← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

أحدها: قاله صاحب "التنبيهات": هو عشر غلا، والغلوة: طلق الفرس وهو مائتا ذراع، فيكون الميل ألفي ذراع. وذكر في "المعرب" أن الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقال ابن الأثير: الغلوة قدر رمية سهم (١). الثاني: قال أبو عمر: أصح ما فيه أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة. الثالث: ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب "البيان". الرابع: أربعة آلاف. الخامس: مد البصر، ذكره الجوهري (٢). السادس: ألف خطوة بخطوة الجمل. السابع: أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آت أو ذاهب، رجل أو امرأة. وذكر ابن قدامة عن الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في كم يقصر؟ قَالَ: في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قَالَ: أربعة برد ستة عشر فرسخًا، مسيرة يومين، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل -كما قَالَ القاضي- اثنا عشر ألف قدم. وذلك يومان (٣). الثاني: ظاهر الأحاديث الواردة في الباب حرمة ما يسمى سفرًا للمرأة، إلا مع زوج أو محرم، وفي معنى ذلك النسوة الثقات؛ وكذا الواحدة في الجواز على الأصح (٤). فالمحرم إذن شرط في وجوب الحج

стр. 4762

عليها، وبه قَالَ النخعي، والحسن (١). وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث وأجلهم الشافعي (٢). وذهب عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، وعزي إلى الشافعي أيضًا إلى أن ذلك ليس بشرط (٣)، وروي مثله عن عائشة (٤). وقال القرطبي: ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله: تخرج مع رجال أو نساء، هل بمجموع ذلك، أو في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله عنه أصحابنا من اشتراط النساء. وسبب هذا الاختلاف مخالفة ظاهر هذِه الأحاديث لظاهر السبيل في الآية (٥).

стр. 4763

وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام بهذِه الآية وبقوله: "بني الإسلام على خمس" (١) وعدّ منها الحج، فتعارضت مع الأحاديث الواردة في الباب: لا تسافر إلا مع كذا. واختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن قَالَ بقوله بينهما، بأن جعل الحديث مبينًا للاستطاعة في حق المرأة. ورأي مالك ومن قَالَ بقوله أن الاستطاعة سنة بنفسها في حق الرجال والنساء، وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، وقد خرجت المؤمنات مهاجرات ليس معهن محرم، وفيهن زينب بنت رسول الله ﷺ . وقد اشترط مالك خروجها للحج في جماعة الناس المرافقين بألفة الدين في سفر الطاعة لله، واستشعارهم الخشية له، ولذلك سن ﷺ بأمير أو سلطان محافظ وإمام معلم يحفظ الضيعة، ويضم الفاذة، ويرد الشاردة، ولا ينفرد أحد عن الجماعة، ولا تتفق الأعين كلها على الغفلة، ولا يجمع على النوم في وقت واحد. فلابد من وجود المراقبة على الجماعة، فضعف الخوف بحضور الكثرة. واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا لهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها بغير محرم، والفرق لائح، وهو أنها تخشى على نفسها ودينها من الإقامة، بخلاف تأخير الحج مع أنه هل هو على الفور، أو على التراخي؟ وخص الباجي الحديث بالشابة، ورد عليه بأن المرأة مظنة الطمع، ولكل ساقطة لاقطة.

стр. 4764

الثالث: قوله: "ثَلَاَثةَ أيَّامٍ"، وفي الرواية الأخرى: ("يوم وليلة")، وفي أخرى: "فوق ثلاث"، وفي أخرى: "ثلاث ليال"، وفي أخرى "يومين"، وفي أخرى: "يوم"، وفي أخرى: "ليلة"، وفي أخرى: إطلاق السفر، وفي أخرى لأبي داود: "بريدًا" (١)، والبريد: نصف يوم. وهذِه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين والمواطن، وليس في النهي عن الليلة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد، فأدى كل ما سمع وما جاء منها مختلفًا من راوٍ واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس فيه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر. ولم يرد ﷺ تحديدًا، بل ما يسمى سفرًا، ولا تعارض، ولا نسخ، خلافًا لقول الداودي: أحدهما ناسخ للآخر، ولا يعلمه بعينه فأخذ الأحوط؛ لأن الأصل أن لا تسافر المرأة أصلًا، ولا تخلو مع غير ذي محرم، خوف الخشية على ناقصات العقل والدين. وحديث أمر فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم (٢) مخصوص بمن علم صلاحه، كذا قاله ابن التين. وقيل في الجمع بأن اليوم المذكور مفرد، والليلة المفردة بمعنى: اليوم والليلة المجموعين. فاليوم إشارة إلى مدة الذهاب، واليوم والليلة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع، والثلاثة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع واليوم الذي يقضى فيه الحاجة. وقيل قد يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول

стр. 4765

العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أقل الجمع. الرابع: جميع المحارم سواء النسب والسبب كالرضاع والمصاهرة، وكره مالك سفرها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، والزوج أولى من المحرم؛ لاطلاعه على ما لا يطلع عليه، وعدم ذكره في بعض الروايات خطاب لمن لا زوج لها. وقال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام (١). الخامس: قوله: ("تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الأخِرِ") هو في موضع خبر؛ لأنه صفة امرأة، تقديره: لامرأة مؤمنة بالله. وفيه: تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها ذلك. وقوله: ("أَنْ تُسَافِرَ") هو في موضع رفع؛ لأنه فاعل، التقدير: لا يحل لها السفر، والهاء في "مسيرة يوم" للمرة الواحدة، التقدير: أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة؛ بخصوصية يوم وليلة (٢).

