← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

ومعنى قول ابن عباس: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود أنها لم تنزل في هذه الأمة، وإنما الشارع اقتدى فيها بالأنبياء قبله. نبه عليه الداودي، ثم هذا إخبار عن مذهبه، وقد سجد الشارع فيها. فائدة: موضع السجود فيها (وأناب) [ص: ٢٤] أو (مآب) [ص: ٢٥] فيه خلاف عن مالك، حكاه ابن الحاجب في "مختصره" (١)، وابن التين في "شرحه"، ومذهب أبي حنيفة الأول. ثانية: قَالَ أبو بكر الرازي الحنفي في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أجاز أصحابنا الركوع في سجدة التلاوة. وعن محمد بن الحسن أنه عبر بالركوع عن السجود (٢)، وعن الحنابلة أنه لو قرأ السجدة في الصلاة وركع ركوع الصلاة أجزأ عن السجدة (٣). وروى ابن أبي شيبة عن علقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن شرحبيل: إذا كانت السجدة آخر السورة أجزأك أن تركع بها (٤). وعن بعض الحنفية: ينوب الركوع عن سجدة التلاوة في الصلاة وخارجها (٥). وفي "الذخيرة" للمالكية أشار ابن حبيب إلى جوازها بالركوع (٦).

стр. 4692

وروى الأثرم عن ابن عمر أنه كان إذا قرأ النجم في صلاة وبلغ آخرها كبَّر وركع بها، وإن قرأ بها في غير صلاة سجد. وعن عبد الرحمن بن يزيد: سألنا عبد الله عن السورة في آخرها سجدة، أيركع أو يسجد؟ قَالَ: إذا لم يكن بينك وبين السجود إلا الركوع فقريب (١).

стр. 4693

٤ - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ١٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. [انظر: ١٠٦٧ - مسلم: ٥٧٦ - فتح ٢/ ٥٥٣] ثم ذكر حديث الأسود عن ابن مسعود السالف أول سجود القرآن (١)، وحديث ابن عباس يأتي بعد هذا الباب، وقد سلف السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ من حديث المطلب بن أبي وداعة أيضًا (٢). وفي الدارقطني من حديث أبي هريرة: سجد رسول الله ﷺ بآخر النجم، والجن، والإنس، والشجر (٣). ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: سجد رسول الله ﷺ إلا رجلًا من قريش أراد بذلك الشهر (٤).

стр. 4694

٥ - باب سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ ١٠٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. [٤٨٦٢ - فتح: ٢/ ٥٥٣] قوله: (نَجَسٌ) هو بفتح الجيم، قَالَ ابن التين: كذا رويناه، وكذا ضبط في بعض الكتب. قَالَ: والذي في اللغة نجس الشيء بالكسر فهو نجس بكسرها وفتحها أيضًا. وقال القزاز وغيره: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس -بكسر النون وسكون الجيم- والنجس في اللغة: كل مستقذر، وفي الشرع موضعه الفروع. قَالَ البخاري: وكان ابن عمر يسجد على وضوء ثم ساق حديث ابن عباس: أنه ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. ورواه ابن طهمان عن أيوب. الشرح: أما أثر ابن عمر فأسنده ابن أبي شيبة من حديث سعيد بن جبير قَالَ: كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، رواه عن محمد بن بشر، ثنا زكريا بن أبي زائدة، ثنا أبو الحسن -يعني: عبيد الله بن الحسن- عن رجل زعم أنه ثقة، عن سعيد به (١).

стр. 4695

لكن روى البيهقي من حديث قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر (١). ووقع في رواية أبي الهيثم عن الفربرى: كان ابن عمر يسجد على وضوء، بحذف لفظة (غير). وكذا في نسخة الأصيلي، لكن الذي رواه ابن السكن كما في الكتاب، وهو الصواب، كما قَالَ ابن بطال (٢). وأما حديث ابن عباس فأخرجه في التفسير أيضًا (٣). وابن طهمان: هو إبراهيم، مات بعد الخمسين ومائة (٤). قَالَ أحمد: ثقة، مرجئ، متكلم، أخرج له مسلم أيضًا (٥). ومتابعته أخرجها الإسماعيلي من حديث حفص عنه. ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب، رواه الترمذي وصححه (٦). وفي رواية جعفر بن مهران: سجد وهو بمكة بالنجم، إلى آخره (٧). وذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكريا، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه. وروى أيضًا: حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن قَالَ: كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء،

