← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

قدمت بلدًا وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة (١). الحادي عشر: ستة عشر يومًا، وهو مروي، عن الليث أيضًا. الثاني عشر: سبعة عشر يومًا، وهو قول للشافعي للحديث السالف، وقد صححه ابن حبان (٢). الثالث عشر: ثمانية عشر يومًا، وهو أصح أقوال الشافعي؛ اعتمادًا منه على حديث عمران بن حصين السالف؛ لسلامته من الاختلاف، فإنه لم يروَ إلا هكذا، بخلاف حديث ابن عباس، فإن روايته تنوعت كما سلف، لكن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو متكلم فيه كما سلف. الرابع عشر: تسعة عشر يومًا، وهو الصحيح عن ابن عباس كما مر، قاله إسحاق كما نقله الترمذي عنه (٣)، وهو أحد أقوال الشافعي (٤)، وهو القوي عندي، وبه أفتي؛ لأن الباب باب اتباع، وهذا أصح ما ورد فلا يعدل عنه. الخامس عشر: عشرون يومًا، وفيه: حديث في غزوة تبوك أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث جابر، وصححه ابن حبان (٥)، وهو أحد

стр. 4727

أقوال الشافعي (١). السادس عشر: يقصر حَتَّى يأتي مصرًا من الأمصار، قاله الحسن البصري كما نقله عنه ابن عبد البر وقال: لا نعلم أحدًا قاله غيره (٢). السابع عشر: يقصر مطلقًا، وحكي عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو أحد أقوال الشافعي، ونقله البغوي عن أكثر أهل العلم (٣)، وحكى الترمذي الإجماع عليه قياسًا على المقدار الذي ورد (٤)؛ لأن الظاهر أنه لو استمرت الإقامة على ذلك استمر القصر؛ لأن الصحابة أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. وأقام أنس مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يقصر الصلاة. وأقام عمر ومن معه بأذربيجان ستة أشهر في غزاة يقصر الصلاة وقد ارتج عليهم الثلج. روى الكل البيهقي بإسناد صحيح (٥). وأما حديث ابن عباس (٦) أنه ﷺ أقام

стр. 4728

أربعين يومًا بخيبر يقصر الصلاة، فضعيف (١). قَالَ إمام الحرمين: هذا القول يقرب من القطعيات. قَالَ: وقد أقام أنس بن مالك سنة أو سنتين بنيسابور يقصر، وأقام علقمة بخوارزم سنين يقصر، وكذا عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنين يقصر، فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل غير ناويَ الإقامة، فجاز له القصر كما في الثمانية عشر. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قَالَ: إن أقمت في بلد خمسة أشهر، فقصر الصلاة. وعن عبد الرحمن قَالَ: أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بعمان يقصر الصلاة ونحن نتم، فقلنا له، فقال: نحن أعلم. وعن أبي المنهال، عن رجل من عنزة، قلتُ لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشد على سفر. فقال: صلِّ ركعتين (٢). وإذا جمع الخلاف عندنا في حال القتال وغيره، وركبت بعض الوجوه مع بعض واختصرت، قلتُ: في ذلك ثمانية عشر قولًا وجهًا: ثلاثة أيام، أربعة، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرين، أبدًا، يقصر من غير حاجة قتال ثلاثة، ومن حاجته سبعة عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها ثمانية عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها تسعة عشر، من عدمها ثلاثة ومنها عشرون، من عدمها ثلاثة ومنها أبدًا، والثالث عشر إلى السابع عشر: من عدمها أربعة

стр. 4729

ومن حاجته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو عشرون، أو أبدًا. والثامن عشر: يقصر من غير حاجة قتال ثمانية عشر يومًا، ومن حاجة قتال يقصر أبدًا. كذا جمع الخلاف ابن الرفعة، ولا بد من تحريره فليتأمل. قال ابن التين: وإقامة الشارع تسعة عشر يقصر يحتمل أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، أو أقام ذلك في أرض العدو حيث لا يملك الإقامة. وجعل ابن عباس تسعة عشر هذا من رأيه. وقوله: (إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا)، سمى الإقامة بالمصر سفرًا؛ لأنه في حكم المسافر، وكأن ابن عباس ذهب إلى أن الأصل في الصلاة الإتمام، فلا يقصر إلا ما جاء فيه نص، واعتمد البخاري كلام ابن عباس. قَالَ الخطابي: وهو الصحيح؛ لأنه جمع حكايته فعل الشارع وبقول ابن عباس. قَالَ الشافعي: إلا أنه شرط وجود الخوف ولو كانت العلة الخوف ما حَدَّثَني تسعة عشر (١). كذا نقل عنه، وهو غريب في اشتراط الخوف وتحديده بتسعة عشر. وقول أنس: (أَقَمْنَا عَشْرًا)، قَالَ أبو عبد الملك: هو ما تأولنا أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، ولكن يمنعه ما يعترضه من الشغل حَتَّى مضى عشر. وغيره تأوله على أنهم قدموا لصبح رابعه. فمقامهم بمكة دون أربعة أيام، وقول ابن عباس: أقمنا تسعة عشر، وقول أنس: أَقَمْنَا عَشْرًا يحتمل أن يكونا موطنين. قلتُ: بلا شك كما أسلفته لك. قَالَ الداودي: وليس هذا كله إلا في عام الفتح؛ لأنه لم يقم في