стр. 4766

٥ - باب يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ عَلِيٌّ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ. قَالَ: لَا، حَتَّى نَدْخُلَهَا. ١٠٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. [١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٢/ ٥٦٩] ١٠٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. [انظر: ٣٥٠ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ٢/ ٥٦٩] ثم ذكر فيه حديث أنس: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. وحديث عائشة: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. الشرح: أما أثر علي فأخرجه البيهقي من حديث علي بن ربيعة، قَالَ: خرجنا مع علي فقصر ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا ونحن نرى البيوت، فقلنا له، فقال علي: نقصر حَتَّى ندخلها (١).

стр. 4767

وأخرجه ابن المغلس في "موضحه" أيضًا. ورواه البيهقي مرة بلفظ: عن علي بن ربيعة قَالَ: خرجنا مع علي متوجهين ها هنا، وأشار بيده إلى الشام، يصلي ركعتين ركعتين، حَتَّى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة، فقال: أيا أمير المؤمنين هذِه الكوفة، نتم الصلاة؟ قَالَ: لا، حَتَّى ندخلها (١). وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: صحيح (٢)، ويأتي في الحج مكررًا إن شاء الله (٣). وحديث عائشة أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٤). وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة كما صرح به الطرقي. ورواه البخاري أيضًا في علامات النبوة، من حديث يزيد، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى. تابعه عبد الرزاق عن معمر (٥). وروى ابن أبي نجيح من حديث سماك، عن عون بن أبي جحيفة،

стр. 4768

عن أبيه أن النبي ﷺ صلى بمكة سجدتين. ورواه عن سفيان أيضًا محمد بن عباد، وفي روايته بعد عثمان: وإني اتخذت أهلًا ومالًا. قَالَ ابن عبد البر: وكل من رواه قَالَ فيه -عن عائشة-: فرضت الصلاة، ولا يقول فرض الله، ولا فرض رسوله، إلا ما حدَّث به أبو إسحاق الحربي بإسناده إليها: فرض رسول الله ﷺ ، وغيره يقول: فرضت الصلاة (١). قلتُ: قد سلف في رواية البخاري في أول كتاب الصلاة بلفظ: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢)، وسيأتي في باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، كما ستعلمه إن شاء الله (٣). إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ذو الحليفة بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وذكر ابن حزم أربعة (٤). وقوله: الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، كذا هو هنا، وكذا رواه أبو نعيم عن سفيان، وكذا أبو نعيم والبيهقي (٥). قَالَ ابن حزم: والمراد بركعتين هي العصر، كما جاء مبينًا في رواية

стр. 4769

أخرى. قَالَ ابن حزم: وذلك من يومه. قَالَ: وكان ذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة. وابن سعد يقول: يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة (١). وفي "صحيح مسلم": لخمس بقين من ذي القعدة، وذلك سنة عشر؛ للحج (٢). الثاني: أورد الشافعي هذا الحديث مستدلًا على أن من أراد سفرًا وصلى قبل خروجه فإنه يتم كما فعل الشارع في الظهر بالمدينة، وقد نوى السفر ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين (٣). والحاصل أن من نوى السفر فلا يقصر حَتَّى يفارق سور تلك البلدة إن كان لها، فإن كان وراءه عمارة لم يشترط مجاوزتها في الأصح، وقيل بالاشتراط (٤)، وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق (٥). وعن قتادة: إذا فارق الجسر والخندق قصر (٦). وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه إذا أراد سفرًا صلى بهم ركعتين في منزله، فيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود (٧).

стр. 4770

وعن عطاء: إذا حضرت الصلاة ولم يخرج من بيوت القرية، فإن شاء قصر، وإن شاء أتم (١). وعن مجاهد: إذا خرج نهارًا فلا يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلًا فلا يقصر إلى النهار (٢). ورواية عن مالك أنه لا يقصر حَتَّى يجاوز ثلاثة أميال. وفي "مبسوط" الحنفية: يقصر حين يخلف عمران العصر (٣). ويقول عطاء بقول سليمان بن موسى في إباحة القصر في البلد لمن يرى السفر (٤). وقام الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة حَتَّى يبرز عن بيوت القرية التي يخرج منها (٥)، واختلفت الرواية عن مالك في صفة ذلك، ففي "المدونة" وكتاب ابن عبد الحكم عنه -وهو كما قَالَ ابن التين-: لا يقصر حَتَّى يبرز من بيوت القرية، ثم لا يزال يقصر حَتَّى يدنو منها راجعًا كقول الجماعة (٦). وروى ابن وهب عنه: لا أرى أن يقصر من حد ما تجب فيه الجمعة، وذلك ثلاثة أميال، وعنه أنه استحب ذلك؛ لأن ثلاثة أميال مع المصر كقرار واحد، وإذا رجع قصر إلى حده ذلك. وإن كانت قرية لا يجمعون أهلها قصر إذا جاوز بيوتها المنفصلة. وفي