стр. 4696

وهو على غير القبلة، وهو يمشي، فيومئ برأسه إيماءً، ثم يسلم. وروى أيضًا: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير القبلة أيسجد؟ قَالَ: نعم، لا بأس به (١). وذهب فقهاء الأمصار منهم الأئمة الأربعة إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله، والتعظيم له، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم كما سلف. ولا يُستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام. وإن كان البخاري أراد الرد على ابن عمر والشعبي بقوله: (وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ ليس له وضوء)، فهو أشبه بالصواب (٢). وقال ابن المنير: هذه الترجمة متلبسة، والصواب: رواية من روى أن ابن عمر كان يسجد للتلاوة على غير وضوء (٣). والظاهر من قصد البخاري أنه صوب مذهبه واحتج له بسجود المشركين لها، والمشرك نجس لا وضوء له، ولم يذكر البخاري تمام القصة، ولا سبب سجود المشركين، وفي الإمساك عن ذكره إيهام على فهمهم، وليس كذلك؛

стр. 4697

لأن الباعث لهم على تلك السجدة الشيطان لا الإيمان، فكيف يعتبر فعلهم حجة؟! والله أعلم بمراده من هذه الترجمة (١). والظاهر أن البخاري رجح الجواز لفعله المشركين بحضرة الشارع، ولم ينكر عليهم سجودهم بغير طهارة، ولأن الراوي أطلق عليه اسم السجود، فدل على الصحة ظاهرًا.

стр. 4698

٦ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ ١٠٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [١٠٧٣ - مسلم: ٥٧٧ - فتح: ٢/ ٥٥٤] ١٠٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [انظر: ١٠٧٢ - مسلم: ٥٧٧ - فتح: ٢/ ٥٤٤] ذكر فيه عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ ابْنَ ثَابِتٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. وبه، عن زيد قَالَ: قَرَاتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في التفسير (٢)، وقد سلف الجواب عنه أول هذه الأبواب. وفي الدارقطني: فلم يسجد منا أحد (٣). وقال ابن حزم: احتج المقلدون لمالك بخبر رويناه، ثم ساق حديث الباب، ولا حجة لهم؛ لأنه لم يقل: إنه ﷺ قَالَ: لا سجود فيها، وإنما هو حجة على من قَالَ بفرضيته، وكذا نقول: إنه ليس فرضًا، لكن فعله

стр. 4699

أفضل، ولا حرج في تركه ما لم يرغب عن السنة، وأيضًا فإن راوي الحديث قد صح عن مالك أنه لا يعتمد على روايته، وهو يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قَالَ: إن صارت روايته حجة في إبطال السنن على أنه ليس فيها شيء بما يدعونه. قَالَ: وقد صح بطلان هذا الخبر بحديث أبي هريرة أنه ﷺ سجد بهم في النجم (١)، وأبو هريرة متأخر الإسلام (٢). فرع: إذا لم يسجد القارئ، فهل يسجد السامع؟ فيه وجهان عندنا: أصحهما: نعم، وبه قَالَ ابن القاسم، وابن وهب، خلافًا لمطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وصوبه ابن حبيب (٣)؛ لأن القارئ لو كان في صلاة ولم يسجد، لم يسجد من معه، فكذا هذا. واختلف هل يسجد المعلم والذي يقرأ عليه أول مرة؟ حكاه ابن التين قَالَ: وقد قيل: هذا الحديث ناسخ للسجود فيها.

стр. 4700

٧ - باب سَجْدَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] ١٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ذكر فيه حديث أبي سلمة: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ سْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١)، ومن جملة طرقه عن أبي هريرة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عنه، أخرجه مسلم (٢). و (عبد الرحمن) هذا كثير الحديث (٣)، بخلاف عبد الرحمن المقعد فإنه قليله، وكلاهما يلقب بالأعرج (٤).

стр. 4701

وقال أبو مسعود: هما واحد. وقال المزي: إن هذا الحديث من رواية المقعد (١). وطرقه الدارقطني فأبلغ. وقوله: (أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟) أي: في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها. قَالَ المهلب: هكذا رواه الليث، عن ابن الهادي، عن أبي سلمة. فهذا يدل على أنه لم يكن العمل عندهم على السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، كما قَالَ مالك وأهل المدينة، فأنكر عليه سجوده فيها، ولا يجوز إنكار ما عليه العمل. قَالَ: وهذا يدل على أنها ليست من العزائم (٢)، ولا نسلم ذلك له، وهو بناه على عدم السجود في المفصل، ومن قَالَ به سجد فيها. وقد سلف الخلاف فيه. والحديث حجة لمن رآه؛ لأن أبا هريرة راويه شاهد السجود، وهو متأخر الإسلام كما سلف بعد حديث من روى نفيه (٣). وروى البيهقي عن عمار أنه قرأ هذه السورة وهو على المنبر فنزل فسجدها (٤). واحتج الكوفيون بأنه إخبار لا أمر وسجود التلاوة إنما هو في موضع الإخبار، وموضع الأمر إنما هو تعليم، فلا سجود فيه، وهذا قول الطحاوي. واحتج من قَالَ: لا سجود في المفصل بأن معنى سجود التلاوة ما كان على وجه المدح والذم، وسجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ خارجة عن هذا المعنى لأن قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾

стр. 4702

إنما يعني: أي لا يسجدون بعد الإيمان السجود المذكور في القرآن للصلاة. وهذا ليس بخطاب للمؤمنين؛ لأنهم يسجدون مع الإيمان سجود الصلاة. فائدة: نسجد عند قوله: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾. وقال ابن حبيب: في آخرها (١)، والأول أظهر لأن ما بعده لا تعلق له بالسجود.

