعضهما، والخسوف أن ينخسف بكلهما، قَالَ تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وهو سنة، وأبعد من قَالَ إنها فرض كفاية. وعن مالك إجراؤها مجرى الجمعة (٣). ذكر في الباب أربعة أحاديث: أحدها: حديث خالد -هو ابن عبد الله- عن يونس -هو ابن عبيد- عن

стр. 4599

الحسن، عن أبي بكرة -واسمه نفيع بن الحارث- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. ويأتي في الباب مكررًا، وفي اللباس أيضًا (١)، وترجمة الحسن عن أبي بكرة من أفراد البخاري، وأخرجه النسائي في الصلاة والتفسير (٢). قَالَ الدارقطني: مرسل، إنما يرويه الأحنف عنه (٣)؛ ولما أورده الترمذي من طريق، طاوس عن ابن عباس مرفوعًا أنه حكي في كسوف … الحديث. قَالَ: وفي الباب عن عليّ، وعائشة، وعبد الله بن عمر، والنعمان ابن بشير (د. س. ق) والمغيرة، وأبي مسعود، وأبي بكرة، وسمرة بن جندب، وابن مسعود، وأسماء ابنة أبي بكر، وابن عمر، وقبيصة -يعني: ابن مخارق الهلالي- وجابر بن عبد الله، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بن كعب (٤). وقال ابن العربي: روى الكسوف عن رسول الله ﷺ سبعة عشر (٥) رجلًا (٦).

стр. 4600

قلتُ: وهم ما في الترمذي. وقال المنذري: رواه تسعة عشر نفسًا. وذكر الطرقي أنه رواه أبو هريرة، وأنس، وأم سلمة، وسهل بن سعد، وجرهد. وذكر غيره حذيفة، وسلمة بن الأكوع، وسعد بن أم عبد الرحمن، وحسان بن ثابت. إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (فانكسفت الشمس) كذا هو بالكاف، وقد رواه جماعة من الصحابة بذلك، وآخرون بالخاء، وآخرون بهما، وهما بمعنى واحد، وهو تغيرها ونقصان ضوئها كما سلف. ومن أنكر (انكسف)، وأن صوابه (كسف)، غَلِطَ، فالحديث مصرح به في مواضع. وفي الكسوف فوائد أبداها ابن الجوزي: ظهور التصرف في الشمس والقمر، وتبيين قبح شأن من يعبدهما، وإزعاج القلوب الساكنة للغفلة عن مسكن الذهول، وليرى الناس أنموذج ما سيجري في القيامة من قوله: ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٨ - ٩] وأنهما يوجدان على حال التمام فيركسان، ثم يلطف بهما فيعادان إلى ما كانا عليه، فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو، وأن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له، وأن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لفم فيها ولا وجود هيبة، فأتى بهذِه الآية، وسنت لها الصلاة؛ ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة.

стр. 4601

ثانيها: قوله: ("لا ينكسفان لموت أحد") وفي النسائي: "ولكن يخوف الله به عباده" (١). وفي رواية: وثاب الناس إليه، فصلى ركعتين بهم (٢)، وفي أخرى: وذلك أن ابنا للنبي ﷺ مات، يقال له: إبراهيم (٣)، وللدارقطني: "ولكن الله تعالى إذا تجلَّى لبشر من خلقه، خشع له، فإذا كسف واحد منهما فصلوا وادعوا" (٤)، وللبيهقي: صلى ركعتين مثل صلاتكم هذِه في كسوف الشمس والقمر (٥). ثالثها: قوله: (فصلى بنا ركعتين) يستدل به من يقول: إن صلاة كسوف الشمس ركعتان كصلاة النافلة، فإن إطلاقه في الحديث يقتضي ذلك. وفي رواية في هذا الحديث: كصلاتكم أو مثل صلاتكم (٦). وكذا قوله: كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة (٧). وفي أخرى: كأحدث صلاة الصبح، وهي ركعتان (٨). وهو ما اقتضاه كلام أصحابنا، أنه لو صلاها كهيئة سنة الظهر ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان

стр. 4602

تاركًا للأفضل، وصرح به الجرجاني في "تحريره"، وخالف القاضي على ما نقله محكي عنه فمنع. وقال ابن بطال: سنة صلاة الكسوف أن تصلى ركعتين في جماعة، هذا قول جمهور الفقهاء إلا أن في حديث عائشة وغيرها في كل ركعة (ركوعان) (١)، وهي زيادة يجب قبولها، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور على حديث ابن عباس، وعائشة، وابن عمر. قَالَ: وخالف في ذلك الكوفيون، وقالوا: إنها ركعتان كصلاة الصبح. ولما مر حديث الباب حجة لهم؛ لأنه مجمل لا ذكر فيه لصفة الصلاة، وإنما قَالَ فيه: فصلى ركعتين (٢). وبين غيره مذهب الكوفيين فقال: هو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير (٣). ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٤)، واستدل لهم بغير ما حديث فيه: فصلى ركعتين. حديث قبيصة، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (٥)، وحديث

стр. 4603

النعمان (١)، وعبد الله بن عمرو (٢). قَالَ ابن حزم: وأخذ به طائفة من السلف منهم عبد الله بن الزبير (٣). وذكر ابن عبد البر أنه روي نحو قول العراقيين في صلاة الكسوف من حديث أبي بكرة، وسمرة، وعبد الله بن عمر، وقبيصة، والنعمان، وعبد الرحمن بن سمرة، وقال: الأحاديث في هذا الوجه في بعضها اضطراب، والمصير إلى حديث ابن عباس وعائشة أولى؛ لأنهما أصح ما روي في هذا الباب (٤) ثم أطال بفوائد. وأجاب ابن التين بأن يكون سكت عن بيان الركعتين أو فعله مرة، وذكر عن علي أنه فعله بالكوفة، وقال: إنما أوِّل بعد النبي ﷺ ، فقال بعض أهل الحديث: إن ذلك كله كان مرات وإنما كان يتحرى التجلي.

стр. 4604

رابعها: فيه: تطويل صلاة الكسوف إلى الانجلاء؛ عملًا بقوله: "حَتَّى يكشف ما بكم" فإن ظن قرب الانجلاء فلا يبتدئ بأخرى، وعليهم الدعاء والتضرع إلى الانجلاء. خامسها: في قوله أيضًا: "حَتَّى يكشف ما بكم" أنه لا ينبغي قطعها حَتَّى تنجلي، كذا استدل به قوم، فيقال لهم: قد جاء في أوله: "فصلوا وادعوا حَتَّى يكشف ما بكم". وفي رواية: "فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه واستغفاره" (١) فأمر بالدعاء والاستغفار عندهما، كما أمر بالصلاة، فدل ذلك أنه لم يرد عند الكسوف والصلاة خاصة، ولكن أريد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار وغيره. واختلف بعض أصحاب مالك إن تجلت الشمس قبل فراغ الصلاة، فقال أصبغ: يتمها على ما بقي من سنتها حَتَّى يفرغ منها؛ ولا ينصرف إلا على شفع. وقال سحنون: يصلي ركعة واحدة وسجدتين ثم ينصرف، ولايصلي باقي الصلاة على سنة الخسوف (٢). سادسها: في قوله: "فقام يجر رداءه" ما كان عليه من خوف الله تعالى والبدار إلى طاعته، ألا ترى أنه قام إلى الصلاة فزعًا، وجر رداءه شغلًا بما نزل. وهذا يدل أن جر الثوب لا يذم إلا ممن قصد ذلك واعتمده.

стр. 4605

وفيه: إبطال ما بهان عليه أهل الجاهلية من اعتقادهم أن الشمس تكسف لموت الرجل من عظمائهم، فأعلمهم أنها لا تنكسف لموت أحد ولا لحياته، وإنما هو تخويف وتحذير. وفيه: رد على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحد، وأنه توجب تغيرات في العالم. وفيه: أن من تأول شيئًا يرى أنه صواب وأخطأ ولم يخرج إلى بدعة ليس بآثم. وفيه: أنه لا ينبغي السكوت عن الخطأ. وفي قوله: "فإذا رأيتموهما فصلوا" دلالة أن تجمع في صلاة خسوف الشمس كما تجمع في القمر، وروي ذلك عن ابن عباس، وعثمان بن عفان، والليث، وعمر بن عبد العزيز، وبه قَالَ النخعي، وعطاء، والحسن، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل الحديث (١) عملًا بهذا الحديث. وقالوا: قد عرفنا كيف الصلاة في أحدهما، فكان ذلك دليلًا على الصلاة عند الأخرى. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلونها في البيوت فرادى غير مجتمعين (٢). واستدلوا بأنه لم يجتمع فيه كما في الشمس، وقد قَالَ: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٣) وحملوا قوله: "فافزعوا إلى الصلاة" أي: جماعة في الكسوف، وفرادى في الخسوف. قَالَ مالك:

стр. 4606

لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنه ﷺ جمع لكسوف القمر، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده ﷺ أنه جمع فيه (١). قَالَ المهلب: ويمكن أن يكون تركه -والله أعلم- رحمة للمؤمنين؛ لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيحطمهم الناس ويسرقونهم. يدل على ذلك قوله ﷺ لأم سلمة -ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه- قالت لهم: ألا أبشر الناس، فقال ﷺ : "أخشى أن يحطمكم الناس" (٢)؛ وفي حديث آخر: "أخشى أن يمنع الناس نومهم" (٣). وقد قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ جعل السكون في الليل من النعم التي عددها على عباده، وقد سمي ذلك رحمة. وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى، وقال: خسوف القمر يتفق ليلًا فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناس نيامًا، فيثقل عليهم الخروج لها، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس؛ لأنه يدرك الناس مستيقظين متصرفين ولا يضر اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء (٤). قلتُ: وصلى ابن عباس بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين، ثم قَالَ: إنما صليت لأني رأيت رسول الله ﷺ يصلي. رواه الشافعي في "مسنده" (٥)، وذكره ابن التين بلفظ: أنه صلى في خسوف القمر، ثم خطب وقال: يا أيها الناس، إني لم أبتدع هذِه الصلاة بدعة، وإنما

стр. 4607

فعلت كما رأيت رسول الله ﷺ فعل. وقد علمنا أنه صلاها في جماعة لقوله: (خطب) لأن الفرد لا يخطب. وروى الدارقطني، عن عروة، عن عائشة أنه ﷺ كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، ويقرأ في الأولى يالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بياسين (١) فيه إسحاق بن راشد، وهو من رجال البخاري والأربعة صدوق. وروى الدارقطني أيضًا من حديث ابن عباس أنه ﷺ صلى في كسوف القمر والشمس ثماني ركعات في أربع سجدات (٢)، وروى ابن عبد البر من حديث أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي أنه ﷺ قَالَ: "إذا انكسفت الشمس أو القمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها مكتوبة" (٣). وقوله هنا: "فإذا رأيتموهما فصلوا" يعني: آية الشمس والقمر، وفي رواية: "فإذا رأيتموها" يعني: الآية (٤). الحديث الثاني: حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَان لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٥)، ويأتي في بدء الخلق (٦).

стр. 4608

و (أبو مسعود): هو عقبة بن عمرو. و (قيس) هو ابن أبي حازم تابعي، و (إسماعيل) هو ابن أبي خالد. و (إبراهيم) ثقة مات سنة ثمان وسبعين ومائة. وشيخ البخاري (شهاب بن عباد) ثقة، أخرج له مسلم أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). ولهم شهاب بن عباد آخر، روى له البخاري في "الأدب" خارج "الصحيح" (٢). و (الآية): العلامة، ويحتمل هنا أن المراد: من آياته التي يستدل بها على الوحدانية، والعظمة، والقدرة، أو أنهما من علامات تخويفه وتحذيره وسطوته، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. الحديث الثالث: حديث ابن عمر مرفوعًا: "إِنَّ الشمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ .. " الحديث. ويأتي في بدء الخلق (٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (٤).

стр. 4609

الحديث الرابع: حديث المغيرة قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ … الحديث وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١)، ويأتي قريبًا (٢).

стр. 4610

٢ - باب الصَّدَقَةِ فِي الكُسُوفِ ١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". [١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٤، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤، ٥٢٢١، ٦٦٣١ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٢٩] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .. الحديث. وأخرجه مسلم والأربعة (١)، ووصف صلاة الكسوف: في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، والسجدتان على حالهما، وبه قَالَ الشافعي، وهو مروي عن مالك والليث وأحمد وأبي ئور، وأكثر أهل الحجاز (٢)، وهو كذلك في حديث ابن عباس الآتي في صلاتها جماعة (٣)، وحديث