стр. 4771

"المجموعة" عن مالك في البحر: إذا جاوز البيوت ورفع (١). واختار قوم من السلف: تقصر الصلاة قبل الخروج من بيوت القرية. قَالَ ابن المنذر: روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله. وروينا معنى هذا القول عن عطاء، وسليمان بن موسى. وشذ مجاهد فقال: إذا خرجت مسافرًا فلا تقصر لو مكثت حَتَّى الليل، وإذا خرجت ليلًا فحتى تصبح (٢). ولا أعلم أحدًا وافقه عليه، وهو مردود بالضرب في الأرض (٣)، وبفعله ﷺ حين أتم الظهر بالمدينة، وقصر العصر بذي الحليفة (٤)، وإنما قصر إذا خرج من بيوت القرية، لا قبل ذلك؛ لأن السفر يحتاج إلى عمل ونية، وليس كالإقامة التي تصح بالنية دون العمل. ولا شك أن المشقة حاصلة من ابتداء السفر إلى حين رجوعه، وسبب القصر في حديث أنس توجهه ﷺ إلى مكة كما ذكره البخاري في بعض طرقه (٥)، لا أنه كان سفره إلى ذي الحليفة فقط، وبين المدينة وذي الحليفة من ستة أميال إلى سبعة. فلا حجة لمن أجاز القصر في قليل السفر، ولمن خرج إلى بستانه؛ لأن الحجة في السنة لا فيما خالفها، وإنما لم يترك عليّ القصر وهو يرى الكوفة حَتَّى يدخلها؛ لأنه كان حكمه حكم المسافر في ذلك الوقت. فلو أراد أن

стр. 4772

يصلي حينئذٍ لصلى صلاة سفر، وكان له تأخير الصلاة إلى الكوفة إذا كان في سعة من الوقت، فيصليها صلاة حضر، فاختار ذلك؛ أخذًا بالأفضل واحتياطًا للإتمام حين طمع به وأمكنه. الثالث: حديث عائشة أسلفنا الكلام عليه في أول الصلاة (١)، كما أسلفنا الإشارة إليه. قَالَ الدولابي فيما نقله ابن التين: قدم الشارع المدينة وهو يصلي ركعتين، ثم نزل إتمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، بعد مقدمه بشهر، وأقرت صلاة المسافر. وقَالَ أبو محمد: فرضت الصلاة خمسًا بمكة ليلة الإثنين، وأتمت بالمدينة. وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة أربعًا في الظهر والعصر على هيئتها اليوم. وأنكر على من قَالَ: كانت ركعتين ثم أتمت بالمدينة، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد، وأنكر حديث عائشة. وقال ابن عبد البر: حديث عائشة صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحة إسناده، إلا أن الأوزاعي قَالَ فيه: عن الزهري، عن عروة، عنها، وهشام بن عروة، عن عروة، عنها، ولم يروه مالك عن الزهري، ولا عن هشام. إلا أن شيخًا يسمى محمد بن يحيى بن عباد بن هانئ، رواه عن مالك، وابن أخي الزهري جميعًا، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح

стр. 4773

في إسناده عن مالك ما في "الموطأ" (١)، وطرقه عن عائشة متواترة، وهو عنها صحيح ليس في إسناده مقال، إلا أن أهل العلم اختلفوا في معناه، فذهب جماعة منهم إلى ظاهره، وعمومه، وما يوجبه لفظه، فأوجبوا القصر في السفر فرضًا في كل رباعية. وأما الصبح والمغرب فلا يقصران إجماعًا (٢)، وإن حكي أن الصبح يقصر في الخوف إلى ركعة فهو شاذ (٣). وهذا يدل على أن قول عائشة ظاهره العموم، والمراد به الخصوص، ألا ترى خروج المغرب والصبح من ذلك، وهذا الحديث واضح في الفريضة، ألا ترى أن المصلي في الحضر لا تجوز الزيادة في صلاته بالإجماع، وكذا المسافر. وممن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز -إن صح عنه - وحماد بن أبي سليمان، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك، وقد روي عن مالك أيضًا، وهو المشهور عنه أنه قَالَ: من أتم في السفر أعاد في الوقت (٤)، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب قَالَ: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ (٥). رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي بإسناد صحيح (٦)، وعن ابن عمر

стр. 4774

قَالَ: صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد على ركعتين في السفر، وأبا بكر، وعمر، وعثمان. أخرجاه (١). وعن ابن عباس: إن الله فرض الصلاة على نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. أخرجه مسلم (٢). وممن قَالَ بفرض القصر المتعين: عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، والثوري، وعن عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان لا يصلح غيرهما (٣). وقال الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها، ويسجد للسهو (٤). وقال الحسن بن حي: إذا صلى أربعًا متعمدًا أعادها إن كان ذلك منه الشيء اليسير، فإن طال ذلك منه وكثر في سفره

