← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وقد أخرجه مسلم من فعل أنس (١)، وكذا مالك في "الموطأ" (٢). أما فقه الباب: فالتنفل على البعير، والبغل، والحمار، وجميع الدواب سواء في ترك الاستقبال معه على ما تقدم. وعلى ذلك جماعة الفقهاء. وقد أسلفنا عن أبي يوسف وغيره إلحاق الحمر بذلك في الإيماء بحديث يحيى بن سعيد، عن أنس أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماءً (٣). وجماعة الفقهاء على خلافه.

стр. 4797

١١ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا ١١٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١١٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃. [انظر: ١١٠١ - مسلم: ٦٨٩ - فتح: ٢/ ٥٧٧] ذكر فيه حديث حفص بن عاصم: أنه سأل ابن عُمَرَ، فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وعن ابن عمر: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة، ثم في بعض رواياته: لو كنت مسبحًا لأتممت. وفي بعضها: صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلتُ: يسبحون. قَالَ: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي (١).

стр. 4798

وفي "الموطأ" عن مالك، عن نافع، عنه أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا ولا بعدها إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيثما توجهت به. كذا هو موقوف في "الموطأ" (١)، ورفعه الباقون. وأول ابن بطال قوله: "لَمْ أَرَهُ يُسبحُ فِي السفَرِ"، يريد التطوع قبل الفرض وبعده، أي: بالأرض؛ لأنه روى الصلاة على الراحلة في السفر، وأنه كان يتهجد بالليل في السفر، ولا تضاد إذًا بين الأخبار كما جاء مبينًا عنه (٢). وقد سلف عن رواية البخاري في صلاة المغرب: ولا يسبح بعد العشاء حَتَّى يقوم من جوف الليل (٣). فبان أن المراد التطوع في الأرض المتصل بالفريضة الذي حكمه حكمها في الاستقبال والركوع والسجود، ولذلك قَالَ ابن عمر: لو تنفلت لأتممت (٤). أي: لو تنفلت التنفل الذي هو من جنس الفريضة لجعلته في الفريضة ولم أقصرها. وممن كان لا يتنفل في السفر قبل الصلاة ولا بعدها علي بن الحسين، وسعيد بن جبير (٥).

стр. 4799

وليس قول ابن عمر: لم أره ﷺ يسبح في السفر. بحجة على من رآه؛ لأن من نفي شيئًا ليس بشاهد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه تنفل في السفر مع صلاة الفريضة (١)، وهو قول عامة العلماء. وقال الطبري: يحتمل أن يكون تركه ﷺ التنفل فيه في حديث ابن عمر، تحريًا منه إعلام أمته أنهم في أسفارهم بالخيار في التنفل بالسنن المؤكدة وتركها، وقد بين ذلك أنه ﷺ كان إذا جمع في السفر صلى المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يرتحل (٢). وإذا جاز الشغل بالعشاء بعد دخول وقتها، وبعد الفراغ من صلاة المغرب، فالشغل بالصلاة أحرى أن يجوز. وقال ابن التين: معنى لم أره يسبح: في النهار، ويدل عليه قول ابن عمر في الباب بعده: كان ﷺ يسبح على ظهر راحلته (٣).

стр. 4800

ولا خلاف بين الأئمة في جواز النافلة بالليل في السفر، وكان ابن عمر لا يفعله بالنهار في السفر، ويقول: لو كنت مسبحًا لأتممت. يعني: لو كان التنفل جائزًا لكان الإتمام أولى. وابن عمر ممن صحب الشارع في سفره، وكان من أكثر الناس اقتداءً به، وذكر أنه لم يرَ النبي ﷺ يزيد في السفر على ركعتين. فلما لم يره بالنهار امتنع، ورآه يتنفل بالليل ففعله. وأكثر العلماء على جوازه ليلًا ونهارًا، ودليلهم حديث أم هانئ الآتي أنه صلى يوم الفتح ثماني ركعات سبحة الضحى (١). ولعل ابن عمر لم يبلغه، وحكى ابن أبي صفرة أنه قَالَ: إنما صلاها قضاء لصلاته ليلة فتح مكة؛ لأنه اشتغل في تلك الليلة عن صلاة الليل. وقال النووي: اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي، وأصحابه، والجمهور (٢). ولعل الشارع كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، فإن النوافل في البيت أفضل، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتج به مَنْ تَرَكَ مِن أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة ويخير، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وان شاء تركها ولا شيء عليه.

стр. 4801

قَالَ الخطابي: وفي حديث ابن عمر دليل أنه كان يستفتح صلاته مستقبلًا القبلة (١). قَالَ ابن التين: ولا أدري من أين أخذه الخطابي.