стр. 4730

حجته بعد أن فرغ منها وأقام في الفتح قبل خروجه إلى هوازن والطائف مدة وأقام بعد رجوعه إلى مكة. وإما أن يكون أحدهما في موطن غير الآخر، أو يكون أحدهما حفظ ما لم يحفظه الآخر. أما قول أنس، فقال مالك: هو في حجة الوداع، وقد شهدها أنس وابن عباس، ولا يحفظ أن ابن عباس شهد الفتح، وكان حيئنذٍ ابن إحدى عشرة سنة وأشهر. قلتُ: القضية متعددة قطعًا، فقضية ابن عباس في الفتح، وأنس في حجة الوداع. وقال ابن بطال: إنما أقام الشارع تسعة عشر يومًا يقصر؛ لأنه كان محاصرًا في حصار الطائف أو في حرب هوازن، فجعل ابن عباس هذِه المدة حدًّا بين التقصير والإتمام. قَالَ المهلب: والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس، ويقولون: إنه كان ﷺ في هذِه المدة التي ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار؛ لأنه كان ينتظر الفتح ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى هذِه المدة، ثم ما بعد ذلك حضر يتم فيه، ولم يراع نيته في ذلك، ثم روى حديث إقامته بتبوك يقصر عشرين ليلة. وروى ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح أنه سأل سالم بن عبد الله: كيف كان يصنع ابن عمر؟ قَالَ: إذا أجمع المكث أتم، وإذا أقام اليوم وغدًا قصر الصلاة وإن مكث عشرين ليلة. والعلماء مجمعون على هذا لا يختلفون فيه. قلتُ: وأين الإجماع وقد علمت الخلاف الطويل الذي سقته!

стр. 4731

وتأول الفقهاء حديث أنس أيضًا أن إقامته بمكة لا استيطانًا لها لئلا تكون رجوعًا في الهجرة، وقد روي عن ابن عباس أيضًا أن من نوى إقامة عشر ليال أن يتم الصلاة. وهو قول له آخر خلاف تأويله للحديث، ولا أعلم أحدًا من أئمة الفتوى قَالَ بحديث ابن عباس، وجعل التسعة عشر يومًا حدًا للتقصير، فهو مذهب له انفرد به (١). قلتُ: لكن الصحيح عنه تسعة عشر كما أسلفناه. ونقله الترمذي عن إسحاق (٢) ثم ذكر رواية ابن عباس: سبع عشرة، ثم قَالَ: وإنما جاء هذا الحديث -والله أعلم- من الرواة. قَالَ: ولم يقل: سبع عشرة أحد من الفقهاء أيضًا إلا الشافعي فإنه قَالَ: من أقام بدار الحرب خاصة سبع عشرة ليلة قصر (٣). قلتُ: مروي عن الليث، والمفتى به من مذهب الشافعي ثمانية عشر كما أسلفناه. قَالَ: وتأول الفقهاء حديث أنس أن إقامته بها عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل، فإنه يقصر فيه وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء. وقد سلف لك ما في هذا الإجماع. وفي حديث ابن عباس من الفقه ما ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي أن من كان بأرض العدو من المسلمين، ونوى إقامة مدة يتم المسافر في مثلها الصلاة أنه يقصر الصلاة؛ لأنه لا يدري متى يرحل (٤).

стр. 4732

قَالَ ابن القصار: والقول الثاني للشافعي الذي خالف فيه الفقهاء قَالَ: إن كان المقيمون بدار الحرب ينتظرون الرجوع في كل يوم، فإنه يجوز لهم أن يقصروا إلى سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يومًا، فإذا جاوزوا هذا المقدار أتموا، واحتج بأن الشارع أقام بهوازن هذِه المدة يقصر (١). وقول الأول الموافق للفقهاء أولى؛ لأن إقامة من كان بدار الحرب ليست إقامة صحيحة، وإنما هي موقوفة لما يتفق لهم من الفتح؛ لأن أرض العدو ليست بدار إقامة للمسلمين. وقد روى جابر أنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٢). وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يحارب ويقصر. وأقام أنس بنيسابور سنتين يقصر الصلاة، وفعله جماعة من الصحابة (٣).

стр. 4733

٢ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى ١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا. [١٦٥٥ - مسلم: ٦٩٤ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ -آمَنَ مَا كَانَ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. [١٦٥٦ - مسلم: ٦٩٦ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [١٦٥٧ - مسلم: ٦٩٥ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ أيامه، ثُمَّ أَتَمَّهَا. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي راوية لمسلم: عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر قال: صلى النبي ﵇ بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثمان سنين، أو قال: ست

стр. 4734

سنين (١). وروى أبو داود الطيالسي في "مسنده"، عن زمعة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى صلاة السفر ركعتين، ثم صلى أبو بكر ركعتين، ثم صلى بعده عمر ركعتين، ثم صلى بعده عثمان ركعتين، ثم أن عثمان أتم بعد (٢). الحديث الثاني: حديث شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بمِنًى رَكْعَتَيْنِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا هنا (٣)، ويأتي في الحج (٤)، ثم في رواية: ونحن أكثر ما كنا قط وأمنة بمنى ركعتين (٥)، وفي أخرى لمسلم في حجة الوداع (٦). وللإسماعيلي قال: قال غندر: في حديثه عن شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث عن حارثة بن وهب وحارثة بن وهب -بالحاء المهملة- صحابي وهو أخو عبد الله بن عمر لأمه، أمهما أم كلثوم بنت جرول الخزاعي (٧). الحديث الثالث: حديث عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ .. إلى قوله: فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.

стр. 4735

وأخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وأخرجه النسائي من غير ذكر عثمان من طريق علقمة عن ابن مسعود (١). إذا عرفت ذلك فالإجماع قائم على أن القصر بمنى وعرفة حكم الحاج الآفاقي الذي بينه وبينها مسافة القصر. وعند مالك أن الحاج المكي يقصر بهما، وكذا أهل عرفة بمكة ومنى يقصرون، وحجته التمسك بأحاديث الباب، ومثله في النسائي من حديث أنس (٢)، وفي ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر وأبي جحيفة. وعن القاسم، وسالم قالا: الصلاة بمنى قصر. وأن ابن عمر كان يتم بمكة، فإذا خرج إلى مني قصر (٣). ونقل ابن بطال اتفاق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، إذ ليست مكة دار إقامة إلا لأهلها، أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بمكة، فلذلك لم ينوِ الشارع الإقامة بمكة ولا بمنى. قَالَ: واختلف الفقهاء في صلاة المكي بمنى. فقال مالك: يتم المكي بمكة ويقصر بمنى، وكذا أهل مني يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات. وجعل هذِه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأنه ﷺ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قَالَ: يا أهل مكة أتموا. يعني: بعرفات. وهذا موضع بيان، وكذا عمر بعده قَالَ لأهل مكة: يا أهل