стр. 4775

لم يعد (١). وعن الحسن البصري في متعمد الأربع: بئس ما صنع، وقضيت عنه، ثم قَالَ للسائل: لا أبالك. أترى أصحاب رسول الله ﷺ تركوها؛ لأنها تغلب عليهم (٢)؟! وقال الأثرم: قلتُ لأحمد: للرجل أن يصلي أربعًا في السفر؟ قَالَ: ما يعجبني. وقال البغوي: إنه قول أكثر العلماء (٣). وقال الخطابي: الأولى القصر؛ ليخرج من الخلاف (٤). وقال الترمذي: العمل على ما فعله الشارع، وأبو بكر، وعمر، وهو القصر (٥). وهو قول محمد بن سحنون، وأجازه القاضي إسماعيل المالكي، وهو رواية عن مالك، وأحمد، حكاه عنهما ابن المنذر (٦). وفي "الذخيرة" رواية أشهب أن القصر فرض (٧). وقال ابن المواز: لو افتتح على ركعتين فأتمها أربعًا تعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان سهوًا سجد للسهو وأجزأه. وقال سحنون: بل يعيد أبدًا؛ لكثرة السهو (٨).

стр. 4776

وقيل: إن القصر والإتمام جائزان. والأفضل القصر إذا بلغ سفره ثلاث مراحل. وبه قَالَ الشافعي، وهو قول سعد بن أبي وقاص. وقيل: إن القصر والإتمام فرض غير فيه كالخيار في واجب خصال الكفارة. وقيل: إن القصر سنة. وهو قول مالك في أشهر الروايات عنه، كما ذكره ابن رشد في "قواعده" (١). وقال ابن التين: إنه قول أكثر أصحابهم. وقيل: القصر رخصة، والإتمام أفضل، كالصوم في رمضان في السفر، ثم روي عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة أن النبي ﷺ -كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم (٢)، قَالَ الدارقطني: إسناده صحيح (٣). وفي رواية: كل قد فعل رسول الله ﷺ صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر (٤).

стр. 4777

وفي الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله ﷺ وصمت، وقصر وأتممت. فقال: أحسنتِ يا عائشة، ثم قَالَ: وعبد الرحمن قد أدرك عائشة، ودخل عليها وهو مراهق (١). وفي رواية حماد بن زيد عنها: كان ﷺ يصلي ركعتين -يعني الفرائض- فلما قدم المدينة، وفرضت عليه الصلاة أربعًا، صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تمامًا للمسافر (٢). قَالَ أبو عمر (٣): فهذِه عائشة قد اضطربت الآثار عنها في هذا الباب، وإتمامها في السفر يقضي بصحة ما وافق معناه عنها، فإنه قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر، في الحديث الذي روته، وهو قولها: (فرضت الصلاة ركعتين) الحديث. لم يدخله الوهم من جهة النقل، فهو على غير ظاهره، وفيه معنى مضمر باطن، وذلك -والله أعلم- كأنها قالت: فأقرت صلاة السفر لمن شاء أو نحو هذا. ولا يجوز على عائشة أن تقر بأن القصر فرض في السفر، وتخالف الفرض، هذا ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه إليها.

стр. 4778

٦ - باب يُصَلِّي المَغْرِبَ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ ١٠٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. [١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ١٠٩٢ - وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ المَغْرِبَ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: سِرْ. فَقُلْتُ الصَّلَاةُ. فَقَالَ: سِرْ. حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ذكر فيه حديث: شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهَ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. وَزَادَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ … ثم ساق الحديث. الشرح: أما الحديث الأول فأخرجه مسلم أيضًا (١). قَالَ الإسماعيلي: وهو غير مشبه لترجمة الباب، فإنه ليس فيه بيان عدد المغرب. قَالَ: وفي حديث عائشة بيانه.

стр. 4779

وأما الثاني فقال الإسماعيلي: رواه أبو صالح عن الليث هكذا، فكأنه -يعني: البخاري- لم يستجز في هذا الكتاب أن يروي عنه، إلا أنه رأى أن الإرسال عنه كأنه أقوى. قَالَ: وهذا أمر عجيب إذ جعل إرساله هذا عن ضعيف يصحح ترجمة بقصده من الباب، وذكره لذلك، وروايته عنه لهذا الحديث غير مصحح ترجمة بابه. ثم ساقه من حديث أبي صالح ثنا الليث بهذا، لا على هذا الطول، ولكن قَالَ: إن ابن عمر قَالَ: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله يقيم صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا. ثم ذكر باقي الحديث إلى قوله: (وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ). قَالَ: وقال القاسم -أحد رواته-: حَتَّى جوف الليل. ولم يقل: يقوم، ولا يقيم. وأخرج مسلم من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله [بن عبد الله] (١) بن عمر، عن أبيه أنه جمع رسول الله ﷺ ، وفيه: وصلى المغرب ثلاث ركعات (٢). ومن حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر مثله (٣). وسيأتي للبخاري من حديث أسلم عن ابن عمر في الجمع أيضًا (٤). وروى أحمد من حديث ثمامة بن شراحيل قَالَ: خرجت إلى ابن

