← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

فائدة: البواسير -بالباء- واحدها باسور، وهو علة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضًا، والناسور بالنون قريب منه، إلا أنه لا يسمى ناسورًا إلا إذا جرى وتفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج، وحكي فيه الصاد أيضًا مع النون.

стр. 4832

٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا [ثُمَّ صَحَّ] (١) أَوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا. ١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. [١١١٩، ١١٤٨، ٤٨٣٧ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] ١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] وذكر فيه حديث عائشة: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. وحديثها: أنه ﵇ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه

стр. 4833

أيضًا (١)، وقول الحسن: أخرجه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة، وعن يونس، عن الحسن أنهما قالا: يصلي المريض على الحالة التي هو عليها (٢). وفي الترمذي عن الحسن: إن شاء الرجل صلى التطوع قائما وجالسًا ومضطجعًا (٣). وقال ابن التين: إنه لا وجه له؛ لأنه قَالَ: إن شاء وفرض القيام لا يسقط عمن قدر عليه، إلا أن يريد إن شاء بكلفة كبيرة. قَالَ الحميدي: وليس لعلقمة عن عائشة في "صحيح مسلم" غير هذا (٤). قلتُ: علقمة أحد الأربعة الذين حدث عنهم الزهري حديث الإفك عن عائشة (٥). واعترض ابن بطال فقال: ترجم للفرض، وذكر النافلة ووجه استنباط البخاري منه الفرض أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان ﷺ يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى أن يلزم القيام فيها إذا ارتفعت العلة المانعة منه (٦).

стр. 4834

وقال ابن المنير بعد أن سأل: ما وجه دخول الترجمة في الفقه؟ ومن المعلوم ضرورة أن القيام إنما سقط لمانع منه، فإذا جاءت الصحة وزال المانع وجب الإتمام قائما. فإنما أراد دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض فإما (أنها) (١) كلها تُستأنف إذا صح القيام، وإما جالسًا كلها إذا استصحب العلة، فبين بهذا الحديث أنه ﷺ كان يحتفظ على القيام في النافلة ما أمكنه، ولمَّا أسن تعذر عليه استيعابها بالقيام فبعَّضها، فكذلك الفريضة إذا زال المانع لما يستأنفها بطريق الأولى (٢). وقال ابن التين: مراد النافلة ( … ) (٣) تتم للفريضة وجاء بحديث النفل. وقولها: بالليل ونبهت بالليل على فعله من الفريضة التي هي آكد، وقصدت أيضًا الإخبار عن فعله باللفظ الخاص؛ لأنها لو قالت: يصلِّي قائمًا لجاز أن يكون في الفرض دون النفل فلا يحصل في ذلك الحث والتأكيد في قيام النافلة ثم قالت: (حَتَّى أسن فكان يصلي قاعدًا). فأخبرت عن عذره بالسن؛ إبقاء على نفسه؛ ليستديم الصلاة، ثم قالت: (حَتَّى إذا أرادَ أنْ يركعَ قام فقرأ). فأخبرت بمواظبته على القيام وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك. وفيه: أنَّ من لم يطق القيام في جميع صلاته قام ما يطيقه منها، ولا خلاف فيه في النافلة، ثم هذا لمن افتتح النافلة قاعدًا، فإن

стр. 4835

افتتحها قائمًا ثم اراد أن يجلس فذلك له عند ابن القاسم (١) وأباه أشهب، إتمامًا لما افتتح به. وقولها: (فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا .. ) إلى آخره. ظاهره تكرار ذلك منه وإن فعله لضعف عن القيام في جميعها، ولم يكن ذلك لأمر طرأ له في بعض الصلاة، وإلا لخرج عن حد الجواز في النافلة، لما ذكرناه. وأمَّا الفرض فإن افتتحها قاعدًا؛ لعجزه عن القيام، ثم أطاقه لزمه، ولو افتتح قائمًا ثم عجز أتمها قاعدًا. وبه قَالَ أبو حنيفة، والثوري، والشافعي (٢). وقال محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة إلا أن يتمادى قائمًا. وكذا قَالَ أبو يوسف، وكذا نقله ابن بطال عنهما: والذي في البداية عدم التفرقة. ولا شك أن طرءان العجز بعد القدرة لعلة، والعجز عن الركن لا يبطل حكم الركن المقدور عليه، كما أنَّ القدرة إذا طرأت لم تبطل حكم ما مضى (٣). وقال ابن القاسم في المريض: يصلِّي مضطجعًا أو قاعدًا، ثم يخف عنه المرض فيجد قوةً أنه يقوم في الباقي (٤)، وهو قول زفر، والشافعي. وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن صلى ركعةً مضطجعًا، ثم صح أنه يستقبل الصلاة ولو كان قاعدًا يركع ويسجد بني في قول أبي حنيفة، ولم يبن في قول محمد بن الحسن، ووجه البناء أن قدرته على القعود بعد الإيماء توجب البناء، فكذا قدرته على القيام؛ لأنه أصل كالقعود (٥).