стр. 4611

عبد الله بن عمرو الآتي في طول السجود فيه (١). قَالَ أبو عمر: وحديث عائشة أثبت حديث وأصحه. قَالَ ابن التين: ورواية ابن عباس أيضًا كذلك. قولها: (فأطال القيام) أي: لطول القراءة. وفي حديث ابن عباس نحوًا من سورة البقرة، وفسره ابن شهاب بعد هذا فقال: فاقترأ قراءة طويلة. فرع: تستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة فيقرأ بها أيضًا عندنا، وعند مالك يقرأ السورة، وفي الفاتحة قولان: قَالَ مالك: نعم، وقال ابن مسلمة: لا (٢). وقولها: (وهو دون القيام الأول) أراد به أن القيام الأول أطول من الثاني في الركعة الأولى، وأراد أن القيام في الثانية دون القيام الأول في الأولى، والركوع الأول فيها دون الركوع الأول في الأولى، وأراد بقوله: (في القيام الثاني) في الثانية أنه دون القيام الأول فيها، وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها، قَالَ أبو عمر: وقد قيل غير هذا، وهذا أصح ما قيل في ذلك عندي -والله أعلم- لتكون الركعتان معتدلتين في أنفسهما، فكما ينقص القيام الثاني في الركعة الأولى عن القيام الأول فيها، والركوع الثاني من الأول أيضًا عن الركوع الأول فيها نفسها، فكذلك تكون الركعة الثانية ينقص قيامها الثاني عن قيامها الأول إلى آخره، ثم قَالَ: وجائز على القياس أن

стр. 4612

يكون القيام الأول في الثانية مثل القيام الثاني في الأولى، وجائز أن يكون دونه (١). وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الثانية أقصر من الأول منها من الثانية، واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى؟ ويكون هذا معنى قوله: (وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول) أم يكونان سواء؟ ويكون قوله: دون القيام أو الركوع الأول، أي: أول قيام وأول ركوع. وقولها: (ثم ركع فأطال الركوع) يعني: أنه خالف به عادته في سائر الصلوات كما في القيام (٢)، قَالَ مالك: ويكون ركوعه نحوًا من قيامه وقراءته (٣). وقولها (ثم سجد فأطال السجود) هو ظاهر في تطويله. قَالَ أبو عمر عن مالك: لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف (٤)، وهو مذهب الشافعي. رأت فرقة من أهل الحديث تطويل السجود في ذلك. قلتُ: وجمهور أصحابنا على أنه لا يطول بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات. وقال المحققون منهم: يستحب إطالته نحو الركوع الذي قبله، وهو المنصوص في البويطي (٥)، وهو الصحيح للأحاديث الصريحة

стр. 4613

الصحيحة في ذلك، والخلاف عند المالكية: فاستحبه ابن القاسم، وقال مالك وابن حبيب: لا (١). وقولها: (فخطب الناس) صريح في استحبابها، وبه قَالَ الجمهور، منهم الشافعي، وإسحاق، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث (٢)، وتكونان بعد الصلاة. وخالف الأئمة الثلاثة فقالوا: لا يشرع لها الخطبة (٣)، ووافقنا أحمد في رواية (٤)، وأغرب ابن التين فعزاه إلى أبي حنيفة أيضًا، والحديث رواه مالك، وخالفه؛ لأنه لم يشتهر. وأغرب ابن قدامة فقال: الشارع أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، ولأنها صلاة يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، قَالَ: وإنما جعلت بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتى الجمعة (٥)، وكله غريب منه عجيب، وأبعد منه من قَالَ: خطب ﷺ بعدها، لا لها؛ ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم وكذا قول ابن التين، يريد أتى بكلام على نظم الخطب، فيه ذكر الله ووعظ للناس، وليس بخطبتين يرقى لهما المنبر، ويجلس في أولهما وبينهما. وقوله: ("وتصدقوا") فيه: استحبا بها في هذِه الحد له، وهو ما ترجم له. وفيه: الأمر بالدعاء والتضرع في التوبة والمغفرة وصرف البلاء،