стр. 4780

عمر، فقلت: ما صلاة المسافر؟ قَالَ: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثًا (١). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ). كذا هنا، وفي رواية أخرى: عجل به السير (٢)، وأخرى: عجل في السير (٣)، وأخرى: عجل به أمر (٤)، وأخرى: أعجله السفر، وأخرى: حزبه أمر (٥). وكلها متفقة المعنى ومقاربة. وقوله: (أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ) فيه زيادة إيضاح؛ لئلا يتوهم أن السير لم يكن في سفر. والمراد سفر القصر؛ لقرينة أحكام القصر والجمع والفطر؛ ولئلا يظن أنه كان في ضواحي البلدة ومتنزهاتها، فإنه يسمى سيرًا لا سفرًا، ولأنه قد قيل: إن السير أحد ما يشتمل عليه اسم السفر، فأضاف لفظة السير إليه؛ ليزول هذا الوهم. الثاني: فيه الجمع بين المغرب والعشاء، وسيأتي في بابه. الثالث: قوله: (وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ). صفية هذِه

стр. 4781

زوج عبد الله بن عمر، كما صرح به، وجدُّها مسعود، الثقفية، أخت المختار بن أبي عبيد، تابعية ثقة، استشهد بها البخاري، وأخرج لها الباقون سوى الترمذي، وعمرت أزيد من ستين عامًا، وكان أصابها شدة وجع فكتبت إليه (١). كما أخرجه النسائي: وهو في زراعة له: إني في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة (٢). وفي رواية: خرج في سفر يريد أرضًا له، فأتاه آتٍ فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها، فانظر أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش يسايره (٣). الرابع: (فقلت له: الصلاة. فقال: سر). فيه: ما كانوا عليه من مراعاة الأوقات، خوفًا أن يكون نسي ابن عمر فذكره سالم. وفيه: جواز تأخير البيان لقوله: (سِرْ) مرتين، ثم بعد ذلك بين له بعد الصلاة. الخامس: قوله: (يقيم المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا). فيه: ما ترجم له، وهو أنها لا تقصر، وهو إجماع. كما قال المهلب؛ لأنها وتر صلاة النهار، ولم يزد في الفجر؛ لطول قراءتها، وقد روي هذا عن عائشة كما أخرجه

стр. 4782

البيهقي (١). ومراده بالوتر: وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبقَ وترًا، وإن قصرت اثنتان صارت ركعة، فيكون إجحافًا وإسقاطًا للأكثر. وذكر ابن أبي صفرة أن المغرب وحدها فرضت ثلاثًا، بخلاف باقي الصلوات فرضت ركعتين ركعتين. وفي البيهقي عن أنس: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى بنا ركعتين ركعتين، إلا المغرب حَتَّى رجعنا إلى المدينة (٢). السادس: فيه: القصر في السفر المباح غير الحج والجهاد، كما وقع لابن عمر أنه خرج إلى أرض له وفعله (٣)، وعلم ونقل فعل ذلك عن الشارع. وهو مذهب جماعة الفقهاء (٤). وأبعد أهل الظاهر فخصوه بهما (٥). وهو مروي

стр. 4783

عن ابن مسعود (١)، وابن عمر روى السنة في ذلك عن الشارع، وفهم عنه معناها، وأن ذلك جائز في كل سفر مباح، ألا ترى قوله: هكذا رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير يفعل. وهذا عام في كل سفر. فمن ادعى الخصوص فعليه البيان، ويقال لهم: إن الله تعالى قد فرق بين أحوال المسافرين في طلب الرزق، وفي قتال العدو في سقوط قيام الليل عنهم، فقال تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فلما سوى بينهم تعالى في سقوط قيام الليل وجب التسوية بينهم في استباحة رخصة القصر في السفر، وهذا دليل لازم. السابع: قوله: (ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ). قَالَ الحميدي: هكذا في زيادة الليث. وفي رواية شعيب، عن الزهري، أن ذلك عن فعل ابن عمر من قول الراوي: (ثم قلما يلبث) لم يسنده، ورواية شعيب هنا ليس فيها هذا (٢). وقد جاء في بعض طرق الحديث أنه كان صلاته بعد غروب الشفق (٣). وفي رواية: ومعه -يعني ابن عمر- رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يقل: الصلاة. وعهدي، وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلنا: الصلاة

стр. 4784

يرحمك الله. فالتفت إليَّ ومضى حَتَّى إذا كان آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق، فصلى بنا ثم أقبل علينا (١). وفي أخرى عن ابن عمر: ما جمع رسول الله ﷺ قط بين المغرب والعشاء في سفر إلا مرة (٢). قَالَ أبو داود: هذا يروى عن أيوب، عن نافع موقوفًا على ابن عمر، لم ير ابن عمر جمع بينهما قط، إلا تلك الليلة، يعني ليلة استصرخ على صفية. وفي رواية (أنه فعل) (٣) ذلك مرة أو مرتين (٤). وفي رواية واقد: حَتَّى إذا كان قبل غروب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حَتَّى غاب الشفق، فصلى العشاء ثم قَالَ: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث (٥). الثامن: قوله: (وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ). فيه: أن السنن لا تصلى في السفر. وقد عقد لذلك البخاري باب من لم يتطوع في السفر، ويأتي.