стр. 4736

مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر (١)، وكذا قاله الشارع بمكة. وممن روي عنه أن المكي يقصر بمنى ابن عمر، وسالم، والقاسم، وطاوس (٢)، وبه قَالَ الأوزاعي، وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفة من كان مقيمًا فيهما، واستدلوا بحديث حارثة ابن وهب المذكور في الكتاب، وكانت دار حارثة بمكة، ولو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقَالَ حارثة: وأتممنا نحن، أو قَالَ لنا: أتموا؛ لأنه ﷺ يلزمه البيان لأمته (٣)؛ ولأن عمل الحاج لا ينقضي في أقل من يوم وليلة مع الانتقال اللازم، والمشي من موضع إلى موضع لا يجوز الإخلال به، فجرى ذلك مجرى الشيء اللازم؛ ولأن من مكة إلى عرفة، ثم إلى مكة بمقدار ما يقصر فيه الصلاة، ويلزمه بالدخول فيه ملزمة القصر، ولا يلزم على هذا من يخرج من سفر بضعًا وعشرين ميلًا؛ لأن رجوعه هناك ليس بلازم، ورجوعه إلى مكة في الحج لازم؛ ولأنه عائد إلى الطواف، فصار لا بد من نية الرجوع بخلاف غيره من الأسفار. وهذا التعليل والذي قبله يخرج منه العَرَفيُّ. وروى عيسى عن ابن القاسم في أهل مني وأهل عرفة يفيضون بقصر العرفي، ويتم المنوي إلى منى؛ لأنه يرجع إلى وطنه بعد أن يفيض في مسافة إتمام، بخلاف العرفي، فإنه يفيض من مكة إلى غير وطنه لإتمام حجه، فإذا دفع من منى بعد انقضاء حجه لم يقصر إلى عرفة لما ذكرناه.

стр. 4737

واختلف قول مالك، وابن القاسم في صلاة المكي بالمحصب، هل يقصر؟ واختلافهما مبني على أن المحصب، هل هو مشروع، فمن قَالَ أنه مشروع قصر (١). وقال أكثر أهل العلم منهم عطاء، والزهري، وهو قول الثوري، والكوفيين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر (٢). قالوا في قول عمر: يا أهل منى أتموا، وكذا قول الشارع أيضًا ما أغنى أن يقول ذلك بمنى. قَالَ الطحاوي: وليس الحج موجبًا للقصر؛ لأن أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجًا أتموا وليس هو متعلقًا بالموضع، وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون، ولما كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج. واختلف العلماء في المسافة التي يقصر فيها، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون، وروي عن ابن مسعود: أقلها ثلاثة أيام ولياليهن سير الإبل ومشي الأقدام، وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية ابن سماعة عن محمد، ولم يريدوا به السير ليلًا ونهارًا؛ لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة. ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل في يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ فقيل: أحد وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر. وعليه الفتوى، وقيل:

стр. 4738

خمسة عشر ومدته ثلاثة أيام ولياليهن. وهو مذهب عثمان، وابن مسعود، وحذيفة، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن بن حي، وأبي قلابة، وشريك بن عبد الله، وابن جبير، وابن سيرين، ورواية عن ابن عمر، واحتج لهم بحديث ابن عمر وأبي هريرة الآتي: "لا تسافر المرأة ثلاثًا" (١). وقالوا: لما اختلفت الآثار والعلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وكان الأصل التمام، لم يجب أن ينتقل عنه إلا بيقين. واليقين ما لا ينازع فيه، وذلك ثلاثة أيام. والجواب أن الشارع قد ذكر اليوم والليلة ونص عليه، فهو أولى من ذلك. والدليل إذا اجتمع مع النص قضي بالنص عليه. وعن مالك: لا يقصر (٢) في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي وهو ستة عشر فرسخًا. وهو قول أحمد (٣)، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وذلك يومان، وهي أربعة برد، وهذا هو المشهور عنه، وعن مالك أيضًا خمسة وأربعون ميلًا. وعنه: اثنان وأربعون ميلًا. وأربعون. وستة وثلاثون ميلًا. عزاها ابن حزم إلى رواية إسماعيل القاضي في "مبسوطه"، قَالَ: وذا لأهل مكة خاصة، ويقصر إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال (٤). وقال ابن بطال: كان مالك يقول: يقصر في مسيرة يوم وليلة. ثم رجع فقال: يقصر في أربعة برد. كقول ابن عمر، وابن عباس، وبه قَالَ

стр. 4739

الليث، والشافعي في أحد أقواله، وهو قول أحمد، وإسحاق. وروى أشهب عن مالك فيمن خرج إلى ضيعته وهي رأس خمسة وأربعين ميلًا أنه يقصر. وعن ابن القاسم فيمن قصر في ستة وثلاثين ميلًا لا يعيد. وقال يحيى بن يعمر: يعيد أبدًا. وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يقصر في أربعين ميلًا، وهي قريب من أربعة برد (١). وقال الأوزاعي: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ، ونُقل عنه: اثنا عشر يومًا فما زاد. وقالت طائفة: يقصر في يومين. روي عن ابن عمر، والحسن البصري (٢)، والزهري، وحكي مثله عن الشافعي. وقال الأوزاعي: كان أنس يقصر في خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا. وللشافعي سبعة نصوص في مسافة القصر: ثمانية وأربعون ميلًا، ستة وأربعون ميلًا، أكثر من أربعين، أربعون، يومان، ليلة، ويوم وليلة (٣). قلتُ: الليلة بلا يوم (٤)، وحملت على شيء واحد. والأول هو الأصح. وعن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره، حكاه في "التمهيد" عنه (٥). قال أبو حامد: حَتَّى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر (٦). وذكر ابن حزم في "محلاه" أنه لا يقصر في أقل من ميل عند