стр. 4836

لا يقال: إن القاعد يقدر على الركوع والسجود، والمومئ لا يقدر عليه والقادر معه بدل على القيام، والمومئ لابدل معه؛ لأن صلاته بالإيماء صحيحة كقدرته على القيام والقعود، فقد استوت أحواله، فإذا كان عجزه عن فرض لا يبطل الآخر ويبني عليه فكذا القدرة. لا يقال: قد جوزنا مصلي إمامة القاعد دون المومئ فثبت الفرق؛ لأن القاعد معه بدل القيام والسجود جميعًا، وقد صح عقده لتكبيرة الإحرام، كما يصح في قيامه وقعوده، وأما التفرقة بينهما في الإمامة فليس إذا أبطلنا حكم المأموم لعلة في الإمام وجب أن يبطل صلاة الإمام، وصلاة المومئ في نفسه صحيحة، وإن لم يصح الائتمام به كصلاة المرأة هي صحيحة، وإن لم يصح الائتمام بها، والأمى بالقارئ، واختلفوا في النافلة يفتتحها قاعدًا هل يجوز له أن يركع قائمًا؟ فكرهه قومٌ لحديث عائشة: كان ﷺ يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا، فإذا صلَّى قائمًا ركع قائمًا، ماذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا (١). وخالفهم آخرون وأجازوه لحديث عائشة في الباب. وهو قول أبي

стр. 4837

حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. وهو قياس قول مالك وقاله أشهب (١)، وحديثها هذا أولى من ذاك؛ لأن في هذا أنه كان يركع قائمًا بعد ما افتتحها قاعدًا، وهو نص في موضع الخلاف؛ لتماديه على الركوع في ذاك الحديث حَتَّى يركعَ قاعدًا لا يدل أنه ليس له أن يقومَ فيركع قائمًا، وقيامه من قعود حَتَّى يركع قائمًا يدل أن له أن يركع قائمًا بعدما افتتح قاعدًا، وهو حكم زائد، والزيادة يجب الأخذ بها؛ فلذلك جعلناه أولى من حديثها ذاك. وقال مالك: من افتتح النافلة قائمًا، ثم شاء الجلوس له ذلك. وخالفه أشهب فقال: لا يجلس لغير عذر (٢) وقد لزمه تمامها بما نوى فيها من القيام، فإن فعل أعاد، إلا أن يُغلب فلا قضاء عليه (٣). وقولها في الحديث: (ففعل في الثانية مثل ذلك). ذاك للأول، ويحتمل أنه ﷺ ينوي ذلك عند افتتاحه. ولعل أشهب لا يمنع ذلك إذا نوى فيه الجلوس، وإنما يمنعه إذا نوى القيام أو أطلق نيته. وقولها: (فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين). ظاهره أن ما يقرأ قبل القيام أكثر؛ لأن البقية لا تطلق في الأغلب إلا على الأقل. وفيه: حديث الرجل آخر الليل بخلاف حديثه قبل النوم. وفيه: الاضطجاع بعد التهجد إذا لم يحدث أهله، ومفهوم هذا أنَّ اضطجاعه نوم.

стр. 4838

١٩ - التهجد (١) ١ - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. ١١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" أَوْ "لَا إِلَهَ غَيْرُكَ". قَالَ

стр. 4839

سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: "وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٦٣١٧، ٦٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩ - مسلم: ٧٦٩ - فتح: ٣/ ٣] ذكر فيه حديث ابن عباس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ … " الحديث بطوله. الشرح: التهجد عند العرب -كما نقله ابن بطال-: التيقظ والسهر بعد نومة من الليل، قال: والهجود أيضًا: النوم، يقال: تهجد، إذا سهر، وهجد إذا نام (١). قَالَ الجوهري: هجد وتهجد أي: نام ليلا، وهجد وتهجد سهر، وهو من الأضداد، ومنه قيل لصلاة الليل: التهجد (٢). وقال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلًا (٣). كما ذكر البخاري، وفي بعض نسخ البخاري، أي: اسهر به، وعليه مشى ابن التين وابن بطال أي: اسهر نافلة لك (٤). وقيل له: تهجد؛ لإلقاء الهجود عن نفسه. ونقل ابن التين عن علقمة والأسود: التهجد بعد النوم، وهو في اللغة السهر، ونقل النووي عن العلماء أنَّ التهجدَ أصلُه: الصلاة في الليل بعد النوم (٥). ثم قيام الليل سنة مؤكدة، وادعى بعض السلف -كما حكاه القاضي- أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو قدر حلب شاة، وهو غَلَطٌ مردود، ولا شك أنَّ التطوع المطلق الذي لا سبب له ليلًا أفضل منه نهارًا؛ لقوله ﷺ : "أفضل الصلاةِ بعد

стр. 4840

الفريضة صلاة الليل" أخرجه جسلم من حديث أبي هريرة (١). ولأنها تُفْعَل في وقت الغفلة فكانت أهم، فإن قسم الليل نصفين فالثاني أفضل، أو ثلاثًا فالثلث الأوسط أفضل، أو أسداسًا فالسدس الرابع والخامس أفضل؛ لقصة داود في "الصحيح": "كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" (٢). ويكره قيام كل الليل دائمًا؛ للحديث الصحيح فيه: "وإن لجسدك عليك حقا" قاله لعبد الله بن عمرو (٣). لا يكره إحياء بعض الليالي سيما العشر الأواخر فيستحب، وكذا ليلتا العيدين، فقد ورد أن من أحياهما لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (٤).