стр. 4785

التاسع: فيه: أن قيام الليل كان لا يتركه سفرًا، فالحضر أولى، وهو من خصائصه. والأصح أنه ما مات حَتَّى نسخ عنه (١). فرع: في قوله: (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ). قَالَ مالك في "المدونة": إذا جدَّ به السير، وخاف فوات أمر، جمع بين المغرب والعشاء في أول وقتها، وهذا إذا لم يرتحل عند الزوال والغروب، فإن ارتحل بعدها فيجمع حينئذٍ، ولا يكون الجمع إلا بين صلاتين مشتركتين في الوقت. فرع: حد الإسراع الذي شرع فيه الجمع مبادرة ما يخاف فواته، والإسراع إلى ما يهمه. قاله أشهب (٢). فرع: يختص الجمع بالسفر الطويل خلافًا للمالكية. فرع: هذا الجمع لضرورة قطع السفر، فأما الجمع للمطر فجائز عندنا تقديمًا لا تأخيرًا، بشروط تذكر في كتب الفروع. وبغير عذر لا يجوز عند الجمهور، فإن فعل أعاد الثانية أبدًا عند ابن القاسم (٣). وقال أشهب: أحب أن لا يجمع بين الظهر والعصر إلا بعرفة (٤). وأبو حنيفة

стр. 4786

منع الجمع إلا بعرفة والمزدلفة (١). دليلنا حديث معاذ أنه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ أخر الظهر حَتَّى ينزل للعصر، وفي المغرب والعشاء كذلك. حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان (٢) (٣). قَالَ ابن التين: والجمع بين الظهر والعصر على وجهين: أحدهما: أن يرتحل عند الزوال فيجمع حينئذٍ. والثاني: أن يرتحل قبله فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها. ثم قَالَ: ودليله حديث معاذ المتقدم، والحديث المذكور لا يطابقه. فائدة: قَالَ الداودي في رواية شعيب عن ابن عمر أنه ﷺ جمع بينهما، وفي رواية الليث: بمزدلفة. وقال ابن عمر: إذا أعجله السير يصلي المغرب ثلاثًا ثم يسلم، ثم قلما يلبث حَتَّى يقيم العشاء. وهذِه أحوال، جمع مرة، وأخر العشاء مرة، وأما الجمع بمزدلفة فبعد مغيب الشفق للصلاتين.

стр. 4787

٧ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدابة حيثما تَوَجَّهَتْ بِهِ ١٠٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [١٠٩٧، ١١٠٤ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ١٠٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ. [انظر: ٤٠٠ - مسلم:- فتح: ٢/ ٥٧٣] ١٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٣٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عامر: قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. ثانيها: حديث جابر: أنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ. ثالثها: حديث نافع: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وُيوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. الشرح: حديث عامر أخرجه مسلم (١)، ويأتي أيضًا (٢).

стр. 4788

وعامر: هو ابن ربيعة بن كعب بن مالك، بدري، حليف الخطاب أبي عمر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ومات قبيل عثمان (١). وفي رواية للإسماعيلي: تطوعًا حيث توجهت به. وحديث جابر يأتي في باب: ينزل للمكتوبة (٢)، وهو من أفراده. وحديث ابن عمر سلف في باب: الوتر على الدابة (٣). وهو دال على أن البخاري يرى أن الوتر سنة، حيث أورده في هذا الباب. ولا خلاف أن للمسافر سفرًا طويلًا التنفل على دابته حيث توجهت به؛ لهذِه الأحاديث "الصحيحة" وذلك مستثنى من استقبال القبلة. وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ويبين أن ذلك في المكتوبات، ويفسر قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أنه في النافلة على الدابة. وقد روي عن ابن عمر أن هذِه الآية نزلت في قول اليهود في القبلة. وممن نص على ذلك من الفقهاء علي، والزبير، وأبو ذر، وابن عمر، وأنس، وقال به طاوس، وعطاء، ومالك، والثوري، والكوفيون، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، غير أن أحمد، وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير (٤).

стр. 4789

واختلفوا في الماشي، فأجازه الشافعي، ومنعه مالك، تمسكًا بمورد النص. واختلفوا في السفر القصير، فأظهر قولي الشافعي جوازه فيه، ووافقه من سلف ذكره ممن عددنا خلا مالكًا فمنع، وقاسه على الفطر والقصر (١). واختلفوا في جوازه في الحضر فجوزه أبو يوسف، والاصطخري من الشافعية، والأصح المنع (٢) كالفرض. حجة مالك في اشتراط سفر القصر أيضًا، بأن الشارع إنما فعل ذلك في سفره إلى خيبر، ولم ينقل عنه فعل ذلك إلا في سفر القصر؛ ولأن القبلة آكد؛ لأن الصلاة تقصر في السفر، ولا يعدل فيها عن القبلة مع القدرة، فلما امتنع القصر في القصير وهو أضعف، فالقبلة أولى. أجاب الجمهور بأن الأحاديث الواردة في الباب ليس فيها تحديد سفر، ولا تخصيص مسافة، فوجب حملها على العموم في كل ما يسمى سفرًا، وبالقياس على إسقاط الفرض بالتيمم إذا عُدِمَ الماء في السفر القصير. قَالَ الطبري: ولا أعلم من وافق مالكًا في ذلك.