стр. 4740

الظاهرية. قَالَ: ولا يجوز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على من سماه من هو حجة في اللغة سفرًا، فلم يحدد ذلك في أقل من ميل، وقد روينا الميل عن ابن عمر، فإنه قَالَ: لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة (١)، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك (٢)، والمسألة محل بسطها الخلافيات، وقد عقد لها البخاري بابًا ستمر به قريبًا -إن شاء الله- واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ سافر فرسخًا فقصر (٣)، ولا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أن سفره كان فرسخًا، ويجوز أن يكون فعل ذلك إشارة إلى أنه لا يفتقر القصر إلى قطع جميع المسافة، بل بالشروع فيها. وعبارة ابن بطال: حكى من لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر أنه يجوز القصر في قليل السفر وكثيره إذا جاوز البنيان، ولو قصد إلى بستانه، وحكوه عن علي (٤). وحجة مالك حديث: "لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة" (٥) فجعل اليوم والليلة حكمًا خلاف الحضر، فعلمنا أنه الزمن الفاصل بين السفر الذي يجوز فيه القصر، وبين ما لا يجوز (٦). ونقل القاضي أبو محمد وغيره إجماع الصحابة على اعتبار مسافة، وإن اختلفوا في مقدارها،

стр. 4741

فمن لم يعتبرها خرق الإجماع. والميل ونحوه لا مشقة في قطعه فصار كالحضر. واختلف العلماء سلفًا وخلفًا في إتمام الصلاة في السفر، فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة. وروي عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص أنهما كانا يتمان فيه، ذكره عطاء بن أبي رباح عنهما (١)، وعن حذيفة مثله. وروي مثله عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة (٢). وروى أبو مصعب عن مالك قَالَ: قصر الصلاة في السفر سنة، وهو قول الشافعي إذا بلغ سفره ثلاثة مراحل، وأبي ثور. وعن الشافعي قول: أنه مخير بينهما، غير أن الإتمام أفضل. وذهب بعض أصحابه إلى أنه مخير، والقصر أفضل (٣). قَالَ ابن القصار: وهذا اختيار الأبهري واختياري. وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان، روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو قول الكوفيين، ومحمد بن سحنون. واختاره إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك (٤). واحتج الكوفيون بحديث عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر. وقد سلف في أول كتاب الصلاة شيء من معنى ذلك (٥)، ولا شك أن الفرض يأتي بمعنى لغير الإيجاب كما تقول: فرض القاضي النفقة، إذا قدرها وبينها. ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ

стр. 4742

تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي بين لكم كيف تكَفِّرون عنها في قول بعض المفسرين. وقال الطبري: يحتمل قول عائشة: فرضت ركعتين في السفر، يعني: إن اختار المسافر ذلك، وإن اختار أربعًا. ونظير هذا التخيير النفر الأول من منى فإنه غير فيه. ولو كان فرض المسافر ركعتين فقط لما جاز له جعلها أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن يجعل صلاته مثنى وصلاة الفجر أربعًا. وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا ائتم بمقيم في جزء من صلاته أنه يلزمه الإتمام. فهذا يدل على أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير. وقال: إن من أتم من المسافرين فالفرض أختار، وإن من قصر فهو تمام فرضه. واختلف الناس في وجه إتمام عثمان على أقوال: أحدها: أنه أمير المؤمنين، فحيث كان في بلد فهو عمله. قاله أبو الجهم، ووجهه أن للإمام تأثيرًا في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة إذا مر بقوم أنه يجمع بهم الجمعة. غير أن عثمان سار مع الشارع إلى مكة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، ويخدش في ذلك أن الشارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، نعم صح عنه أنه كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله كما ستعلمه (١). ثانيها: أنه اتخذ منى مسكنًا، فلذلك أتم. روى معمر، عن الزهري

стр. 4743

قَالَ: إنما فعل ذلك؛ لأنه أزمع على المقام بعد الحج. ذكره أبو داود. وروى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه -وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب- قَالَ: صلى بنا عثمان أربعًا، فلما سلم أقبل على الناس فقال: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله ﷺ "من تأهل لبلدة فهو من أهلها فَلْيصل أربعة"، وعزاه ابن التين إلى رواية ابن سنجر: أن عثمان صلى بمنى أربعًا فأنكروا عليه فقال: يا أيها الناس إني لما قدمت تأهلت بها، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تأهل الرجل ببلد، فليصل بهم صلاة المقيم" وهذا منقطع، أخرجه البيهقي من حديث عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف عن ابن أبي ذئاب، عن أبيه قَالَ: صلى عثمان (١) (٢). وقال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن الزهري قَالَ: بلغني أن عثمان إنما صلى أربعًا -يعني: بمنى- لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج، وهذا يرده أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث لا يجوز (٣). وقال ابن التين: لا يمنع ذلك إذ [عرض] له أمر أوجب مقامه أربعة أيام لضرورة. وقد قَالَ مالك في "العتبية" فيمن يقيم بمنى ليخف الناس: يتم. في أحد قوليه، ومثل هذا الجواب أن أهله كانوا معه بمكة. ويرده أن الشارع كان يسافر بزوجاته، وكن معه بمكة، ومع ذلك يقصر، ومثله إنما أتم لأنه أقام بمكة قبل مخرجه إلى منى مدة توجب الإتمام. واعتقد أن

стр. 4744

مسافة الخروج إلى عرفة إذا انفصلت عما قبلها من السفر لا توجب القصر. ولا شك أن عثمان لا يتعمد مخالفة الشارع لغير معنى، ومثله أنه كان له بمنى أرض فكأنه كالمقيم، وهذا فيه بعد، إذ لم يقل أحد: إن المسافر إذا مر بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل أن حكمه حكم المقيم. ثالثها: ما رواه أيوب، عن الزهري أن الأعراب كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع، ذكره أبو داود (١). وقال البيهقي في "المعرفة": قد روينا بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال: أيها الناس، إن القصر سنة رسول الله ﷺ ، وسنة صاحبيه، ولكنه حدث قيام من الناس فخفت أن يستنوا (٢). وقال ابن جريج: إن أعرابيًّا ناداه في منى فقال: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام الأول صليتها ركعتين، فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان، وهذا يرده أن الشارع كان أولى بذلك ولم يفعله (٣). رابعها: أنه تأول أن القصر رخصة غير واجب، وأخذ بالأكمل الأتم، وتأول أن الشارع قصد بقصره التخفيف كالفطر ويؤيده ما رواه الطحاوي، عن عائشة: قصر النبي ﷺ وأتم في السفر (٤)، وكان