стр. 4802

١٢ - باب مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلَهَا وَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ. ١١٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَنْبَأَ أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ، ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [١١٧٦، ٤٢٩٢ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ١١٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [انظر: ١٠٩٣ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ١١٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ثم ذكر حديث ابن أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أخبرنا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ .. الحديث. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَاب، عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، عن أبيه: أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. وحديث ابن عمر: أنه ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ … الحديث. الشرح: أما صلاته ركعتي الفجر فهو في حديث نومهم بالوادي. أخرجه

стр. 4803

مسلم من حديث أبي قتادة، وأبي هريرة بلفظ: فصلى ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة (١). وصرح بذلك أبو داود في حديث عمرو بن أمية الضمري. وذي مخبر أو مخمر الحبشي في "سنن أبي داود" بإسناده الصحيح (٢). وفي "صحيح ابن حبان" و"مستدرك الحاكم" من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من لم يصلِ ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس" قَالَ الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٣). وحديث أم هانئ سلف في باب التستر في الغسل عند الناس (٤)، ويأتي في الضحى قريبًا (٥). ثم هنا أنه اغتسل في بيتها، وفي "الموطأ": ذهبت إليه فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره (٦). قَالَ ابن التين: فإما أن يكون أحدهما وهمًا، أو يكون الشارع وفاطمة أتيا بيت أم هانئ وهي غائبة. وفيه: تخفيف النافلة مع إتمام الركوع والسجود.

стр. 4804

وتعليق الليث سلف في باب: ينزل للمكتوبة قريبًا عن يحيى بن بكير، عنه (١). وهنا زيادة أن صلاة السبحة كانت ليلًا. وحديث ابن عمر سلف (٢)، وقد سلف في الباب قبله: من لم يتطوع في السفر قبل الفرض وبعده. ولنذكر هنا من تطوع فيه. قَالَ ابن المنذر: رويناه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وأنس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (٣). وصححه ابن بطال؛ لأنه ثبت عن الشارع أنه كان يفعله في السفر من غير وجه. وليس قول ابن أبي ليلى بحجة تسقط صلاة الضحى؛ لأن كثيرًا من الأحاديث يرويها الواحد من الصحابة يُلجأ إليه، ويصير سنة معمولًا بها، وما فعله الشارع مرة اكتفت أمته بذلك، فكيف وقد روى أبو هريرة، وأبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه أوصاهما بثلاث منها: وركعتي الضحى (٤). وروى الترمذي من حديث أبي بسرة الغفاري، عن البراء قَالَ: صحبت رسول الله ﷺ ثمانية عشر شهرًا فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر (٥). وذكره ابن بطال بلفظ: سافرت معه ثماني عشرة سفرة (٦)، وهو لفظ

стр. 4805

أبي داود (١) - وفي الباب عن ابن عمر وحديث البراء غريب، وسألت محمدًا عنه فلم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري، ورآه حسنًا. وروي عن ابن عمر أنه ﷺ كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها، وروي عنه عن رسول ﷺ أنه كان يتطوع في السفر. قَالَ: وقد اختلف أهل العلم بعد رسول الله ﷺ ، فرأى بعض الصحابة أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم تره طائفة قبلها ولا بعدها. ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله فيذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع فيه (٢). ثم روى حديث حجاج، عن عطية، عن ابن عمر قَالَ: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين. حديث حسن. وقد رواه ابن أبي ليلى عن عطية، ونافع، عن ابن عمر ثم ساقه بزيادة: ركعتين بعد المغرب في السفر. ثم قَالَ: حديث حسن، سمعت محمدًا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثًا أعجب إليَّ من هذا (٣). قَالَ البيهقي: ومضت أحاديث في تطوعه ﷺ في أسفاره على الراحلة. ثم أسند حديث ابن عباس قَالَ: سن رسول الله ﷺ -يعني صلاة السفر- ركعتين، وسن صلاة الحضر أربع ركعات. فكما الصلاة قبل صلاة الحضر وبعدها حسن، فكذلك الصلاة في السفر قبلها وبعدها (٤).

стр. 4806

وذكر السرخسي في "المبسوط"، والمرغيناني من الحنفية: لا قصر في السنن. ويكملوا، وفي الأفضل: قيل الترك ترخصًا، وقيل الفعل؛ تقربًا (١). وقال الهندواني منهم: الفعل أفضل في حالة النزول، والترك في حالة السفر. قَالَ هشام: رأيت محمدًا كثيرًا يتطوع في السفر قبل الظهر وبعدها، ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب، وما رأيته يتطوع قبل العصر، ولا قبل العشاء، ويصلي العشاء ثم يوتر. انتهى. وفي صلاة الشارع الضحى يوم الفتح، وركعتي الفجر في السفر دليل على جواز التنفل بالأرض؛ لأنه لما جاز له التنفل على الراحلة كان في الأرض أجوز. وقد قَالَ الحسن البصري: كان أصحاب النبي ﷺ يسافرون ويتطوعون قبل المكتوبة وبعدها (٢). قَالَ ابن بطال: وهو قول جماعة العلماء (٣).

стр. 4807

١٣ - باب الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٩] ١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. [فتح: ٢/ ٥٧٩] ١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ . [١١١٠ - فتح: ٢/ ٥٧٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. وعَنْ حُسَيْنٍ المعلم، عَنْ يَحْييَ بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْييَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيَّ ﷺ .