стр. 4790

٨ - باب الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٤] ذكر فيه حديث عبدِ الله بنِ دينار قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. هذا الحديث تفرد البخاري فيه بذكر الإيماء، وأصله في مسلم أيضًا (١)، وكان الظاهر المراد بها هنا التكرار، وهو المستعمل غالبًا. ومعنى: أينما توجهت، أي: إلى القبلة وغيرها، ومقصده بدل عن القبلة. قَالَ مالك -فيما رواه علي بن زياد-: فمن صلى على راحلته في محمله مشرقًا أو مغربًا لا ينحرف إلى القبلة، وإن كان يسيرًا وليصلِّ قبل وجهه؛ عملًا بهذا الحديث، ومفهوم ذلك أن يجلس عليها على هيئة التي تركها عليه غالبًا ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة، والتقدير: يصلي على راحلته إلى حيث توجهت به، ويحتمل أن يقدر أنه كان يصلي على راحلته وهي حيث توجهت إلا أنه ينحرف عن القبلة، والأول أصح؛ لأنه يتعلق بقوله: "عَلَى رَاحِلَتِهِ"؛ ولأنه رُوي

стр. 4791

مفسرًا في حديث عامر بن ربيعة كما سلف (١)، ويأتي (٢)؛ ولأنه لا فائدة في قوله: حيث توجهت به إذا كان ينحرف إلى القبلة إلا ما يفيده قوله: "عَلَى رَاحِلَتِهِ"، وهذا في نفس الصلاة، وأما افتتاحها فذهب مالك إلى أنه وغيره سواء. وقال الشافعي وأحمد: يفتتحها مستقبلًا ثم يصلي كيف أمكنه دليلهما حديث ابن عمر، ودليل مالك القياس على باقي الصلاة (٣). فرع: راكب السفينة يلزمه الاستقبال إلا للملاح. وفي "المدونة" موافقتنا خلافًا لابن حبيب عنه (٤). وقوله: (يُومِئُ). فيه: أن سنة الصلاة على الدابة الإيماء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه تمييزًا بينهما. وروى أشهب عن مالك في الذي يصلي على الدابة أو المحمل: لا يسجد بل يومئ؛ لأن ذلك من سنة الصلاة على الدابة (٥). وقَالَ ابن القاسم: المصلي في المحمل متربعًا إن لم يشق عليه أن يثني رجليه عند سجوده فليفعل. قَالَ ابن حبيب: وإذا تنفل على الدابة فلا ينحرف إلى جهة القبلة، وليتوجه لوجه دابته، وله إمساك عنانها، وضربها، وتحريك رجليه، إلا أنه لا يتكلم، ولا يلتفت ولا يسجد الراكب على مرءوس سرجه، ولكن يومئ.

стр. 4792

واستحب أحمد، وأبو ثور في الافتتاح التوجه ثم لا يبالي حيث توجهت به، والحجة لهم حديث أنس أن النبي ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه. رواه أبو داود بإسناد حسن (١). وليس في الأحاديث السالفة الاستقبال في التكبير، وهي أصح منه. وحجة الجمهور وهم مَنْ قَالَ بأنه لا يشترط الاستقبال في التكبير القياس على الباقي. فرع: اختلف قول مالك في المريض العاجز عن الصلاة على الأرض، إلا إيماءً، هل يصلي الفريضة على الدابة في محمله، ففي "المدونة": لا. وروى أشهب: نعم، ويوجه إلى القبلة، وفي كتاب ابن عبد الحكم مثله (٢).

стр. 4793

٩ - باب يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ ١٠٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ. [انظر: ١٠٩٣ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٤] ١٠٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ، مَا يُبَالِي حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَى وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٥] ١٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [انظر: ٤٠٠ - مسلم: ٥٤٠ - فتح ٢/ ٥٧٥] ذكر فيه حديث عامر: قَالَ: رَأَيْتُ النبي ﷺ وهْوَ عَلَى راحلته يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ .. الحديث. وحديث ابن عمر مثله بلفظ: وقال الليث .. إلى آخره. وحديث جابر: أنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. الشرح: حديث عامر سلف قريبًا (١)، وسيأتي في باب من تطوع في السفر

стр. 4794

معلقًا عن الليث (١)، وهو أصل في الإيماء على الدابة. وقوله: (وقَالَ: اللَّيْثُ .. إلى آخره). قَالَ الإسماعيلي: إنه رواه عن أبي صالح في غير هذا الكتاب عن الليث، أخبرناه ابن ناجية عنه، عن أبي صالح. وقد رواه ابن وهب وشبيب، عن يونس بن يزيد به، ولفظه: كان يصلي السبحة بالليل على راحلته حيث توجهت به شرق أو غريب يومئ إيماءً، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني أيضًا. وحديث جابر سلف قريبًا (٢)، وهو من أفراده كذلك. والسبحة: النافلة في الصلاة، ويقال: لكل صلاة سبحة، لكن ما قدمناه أشهر. وقام الإجماع على أنه لا يصلي الفرض على الدابة من غير عذر. فرع: ترك الاستقبال جائز؛ رفقًا بالأمة أيضًا. فرع: مصلي النافلة على الأرض هل يومئ؟ منعه ابن القاسم، وأجازه ابن حبيب، قَالَ: كما يدع القيام.