стр. 4614

وأمر بالتكبير؛ لأنه يتقرب به إليه، ويستدفع به سطوته، وأمرهم بالصدقة؛ لأنها من أقرب الأعمال التي يمكن استعجالها. وأما الصوم والحج والجهاد فتأخر أمرها. وقولها: (ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى) يعني: من التعبير بالتكرار والتطويل. وقولها: (ثم انصرف) يعني: من الصلاة (وقد انجلت الشمس). وفي "الموطأ": تجلت (١) فيحتمل أن انصرافه كان عند التجلي، وهي السنة، فإن أتم الصلاة قبل الانجلاء فلا تعاد، ولكن يصلي إن شاء لنفسه ركعتين، ويحتمل أن يريد انصرف وقد كانت تجلت. وقوله: ("ما من أحد أغير من الله") وفي مسلم: "إن من أحد أغير من الله" (٢) بكسر همزة (إن) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحد أغير من الله، وعلى هذا "أغير" بالنصب خبر إن النافية، فإنها تعمل عمل ما عند الحجازيين، وعلى التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو "أحد"، ومعناه: ليس أحد أمنع من المعاصي من الله، ولا أشد له كراهية لها منه تعالى. وفيه: عظة الناس عند الآيات، وأمرهم بأعمال البر، ونهيهم عن المعاصي، وتذكرهم نعمات الله. وأن الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقم وترفع العذاب، ألا ترى قوله ﷺ للنساء: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" (٣).

стр. 4615

وفيه: الإعلام بأنه ليس أحد أغير من الله، وإذا كان الواحد منا يغار أن يرى عبده أو أمته، وليس أحد أغير منه، فيجب أن يحذر عقوبته في مواقعة الزنا، وأقسم على ذلك للتأكيد، وناداهم "يا أمة محمد" على معنى الإشفاق عليهم، كما يخاطب الرجل ولده: يا بني. وقوله: ("لو تعلمون ما أعلم … ") إلى آخره يريد أنه خصه ﷺ بعلم لا يعلمه غيره، فلعله أن يكون ما رآه في عرض الحائط من النار، ورأى منها منظرًا شديدًا لو علمت أمته من ذلك ما علم لكان ضحكهم قليلًا وبكاؤهم كثيرًا؛ إشفاقًا وخوفًا. ثم حديث الباب دال على أن في كل ركعة يكرر القيام والركوع -كما سلف- وصح في مسلم في كل ركعة ثلاث ركوعات (١)، وصح فيه أربعة (٢)، وروى أبو داود والحاكم: خمسة (٣)، وقيل: إن روايات الركوعين أصح وأشهر. قال ابن العربي (٤): لا خلاف أن صلاة الكسوف ركعتان في الأصل، ولكن اختلفت الروايات هل كل ركعة من ركعة أو ركعتين

стр. 4616

أو من ركعات؟ ففي رواية عائشة في الترمذي: ثلاثًا في واحدة (١)، قَالَ: وكذا في مسلم عن جابر (٢). وقال ابن قدامة: مقتضى مذهب أحمد جواز صلاتها على كل صفة، إلا أن اختياره من ذلك ركعتان في كل ركوع. قَالَ أحمد: وروى ابن عباس، وعائشة في صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات، وأما علي فيقول: ست ركعات وأربع سجدات، وكذا حذيفة، وهذا قول إسحاق، وابن المنذر (٣)، وبعض أهل العلم. قَالَ: وتجوز على كل صفة صح أنه ﷺ فعلها، وقد روي عن عائشة وابن عباس أنه ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات (٤). فائدة: قَالَ المهلب في الحديث: إن أكثر ما يهدد ﷺ في ذلك بالكسوف إنما كان من أجل الغناء، وذلك عظيم في عهد النبوة وطراوة الشريعة، فلذلك قَالَ ﷺ هذا القول في قوله: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" دليل على أنهم كانوا مقبلين على اللهو واللعب، وكذلك كانت عادة الأنصار قديمًا، يحبون الغناء واللهو والضحك. ألا ترى قوله ﷺ لعائشة وإقبالها من عرس: "هل عندكم لهو؟ فإن الأنصار تحب اللهو" (٥) فدل على أن اتباع اللهو من الذنوب التي توعد عليها بالآيات. شهد بذلك حديث المعازف والقيان (٦).