стр. 4703

٨ - باب مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارِئِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ -وَهْوَ غُلَامٌ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ: اسْجُدْ فَإِنَّكَ إِمَامُنَا. ١٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. [١٠٧٦، ١٠٧٩ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٥٦] ثم ذكر حديث ابن عمر: قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ .. الحديث. الشرح: أما أثر ابن مسعود فأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه: حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سليم أبي إسحاق، عن سليم بن حنظلة قَالَ: قرأت على عبد الله بن مسعود سورة بني إسرائيل، فلما بلغت السجدة قَالَ عبد الله: اقرأها فإنك إمامنا فيها (١). ورواه البيهقي من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن الحنظلية قَالَ: قرأت السجدة عند ابن مسعود فنظر إليَّ فقال: أنت إمامنا فاسجد نسجد معك (٢). و (تميم) هذا تابعي وعنه ابنه أبو الخير وغيره. روى له البخاري في

стр. 4704

"الأدب" خارج "الصحيح" (١). و (حذلم) بالذال المعجمة وحاء مهملة. وأما الحديث فأخرجه مسلم أيضًا، ففي رواية: في غير الصلاة، وفي أخرى: في غير وقت الصلاة (٢). وأجمع فقهاء الأمصار أن التالي إذا سجد في تلاوته أن المستمع يسجد لسجوده. وقال عثمان: إنما السجدة على من سمعها (٣). واختلفوا إذا لم يسجد، وقد سلف في باب من قرأ السجدة ولم يسجد. وفي "المدونة": كره مالك أن يجلس قوم إلى قارئ يستمعون قراءته ليسجدوا معه إن سجد، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا. قَالَ: فأرى أن يقام وينهى، ولا يجلس إليه (٤). وقال ابن شعبان عنه: فإن لم ينته، وقرأ لهم فمر بسجدة يسجد ولم يسجدوا. وقد قَالَ مالك أيضًا: أرى أن يسجدوا معه (٥). قوله: (فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ معه حَتَّى ما يجد أحدنا موضع جبهته) فيه: الحرص على فعل الخير والتسابق إليه. وفيه: لزوم متابعة أفعال الشارع على كمالها، ويحتمل أن يكون

стр. 4705

سجدوا عند ارتفاع الناس، وباشروا الأرض، ويحتمل أن يستجزئوا ببلوغ طاقتهم من الإيماء في ذلك. وقال ابن التين: يلزم مستمع السجدة السجود بشروط خمسة: أن يكون القارئ بالغًا، وعلى وضوء، وسجد، وتكون قراءته لا يسمع الناس حسنها، والسامع ممن قصد الاستماع. قَالَ: هذا يلزمه باتفاق. واختلف إذا كان القارئ صبيًّا أو على غير وضوء، ولم يسجد، والأصح عند أصحابنا السجود. وأقروا الخلاف عندنا في الكافر. قَالَ: والأصل في إلزام المستمع السجود هذا الحديث.

стр. 4706

٩ - باب ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ السَّجْدَةَ ١٠٧٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. [انظر: ١٠٧٥ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٥٧] ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور، وترجم عليه أيضًا: باب: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ وذكره أيضًا. قَالَ ابن بطال: ولم أجد في هذه نصًّا للعلماء، ووجدت أقوالهم فيمن لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام في صلاة الفريضة، وكان عمر بن الخطاب يقول: يسجد على ظهر أخيه (١) وبه قَالَ الثوري (٢)، والكو فيون، والشعبي، وأحمد (٣)، وإسحاق، وأبو ثور (٤). وقال نافع مولى ابن عمر: يومئ إيماءً (٥). وقال عطاء والزهري يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد (٦). وهو قول مالك وجميع أصحابه.