стр. 4841

وحقيقة التهجد عندنا أن يصلي من الليل شيئًا وإن قل. وهل يسمى الوتر تهجدًا، أو هو غيره؟ اضطرب عندنا فيه. وفي "الأم" للشافعي أنه يسمى تهجدًا (١). وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تعني: فضلًا لك عن فرائضك. وقال قتادة: تطوعًا وفضيلة (٢).

стр. 4842

والنافلة في اللغة: الزيادة. واختلف في المعنى الذي من أجله خص بذلك الشارع ﷺ ، فقال بعضهم: لأنها كانت عليه فريضة ولغيره تطوع، فقال: أتمها نافلة لك، قاله ابن عباس؛ كما نقله ابن بطال (١). ومنهم من قَالَ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نسخت؛ فصارت نافلة، أي: تطوعًا. وقال مجاهد: إنما قيل له ذلك؛ لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئًا في الذنوب؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة فضلٍ وزيادة، وأما غيره فهو كفارة له وليس له نافلة (٢)، وهذا خاص به. ومن قَالَ بأنه كان واجبًا عليه قَالَ معنى قوله: (نافلة له) على التخصيص. أي: فريضة لك زائدة على الخمس، خصصت بها من بين أمتك. وصوب الطبري الأول؛ لأنه ﷺ خصه الله بما فرضه عليه من قيام الليل من بين أمته، ولا معنى لقول مجاهد؛ لأنه ﷺ كان أشد استغفارًا لربه بعد نزول آية الغفران (٣)، وذلك أن هذِه السورة نزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر:١] عام قبض وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وكان يعد استغفاره في المجلس الواحد مائة مرة (٤). قَالَ:

стр. 4843

ومعلوم أن الرب تعالى لم يأمره أن يستغفره إلا بما يغفر له باستغفاره. قَالَ: فبان فساد قول مجاهد (١). وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (٢) والأربعة. وشيخ البخاري فيه (علي بن عبد الله) هو ابن المديني. و (سفيان) هو ابن عيينة. ورواه مالك في "الموطأ" عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، كذا رواه جماعة "الموطأ" (٣)، ورواه بعض من جمع حديث مالك، فذكره عن مالك، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن ابن عباس، كما رواه يحيى (٤). وقول البخاري: (قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: "وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ") يعني: أن عبد الكريم زاد عن طاوس هذِه الزيادة. في كتاب أبي نعيم الأصبهاني. قَالَ سفيان: كنت إذا قلتُ له: -يعني: لعبد الكريم أبي أمية- آخر حديث سليمان -يعني: ابن أبي مسلم الراوي عن طاوس-: "ولا إله غيرك" قَالَ: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" قَالَ سفيان: وليس هو في حديث سليمان. وليس لعبد الكريم هذا في كتاب البخاري غير هذا الموضع، وهو أبو

стр. 4844

أمية عبد الكريم بن أبي المخارق قيس -ويقال: طارق- المعلم البصري نزيل مكة، روى عن أنس بن مالك وغيره، وعنه أبو حنيفة ومالك، وهو واهٍ، وقد بين مسلم جرحه في مقدمته (١)، ولم ينبه البخاري على شيء من أمره، فهو محتمل عنده، كما قَالَ في "تاريخه": كل من لم أبين جرحه فهو على الاحتمال، وإذا قلتُ: فيه نظر، فلا يحتمل. (٢) ووهم ابن طاهر فادَّعى أنهما أخرجا له في الحج حديثًا واحدًا (٣)، والذي أخرجا له ذلك هو عبد الكريم الجزري (٤) كما خرجا به، مات سنة سبع وعشرين ومائة، أفاده ابن الحذاء، وأهمله المزي (٥) تبعًا لعبد الغني (٦). وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سمعته مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ عَنِ رسول الله ﷺ ) مقصوده بهذاَ أن سليمان سمعه من طاوس، فإن في السند الأول أتى عنه بالعنعنة، وعبارة أبي نعيم

стр. 4845

الأصبهاني: وقال سفيان: كان سليمان بن أبي مسلم سمعه من طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ . إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: قوله: (كان إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ") فيه: تهجده ﷺ ، وأنه كان يدعو عند قيامه، ويخلص الثناء على الله بما هو أهله، والإقرار بوعده ووعيده. وفيه: الأسوة الحسنة. وفي رواية ابن عباس السالفة حين بات عند ميمونة أنه ﷺ لما استيقظ تلا العشر الآيات من آخر آل عمران، فبلغ ما شهده، أو بلغه، وقد يكون كله في وقت واحد وسكت هو عنه أو نسيه الناقل. ثانيهما: في معاني الدعاء الواقع فيه: قوله: ("أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ") كذا في أصل الدمياطي، وفي بعضها بحذف: "أَنْتَ" وفيه لغات (١): قيام، وقيوم، وقيم، وفي "الموطأ": "أنت قيام" (٢) وهما من صفاته تعالى. والقيوم بنص القرآن، وقائم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، قَالَ الهروي: ويقال: قوَّام. قَالَ مجاهد وأبو عبيد: القيوم: القائم على كل شيء (٣). أي: مدبر أمر خلقه. وقال ابن عباس: هو الذي لا يزول. وقرأ علقمة: (الحي القيم). وقرأ عمر: (القيام) (٤).