стр. 4617

٣ - باب النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الكُسُوفِ ١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي سَلاَّمٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. [١٠٥١ - مسلم: ٩١٠ - فتح: ٢/ ٥٣٣] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. هذا الحديث يأتي بزيادة قريبًا في باب طول السجود فيه (١). وأخرجه مسلم أيضًا، والنسائي (٢) وقال: روي عن أبي حفصة أيضًا مولى عائشة عنها وأخرجه أيضًا (٣). والبخاري رواه عن إسحاق، وذكر الجياني أن في الكسوف (٤)، والوكالة (٥)، والأيمان والنذور (٦)، وعمرة الحديبية (٧): إسحاق عن يحيى بن صالح، لم ينسبه أحد من شيوخه فيما بلغه، ويشبه أن يكون ابن منصور كما ذكره مسلم (٨) في كتابه حديثًا خرجه به البخاري في

стр. 4618

الوكالة (١). وكما أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه". قَالَ: رواه عن إسحاق، عن يحيى، فلم يبين. وذكر المزي في ترجمة إسحاق بن منصور علامة مسلم، وأنه روى عن يحيى بن صالح الوحاظي، فلم يعلم للبخاري، فلم يذكر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه روى عن يحيى بن صالح (٢). وذكر في ترجمة يحيى بن صالح أن إسحاق بن منصور الكوسج روى له مسلم، وأن إسحاق غير منسوب، روى له البخاري (٣). قَالَ: ويقال: إنه الكوسج، ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي مشدد اللام فيهما. وقد نص عليه الجياني، وهو ثقة، مات سنة أربع وستين ومائة. والحبشي نسبة إلى بلاد الحبش كما نقله الجياني عن عبد الغني. وقال ابن معين: الحبش حي من حمير. وقال بعضهم: الحُبشي -بضم الحاء وإسكان الباء- وكذا قيده الأصيلي وغيره في "الجامع"، يقال: حَبش وحُبش، وعَرب وعُرب، وعَجم وعُجم. وهذا أيضًا ذكره صاحب "المطالع"، وذكر أن كذا ضبطه الأصيلي مرة وأبو ذر، وكذا قَالَ ابن التين: ضبط في بعض الكتب بالفتح، وفي بعضها بالضم، وهو ما رويناه في رواية الشيخ أبي الحسن. قَالَ: قيل:

стр. 4619

والمعنى: أنه الأسود واسمه ممطور (١). أما فقه الباب: فالكسوف لا يُؤذن لها ولا يُقام؛ لأنه شعار الفرائض. نعم يقال لها: الصلاة جامعة، والإجماع قائم على ذلك. و (الصلاة) منصوب على الإغراء، و (جامعة) على الحال، أي: أحضروا الصلاة في حال كونها جامعة. قَالَ ابن بطال: وينادى لها بذلك عند باب المسجد، وكذا في سائر الصلوات المسنونات -أي: كالعيد والاستسقاء ينادى لها بذلك عند باب المسجد- ثم قَالَ: ولا خلاف في ذلك بين العلماء (٢).

стр. 4620

٤ - باب خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ . ١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ". ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ. قَالَ: أَجَلْ، لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٣٣] ثم ذكر فيه حديث عروة عن عائشة قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ .. الحديث. وفيه: وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "هُمَا آيتان مِنْ آيات اللهِ .. " إلى آخره. وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبحِ. فَقَالَ: أَجَلْ؛ إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَةَ.

стр. 4621

الشرح: أما حديث عائشة وأسماء فيأتيان في باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف (١). وأما حديث عروة عنها فقد أخرجه مسلم والأربعة (٢). وقوله: (وكان يحدث كثير بن عباس .. ) إلى آخره. أخرجه مسلم أيضًا (٣)، فإنه لما أخرجه من حديث الزهري، عن عروة، عنها أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قَالَ عَقِبَهُ: قَالَ الزهري: وأخبرني كثير بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. ثم أسند إلى الزهري قَالَ: كان كثير بن عباس .. إلى قوله: بمثل حديث عروة عن عائشة. وأخرجه أبو داود بمثله، وكذا النسائي (٤). ولما أورد البخاري حديث عائشة قَالَ في آخره: قَالَ ابن شهاب: ثنا كثير، عن ابن عباس، عن رسول الله مثل ذلك، ثم ساق بإسناده إلى عنبسة ثنا يونس بهذا. وزاد: فقلت لعروة .. إلى آخره. وأخرج أبو نعيم في "مستخرجه" حديث عائشة من طرق، ثم قَالَ في آخره: زاد عنبسة: وكان يحدث كثير بن عباس .. إلى آخره.