стр. 4707

وقال مالك: إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة (١). وذكر ابن شعبان في "مختصره" عن مالك قَالَ: يعيد في الوقت وبعده. وقال أشهب: يعيد في الوقت لقول عمر: اسجد ولو على ظهر أخيك (٢). فعلى قول من أجاز السجود في صلاة الفريضة من الزحام على ظهر أخيه، فهو أجوز عنده في سجود القرآن؛ لأن السجود في الصلاة فرض بخلافه. وعلى قول عطاء والزهري ومالك يحتمل أن يجوز عندهم سجود التلاوة على ظهر رجل، وإيماءً على غير الأرض كقول الجمهور لما قدمناه من الفرق بين سجود التلاوة والصلاة. ويحتمل خلافهم واحتمال وفاقهم أشبه؛ بدليل حديث ابن عمر، وهو المقنع في ذلك، إن شاء الله (٣).

стр. 4708

١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا؟ كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلْمَانُ: مَا لِهَذَا غَدَوْنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ يسمَعَهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا تَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ. وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ. ١٠٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁. وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. [فتح: ٢/ ٥٥٧] ثم ذكر أثر عمر في سجوده في النحل، ونزوله من على المنبر كذلك، وأنه في الجُمُعَةُ الأخرى جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁. وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. الشرح:

стр. 4709

أما أثر عمران فرواه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف قَالَ: سألت عمران بن حصين عن الرجل لا يدري أسمع السجدة؟ قَالَ: وسمعها فماذا؟! (١). وأما أثر سلمان فرواه البيهقي من حديث سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قَالَ: مر سلمان بقوم يقرءون السجدة، قالوا: نسجد؟ فقال: ليس لها غدونا (٢). ورواه ابن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب (٣). وأما أثر عثمان فرواه البيهقي أيضًا من حديث سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قَالَ: إنما السجدة على من سمعها. قَالَ البيهقي: وروي من وجه آخر، عن ابن المسيب، عن عثمان قَالَ: إنما السجدة على من جلس لها وأنصت (٤). ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان قَالَ: إنما السجدة على من جلس لها (٥). وأما فعل عمر فمن أفراد البخاري، والبخاري رواه عن إبراهيم بن

стр. 4710

موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، ورواه أبو نعيم من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج من طريقين. وقوله: (وَزَادَ نَافِعٌ) القائل هو ابن جريج كما بينه البيهقي (١)، وكذا وقع في بعض نسخ البخاري، وعزاها الحميدي إلى البخاري فقال: قَالَ البخاري: وزاد نافع عن ابن عمر -يعني: عن عمر- إن الله لم يفرض .. إلى آخره (٢). وروى البيهقي من طريق ابن بكير، ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر قرأ السجدة، وهو على المنبر، يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود، فقال عمر: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا (٣). إذا تقرر ذلك، فترك عمر ﵁ مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب كما أسلفناه؛ ولا إنكار ولا مخالف. ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره. في قوله: (مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ). وقوله: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ). وفي فعل عمر دليل على أن على العلماء أن يبينوا كيف لزوم السنن إن كانت على العزم أو الندب أو الإباحة. وكان عمر ﵁ من أشد الناس تعليمًا للمسلمين كما تأول له الشارع

стр. 4711

في الرؤيا أنه استحال الذنوب الذي بيده غربا فتأول له العلم (١). ألا ترى إلى قول عمر -حيث رأى أنه قد بلغ من تعليم الناس إلى غاية رضيها- قَالَ: قد بينت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة (٢). فأعلمنا بهذا القول أنه يجب أن يفصل بين السنن والفرائض. ففعل ذلك عمر ليعلم الناس ما عنده من أمر السجود، وأن فعله وتركه جائز، وليعلم هل يخالفه منهم أحد فيما فعله، ولم يجد مجلسًا أحفل من اجتماعهم عند الخطبة. وقد كره مالك في رواية على أن ينزل الإمام عن المنبر ليسجد سجدة قرأها: قَالَ والعمل على آخر فعل عمر. وقال أشهب: لا يقرأ بها، فإن فعل نزل وسجد، فإن لم يفعل سجدوا، ولهم في الترك سعة (٣). ووجه قول مالك أن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ولا عمل به أحد بعده، ولعله إنما فعله للتعليم، وخشية الخلاف فبادر إلى حسمه، وكان ذلك الوقت لم يعم علم كثير من أحكام الناس، وقد تقرر الآن الأحكام، وانعقد الإجماع على كثير منها، وعلم الخلاف السائغ في سواها، فلا وجه في ذلك مع ما فيه من التخليط على الناس بالفراغ

стр. 4712

من الخطبة والقيام إلى الصلاة (١). وحديث سجوده في أصل المنبر ورجوعه إليه (٢) لم يفعل ذلك اليوم؛ لأن الناس عمهم علم ذلك، كذا أجابوا عنه. وقوله: (وَسَجَدَ النَّاسُ معه) سببه استماعهم قراءته. وأبعد من قَالَ: معنى (إلا أن نشاء) أي: قراءتها؛ لأن هذا القول كان بعد التلاوة، فلو علق الوجوب بها لناقض بنيته قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وإما أن يكون الاستثناء متصلًا، ويكون معناه إلا أن يوجبها بالنذر أو منقطعًا، كأنه قَالَ: لكن ذلك موكول إلى مشيئتنا لقوله تعالى: و ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] معناه لكن إن وقع خطأ فلا يوصف ذلك بأنه له. وقول الزهري: (وفعل ابن عمر أنه سجد على وضوء) وجهه أنها صلاة، وهو قول الفقهاء السبعة وغيرهم من التابعين، ولا خلاف فيه نعلمه كما قَالَ ابن التين. وقد سلف ما ترجم له عن البخاري وأوضحناه هناك.