стр. 4846

واختلف في معناه فقيل: القائم بخلقه المدثر لهم. وقيل: الذي لا يزول. كما تقدم، وأصله: قَيْوِم على وزن فيعل مثل صيِّب، وهذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أصل قيم: قويم، قَالَ ابن كيسان: ولو كان كذلك ما جاز تغييره، كما لم يغير سويق وطويل. وقال ابن الأنباري: أصل القيوم: القَيْووم، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلنا ياءً مشددة، وأصل القيام: القَيْوَام. قَالَ الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، ويقولون للصواغ: صياغ (١). وقيل: (قيام). على المبالغة من (قام) بالشيء: إذا هيأ له ما يحتاج إليه. وقيل فيهما: خالقهما وممسكهما أن يزولا. وقوله: ("وَمَنْ فِيهِنَّ") أي: أنت القائم على كل نفسٍ بما كسبت وخالقها ورازقها ومميتها ومحييها. وقيل في معنى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أفمن هو حافظ على كل نفس لا يغفل ولا يمل، فالمعنى: الحافظ لهما ومن فيهن (٢). وقوله: ("أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ومن فيهن") أي: بنورك يهتدي من في السموات والأرض. قاله ابن بطال (٣). وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] قيل: معناه: ذو نور السموات والأرض. وروي عن ابن عباس معناه: هادي أهلهما (٤).

стр. 4847

وروي عنه أيضًا وعن مجاهد: معناه: مدبرهما، شمسهما وقمرهما ونجومهما (١). وقال ابن عرفة: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أي: منيرهما (٢). فعلى قول من قَالَ: معناه: ذو نور، فنوره القرآن. وقال كعب: محمد (٣). فهو يعود إلى أنه ذو النور الذي هدى به أهل السموات والأرض. ويحتمل على هذا الوجه أن يكون معناه: ذو النور الذي أضاءت السموات والأرض به. وإن قلنا: معناه: هادي أهلهما. فيحتمل أن يكون معناه: أن الهدى الذي يهدي به منير، نير في نفسه، ويحتمل أن يريد أنه ينير قلوب المؤمنين. وإذا قلنا: معناه: مدبرهما، فمعناه به يكون ومن خلقه وتدبيره الشمس والقمر والنجوم التي هي تنيرهما، ويحتمل أن يكون: النور الذي بمعنى: الهداية، وأنه بتدبيره تعالى يهتدون، وقرئ: (الله نَوَّر السموات والأرض). بفتح النون والواو مشددة. وقيل: منزه فيهما من كل عيب، ومبرأ من كل ريبة. وقيل: إنه اسم مدح، يقال: فلان نور البلد وشمس الزمان. وقال أبو العالية: مزينهما بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء (٤). وقوله: ("أنت مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ") أي: مالكهما ومالك من فيهما، وخالقهما وما فيهما، وهو تكذيب لمن قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقوله: ("أَنْتَ الحَقُّ") هو اسم من أسمائه وصفة من صفاته،

стр. 4848

ومعناه: المحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ [الحاقة: ١] أي: الكائنة حقًا بغير شك. وهذا الوصف للرب ﷻ بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه بما يقال عليه ذلك فهو بخلافه. وقال ابن التين: "أَنْتَ الحَقُّ" يحتمل أن يريد أنه اسم من أسمائه، ويحتمل أن يريد أنه الحق ممن يدعي المشركون أنه إله من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] وظاهر قوله في هذا: الحق، يعود إلى الصدق، ويتعلق تسميته إلهًا. بمعنى أن من سمَّاه إلهًا قَالَ الحق. من سمَّى غيره: إلهًا. كذب. وقوله: ("وَوَعْدُكَ الحَقُّ") يعني: إنه متحقق لا شك فيه، ولا يَخْلِف ولا يُخلف الميعاد؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ إلا ما تجاوز عنه ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]: وعد الجنة من أطاعه، ووعد النار من كفر به؛ وفاءً بوعده، وكان عائدًا إلى معنى الصدق، ويحتمل أن يريد به أن وعده حق بمعنى: إثبات أنه قد وعد بالبعث والحشر والثواب والعقاب؛ إنكارًا لقول من أنكر وعده بذلك وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده ووعيده. وقوله: ("وَلقَاؤُكَ حَقٌّ") أي: البعث، وقيل: الموت؛ وفيه ضعف، فأنت المميت لسائر الخلق وناشرهم للقاء والجزاء. وقوله: ("وَقَوْلُكَ حَقٌّ") أي: صدق وعدل. وقال ابن التين: يقول: ووعدك صدق.