стр. 4808

الشرح: حديث ابن عمر سلف قريبًا في باب يصلي المغرب ثلاثًا (١). وشيخ البخاري فيه علي بن عبد الله هو ابن المديني. وسفيان هو ابن عيينة. وحديث ابن عباس أخرجه مسلم وباقي الستة (٢). ورواه عن ابن عباس جماعة: عكرمة كما سلف، وجابر بن زيد كما سيأتي في الكتاب (٣)، وسعيد بن جبير أخرجه مسلم، والأربعة (٤)، وعبد الله بن شقيق أخرجه مسلم (٥)، وكريب أخرجه الدارقطني (٦)، وأبو قلابة أخرجه البيهقي (٧)، وعطاء، وصالح مولى التوأمة رواهما ابن أبي شيبة (٨) وطاوس (٩). وأسنده البيهقي من حديث أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم به، ثم قَالَ: أخرجه البخاري في "الصحيح" فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، فذكره (١٠).

стр. 4809

وأحمد هذا هو السلمي، ووالده حفص بن عبد الله بن راشد، روى عن إبراهيم نسخة كبيرة، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، ولوالده هم (١) وابن ماجه (٢). وحديث أنس أخرجه الإسماعيلي في مجموع حديث يحيى بن أبي كثير من حديث معمر، عن يحيى به، بزيادة: يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر. ومتابعة علي بن المبارك أخرجها أبو نعيم الأصبهاني، والإسماعيلي من حديث عثمان بن عمر عنه به. ومتابعة حرب عن يحيى أخرجها البخاري في الباب بعده (٣). وحرب هو ابن شداد أبو الخطاب اليشكري البصري العطار، وقيل: القصاب، مات سنة إحدى وستين ومائة رويا له، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٤). ولما أورد الترمذي حديث معاذ الذي أسلفناه في باب: يصلى المغرب ثلاثًا في السفر قَالَ: وفي الباب عن علي (د. س)، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر (د. س) (٥). قلتُ: وأخرجه مالك في "الموطأ" من حديث أبي هريرة (٦)، وابن

стр. 4810

أبي شيبة من حديث ابن مسعود (١)، والنسائي من حديث أبي أيوب (٢). أما فقه الباب: ففيه الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهو إجماع بالنسبة إلى الظهر والعصر بعرفة، وإلى المغرب والعشاء بمزدلفة، وأنه سنة (٣)، واختلفوا في غيرهما: فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع فيه، وهو قول ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، ذكره ابن شداد في "دلائله"، وابن بطال (٤)، وابن عمر في رواية أبي داود (٥)، والنخعي، وابن سيرين، ومكحول، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار، وذكره ابن الأثير عن الحسن، والثوري، ورواه ابن القاسم عن مالك (٦)، كما ذكره أبو عمر في "تمهيده" (٧)، ونسبه إلى "المدونة" ابن بطال قال: وهو قول الليث، وأجازه الشافعي وأحمد، وأظهر قولي الشافعي اختصاصه بالسفر الطويل، وروي جواز الجمع أيضًا عن سعيد بن زيد وأبي موسى الأشعري وابن عباس وأسامة بن زيد، حكاه ابن بطال عنهم. قَالَ: وهو قول مالك، والليث أيضًا، ونقل عنهما المنع كما سلف، والأوزاعي، وأبي ثور، والثوري، وإسحاق (٨).

стр. 4811

وذكره ابن الأثير عن معاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وطاوس، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وسالم، وحكاه النووي عن أبي يوسف، وأنكر عليه. وقال ابن العربي: اختلف الناس في الجمع في السفر على خمسة أقوال: المنع بحال، قاله أبو حنيفة (١). والجواز، قاله الشافعي، ونقله ابن بطال عن الجمهور (٢). والجواز إذا جد به السير، قاله مالك (٣). والجواز إذا أراد قطع السفر، قاله ابن حبيب، وابن الماجشون، وأصبغ. والكراهة، قاله مالك في رواية المصريين. واحتج مالك بحديث ابن عمر كان إذا جد به السير، جمع، وفي رواية: كان إذا أعجله (٤) السير وقد سلفت (٥)، وبحديث ابن عباس الذي في الكتاب: إذا كان على ظهر سير. واحتج من منع بأن مواقيت الصلاة قد صحت فلا تترك لأخبار الآحاد. وجوابه: أنها جرت مجرى الاستفاضة، رواه خلق كما قدمناه،

стр. 4812

وأوقات السفر لا تعترض أوقات الحضر، وبالقياس على موضع الاتفاق بعرفة ومزدلفة لا فرق، بل لو لم يأتِ عنه إلا جمع عرفة والمزدلفة فقط لكفى ذلك في حق المسافر. وروى مالك عن ابن شهاب قَالَ: سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة (١). وحديث أنس دال على الجمع وإن لم يجد به السير كما قاله جمهور الفقهاء، فكلا الفعلين صح عنه ﷺ مرة كذا ومرة كذا، ففعل كلٌّ ما رأى، وكلٌّ سنة.