стр. 4713

١١ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا ١٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٥٥٩] ذكر فيه حديث أبي رافع -واسمه نفيع- قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ:، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق:١] فَسَجَدَ .. الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وقد سلف (٢) وهو حجة لقول الثوري ومالك والشافعي أنه من قرأ سجدة في صلاة مكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها (٣). إلا أن الذين لا يرون السجود في المفصَّل لا يرون السجود في هذه السورة، فإن فعل فلا حرج عندهم في ذلك. وقد كره مالك قراءة سجدة في صلاة الفريضة الجهرية والسرية مرة، واختاره أخرى (٤). وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر فيه، ويقرأها فيما يجهر فيه (٥).

стр. 4714

وروي مثله عن أبي حنيفة وقال: هو مخير أن يسجد عقبها أو يؤخرها بعد الفراغ من الصلاة (١). ومنع ذلك أبو مجلز، ذكره الطبري عنه أنه كان لا يرى السجود في الفريضة، وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة. وحديث الباب يرد عليه، وبه عمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فسجد فيها (٢). وقرأ مرة في الصبح الحج فسجد فيها سجدتين (٣). وقال ابن مسعود في السورة يكون آخرها سجدة: إن شئت سجدت بها، ثم قمت فقرأت وركعت، وإن شئت ركعت بها (٤). وقال الطحاوي: إنما قرأ الشارع السجدة في العتمة والصبح، وهذا فيما يجهر فيه، وإذا سجد في قراءة السر لم يدر سجد للتلاوة أم

стр. 4715

لغيرها (١). وفي الحديث أيضًا حجة لمن قَالَ: إن سجدة هذه السورة من عزائم السجود، وقول ابن بطال أنه قال على العكس معللًا بترك السلف السجود فيها؛ ولذلك أنكر أبو رافع على أبي هريرة سجوده فيها، كما أنكر عليه أبو سلمة فيما مضى. وقول أبي هريرة: (سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ، فلا أزال أسجد بها). يحتمل أن يكون سجد فيها خلفه ولم يواظب ﷺ عليه بها. قَالَ ابن بطال: ولذلك أجمع الناس على تركها، ولو واظب عليه لم يخف ذلك عليهم ولا تركوها (٢)، ولا نسلم له ذلك.

стр. 4716

١٢ - باب مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مع الإمام مِنَ الزِّحَامِ ١٠٧٩ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. [انظر: ١٠٧٥ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٦٠] ذكر فيه حديث ابن عمر السالف (١)، وقد سلف البحث فيه (٢).

стр. 4717

١٨ تقصير الصلاة

стр. 4718

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ١٨ - تقصير الصلاة ١ - باب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ ؟ ١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. [٤٢٩٨، ٤٢٩٩ - فتح: ٢/ ٥٦١] ١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. [٤٢٩٧ - مسلم: ٦٩٣ - فتح: ٢/ ٥٦١] يقال: قصرت الصلاة، وقصرتها، وأقصرتها. ذكر فيه حديثين: أحدهما: عن ابن عباس قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا.

стр. 4719

الثاني: حديث أنس يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. الشرح: لا شك أن الصلاة فرضت بمكة، والقصر كان في السنة الرابعة من الهجرة كما نبه عليه ابن الأثير (١) في "شرح المسند" (٢). وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري منفردًا به، عن عكرمة عنه. وفي رواية له في المغازي: أقام بمكة تسعة عشر يومًا (٣)، وفي أخرى له: أقمنا مع النبي ﷺ (٤). وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله عنه بلفظ: أقام بمكة خمس عشرة يقصر الصلاة. قَالَ أبو داود: رواه عنه جماعات بإسقاط ابن عباس (٥).