стр. 4795

١٠ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الحِمَارِ ١١٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ، يَعْنِي عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ. فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ. رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [مسلم: ٧٠٢ - فتح: ٢/ ٥٧٦] ذكر فيه حديث حبان -بفتح الحاء والموحدة- ثَنَا هَمَّامٌ ثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ .. الحديث. رَوَاهُ ابن طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث عفان، عن همام (١)، وله، ولأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر، وأعله النسائي بأن قال: عمرو بن يحيى لا يتابع على قوله: "يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ"، وربما يقول: "عَلَى رَاحِلَتِهِ" (٢)، ولذا وهَّم الدارقطني وغيره عمرًا في قوله: "عَلَى حِمَارٍ"، والمعروف على راحلته على البعير.

стр. 4796

وقد أخرجه مسلم من فعل أنس (١)، وكذا مالك في "الموطأ" (٢). أما فقه الباب: فالتنفل على البعير، والبغل، والحمار، وجميع الدواب سواء في ترك الاستقبال معه على ما تقدم. وعلى ذلك جماعة الفقهاء. وقد أسلفنا عن أبي يوسف وغيره إلحاق الحمر بذلك في الإيماء بحديث يحيى بن سعيد، عن أنس أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماءً (٣). وجماعة الفقهاء على خلافه.

стр. 4797

١١ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا ١١٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١١٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃. [انظر: ١١٠١ - مسلم: ٦٨٩ - فتح: ٢/ ٥٧٧] ذكر فيه حديث حفص بن عاصم: أنه سأل ابن عُمَرَ، فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وعن ابن عمر: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة، ثم في بعض رواياته: لو كنت مسبحًا لأتممت. وفي بعضها: صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلتُ: يسبحون. قَالَ: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي (١).

стр. 4798

وفي "الموطأ" عن مالك، عن نافع، عنه أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا ولا بعدها إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيثما توجهت به. كذا هو موقوف في "الموطأ" (١)، ورفعه الباقون. وأول ابن بطال قوله: "لَمْ أَرَهُ يُسبحُ فِي السفَرِ"، يريد التطوع قبل الفرض وبعده، أي: بالأرض؛ لأنه روى الصلاة على الراحلة في السفر، وأنه كان يتهجد بالليل في السفر، ولا تضاد إذًا بين الأخبار كما جاء مبينًا عنه (٢). وقد سلف عن رواية البخاري في صلاة المغرب: ولا يسبح بعد العشاء حَتَّى يقوم من جوف الليل (٣). فبان أن المراد التطوع في الأرض المتصل بالفريضة الذي حكمه حكمها في الاستقبال والركوع والسجود، ولذلك قَالَ ابن عمر: لو تنفلت لأتممت (٤). أي: لو تنفلت التنفل الذي هو من جنس الفريضة لجعلته في الفريضة ولم أقصرها. وممن كان لا يتنفل في السفر قبل الصلاة ولا بعدها علي بن الحسين، وسعيد بن جبير (٥).

стр. 4799

وليس قول ابن عمر: لم أره ﷺ يسبح في السفر. بحجة على من رآه؛ لأن من نفي شيئًا ليس بشاهد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه تنفل في السفر مع صلاة الفريضة (١)، وهو قول عامة العلماء. وقال الطبري: يحتمل أن يكون تركه ﷺ التنفل فيه في حديث ابن عمر، تحريًا منه إعلام أمته أنهم في أسفارهم بالخيار في التنفل بالسنن المؤكدة وتركها، وقد بين ذلك أنه ﷺ كان إذا جمع في السفر صلى المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يرتحل (٢). وإذا جاز الشغل بالعشاء بعد دخول وقتها، وبعد الفراغ من صلاة المغرب، فالشغل بالصلاة أحرى أن يجوز. وقال ابن التين: معنى لم أره يسبح: في النهار، ويدل عليه قول ابن عمر في الباب بعده: كان ﷺ يسبح على ظهر راحلته (٣).

стр. 4800

ولا خلاف بين الأئمة في جواز النافلة بالليل في السفر، وكان ابن عمر لا يفعله بالنهار في السفر، ويقول: لو كنت مسبحًا لأتممت. يعني: لو كان التنفل جائزًا لكان الإتمام أولى. وابن عمر ممن صحب الشارع في سفره، وكان من أكثر الناس اقتداءً به، وذكر أنه لم يرَ النبي ﷺ يزيد في السفر على ركعتين. فلما لم يره بالنهار امتنع، ورآه يتنفل بالليل ففعله. وأكثر العلماء على جوازه ليلًا ونهارًا، ودليلهم حديث أم هانئ الآتي أنه صلى يوم الفتح ثماني ركعات سبحة الضحى (١). ولعل ابن عمر لم يبلغه، وحكى ابن أبي صفرة أنه قَالَ: إنما صلاها قضاء لصلاته ليلة فتح مكة؛ لأنه اشتغل في تلك الليلة عن صلاة الليل. وقال النووي: اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي، وأصحابه، والجمهور (٢). ولعل الشارع كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، فإن النوافل في البيت أفضل، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتج به مَنْ تَرَكَ مِن أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة ويخير، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وان شاء تركها ولا شيء عليه.
следующие страницы →