стр. 4849

وقوله: ("وَالْجَنَّةُ حَقُّ، وَالنَّارُ حَقٌّ") فيه: الإقرار بهما وبالأنبياء كما سيأتي. وقال ابن التين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره بذلك لا يدخله كذب ولا تغيير. ثانيها: أن خبر من أخبر عنه بذلك وبلغه حق. ثالثها: أنهما قد خلقتا. وقوله: ("وَالنَّيِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ") يقول: إنهم رسل الله، وأعيد ذكر نبينا ولخصوصيته، كما قَالَ: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله: ("وَالسَّاعَةُ حَقٌّ") يحتمل الوجهين السابقين في الجنة والنار، فهي محققة، وفيه: الإقرار بهذِه الأمور كلها، و (السَّاعة): القطعة من الزمان؛ لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر فيها بالأزمان سميت بالساعة. يعني: يوم القيامة. وقوله: ("اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ") أي: استسلمت وانقدت لأمرك ونهيك، وسلمت ورضيت وأطعت، من قولهم: أسلم فلان لفلان. إذا انقاد وعطف عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات: ١٠٣]. وقوله: ("وَبِكَ آمَنْتُ") أي: صدقت بك، وبما أنزلت من أخبار وأمر ونهي. وظاهره أن الإيمان ليس بحقيقة الإسلام، وإنما الإيمان التصديق. وقال القاضي أبو بكر: الإيمان المعرفة بالله. والأول أشهر في كلام العرب. قَالَ تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدق. إلا أن الإسلام إذا كان بمعنى الأنقياد والطاعة فقد ينقاد المكلف بالإيمان فيكون مؤمنًا مسلمًا، وقد ينقاد بغير الإيمان فيكون

стр. 4850

مسلمًا لا مؤمنًا. قَالَ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] الآية. فأثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان فتقرر أن ما أثبت غير ما نفى، ومن قَالَ: الإيمان هو الإسلام فهو راجع إلى ذلك. وقوله: ("وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ") أي: تبرأت من الحول والقوة، وصرفت أمري إليك، وأيقنت أنه لن يصيبني إلا ما كتب لي، وفوضت أمري إليك، ونعم المفوض إليه. قَالَ الفراء: ﴿الْوَكِيلُ﴾: الكافي. وقوله: ("وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ") أي: أطعت أمرك، والمنيب: المقبل بقلبه إلى الرب ﷻ ، فأنا راجع إليك. أي: في تدبير ما فوضته إليك أو إلى عبادتك. وقوله: ("وَبِكَ خَاصَمْتُ") أي: بما آتيتني من البراهين، احتججت على من عاند فيك وكفر، وجمعته بالحجة، وسواء خاصم فيه بلسان أو سيف. وقوله: ("وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ") يعني: إليكَ احتكمت مع كل من أبى قبول الحق والإيمان، لا غيرَكَ ممن كانت الجاهلية تحاكم إليه من صنم وكاهن وغير ذلك، فأنت الحكم بيني وبين من خالف ما جئت به، وكان ﷺ يقول عند القتال: "اللهم أنزل الحق" ويستنصر. وقيل: ظاهره: لا نحاكمهم إلا إلى الله ولا نرضى إلا بحكمه. قَالَ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقوله: ("فَاغفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ .. " إلى آخره).

стр. 4851

هذا من باب التواضع والخضوع والإشفاق والإجلال، فإنه مغفور له ذلك، ولنقتدي به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع والرغب والرهب، وفي هذا الدعاء المعين. وقد كان ﷺ يقول: "اللهم إني أستغفرك من عمدي وخطئي وجهلي وظلمي وكل ذلك عندي" (١) يقر على نفسه بالتقصير. ويقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. " إلى آخره (٢). وبهذا رفع الله رسله وأنبياءه أنهم مجتهدون في الأعمال؛ لمعرفتهم بعظمة من يعبدونه، وأمتهم أحرى بذلك. والمغفرة: تغطية الذنب، وكل ما غطي فقد غفر، ومنه: المِغْفَر. وقوله: ("ومَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ") أمر الأنبياء بالإشفاق والدعاء إلى الله والرغبة إليه أن يغفر ما يكون من غفلة تعتري البشر. وما قدَّم: ما مضى. وما أخَّر: ما يستقبل. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] حمله أهل التفسير -كما نقله عنهم ابن التين- على أن الغفران تناول من أفعاله الماضي والمستقبل. وقوله: ("وَمَا أَعْلَنْتُ") أي: ما تحرك به لسان أو نطق به. وقوله: ("أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ") أي: أنت الأول والآخر، قاله ابن التين. وقال ابن بطال: يعني: أنه قدم في البعث إلى الناس على غيره ﷺ

стр. 4852

بقوله: "نحن الآخرون السابقون" (١) ثم قدَّمه عليهم يوم القيامة بالشفاعة بما فضله به على سائر الأنبياء، فسبق بذلك الرسل (٢). وقوله: ("لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ") أي: لا أستطيع تحولًا ولا تصرفًا بنية ولا فعل ولا قول إلا بقوتك التي جعلت فيَّ أو تجعل، ولا قوة لي في شيء من أمري إلا بما جعلت فيَّ من قوتك، وكذلك سائر الخلق.