стр. 4720

قَالَ البيهقي: وهو الصحيح (١). واختلف عن عكرمة فرواه عاصم الأحول، وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس تسعة عشر، كما سلف، وكذا أخرجه ابن ماجه (٢). وأخرجه الترمذي وقال: صحيح بلفظ: سافر رسول الله ﷺ سفرًا، فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين (٣)، وأبو داود بلفظ: تسع عشرة (٤). ورواه عن عكرمة عباد بن منصور قَالَ: أقام رسول الله ﷺ زمن الفتح تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين، أخرجه البيهقي (٥). واختلف على عاصم، عن عكرمة. فرواه ابن المبارك، وأبو شهاب، وأبو عوانة في إحدى الروايتين: تسع عشرة. ورواه خلف بن هشام، وحفص بن غياث فقال: سبع عشرة. واختلف على أبي معاوية عن عاصم، وأكثر الروايات عنه: تسع عشرة، رواها عنه أبو خيثمة وغيره. ورواه عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية فقال: سبع عشرة. واختلف على أبي عوانة، فرواه جماعات عنه عنهما فقَالَ: تسع عشرة. ورواه لوين، عن أبي عوانة عنهما فقال: سبع عشرة. ورواه

стр. 4721

المعلى بن أسد، عن أبي عوانة، عن عاصم: سبع عشرة (١). قَالَ البيهقي: وأصحها عندي: تسع عشرة، وهي التي أوردها البخاري (٢). وعبد الله بن المبارك أحفظ من رواه عن عاصم. ورواه عن عكرمة عبد الرحمن الأصبهاني فقال: عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة (٣). ورواه عمران بن حصين أيضًا قَالَ: غزوت مع النبي ﷺ ، وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلى إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد، صلوا أربعًا فإنا سفر، أخرجه أبو داود، وفي إسناده علي بن زيد ابن جدعان متكلم فيه (٤)، وأخرج له مسلم متابعة. ورواه ابن عمر أيضًا أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة يصلي ركعتين محاصرًا الطائف، أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن رجل، عن ابن عمر به. قَالَ البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايات بأن من روى تسع عشرة

стр. 4722

عَدَّ يوم الدخول ويوم الخروج. ومن روى ثماني عشرة لم يعد أحدهما. ومن روى سبع عشرة لم يعدهما (١). وهذا الحديث كان في فتح مكة كما سلف مصرحًا به (٢). وأما حديث أنس فأخرجه مسلم، والأربعة (٣)، وكان في حجة الوداع، فإنه دخل يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجة، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة، وخرج صبيحتها وهو الرابع عشر. إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في المسافر ينوي الإقامة ببلد لأجل حاجة يتوقعها ولا يعلم نجازها على سبعة عشر قولًا: أحدها: بوضع رجله فيها. قَالَ ابن حزم عن ابن جبير أنه قَالَ: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم (٤). ثانيها: بإقامة يوم وليلة. حكاه ابن بطال عن ربيعة، قَالَ: وهو شيء بعيد (٥). ثالثها: ثلاثة أيام، قالها ابن المسيب في رواية. رابعها: أربعة، روي عن مالك، والشافعي، وعن أحمد أيضًا، وعن عثمان، وروى مالك، عن عطاء الخراساني أنه سمع سعيد بن

стр. 4723

المسيب قَالَ: من أجمع إقامة أربع ليالٍ وهو مسافر أتم الصلا ة (١)، وهو أحد أقواله. قَالَ وكيع: ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قَالَ: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا (٢). قَالَ مالك: وذلك أحب ما سمعت إليَّ، قال أبو عمر: ودل ذلك على أنه سمع الخلاف. وذكر ابن وهب قال: ذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا أن من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم. قَالَ أبو عمر: وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قوله وقول أصحابه، وبه قَالَ أبو ثور (٣). قَالَ الشافعي: إذا أزمع المسافر أن يقيم بموضع أربعة أيام ولياليهن أتم الصلاة، ولا يحسب من ذلك يوم نزوله ولا يوم ظعنه (٤). قلتُ: هذا قول عنه ليس الفتوى عليه (٥)، وحكى إمام الحرمين عنه أربعة أيام ولحظة. قَالَ ابن بطال: وهذا القول أصح المذاهب في هذِه المسألة. قلتُ: إن كان معتمده الوجود، فما يعمل في باقي الأحاديث تسعة عشر ونحوها. واختلف في المدة المذكورة، فقال ابن القاسم: أربعة أيام كاملة. قَالَ عنه عيسى: ولا يعتد بيوم دخوله إلا أن يدخل في قوله. وقال عبد الملك وسحنون ومحمد: إذا نوى مقام زمان تجب فيه عشرون صلاة