стр. 4813

١٤ - باب هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ المَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٨١] ١١١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ. يَعْنِي: المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. [انظر: ١١٠٨ - فتح: ٢/ ٥٨١] ذكر فيه حديث ابن عمر: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ. وذكر فيه أيضًا حديث أنس: أنه ﷺ كَانَ يَجْمَعُ … الحديث. الشرح: هذان الحديثان سلفا في الباب قبله، والأول في باب: صلاة المغرب في السفر (١)، والبخاري روى الثاني عن إسحاق، أنا عبد الصمد، وإسحاق: هو ابن إبراهيم كما ذكره البخاري في باب مقدم رسول الله ﷺ المدينة (٢).

стр. 4814

وذكر الكلاباذي أن إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور يرويان عن عبد الصمد. وروى مسلم في الحج عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد (١). رواه أبو نعيم من حديث إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الصمد، ثم قَالَ: رواه البخاري، عن إسحاق، عن عبد الصمد. وقوله: (يُقِيمُ المَغْرِبَ ثُمَّ يُقِيمَ العِشَاءَ). ظاهره أراد به الإقامة وحدها على ما جاء في الجمع بعرفة ومزدلفة من الاختلاف في إقامتها، وإن كان يحتمل أيضًا أن يكون المراد بما تقام به الصلوات في أوقاتها من الأذان والإقامة، وقد سلف الكلام على ذلك في باب الأذان. وقال ابن المنذر: يؤذن ويقيم، فإن أقام ولم يؤذن أجزأه، ولو ترك الأذان والإقامة لم يكن عليه إعادة الصلاة وإن كان مسيئًا بتركه ذلك (٢). وقال ابن التين: لم يذكر أنه أذن لها. وذكر بعض المخالفين عنه أنه كان يقيم للمغرب خاصة. وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين. وقال ابن الماجشون: بأذان وإقامتين (٣). قلتُ: وهو ما فعله ﷺ بالمزدلفة كما أخرجه مسلم من حديث جابر (٤)، وبعرفة كما أخرجه الشافعي عنه (٥).

стр. 4815

وعند ابن الجلاب بإقامتين (١). وذكر عن ابن عمر الإقامة في الأولى، فأثبت مالك الأذان فيهما؛ لأنه الشأن في الجماعة، وأسقط عبد الملك الأذان من الثانية؛ لأنه لا إعلام، فإنهم متأهبون. وأسقط ابن الجلاب الأذان للحضور، ونقض بجمع المطر، ويلزم عليه ألا يؤذن للمغرب وإن لم يجمع. وأسقط ابن عمر الإقامة في الثانية؛ لأن الإقامة أذان في الحقيقة، كذا قَالَ: وقد علمت أن ظاهر فعل ابن عمر أنه أقام لها. وعندنا: إن جمع في وقت الأولى أذن لها وأقام لكلٍ، أو وقت الثانية وبدأ بالأولى لم يؤذن للثانية، والأولى كفائتة، فيأتي الخلاف، وجزم الإمام هنا أنه يؤذن لها؛ لأنها مؤداة، وإن بدأ بالثانية أذن لها على الأصح دون الأخرى، وقيل يؤذن لكل من صلاتي الجمع قدم أو أخر. تنبيه: قَالَ الداودي: أتى البخاري بهذا الحديث بهذا السند، وذكر فيه الجمع، ولم يقل: قلَّما يلبث إلا في حديث أتى به بعده، فإما أن يكون أتى ببعض الحديث، ثم أتى ببعضه في حديث آخر، ثم أتى به ها هنا على التمام، أو يكون نقص من نقل أدخل بعض الحديثين في بعض، فإن يكن المحفوظ ما هنا أنه لبث بعد المغرب شيئًا، فليس هذا صفة الجمع إلا أن يكون أراد القليل جدًا كالذي فعلوا بمزدلفة حين أناخوا رواحلهم، وإلا فلا يكون جمعًا.

стр. 4816

١٥ - باب يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ١١١١ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. [١١١٢ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٢/ ٥٨٢] ثم ساق حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. الشرح: حديث ابن عباس الظاهر أنه حديثه السالف (١)، وحديث أنس أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٢)، وشيخ البخاري فيه هو حسان بن عبد الله الواسطي الثقة، روى عنه البخاري، وروى النسائي، وابن ماجه عن رجل عنه (٣).

стр. 4817

١٦ - باب إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ ١١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. [انظر: ١١١١ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٢/ ٥٨٢] ذكر فيه حديث أنس المذكور. وأجمع العلماء على أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس فإنه يؤخر الظهر إلى العصر كل على أصله من القول بالاشتراك أو يقيم. واختلفوا في وقت جمع المسافر بين الصلاتين، فذهبت طائفة إلى أنه يجمع بينهما في وقت إحداهما، هذا قول عطاء بن أبي رباح، وسالم، وجمهور علماء المدينة: ابن أبي الزناد، وربيعة، وغيرهم. وحكي عن مالك أيضًا (١)، وبه قَالَ الشافعي، وإسحاق قالوا: إن شاء جمع بينهما في وقت الأولى، وإن شاء جمع في وقت الآخرة (٢). وقالت طائفة: إذا أراد المسافر الجمع أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. روي هذا عن سعد بن أبي وقاص وغيره كما سلف، وإليه ذهب أحمد، وقال: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حَتَّى يدخل وقت العصر، ثم ينزل فيجمح بينهما، ويؤخر المغرب كذلك، قَالَ: فأرجو أن لا يكون به بأس (٣).