стр. 4853

٢ - باب فَضلِ قِيَامِ اللَّيلِ ١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. [انظر: ٤٤٠ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٦] ١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ". فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا. [١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٣١ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٦] ذكر فيه عن سالم عن أبيه قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرى رُؤْيَا إلى أن قال: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ" فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. هذا الحديث تقدم في باب: نوم الرجال في المسجد. مختصرًا مقتصرًا على ذكر نومه في المسجد (١)، ويأتي في فضل من تعارَّ من الليل، ومناقب ابن عمر، والأمن وذهاب الروع في المنام (٢)،

стр. 4854

وأخرجه مسلم (١) والأربعة. ومحمود (خ، م، ت، س، ق) (٢) الذي يروي عن عبد الرزاق هو ابن غيلان. وجعل خَلَف هذا الحديث في مسند ابن عمر، وجعل بعضه في مسند حفصة، وأورده ابن عساكر في مسند ابن عمر، والحميدي في مسند حفصة (٣)، وذكر في رواية نافع عن ابن عمر أنها من مسند ابن عمر. وقال: إذ لا ذكر فيها لحفصة. فحاصله أنهم جعلوا رواية سالم من مسند حفصة، ورواية نافع من مسند ابن عمر. إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: إنما كانت الرؤيا تقص على رسول الله ﷺ ؛ لأنها من الوحي، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما نطق به عليه أفضل الصلاة والسلام (٤)، فكان أعلم بذلك من كل أحد، وتفسيره من العلم الذي يجب الرغبة فيه. ثانيها: فيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله، وتمني الخير والعلم والحرص عليه.

стр. 4855

ثالثها: جواز النوم في المسجد لقوله: (وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). وفي رواية: أعزب (١). ولا كراهة فيه عند الشافعي (٢). قَالَ الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه. وقال ابن عباس: لا تتخذه مبيتًا (٣) ومقيلا. وذهب إليه قوم من أهل العلم. قَالَ ابن العربي: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهي داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد (٤)، وكما ضرب الشارع قبة لسعدٍ في المسجد حَتَّى سأل الدم من جرحه (٥). ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر (٦) القوي، وجوَّزه ابن القاسم للضعيف الحاضر. وقال بعض المالكية: من نام فاحتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه منه. رابعها: فيه: رؤية الملائكة في المنام وتحذيرهم له؛ لقوله: (فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ). وفيه: الانطلاق بالصالح إليها في المنام؛ تخويفًا.

стр. 4856

ومعنى: (فإذا هي مطوية كطي البئر). يعني: مبنية الجوانب، فإن لم تبن فهي القليب. والقرنان: منارتان عن جانبي البئر تجعل عليها الخشبة التي تعلق عليها البكرة. وقوله: (فإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ). (إنما أخبرهم؛ ليزدجروا) (١) سكوته عن بيانهم، إما أن يكون لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك بما يختم عليهم بالنار، وإما أن يكون ذلك تحذيرًا كما حذر ابن عمر، نبه عليه ابن التين. وفيه: الاستعاذة من النار، وأنها مخلوقة الآن، لقوله: (فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار). ومعنى (لَمْ تُرَعْ) لم تخف. أي: لا روع عليك ولا ضرر ولا فزع. خامسها: إنما قصَّها على حفصة أخته أم المؤمنين أن تذكر لرسول الله ﷺ . وفيه: استحياء ابن عمر أن يذكر لرسول الله ﷺ فضيلته بنفسه. وفيه: القص على النساء، وتبليغ حفصة، وقبول خبر المرأة. وقوله: فقال: ("نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ") فيه: القول بمثل هذا إذا لم يخش أن يفتتن بالمدح. سادسها: قوله: ("لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ"). فيه: فضيلة قيام الليل، وهو ما بوب عليه البخاري، وهو منجٍ من النار.

стр. 4857

قَالَ المهلب: وإنما فسر الشارع هذِه الرؤيا في قيام الليل -والله أعلم- من أجل قول الملك: لم ترع. أي: لم تعرض عليك لأنك مستحقها، إنما ذكرت بها. ثم نظر الشارع في أحوال عبد الله فلم يرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار، وعلم مبيته في المسجد، فعبر بذلك؛ لأنه منبه على قيام الليل فيه بالقرآن، ألا ترى أنه ﷺ رأى الذي علمه ونام عنه بالليل تشدخ رأسه بالحجر إلى يوم القيامة في رؤياه ﷺ (١). وقال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤية عبد الله بالنار أنه ممدوح؛ لأنه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه وما هو عليه من الخير غير أنه لم يكن يقوم من الليل، إذ لو كان ذلك لما عرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله من تلك الرؤيا يقين مشاهدة النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل بما يتقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك (٢). وروى سنيد، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: "قالت أم سليمان لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة" (٣)

стр. 4858

وفي الحديث من طريق أبي هريرة: "الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان فمن رأى ما يكره فليقم فليصل" (١). سادسها: فيه: فضل عبادة الشاب.