стр. 4745

سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة، وعائشة، وعثمان يتمون، وكذا تأولت عائشة (١). قَالَ القرطبي: وهذا هو الوجه (٢)، وفيه نظر، فحديث البخاري الآتي عن ابن عمر في باب من لم يتطوع في السفر: صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك (٣). ورواه مسلم بلفظ: صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله (٤). فهذا دال على أن عثمان صلى ركعتين إلى أن قبض إلا أن يؤول في أواخر أمره، أو المراد: صحبه في سائر أسفاره غير منى؛ لأن إتمامه إنما كان بها على ما فسره عمران بن حصين. وفي "الموطأ" عن ابن عمر أنه كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا (٥). والإمام ذكر أنه عثمان، فتأول ابن عمر أن عثمان لم يره مقامًا يبيح القصر على ما تقدم. وروى أبو داود من حديث معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعًا، قَالَ: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟ قَالَ: الخلاف شر (٦).

стр. 4746

وذكر أبو داود عن الزهري قَالَ: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا (١). واسترجاع ابن مسعود لما رأى عثمان أتم خلاف ما عهد من الشارع وصاحبيه دليل على إنكاره في خلاف الأفضل فقط؛ إذ لو اعتقد أن فرضه القصر لم يصح أن يصليها خلفه ولم يجز له أن يتم، ولا سكتت الصحابة من غير نكير. وزعم الداودي أن ابن مسعود كان يرى القصر فرضًا. قَالَ أبو سليمان: من أجل الأسوة، يريد إذا لم يتأس بفعله ﷺ وصاحبيه، فلأجل ذلك استرجع. وهذا يرد ما أوله أنه صلى أربعًا، وقال: الخلاف شر، فلو كان يعتقد القصر فرضًا لكان الخلاف شرًا لا خيرًا (٢). والظاهر في ذلك إنما قَالَ ذلك لأنه رأى أن الخلاف على الإمام فيما سبيله التخيير والإباحة شر، وهو ما أبداه ابن بطال (٣). وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصلاة في السفر. فقال: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا (٤). وذكر عن أبي قلابة أنه قَالَ: إن صليت في السفر ركعتين فالسنة، وإن صليت أربعًا فالسنة (٥). ولما ذكر ابن بطال مقالة الزهري، وابن جريج، ومعمر، وما رواه عبد الله بن الحارث قَالَ: هذِه الوجوه كلها ليست

стр. 4747

بشيء (١). قَالَ الطحاوي: وذلك لأن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع فلم يتم بهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع؛ لأنه بهم رءوف رحيم (٢). قَالَ غيره: ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود، وقد يجوزوا أن صلاة الجمعة في كل يوم ركعتان. وأما ما ذكر عنه أنه أزمع على المقام بعد الحج فليس بشيء؛ لأن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة، وهذا أسلفته. وصح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج من مكة؛ خشية أن يرجع في هجرته التي هاجرها لله. وما ذكر عنه أنه اتخذ أهلًا بمكة، فالشارع كان في غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر بأهله بعد أن يقرع بينهن (٣)، وكان أولى أن يتأول ذلك ويفعله، فلم يفعله وقصر. وكذا ما تأولوا في إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث ما حلَّت فهو بيتها، وهذا في الضعف مثل الأول. ألا ترى أنه ﷺ كان أبًا للمؤمنين، وهو أولى بهم من عائشة، ولم يتأول ذلك. قَالَ ابن بطال (٤): والوجه الصحيح في ذلك -والله أعلم- أن عثمان وعائشة إنما أتما في السفر؛ لأنهما اعتقدا في قصره ﷺ أنه لما خير بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته، وقد قالت عائشة: ما خير رسول الله ﷺ في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن

стр. 4748

إثمًا (١)، فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة، وتركا الرخصة، إذ كان ذاك مباحًا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله فيه. ويدل على ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان، ثم صلى خلفه وأتم، فكلم في ذلك، فقال: الخلاف شر (٢)، وسلف ما فيه ووجهه. فصل: (وقول حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ). يريد أنه قصر من غير خوف كما هو مذهب الجمهور، وكما هو ثابت في "صحيح مسلم" من حديث يعلى عن عمر (٣). وعن عائشة ﵂ أنها كانت تقول في السفر: فأتموا. فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين. فقالت: إنه كان في خوف، فهل تخافون أنتم؟ (٤) وحديث حارثة يرده. وقوله: (فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكْعَتَانِ مُتَقَبلَتَانِ). يريد: إني صليت أربعًا وتكلفتها، فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. هذا تأويل أبي عبد الملك. وقال الداودي نحوه، قَالَ: إنما خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وفعلها مع عثمان كراهية الخلاف كما سبق، ومخبر بما في نفسه.