стр. 4818

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي الظهر في آخر وقتها ثم يمكث قليلًا، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ولا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداها في غير عرفة ومزدلفة (١). وحجة الأولين حديث أنس السالف، فإن معنى (صلى الظهر)، أي: ثم العصر وركب، فإنه كان يؤخر الظهر إلى العصر إذا لم تزغ، فلذا يقدمها إذا زاغت، وعلى ذلك تأولوا حديث ابن عباس السالف (٢) أيضًا أنه كان إذا زاغت الشمس. ومن حجة أبي حنيفة وأصحابه أنه ﷺ لم يؤخر الجمع إلى وقت العصر إلا إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس خاصة. وأما إذا ارتحل بعد أن تزيغ فإنه كان يجمع في أول وقت الظهر ولا يؤخر الجمع إلى العصر، فهذا خلاف الحديث والآثار، وأثبتها في ذلك حديث معاذ السالف، فبان أنه كان يجمع بينهما مرة في وقت الظهر، ومرة في وقت العصر، وكذا المغرب مع العشاء، وكذا قول أنس أنه ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع، مخالف لهم أيضًا لأنهم لا يجيزون صلاة الظهر في وقت العصر في الجمع. ومن طريق النظر لو كان كما قالوا لكان ذلك أشد حرجًا وضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن وقت كل صلاة واسمع، ومراعاته أمكن من مراعاة طرفي الوقتين، ولو كان الجمع كما قالوا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، ولما أجمع العلماء أن الجمع

стр. 4819

بينهما لا يجوز علم أن المعنى في الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء إنما وردت به السنة للرخصة في اشتراك وقتيهما، فإذا صليت كل صلاة في وقتها فلا يسمى جمعًا. وليس في حديث أنس تقديم العصر إلى الظهر إذا زاغت وذلك محفوظ في حديث معاذ وهو قاطع للالتباس؛ فإن الجمع بينهما إذا زاغت نازلًا كان أو سائرًا جد به السير أو لم يجد على خلاف ما تأوله المخالف، وهو حجة أيضًا على من أجاز الجمع، وإذا لم يجد به السير. وارتكب الداودي مذهب المخالف فقال: هذا هو المعمول به، يصلي الظهر آخر وقتها، والعصر ليس أول وقتها، وليس ما قيل: إنه يجمع إذا ارتحل بعد الزوال بينهما حينئذ بشيء. قَالَ: وإنما تعلق من قاله بجمع عرفة. قَالَ: وتلك سنة لا يقاس عليها، ولا شك أن الصحابة قصدت برواياتهم الإخبار عن صفة يختص بها السفر، وما ذكره المخالف يمكن في الحضر مثله، فلا خصوصية إذن، وقد اعتنى بالصلاة آكد من الوقت، وقد أثر السفر في ترك النقص، فالوقت أولى.

стр. 4820

١٧ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ ١١١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا". [انظر: ٦٨٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ١١١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ -أَوْ فَجُحِشَ- شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا قُعُودًا، وَقَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ١١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ . أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ". [١١١٦، ١١١٧ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ذكر فيه حديث عائشة أنها قالت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ .. الحديث. وحديث أنس: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ فَرَسٍ .. الحديث. وحديث عمران بن حصين: من حديث رَوْحِ بْنُ عُبَادَةَ، عن حُسَيْنٍ،

стр. 4821

عَنْ عَبْدِ اللهِ ئنِ بُرَيْدَةَ، عنه أَنَّهُ سَأَل رسولَ اللهِ ﷺ . وفي لفظ عن عَبْدِ الصَّمَدِ، عن أبيه، عن الحُسَيْنِ به، عن عِمْرَانَ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أفضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ". ثم ترجم على حديث عمران:

стр. 4822

١٨ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالإِيمَاءِ ١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا، وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا. [انظر: ١١١٥ - فتح: ٢/ ٥٨٦] ثم ساقه باللفظ المذكور من حديث عبد الوارث عن حسين. ثم ترجم عليه:

стр. 4823

١٩ - باب إِذَا لَمْ يُطِقْ أن يصلي قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ. ١١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". [انظر: ١١١٥ - فتح: ٢/ ٥٨٧]. ثم ساقه من حديث إبراهيم بن طهمان عن الحسين به، بلفظ: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وحديث عمران هذا من أفراد البخاري، وأخرجه الأربعة أيضًا (١). وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولا نعلم أحدًا روى عن الحسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان، وقد روى أبو أسامة، وغير واحد عن الحسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس (٢). وكما رواه أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه". وقد رواه عن أبي أسامة، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران، قال: هذا