стр. 4859

٣ - باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٣٦ - فتح: ٣/ ٧] ذكر فيه حديث عائشة: أنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي من الليل (١) إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ .. الحديث. وقد سلف في الوتر بطوله (٢)، ويأتي بعضه في باب: الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر (٣). وطول سجوده ﷺ في قيام الليل؛ لاجتهاده فيه بالدعاء والتضرع إلى الرب ﷻ ؛ إذ ذاك أبلغ أحوال التواضع والتذلل إليه، وهو الذي أبى إبليس منه فاستحق اللعن بذلك إلى يوم الدين والخلود في النار أبدًا، فكان ﷺ يطول في السجود في خلوته ومناجاته لله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليه، وقد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وفيه: الأسوة الحسنة لمن لا يعلم ما يفعل به، أي: تمثيل فعله ﷺ في صلاته بالليل وجميع أفعاله، ويلجأ إلى الله في سؤال العفو

стр. 4860

والمغفرة، فهو الميسر لذلك عز وجهه. وكان السلف يفعلون ذلك. قَالَ أبو إسحاق: ما رأيت أحدًا أعظم سجدة من ابن الزبير (١). وقال يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير يسجد حَتَّى تنزل العصافير على ظهره وما تحسبه إلا جذم حائط (٢).

стр. 4861

٤ - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ ١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. [١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨] ١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. [انظر: ١١٢٤ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨] ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. وفي رواية له: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأَة مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. الشرح: هذا الحديث يأتي في تفسير: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أيضًا (١). وقوله: (لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) هو شك من الراوي. وكان ذلك؛ لأنه لم يكلف إلا ما يطيق، قَالَ تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] والمريض يكتب له عمله الذي يعمل في الصحة إذا غلب عليه. وسيأتي في الجهاد من حديث أبي موسى: "إذا مرض العبد أو سافر يكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (٢)، وفي حديث آخر: "من كان له

стр. 4862

حظ من العبادة، ومنعه الله منها بمرض، فإن الله يتفضل عليه بهبة ثوابها"، وفي آخر: "ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له آخر صلاله، وكان نومه عليه صدقة" (١). ولما لم يقم ﷺ وقت شكواه، ولم تسمعه المرأة يصلي حينئذٍ ظنت هذا الظن. والقصة واحدة، رواها جندب. وقد روي أن خديجة قالت لرسول الله ﷺ حين أبطأ عنه الوحي: إن ربك قد قلاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ (٢) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة من لؤلؤ، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له. ذكره بقي ابن مخلد في "تفسيره" (٣). وقد قيل في هذا الحديث: "من لم يرزأ في جسمه فليظن أن الله قد قلاه"، ولكن روي عنه ﷺ أنه قَالَ: "لا يحزن أحدكم أن لا يراني في منامه إذا كان طالبًا للعلم فله في ذلك العوض". وقال ابن التين: ذكر احتباس جبريل في هذا الباب ليس في موضعه. قال: وقول الكافرة: أبطأ عليه شيطانه -يعني: جبريل- ففيه ما كان يلقى من الأذى. وفيه: استعماله ما أمر به من الصبر، وما ذكره ماش في الكافرة على ما رواه الحاكم من حديث زيد بن أرقم، أن قائل ذلك امرأة أبي

стр. 4863

لهب (١)، فنزلت السورة. وقال: هذا إسناد صحيح، إلا أني وجدت له علة فذكرها (٢). وفي "تفسير سنيد بن داود" أن قائل ذلك عائشة، وفيه نظر؛ لأن السورة مكية بالاتفاق. وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن قائلة ذلك أحد عماته. وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قَالَ: امرأة من أهله، أو من قومه وُدع محمد (٣). ولابن إسحاق أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن الخضر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غدٍ، ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، فقال المشركون: ودعه ربه، فنزل جبريل بالضحى، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٤) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. ومعنى ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أي: ورب الضحى. وقيل: إنه يقسم بما شاء من خلقه. و ﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢] سكن، أو استوى، أو جاء، أو غطى كل شيء، أو أظلم، أو ذهب؛ أقوال، يقال: سجى يسجو إذا سكن، وإنما يسكن إذا غطيت ظلمته. (﴿وَدَّعَكَ﴾) [الضحى: ٣] من التوديع، ولا تستعمل ودعك إلا في قليل من الكلام، ومن قرأ بتشديد الدال يقول: ما هو آخر عهدك بالوحي. ومن خفف يقول: ما تركك؛ والمعنى واحد.

стр. 4864

وقال أبو عبيدة: التشديد من التوديع، والتخفيف من ودع يدع إذا سكن. و ﴿قَلَى﴾. يُقال: قلاه يقليه ويقلاه قَلاء وقِلاء إذا أبغضه؛ إذا كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت.

стр. 4865

٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ وَطَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا ﵉ لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ. ١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ". [انظر: ١١٥ - فتح: ٣/ ١٠] ١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً فَقَالَ: "أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. [الكهف: ٥٤] ١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [١١٧٧ - مسلم: ٧١٨ - فتح: ٣/ ١٠] ١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ". وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٣/ ١٠]

стр. 4866

ذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفتن؟ .. " الحديث. وحديث الزهري: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أنه ﵇ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ .. الحديث. وحديث عائشة: أنه ﵇ صلى ذات ليلة في المسجد .. الحديث، وعنها إن كان رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ .. إلى آخره. الشرح: أما قوله: (وطَرَقَ فَاطِمَةَ وعليًا) قد أسنده في الباب. ومعنى (طرقهما): أتاهما ليلًا، هذا هو المشهور، وقيل: طرقه: أتاه. وقوله في الحديث: (لَيْلَةٍ) للتأكيد. وحكى ابن فارس أن طرق: أتى كما تقدم (١)، فعلى هذا يكون لنا ليلًا على البيان لوقت مجيئه أنه كان بالليل. وحديث أم سلمة سلف في باب العلم، والعظة بالليل من كتاب العلم (٢). وحديث علي يأتي في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٣) [الكهف: ٥٤]. وقوله فيه: ("أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ ") أي: النافلة. وفيه: كراهة احتجاج علي، وأراد منه أن ينسب نفسه إلى التقصير.