стр. 4622

وأورد المزي الحديث من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته. قَالَ الزهري: وأخبرني كثير فذكره إلى قوله: وأربع سجدات. ثم عزاه إلى البخاري ومسلم عن محمد بن مهران قَالَ: إلا أن البخاري لم يذكر حديث كثير بن العباس (١). وذكر في ترجمة كثير علامة البخاري ومسلم، وذكر أنه روى عنه الزهري. وذكر عن مصعب أنه كان فقيهًا فاضلًا لا عقب له، وأمه أم ولد، وذكره يعقوب بن شيبة في الطبقة الأولى من أهل المدينة ممن وُلد في عهده ﷺ . وكان يقال له: أعبد الناس، ثقة، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان، ثم ساق حديثه عن ابن عباس، وقال: أخرجوه من طرق عن الزهري، واضطرب فيه خلف والحميدي، وقال: ليس لكثير عن أخيه في الصحيح غيره (٢). وذكر الدارقطني واللالكائي كثير بن عباس في أفراد مسلم. وأغرب السفاقسي فقال: ضبط في بعض الكتب عياش بالشين المعجمة، وبعضها بالسين غير معجمة، وهو الذي رويناه. وولد عباس عشرة، أشهرهم عبد الله. وقوله: (فخرج إلى المسجد) فيه فعلها في المسجد دون الصحراء، ولعله خوف الفوت والانجلاء. قَالَ القدوري: كان أبو حنيفة يرى صلاة الكسوف في المسجد، والأفضل في الجامع. وفي شرح الطحاوي: صلاة الكسوف في المسجد الجامع أو في مصلى العيد (٣)، وعند مالك: تصلى فيه دون الصحراء. وقال ابن

стр. 4623

حبيب: هو مخير (١)، وحكي عن أصبغ (٢). وصوب بعض أهل العلم المسجد في المصر الكبير للمشقة وخوف الفوت دون الصغير. وقوله: (ثم قام فأثنى على الله .. ) إلى آخره، هو صريح في الخطبة، وقد سلف الخلاف فيه في باب الصدقة في الكسوف واضحًا، وخص كسوفهما بأنهما اثنان وإن كان رؤية الأهلة وحدوث الحر والبرد من الآيات أيضًا؛ لإخباره لهم عن ربه أن القيامة تقوم وهما منكسفان وذاهبا النور، فلهذا أمرهم بالصلاة ونحوها؛ خشية أن يكون الكسوف لقيام الساعة؛ ليعتدوا له، وهذا كان قبل أن يعلمه الله بأشراطها، كما نبه عليه المهلب (٣). وقوله: (فصف الناس وراءه). فيه تقديم الإمام على المأموم، واحتج لأبي حنيفة، ومن يرى برأيه بقوله: "افزعوا إلى الصلاة"؟ لأنها إشارة إلى الصلاة المعهودة في الشرع (٤). ويجاب عنه: بأنه قام الدليل على ما سلف من الكيفية، بل الحديث حجة لنا؛ لأنه قال هذا القول بعد فراغه من الصلاة الموصوفة، فدل أنه أشار بذلك إليها؛ لأنه أقرب معهود. وصلاة ابن الزبير ركعتين في الخسوف لعله تأول حديث أبي بكرة (٥). وفيه: التكبير في الخفض والرفع، ولم ينص على ذلك في الرفع منه ولا في سجوده، ولا في رفعه منه. وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد في الثانية، وقال في الأولى: سمع الله لمن حمده.

стр. 4624

٥ - باب هَلْ يَقُولُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ؟ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]. ١٠٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - أَخْبَرَتْهُ. أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". وَقَامَ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهْيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْىَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٣٥] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. وقد سلف (١)، وفيه: "لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ" وأراد بهذا الباب رد قول من زعم أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر للآية المذكورة، روي ذلك عن عروة بن الزبير (٢). وفي الآثار الثابتة أنهما مقولان فيهما، رواه ابن عباس (٣)

стр. 4625

وابن عمر (١) وأبو بكرة (٢) وعائشة مثل ذلك في حديثهم عنه، وروي: "لا ينكسفان" من طريق المغيرة (٣). وأبي مسعود الأنصاري (٤)، ورواية عن أبي بكرة (٥)، فلا معنى لإنكار شيء من ذلك. وقوله: ("لا يخسفان") بفتح الياء ويجوز ضمه؛ بناء لما لم يسمَّ فاعله. وقوله: (ثم سجد سجودًا طويلًا)، فيه تطويل السجود، وسيأتي ما فيه، وهو رأي ابن القاسم خلافًا لمالك (٦).
следующие страницы →