стр. 4824

إسناد قد يتوهم من لا معرفة عنده أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، فإن عبد الله بن بريدة ولد في الثالثة من خلافة عمر سنة خمس عشرة هو وسليمان بن بريدة أخوه توأم، فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج مدة عنها وسكن البصرة وبها عمران بن حصين فسمع منه (١). إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: البخاري روى الأول عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة، عن الحسين، ثم قَالَ: وحَدَّثَنَا إسحاق أنا عبد الصمد، سمعت أبي: ثنا الحسين. وإسحاق هذا الظاهر أنه ابن منصور. وذكر الكلاباذي أن إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد. وروى مسلم في كتابه، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث (٢). قَالَ الجياني: قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عبدان، عن ابن المبارك، عن إبراهيم بن طهمان: حَدَّثَني حسين المعلم، عن ابن بريدة. الحديث. قَالَ: سقط ذكر ابن المبارك من نسخة أبي زيد في هذا الإسناد، والصواب: عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن طهمان (٣).

стр. 4825

ثانيها: قَالَ الإسماعيلي: ترجم الباب بصلاة القاعد بالإيماء، وذكر حديث عبد الوارث. قَالَ: وهذا تصحيف؛ وذلك أنا روينا عن القاسم، عن الزعفراني، عن عفان، عن عبد الوارث هذا الحديث نائمًا، وقال فيه: قَالَ عبد الوارث: والنائم: المضطجع فوقع التصحيف في نائمًا فقال: قائمًا. قَالَ الإسماعيلي: والمعنى على جنب، وسائر الأحاديث تفسره، وتفسير عبد الوارث يوضح الأمر، وهذا في التطوع منهما. وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: نائمًا عندي: مضطجعًا عندي ها هنا. قَالَ ابن بطال: وقد غلط النسائي في هذا الحديث، وترجم له: باب: صلاة النائم (١). فظن قوله: بإيماء نائمًا، والغلط ظاهر؛ لأنه قد ثبت عن الشارع قطع الصلاة عند غلبة النوم، وهي مباحة له، وله عليها نصف أجر القاعد. قَالَ: وحديث عمران إنما ورد في صلاة النافلة؛ لأن المصلي فرضه جالسًا لا يخلو أن يكون مطيقًا على القيام أو عاجزًا، فإن كان مطيقًا وصلى جالسًا فلا تجزئه صلاته، فكيف يكون له نصف فرض مصلٍ، فإذا عجز عن القيام فقد سقط عنه فرضه، وانتقل فرضه إلى الجلوس، فإذا صلى جالسًا، فليس المصلي قائمًا أفضل منه، وأما قوله: "من صلى نائمًا فله نصف أجر صلاة القاعد"، فلا يصح معناه عند العلماء؛ لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماءً. قلتُ: لا إجماع؛ فهو عندنا وجه أنه يجوز مضطجعًا مومئًا.

стр. 4826

ثم قَالَ: وإنما دخل الوهم على ناقل هذا الحديث فأدخل معنى الفرض في لفظ النافلة، ألا ترى قوله: (كان مبسورًا). وهذا يدل على أنه لم يكن يقدر على أكثر بما أدى به فرضه، وهذِه صفة صلاة الفرض. ولا خلاف أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء: لك نصف أجر القادر عليه. بل الآثار الثابتة عن الشارع أنه من منعه الله، وحبسه عن عمله بمرض أو غيره، فإنه يكتب له أجر عمله وهو صحيح، ورواية عبد الوارث، وروح بن عبادة عن حسين هذا تدفعه الأصول، والذي يصح فيه رواية إبراهيم بن طهمان، عن حسين، وهو في الفرض هذا لفظه. وبخط الدمياطي حديث ابن طهمان أصح من هذا؛ لأن من صلى على جنب في الفرض أجره تام لعذر المرض، ومن صلى على جنب في النافلة مع القدرة على الق عود أو القيام لا يجوز. أدخل معنى الفرض في التنفل فوهم. قلتُ: قوله: لا يجوز. هو وجه عندنا، والأصح جوازه. وقال ابن بطال في الباب بعده: حديث عمران هذا تعضده الأصول، ولا يختلف الفقهاء في معناه، وهو أصح معنى من حديث روح، وعبد الوارث، عن حسين (١). وأغرب ابن التين فقال: قوله: "ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد". ذكره بالنون. قَالَ: وفي رواية الأصيلي: "بإيماء"، ويدل عليه تبويب البخاري بذلك، فيكون معناه: ومن صلى قاعدًا بإيماء كان نصف أجر من صلى قاعدًا يركع ويسجد.