стр. 4867

وفيه: أن السكوت يكون جوابًا. وفيه: ضرب الفخذ عند التوجع والأسف. وفيه: تروعه بالقرآن، وسرعة الانصراف عمن كره مقالته، وحفظ علي لما رأى منه، وبثه إياه؛ ليتأسى به غيره، وقبول خبر الواحد. ورواية الرجل عن أبيه عن جده. وكان علي بن الحسين يوم قتل الحسين ابن سبع عشرة سنة. ولما أمر بقتل من أثبت منهم قام إليه عمرو بن حريث، فنظر إليه، فوجده قد أثبت، فقال: لم ينبت فترك (١). قَالَ الزهري: وما رأيت قرشيًّا أفضل منه (٢). وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] احتج به من قَالَ: الإنسان ها هنا عام في سائر الناس المؤمن والكافر، وقيل: هو الكافر خاصة مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:٢] فهذِه أكثر من عشر فوائد معجلة. وحديث عائشة: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. أخرجه مسلم (٣). وفي بعض الروايات تقديم قولها: (مَا سَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ .. ) إلى آخره على قولها: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ) (٤)، وحديثها الآخر سلف في باب إذا كان بين الإمام والقوم حائط وغيره (٥).

стр. 4868

إذا تقرر ذلك، فالكلام على أحاديث الباب من أوجه: أحدها: قوله: (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ). يحتمل وجهين، كما قَالَ ابن الجوزي. أحدهما: فيفرضه الله تعالى. والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. وقال ابن بطال: ظاهر حديث عائشة أن من الفرائض ما يفرضه الله تعالى على العباد من أجل رغبتهم فيها وحرصهم؛ والأصول ترد هذا التوهم، وذلك أن الله تعالى فرض على عباده الفرائض، وهو عالم بثقلها وشدتها عليهم، أراد محنتهم، بذلك لتتم الحجة عليهم فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. وحديث موسى ليلة الإسراء حين رده من خمسين صلاة إلى خمس. قَالَ: ويحتمل حديث عائشة -والله أعلم- معنيين: أحدهما: أنه يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض قيام الليل عليه دون أمته، لقوله في الحديث الآخر: "لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن ثفرض عليكم" (١)، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده. وروى ابن عباس أن قيام الليل كان فرضًا عليه، فيكون معنى قول عائشة: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. يعني: إن كان يدع عمله لأمته، ودعواهم إلى فعله معه لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا وقد فرضه الله عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا. ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته، فخشي أن يخرج

стр. 4869

إليهم، والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه، إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة. الثاني: أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون من تَرَكَها عاصيًا لله تعالى في مخالفته لنبيه وترك اتِّباعه، متوعدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال في ترك اتَّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه؛ لأن طاعة الرسول كطاعته، وكان ﷺ رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. ويأتي في باب: ما يكره من السؤال. في كتاب الاعتصام، زيادة إن شاء الله (١). وقال ابن التين -بعد أن ذكر السؤال في أنه كيف يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد أكمل الله عدد الفرائض ورد عدد الخمسين إلى الخمس-: قيل: صلاة الليل كانت مكتوبة عليه، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على الأمة الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعلٍ في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجبًا، فَتَرَك الخروج إليهم في الليلة الرابعة لئلا يدخل ذلك في حد ما وجب، والزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعاله لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يدل ذلك على زيادة فرض في جملة الشرع المفروض في الأصل.

стр. 4870

وجواب ثان؛ وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه وجعل عزائمها خمسًا، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وألزمت متبرعة ما كانت استعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضًا عليهم. وقد ذكر الله تعالى فريقًا من النصارى ابتدعوا رهبانية ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ثم لامهم لما قصروا فيها في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي الشارع أن يكونوا مثلهم بقطع العمل شفقة على أمته. وأجاب عن أمره أبا هريرة بالضحى والوصاية بها من وجهين: أحدهما: أنه أفرده به وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة كمداومة أبي هريرة عليه، فأمن الافتراض به. قلتُ: لم يفرده به بل شاركه فيه أبو ذر وأبو الدرداء كما سلف. والثاني: أن يكون أوصاه بالمداومة عليها بعد موته ﷺ ، وهو وقت يؤمن فيه الافتراض. قَالَ الداودي: وفي تخلفه؛ لئلا يفرض عليهم الفرار من قدر الله. وفيه: صلاة النافلة جماعة، والجمع في المسجد ليلًا. وقولها: (وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا). كذا ثبت من حديث عروة عنها، والسبحة -بضم السين- النافلة. وقيل: الصلاة. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣] قَالَ المفسرون: من المصلين. وفي مسلم (١) عنها من طريق عبد الله بن شقيق كما سلف: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه (٢). وفيه عن معاذة عنها
следующие страницы →