стр. 4724

أتم؛ لأنه صلى بمكة إحدى وعشرين صلاة؛ لأنه دخل يوم الرابع بعد صلاة الصبح، وخرج يوم التروية قبل صلاة الظهر (١). وظاهر كلام القاضي عبد الوهاب أن القولين سواء؛ لأنه قال: وإن نوى المسافر أربعة أيام أو ما يصلي فيه عشرين صلاة. وقال ابن مسلمة: من قدم مكة ينوي الإقامة بها، وهو يريد الحج، وبينه وبين الخروج إلى مني أقل من أربعة أيام أنه يقصر حَتَّى يرجع إلى مكة. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": يتم الصلاة بمكة، وما أسلفناه من أنه ﷺ صلى بمكة إحدى وعشرين ذكره الشيخ أبو الحسن في "تبصرته"، وهو لا يصح. إنما صلى عشرين؛ لأنه صلى الصبح رابع ذي الحجة بذي طوى، وظهر الثامن بمنى كذا في البخاري. بعد هذا وبالجملة فالخبر راد على من قَالَ: إن من نوى مقام زمان يصلي فيه عشرين صلاة يتم. خامسها: أكثر من أربعة أيام قاله داود، وحكاه ابن رشد عن أحمد (٢). سادسها: أن ينوي اثنتين وعشرين صلاة. ذكره في "المغني" (٣)، وجعله المذهب، ومثله في "المحلى". ونقل ابن المنذر عنه إحدى وعشرين صلاة. سابعها: عشرة أيام. روي عن علي، والحسن بن صالح، ومحمد بن علي أبي جعفر، نقله ابن عبد البر عنهم (٤)، وحكاه ابن بطال عن ابن عباس أيضًا (٥).

стр. 4725

ثامنها: اثنا عشر يومًا. نقله ابن عبد البر عن ابن عمر، وهو أحد أقواله (١). روى مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه كان يقول: أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة (٢). وروي عن الأوزاعي مثل ذلك، ذكره الترمذي عنه (٣). قَالَ ابن بطال: ولا حجة له؛ لأنه ﷺ وأصحابه لم يتم أحد منهم في هذا المقدار (٤). تاسعها: ثلاثة عشر يومًا. روي أيضًا عن الأوزاعي، نقله ابن عبد البر عنه (٥). عاشرها: خمسة عشر يومًا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٦)، ويروى عن ابن عباس كما سلف في الحديث. وحكاه ابن بطال عن ابن عمر، والثوري، والليث (٧)، ولم أر من قَالَ بها من أصحابنا، مع أن الخلاف راجع إلى ما ورد من ذلك، وقد أسلفنا أن الصحيح إرسالها، وفيه مع ذلك عنعنة ابن إسحاق، لكن رواه النسائي بدونها (٨). وروى مجاهد، عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: إذا

стр. 4726

قدمت بلدًا وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة (١). الحادي عشر: ستة عشر يومًا، وهو مروي، عن الليث أيضًا. الثاني عشر: سبعة عشر يومًا، وهو قول للشافعي للحديث السالف، وقد صححه ابن حبان (٢). الثالث عشر: ثمانية عشر يومًا، وهو أصح أقوال الشافعي؛ اعتمادًا منه على حديث عمران بن حصين السالف؛ لسلامته من الاختلاف، فإنه لم يروَ إلا هكذا، بخلاف حديث ابن عباس، فإن روايته تنوعت كما سلف، لكن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو متكلم فيه كما سلف. الرابع عشر: تسعة عشر يومًا، وهو الصحيح عن ابن عباس كما مر، قاله إسحاق كما نقله الترمذي عنه (٣)، وهو أحد أقوال الشافعي (٤)، وهو القوي عندي، وبه أفتي؛ لأن الباب باب اتباع، وهذا أصح ما ورد فلا يعدل عنه. الخامس عشر: عشرون يومًا، وفيه: حديث في غزوة تبوك أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث جابر، وصححه ابن حبان (٥)، وهو أحد

стр. 4727

أقوال الشافعي (١). السادس عشر: يقصر حَتَّى يأتي مصرًا من الأمصار، قاله الحسن البصري كما نقله عنه ابن عبد البر وقال: لا نعلم أحدًا قاله غيره (٢). السابع عشر: يقصر مطلقًا، وحكي عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو أحد أقوال الشافعي، ونقله البغوي عن أكثر أهل العلم (٣)، وحكى الترمذي الإجماع عليه قياسًا على المقدار الذي ورد (٤)؛ لأن الظاهر أنه لو استمرت الإقامة على ذلك استمر القصر؛ لأن الصحابة أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. وأقام أنس مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يقصر الصلاة. وأقام عمر ومن معه بأذربيجان ستة أشهر في غزاة يقصر الصلاة وقد ارتج عليهم الثلج. روى الكل البيهقي بإسناد صحيح (٥). وأما حديث ابن عباس (٦) أنه ﷺ أقام