стр. 4827

قَالَ: وقوله: "بإيماء"، يريد مضطجعًا، قاله البخاري. وقال الخطابي: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائمًا كما رخصوا فيها قاعدًا. فإن صحت هذِه اللفظة عن الشارع ولم يكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث، وقاسه على صلاة القاعد إذا اعتبره بصلاة المريض نائمًا إذا لم يقدر على القعود، فإن التطوع مضطجعًا للقادر على القعود جائز، كما يجوز للمسافر أن يتطوع على راحلته. وأما من جهة القياس فلا يجوز أن يصلي مضطجعًا، كلما يجوز أن يصلي قاعدًا؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، وليس الاضطجاع شيء من أشكال الصلاة (١). وقال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به التطوع، وعليه تأوله أبو عبيد وغيره، إلا أن قوله: "من صلى نائمًا" يفسد هذا التأويل؛ لأن المضطجع لا يصلي تطوعًا كما يصلي القاعد، فرأيت الآن أن المراد المريض المفترض الذي عليه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده وكذا المضطجع الذي لو تحامل لأمكنه القعود مع شدة المشقة، والمراد بالنوم: الاضطجاع كما قال: "فإن لم تستطع فعلى جنب" (٢). وقَالَ الترمذي: معنى الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع. وساق بسنده إلى الحسن قَالَ: إن شاء الرجل صلى صلاته للتطوع قائمًا، وجالسًا، ومضطجعًا.

стр. 4828

قَالَ: واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالسًا، فقال بعض أهل العلم: يصلي على جنبه الأيمن. وقال بعضهم: يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة. وقال الثوري: إنه في الصحيح ولمن لا عذر له. فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا فله مثل أجر القائم، وقد روي في بعض الحديث مثل قول سفيان (١). ثالثها: في فقه الباب: أما حديث عائشة ففيه: أنه من لم يقدر على صلاة الفريضة لعلة نزلت به، فإن فرضه الجلوس؛ ألا ترى قولها: (وهو شاك)، وكذا في حديث أنس أنه سقط من الفرس، فأراد البخاري أن الفريضة لا يصليها أحد جالسًا إلا من شكوى تمنعه من القيام. والعلماء مجمعون على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي الفريضة جالسًا ثم مضطجعًا، وقد سلف في أبواب الإمامة في باب: إنما جُعل الإِمام ليؤتم به (٢)، اختلافهم في إمامة القاعد، فأغنى عن إعادته. ولخص ابن التين الاختلاف السابق فقال: اختلف في هذا الحديث في موضعين: أحدهما: هل المراد به النافلة، أو الفريضة، أو هما؟ والثاني: هل هو في الصحيح، أو فيه والمريض؟ فأكثر أهل تفسير الحديث منهم القاضي إسماعيل، والداودي، وأبو عبيد، وأبو عبد الملك على أنه محمولٌ على النافلة.

стр. 4829

وقال الخطابي: هو محمولٌ على الفريضة (١). وقال أبو الوليد: هو محمول عليهما، وعلى النافلة. واختلف في صفة حمله عليها، فقال الخطابي: هو في المريض المستطيع القيام بمشقة (٢). وقال أبو الوليد: هو من لا يستطيع القيام في الفريضة. وأمَّا الثاني: فقال جماعة منهم عبد الملك بن الماجشون: إنه في المستطيع القيام أما غيره فالمكتوبة وغيرها سواء. وقال أبو الوليد: صلاةُ القاعد على النصف في موضعين: من صلَّى الفريضةَ غير مستطيع للقيام. ومن صلَّى النافلة مستطيعًا أو غير مستطيع. فرع: لا شك في جواز النافلة جالسًا؛ ودليله من السنة أيضًا حديث عائشة الآتي عقب هذا الباب: كان رسول الله ﷺ يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي عليه من السورة نحو من ثلاثين أو أربعين آيةً … الحديث (٣) فخصت بذلك الآية في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] على قول من يقول: إنها تتناول الفرض والنفل. فرع: اختلف عنها في جواز النافلة مضطجعًا على وجهين: أصحهما: نعم؛ لحديث الباب. وهل يجوز بالإيماء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.

стр. 4830

وفي جوازها مستلقيًا وجهان: أصحهما: المنع. ومشهور مذهب مالك جواز النافلة مضطجعًا للمريض، ومنعه للصحيح (١). وفي "النوادر": منع المريض (٢). وأجاز ذلك الأبهري للصحيح، واحتج بحديث عمران هذا. قال فإذا قلنا: يصلي مضطجعًا فعلى جنبه لقوله: ("فَعَلَى جَنْبٍ") ففيه منع الاستلقاء وليس الباسور المذكور في الحديث علة جواز هذا، ولكنه بتصادف الحال. قَالَ: ورخص في الحديث الإيماء بغير علة، وهذا مثل قول ابن حبيب، وابن القاسم لا يجيز ذلك. قَالَ: ومن لم يستطع الجلوس صلَّى على جنبه الأيمن كما يجعل في سجوده، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: يبتدأ بالظهر قبل الجنب. قال: وهو وهم. دليل الأول حديث عمران هذا: "فعلى جنب" يريد: الأيمن. وفي "المدونة" قَالَ: إن لم يستطع الجلوس جلس على جنبه أو ظهره (٣)، فإذا قلنا: يبدأ بالأيمن، فإن لم يقدر عليه فعلى الأيسر كما قاله محمد، فإن لم يقدره فعلى ظهره، ورجلاه إلى القبلة. وقال سحنون: إن لم يقدر على الأيمن فعلى ظهره، وإن قلنا: يبدأ بظهره، فإن لم يقدره فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى الأيسر (٤).