стр. 4749

٣ - باب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ ؟ ١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ. [١٥٦٤، ٣٨٣٢ - مسلم: ١٢٤٠ - فتح: ٢/ ٥٦٥] ذكر فيه عن أبي العالية- واسمه: زياد بن فيروز البرَّاء؛ لبريه النبل. وقال ابن التين: لبريه القصب. وقيل: النبل- عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ. الشرح: حديث ابن عباس هذا أخرجه مسلم (١). وحديث عطاء -هو ابن أبي رباح- يأتي في الحج (٢) -إن شاء الله- وهو حديث أنس السالف الذي فيه: عشرة أيام (٣). وقال في كتاب المغازي، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه. وذكر فيه عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل السائب ابن أخت نمر: ما سمعت في سكنى مكة؟ قَالَ: سمعت العلاء بن الحضرمي، قَالَ رسول الله ﷺ : "ثلاثة للمهاجر بعد الصدر" (٤). وقال أحمد بن حنبل: قدم النبي ﷺ مكة صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وهو في ذلك كله

стр. 4750

يقصر الصلاة، ثم خرج يوم التروية إلى منى، وهو الثامن، فلم يزل مسافرًا في المناسك إلى أن تم حجه. فجعل أحمد بن حنبل أربعة أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى إقامتها، وإن نوى أكثر من ذلك فهو حضر يتم فيه الصلاة. واستدل بحديث ابن عباس هذا (١)، وقد سلف ما فيه من المذاهب، وأقوال أصحابنا في باب: ما جاء في التقصير (٢). وقال ابن أبي صفرة: هذا الحديث يدل على أنه من أقام عشرين صلاة يقصر؛ لأنه ﷺ صلى في الرابع الظهر والعصر إلى صبح الثامن ولم يتم، وهو حجة على ابن الماجشون، وسحنون في قولهما أنه من أقام عشرين صلاة أنه يتم (٣). وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها أنه يتم الصلاة ولا يقصر (٤). وروي مثله عن عمر، وعثمان، وحجة هذِه المقالة حديث العلاء بن الحضرمي السالف، أنه جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا ثم يصدر. وذلك أن الله تعالى حرم على المهاجرين الإقامة بمكة، ولا تستوطن، ثم أباح الثلاث بعد قضاء النسك فتبين أن أيام مكثه هي سفر لا إقامة، إذ لو كان فوق الثلاث سفرًا لما منعهم من ذلك، فدل أنه إقامة ووجب أن تكون الثلاث فصل بين السفر والإقامة، ولا وجه لمن اعتبر مقامه ﷺ من حين دخوله مكة إلى خروجه إلى منى، ولا إلى صدره إلى المدينة؛ لأن مكة ليست له بدار إقامة، ولا لأحد من المهاجرين؛

стр. 4751

لأنه ﷺ لم يزل مسافرًا منذ خرج من المدينة، وقصر بذي الحليفة إلى أن انصرف إلى المدينة، ولم ينو في شيء من ذلك إقامة. وادعى ابن بطال أن أصح الأقوال في المسألة قول مالك، ومن وافقه، وبيان ذلك من حديث ابن عباس مع الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة، أن مقامه بمكة في حجته كانت عشرة أيام كما قَالَ أنس في حديثه. وذلك أنه ﷺ قدم مكة صبح رابع ذي الحجة، وكان يوم الأحد، صلى الصبح بذي طوى، واستهل ذو الحجة ذلك العام ليلة الخميس، فأقام بمكة يوم الأحد إلى ليلة الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس إلى مني، فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات، أي: بعد الزوال، وخطبته بنمرة بقرب عرفات، وبقي بها إلى الغروب، ثم أفاض ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلى الصبح، ثم أفاض بها قبل طلوع شمس يوم السبت، وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوة، ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم فطاف بالبيت قبل الزوال، ثم رجع في يومه ذلك إلى منى، فأقام بها باقي يوم السبت، والأحد والاثنين والثلاثاء، ثم أفاض بعد ظهر الثلاثاء وهو آخر أيام التشريق إلى المحصب، فصلى به الظهر، وبات فيه ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة أعمر عائشة من التنعيم، ثم طاف طواف الوداع سحرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وهو صبيحة رابع عشرة، فأقام عشرة أيام كما سلف من حديث أنس، ثم نهض إلى المدينة، وكان خروجه من المدينة إلى مكة يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة، وصلى الظهر بذي الحليفة، وأحرم بإثرها، وهذا كله مستنبط من قوله: (قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة)، ومن الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم جمعة، وفيه

стр. 4752

نزلت: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٣]. قلتُ: والدليل من القرآن اعتبار مقالة الشافعي ومن وافقه أن الله تعالى نقل المسافر من الصوم إلى الفطر في سفر يوم، فكذا القصر. فصل: قوله: (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً)، إنما كان ذلك خاصة لهم في ذلك العام عملًا بقوله: ألنا ولمن بعدنا؟ قَالَ: "بل لكم خاصة" (٢) وهذِه المتعة التي كان عمر ينهى عنها ويضرب عليها؛ لأنه ﷺ قَالَ: "هي لكم خاصة". وتعلق قوم بإجازة ذلك ولم يبلغهم الخصوص.

стр. 4753

٤ - باب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. ١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". [١٠٨٧ - مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٢/ ٥٦٥] ١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٠٨٦ - مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ". تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ، عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. [مسلم: ١٣٣٩ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ثم ساق بإسناده حديث ابن عمر: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ المَرْأةُ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". وعنه: "لَا تُسَافِرِ المَرْأةُ ثَلًاثا إِلَّا ومَعَها ذو مَحْرَمٍ" ذكر الأول من حديث أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. والثاني عن يحيى -هو القطان- عن عبيد الله به- ثم قَالَ: تابعه أحمد عن ابن المبارك، عن عبيد الله به.

стр. 4754

ثم ساق حديث: سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ". تابعه يحيى بن أبي كثير وسهيل ومالك، عن المقبري، عن أبي هريرة. الشرح: أما قوله: (وسمى النبي ﷺ السفر يومًا وَلَيْلَة)، مراده ما أخرجه في الباب من حديث أبي هريرة: "أن تسافر مسيرة يوم وليلة" وأما أثر ابن عمر وابن عباس فرواهما البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح، أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك. رواه من طريق الشافعي وابن بكير، عن مالك، عن نافع، عن سالم، أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد. ومن طريقيهما، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وذلك نحو من أربعة برد (١). وذكره ابن حزم فقال: وعن معمر أخبرني أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. قَالَ: وهذا فيما اختلف فيه على ابن عمر (٢). وروى ابن أبي شيبة ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن سالم أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر فرسخًا (٣). وروى بإسناده إلى ابن بكير، ثنا مالك أنه بلغه أن ابن عباس

стр. 4755

كان يقصر الصلاة فيما بين مكة والطائف، وفيما بين مكة وجُدَّة (١)، وفيما بين مكة وعسفان. قَالَ مالك: وذلك أربعة برد (٢). وروي أيضًا عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قَالَ: "يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان" (٣). قَالَ البيهقي: وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس (٤).