стр. 4728

أربعين يومًا بخيبر يقصر الصلاة، فضعيف (١). قَالَ إمام الحرمين: هذا القول يقرب من القطعيات. قَالَ: وقد أقام أنس بن مالك سنة أو سنتين بنيسابور يقصر، وأقام علقمة بخوارزم سنين يقصر، وكذا عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنين يقصر، فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل غير ناويَ الإقامة، فجاز له القصر كما في الثمانية عشر. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قَالَ: إن أقمت في بلد خمسة أشهر، فقصر الصلاة. وعن عبد الرحمن قَالَ: أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بعمان يقصر الصلاة ونحن نتم، فقلنا له، فقال: نحن أعلم. وعن أبي المنهال، عن رجل من عنزة، قلتُ لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشد على سفر. فقال: صلِّ ركعتين (٢). وإذا جمع الخلاف عندنا في حال القتال وغيره، وركبت بعض الوجوه مع بعض واختصرت، قلتُ: في ذلك ثمانية عشر قولًا وجهًا: ثلاثة أيام، أربعة، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرين، أبدًا، يقصر من غير حاجة قتال ثلاثة، ومن حاجته سبعة عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها ثمانية عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها تسعة عشر، من عدمها ثلاثة ومنها عشرون، من عدمها ثلاثة ومنها أبدًا، والثالث عشر إلى السابع عشر: من عدمها أربعة

стр. 4729

ومن حاجته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو عشرون، أو أبدًا. والثامن عشر: يقصر من غير حاجة قتال ثمانية عشر يومًا، ومن حاجة قتال يقصر أبدًا. كذا جمع الخلاف ابن الرفعة، ولا بد من تحريره فليتأمل. قال ابن التين: وإقامة الشارع تسعة عشر يقصر يحتمل أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، أو أقام ذلك في أرض العدو حيث لا يملك الإقامة. وجعل ابن عباس تسعة عشر هذا من رأيه. وقوله: (إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا)، سمى الإقامة بالمصر سفرًا؛ لأنه في حكم المسافر، وكأن ابن عباس ذهب إلى أن الأصل في الصلاة الإتمام، فلا يقصر إلا ما جاء فيه نص، واعتمد البخاري كلام ابن عباس. قَالَ الخطابي: وهو الصحيح؛ لأنه جمع حكايته فعل الشارع وبقول ابن عباس. قَالَ الشافعي: إلا أنه شرط وجود الخوف ولو كانت العلة الخوف ما حَدَّثَني تسعة عشر (١). كذا نقل عنه، وهو غريب في اشتراط الخوف وتحديده بتسعة عشر. وقول أنس: (أَقَمْنَا عَشْرًا)، قَالَ أبو عبد الملك: هو ما تأولنا أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، ولكن يمنعه ما يعترضه من الشغل حَتَّى مضى عشر. وغيره تأوله على أنهم قدموا لصبح رابعه. فمقامهم بمكة دون أربعة أيام، وقول ابن عباس: أقمنا تسعة عشر، وقول أنس: أَقَمْنَا عَشْرًا يحتمل أن يكونا موطنين. قلتُ: بلا شك كما أسلفته لك. قَالَ الداودي: وليس هذا كله إلا في عام الفتح؛ لأنه لم يقم في

стр. 4730

حجته بعد أن فرغ منها وأقام في الفتح قبل خروجه إلى هوازن والطائف مدة وأقام بعد رجوعه إلى مكة. وإما أن يكون أحدهما في موطن غير الآخر، أو يكون أحدهما حفظ ما لم يحفظه الآخر. أما قول أنس، فقال مالك: هو في حجة الوداع، وقد شهدها أنس وابن عباس، ولا يحفظ أن ابن عباس شهد الفتح، وكان حيئنذٍ ابن إحدى عشرة سنة وأشهر. قلتُ: القضية متعددة قطعًا، فقضية ابن عباس في الفتح، وأنس في حجة الوداع. وقال ابن بطال: إنما أقام الشارع تسعة عشر يومًا يقصر؛ لأنه كان محاصرًا في حصار الطائف أو في حرب هوازن، فجعل ابن عباس هذِه المدة حدًّا بين التقصير والإتمام. قَالَ المهلب: والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس، ويقولون: إنه كان ﷺ في هذِه المدة التي ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار؛ لأنه كان ينتظر الفتح ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى هذِه المدة، ثم ما بعد ذلك حضر يتم فيه، ولم يراع نيته في ذلك، ثم روى حديث إقامته بتبوك يقصر عشرين ليلة. وروى ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح أنه سأل سالم بن عبد الله: كيف كان يصنع ابن عمر؟ قَالَ: إذا أجمع المكث أتم، وإذا أقام اليوم وغدًا قصر الصلاة وإن مكث عشرين ليلة. والعلماء مجمعون على هذا لا يختلفون فيه. قلتُ: وأين الإجماع وقد علمت الخلاف الطويل الذي سقته!
следующие страницы →