стр. 4831

فائدة: البواسير -بالباء- واحدها باسور، وهو علة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضًا، والناسور بالنون قريب منه، إلا أنه لا يسمى ناسورًا إلا إذا جرى وتفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج، وحكي فيه الصاد أيضًا مع النون.

стр. 4832

٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا [ثُمَّ صَحَّ] (١) أَوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا. ١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. [١١١٩، ١١٤٨، ٤٨٣٧ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] ١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] وذكر فيه حديث عائشة: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. وحديثها: أنه ﵇ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه

стр. 4833

أيضًا (١)، وقول الحسن: أخرجه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة، وعن يونس، عن الحسن أنهما قالا: يصلي المريض على الحالة التي هو عليها (٢). وفي الترمذي عن الحسن: إن شاء الرجل صلى التطوع قائما وجالسًا ومضطجعًا (٣). وقال ابن التين: إنه لا وجه له؛ لأنه قَالَ: إن شاء وفرض القيام لا يسقط عمن قدر عليه، إلا أن يريد إن شاء بكلفة كبيرة. قَالَ الحميدي: وليس لعلقمة عن عائشة في "صحيح مسلم" غير هذا (٤). قلتُ: علقمة أحد الأربعة الذين حدث عنهم الزهري حديث الإفك عن عائشة (٥). واعترض ابن بطال فقال: ترجم للفرض، وذكر النافلة ووجه استنباط البخاري منه الفرض أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان ﷺ يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى أن يلزم القيام فيها إذا ارتفعت العلة المانعة منه (٦).

стр. 4834

وقال ابن المنير بعد أن سأل: ما وجه دخول الترجمة في الفقه؟ ومن المعلوم ضرورة أن القيام إنما سقط لمانع منه، فإذا جاءت الصحة وزال المانع وجب الإتمام قائما. فإنما أراد دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض فإما (أنها) (١) كلها تُستأنف إذا صح القيام، وإما جالسًا كلها إذا استصحب العلة، فبين بهذا الحديث أنه ﷺ كان يحتفظ على القيام في النافلة ما أمكنه، ولمَّا أسن تعذر عليه استيعابها بالقيام فبعَّضها، فكذلك الفريضة إذا زال المانع لما يستأنفها بطريق الأولى (٢). وقال ابن التين: مراد النافلة ( … ) (٣) تتم للفريضة وجاء بحديث النفل. وقولها: بالليل ونبهت بالليل على فعله من الفريضة التي هي آكد، وقصدت أيضًا الإخبار عن فعله باللفظ الخاص؛ لأنها لو قالت: يصلِّي قائمًا لجاز أن يكون في الفرض دون النفل فلا يحصل في ذلك الحث والتأكيد في قيام النافلة ثم قالت: (حَتَّى أسن فكان يصلي قاعدًا). فأخبرت عن عذره بالسن؛ إبقاء على نفسه؛ ليستديم الصلاة، ثم قالت: (حَتَّى إذا أرادَ أنْ يركعَ قام فقرأ). فأخبرت بمواظبته على القيام وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك. وفيه: أنَّ من لم يطق القيام في جميع صلاته قام ما يطيقه منها، ولا خلاف فيه في النافلة، ثم هذا لمن افتتح النافلة قاعدًا، فإن

стр. 4835

افتتحها قائمًا ثم اراد أن يجلس فذلك له عند ابن القاسم (١) وأباه أشهب، إتمامًا لما افتتح به. وقولها: (فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا .. ) إلى آخره. ظاهره تكرار ذلك منه وإن فعله لضعف عن القيام في جميعها، ولم يكن ذلك لأمر طرأ له في بعض الصلاة، وإلا لخرج عن حد الجواز في النافلة، لما ذكرناه. وأمَّا الفرض فإن افتتحها قاعدًا؛ لعجزه عن القيام، ثم أطاقه لزمه، ولو افتتح قائمًا ثم عجز أتمها قاعدًا. وبه قَالَ أبو حنيفة، والثوري، والشافعي (٢). وقال محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة إلا أن يتمادى قائمًا. وكذا قَالَ أبو يوسف، وكذا نقله ابن بطال عنهما: والذي في البداية عدم التفرقة. ولا شك أن طرءان العجز بعد القدرة لعلة، والعجز عن الركن لا يبطل حكم الركن المقدور عليه، كما أنَّ القدرة إذا طرأت لم تبطل حكم ما مضى (٣). وقال ابن القاسم في المريض: يصلِّي مضطجعًا أو قاعدًا، ثم يخف عنه المرض فيجد قوةً أنه يقوم في الباقي (٤)، وهو قول زفر، والشافعي. وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن صلى ركعةً مضطجعًا، ثم صح أنه يستقبل الصلاة ولو كان قاعدًا يركع ويسجد بني في قول أبي حنيفة، ولم يبن في قول محمد بن الحسن، ووجه البناء أن قدرته على القعود بعد الإيماء توجب البناء، فكذا قدرته على القيام؛ لأنه أصل كالقعود (٥).
следующие страницы →