стр. 4756

وأما القاضي أبو الطيب من أصحابنا فعزاه إلى "صحيح ابن خزيمة"، وراجعت "صحيحه"، وهو عزيز الوجود، فلم أجد فيه (١). وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم وأبو داود أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عنه. ومن طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع، عنه، ولفظه: "لا تسافر مسيرة ثلاث ليال" (٢). وأخرجه الإسماعيلي من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله. وأخرجه ابن راهويه، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، وأحمد الذي علق عنه البخاري: هو أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس المروزي المعروف بمردويه، مات سنة خمس وثلاثين، كذا هو بخط الحافظ الدمياطي، وقال: روى له البخاري، والترمذي، والنسائي، ثم قَالَ: لا بأس به، ثم قَالَ: وقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد ابن ثابت ابن عثمان أبو الحسن المروزي المعروف بابن شبويه، مات بطرسوس،

стр. 4757

سنة ثلاثين ومائتين، روى عنه أبو داود (١). ونقل شيخنا قطب الدين في "شرحه" عن الحاكم أنه الأول. ولم يذكره الدارقطني أنه في البخاري، ثم ذكر الثاني عن الدارقطني كما ذكره سواء. ولم يذكر الحاكم، وابن طاهر أنه في البخاري. وذكر أبو الوليد الباجي في "رجال البخاري" ما نصه: وقال ابن عدي: أحمد ابن محمد يروي عن عبد الله، عن معمر، لا يعرف (٢). وذكر الدارقطني حديث نافع عن ابن عمر هذا فقال: يرويه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. وقال يحيى القطان: ما أنكرت على عبيد الله بن عمر إلا حديثًا واحدًا، هذا الحديث. قَالَ: ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وخالفه إبراهيم الصائغ فرواه عن ابن عمر مرفوعًا، وزاد ألفاظًا لم يأتِ بها غيره. قلتُ: عبيد الله أجل من يحيى بكثير، وقد روى عنه هذا الحديث كما أخرجه البخاري وغيره. ورواه ابن أبي شيبة في "مسنده" عن ابن نمير، وأبي أسامة، عن عبد الله، عن نافع به (٣). وأما حديث أبي هريرة، والمتابعة في آخره، فكذا هو ثابت في أكثر نسخ البخاري، وفي بعضها عن المقبري بدون أبي هريرة. وقال أبو نعيم في "مستخرجه" أنه في البخاري بإثباته، وهو حديث مختلف في إسناده،

стр. 4758

فقيل: عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقيل بإسقاط أبيه كما أخرجه ابن ماجه (١)، وقيل بإسقاط أبي هريرة. وأما متابعة يحيى بن أبي كثير، فذكر أبو مسعود وخلف في أطرافهما، وأبو نعيم في "مستخرجه" أن البخاري أخرجها عن سعيد، عن أبي هريرة. وذكر الحميدي فيها وسهيل ومالك بزيادة أبيه. ورواه سفيان، عن يحيى بإثبات أبيه، وذكره البيهقي (٢). وأما متابعة مالك فوقع فيها كما وقع في متابعة يحيى، ورواه جماعة "الموطأ" عن مالك بإسقاط أبيه (٣). وكان سعيد -فيما يقولون- قد سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة، كذا قَالَ ابن معين وغيره، فجعلها كلها أحيانًا عن أبي هريرة، وروي عن مالك بإثباته، وكذا أخرجه أبو داود، والترمذي (٤). وقد روى عن مالك الوليد بن مسلم مثل رواية بشر، أخرجها الإسماعيلي. وأما متابعة سهيل فوقع فيها كما سلف في المتابعتين السالفتين. وقد أخرجه أبو داود والبيهقي من طريقه، عن سعيد، عن أبي هريرة. ولفظه: "لا تسافر امرأة بريدًا إلا مع ذي محرم" (٥).

стр. 4759

قَالَ ابن عبد البر: وحديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مضطرب إسنادًا ومتنًا (١). وفي رواية: "مسيرة ليلة" ذكرها ابن عبد البر (٢). واستدرك الدارقطني على الشيخين إخراجه عن ابن أبي ذئب، وعلى مسلم إخراجه عن الليث (٣). وقال: الصواب: عن سعيد، عن أبي هريرة بإسقاط ذكر أبيه، واحتج بأن مالكًا، ويحيى، وسهيلًا أسقطوه. قَالَ: والصحيح من حديث مسلم إسقاطه؛ وكذا ذكره ابن مسعود كما سلف، وكذا رواه معظم رواة "الموطأ" عن مالك. قَالَ الدارقطني: ورواه الزهراني والفروي عن مالك فقالا: عن سعيد، عن أبيه. وذكر النووي عن خلف في "أطرافه" أن مسلمًا رواه بإثبات أبيه (٤)، وكذا رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح من طريق بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة (٥). ورواه أبو داود في الحج عن القعنبي، والنفيلي عن مالك، وجرير، كلاهما عن سهيل بإسقاط (٦). فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه. فلعله سمع من أبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيح. وقد روى هذا الحديث أيضًا أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أخرج الأول الشيخان ففي

стр. 4760

لفظ: "لا تسافر المرأة يومين" (١) وفي لفظ: "ثلًاثا" (٢) وفي لفظ: "فوق ثلاث" (٣) وفي لفظ: "أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا" (٤). وأخرج الثاني الشيخان أيضًا بإطلاق السفر (٥). وأخرج الثالث ابن عبد البر، وقال مثله مقطوعًا على حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام" (٦). إذا تقرر ذلك، فالكلام على ما في الباب من أوجه: أحدها: أربعة برد: ستة عشر فرسخًا. قَالَ صاحب "المطالع": البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، زاد ابن الأثير في "غريبه": والميل: أربعة آلاف ذراع (٧)، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، والميل من الأرض: منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل فيه على وجه الأرض حَتَّى يفنى إدراكه. وفيه سبعة مذاهب:

стр. 4761

أحدها: قاله صاحب "التنبيهات": هو عشر غلا، والغلوة: طلق الفرس وهو مائتا ذراع، فيكون الميل ألفي ذراع. وذكر في "المعرب" أن الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقال ابن الأثير: الغلوة قدر رمية سهم (١). الثاني: قال أبو عمر: أصح ما فيه أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة. الثالث: ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب "البيان". الرابع: أربعة آلاف. الخامس: مد البصر، ذكره الجوهري (٢). السادس: ألف خطوة بخطوة الجمل. السابع: أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آت أو ذاهب، رجل أو امرأة. وذكر ابن قدامة عن الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في كم يقصر؟ قَالَ: في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قَالَ: أربعة برد ستة عشر فرسخًا، مسيرة يومين، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل -كما قَالَ القاضي- اثنا عشر ألف قدم. وذلك يومان (٣). الثاني: ظاهر الأحاديث الواردة في الباب حرمة ما يسمى سفرًا للمرأة، إلا مع زوج أو محرم، وفي معنى ذلك النسوة الثقات؛ وكذا الواحدة في الجواز على الأصح (٤). فالمحرم إذن شرط في وجوب الحج

стр. 4762

عليها، وبه قَالَ النخعي، والحسن (١). وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث وأجلهم الشافعي (٢). وذهب عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، وعزي إلى الشافعي أيضًا إلى أن ذلك ليس بشرط (٣)، وروي مثله عن عائشة (٤). وقال القرطبي: ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله: تخرج مع رجال أو نساء، هل بمجموع ذلك، أو في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله عنه أصحابنا من اشتراط النساء. وسبب هذا الاختلاف مخالفة ظاهر هذِه الأحاديث لظاهر السبيل في الآية (٥).

стр. 4763

وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام بهذِه الآية وبقوله: "بني الإسلام على خمس" (١) وعدّ منها الحج، فتعارضت مع الأحاديث الواردة في الباب: لا تسافر إلا مع كذا. واختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن قَالَ بقوله بينهما، بأن جعل الحديث مبينًا للاستطاعة في حق المرأة. ورأي مالك ومن قَالَ بقوله أن الاستطاعة سنة بنفسها في حق الرجال والنساء، وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، وقد خرجت المؤمنات مهاجرات ليس معهن محرم، وفيهن زينب بنت رسول الله ﷺ . وقد اشترط مالك خروجها للحج في جماعة الناس المرافقين بألفة الدين في سفر الطاعة لله، واستشعارهم الخشية له، ولذلك سن ﷺ بأمير أو سلطان محافظ وإمام معلم يحفظ الضيعة، ويضم الفاذة، ويرد الشاردة، ولا ينفرد أحد عن الجماعة، ولا تتفق الأعين كلها على الغفلة، ولا يجمع على النوم في وقت واحد. فلابد من وجود المراقبة على الجماعة، فضعف الخوف بحضور الكثرة. واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا لهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها بغير محرم، والفرق لائح، وهو أنها تخشى على نفسها ودينها من الإقامة، بخلاف تأخير الحج مع أنه هل هو على الفور، أو على التراخي؟ وخص الباجي الحديث بالشابة، ورد عليه بأن المرأة مظنة الطمع، ولكل ساقطة لاقطة.

стр. 4764

الثالث: قوله: "ثَلَاَثةَ أيَّامٍ"، وفي الرواية الأخرى: ("يوم وليلة")، وفي أخرى: "فوق ثلاث"، وفي أخرى: "ثلاث ليال"، وفي أخرى "يومين"، وفي أخرى: "يوم"، وفي أخرى: "ليلة"، وفي أخرى: إطلاق السفر، وفي أخرى لأبي داود: "بريدًا" (١)، والبريد: نصف يوم. وهذِه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين والمواطن، وليس في النهي عن الليلة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد، فأدى كل ما سمع وما جاء منها مختلفًا من راوٍ واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس فيه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر. ولم يرد ﷺ تحديدًا، بل ما يسمى سفرًا، ولا تعارض، ولا نسخ، خلافًا لقول الداودي: أحدهما ناسخ للآخر، ولا يعلمه بعينه فأخذ الأحوط؛ لأن الأصل أن لا تسافر المرأة أصلًا، ولا تخلو مع غير ذي محرم، خوف الخشية على ناقصات العقل والدين. وحديث أمر فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم (٢) مخصوص بمن علم صلاحه، كذا قاله ابن التين. وقيل في الجمع بأن اليوم المذكور مفرد، والليلة المفردة بمعنى: اليوم والليلة المجموعين. فاليوم إشارة إلى مدة الذهاب، واليوم والليلة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع، والثلاثة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع واليوم الذي يقضى فيه الحاجة. وقيل قد يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول

стр. 4765

العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أقل الجمع. الرابع: جميع المحارم سواء النسب والسبب كالرضاع والمصاهرة، وكره مالك سفرها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، والزوج أولى من المحرم؛ لاطلاعه على ما لا يطلع عليه، وعدم ذكره في بعض الروايات خطاب لمن لا زوج لها. وقال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام (١). الخامس: قوله: ("تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الأخِرِ") هو في موضع خبر؛ لأنه صفة امرأة، تقديره: لامرأة مؤمنة بالله. وفيه: تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها ذلك. وقوله: ("أَنْ تُسَافِرَ") هو في موضع رفع؛ لأنه فاعل، التقدير: لا يحل لها السفر، والهاء في "مسيرة يوم" للمرة الواحدة، التقدير: أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة؛ بخصوصية يوم وليلة (٢).
следующие страницы →