← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

ذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفتن؟ .. " الحديث. وحديث الزهري: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أنه ﵇ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ .. الحديث. وحديث عائشة: أنه ﵇ صلى ذات ليلة في المسجد .. الحديث، وعنها إن كان رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ .. إلى آخره. الشرح: أما قوله: (وطَرَقَ فَاطِمَةَ وعليًا) قد أسنده في الباب. ومعنى (طرقهما): أتاهما ليلًا، هذا هو المشهور، وقيل: طرقه: أتاه. وقوله في الحديث: (لَيْلَةٍ) للتأكيد. وحكى ابن فارس أن طرق: أتى كما تقدم (١)، فعلى هذا يكون لنا ليلًا على البيان لوقت مجيئه أنه كان بالليل. وحديث أم سلمة سلف في باب العلم، والعظة بالليل من كتاب العلم (٢). وحديث علي يأتي في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٣) [الكهف: ٥٤]. وقوله فيه: ("أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ ") أي: النافلة. وفيه: كراهة احتجاج علي، وأراد منه أن ينسب نفسه إلى التقصير.

стр. 4867

وفيه: أن السكوت يكون جوابًا. وفيه: ضرب الفخذ عند التوجع والأسف. وفيه: تروعه بالقرآن، وسرعة الانصراف عمن كره مقالته، وحفظ علي لما رأى منه، وبثه إياه؛ ليتأسى به غيره، وقبول خبر الواحد. ورواية الرجل عن أبيه عن جده. وكان علي بن الحسين يوم قتل الحسين ابن سبع عشرة سنة. ولما أمر بقتل من أثبت منهم قام إليه عمرو بن حريث، فنظر إليه، فوجده قد أثبت، فقال: لم ينبت فترك (١). قَالَ الزهري: وما رأيت قرشيًّا أفضل منه (٢). وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] احتج به من قَالَ: الإنسان ها هنا عام في سائر الناس المؤمن والكافر، وقيل: هو الكافر خاصة مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:٢] فهذِه أكثر من عشر فوائد معجلة. وحديث عائشة: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. أخرجه مسلم (٣). وفي بعض الروايات تقديم قولها: (مَا سَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ .. ) إلى آخره على قولها: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ) (٤)، وحديثها الآخر سلف في باب إذا كان بين الإمام والقوم حائط وغيره (٥).

стр. 4868

إذا تقرر ذلك، فالكلام على أحاديث الباب من أوجه: أحدها: قوله: (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ). يحتمل وجهين، كما قَالَ ابن الجوزي. أحدهما: فيفرضه الله تعالى. والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. وقال ابن بطال: ظاهر حديث عائشة أن من الفرائض ما يفرضه الله تعالى على العباد من أجل رغبتهم فيها وحرصهم؛ والأصول ترد هذا التوهم، وذلك أن الله تعالى فرض على عباده الفرائض، وهو عالم بثقلها وشدتها عليهم، أراد محنتهم، بذلك لتتم الحجة عليهم فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. وحديث موسى ليلة الإسراء حين رده من خمسين صلاة إلى خمس. قَالَ: ويحتمل حديث عائشة -والله أعلم- معنيين: أحدهما: أنه يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض قيام الليل عليه دون أمته، لقوله في الحديث الآخر: "لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن ثفرض عليكم" (١)، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده. وروى ابن عباس أن قيام الليل كان فرضًا عليه، فيكون معنى قول عائشة: إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل. يعني: إن كان يدع عمله لأمته، ودعواهم إلى فعله معه لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا وقد فرضه الله عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا. ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته، فخشي أن يخرج

стр. 4869

إليهم، والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه، إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة. الثاني: أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون من تَرَكَها عاصيًا لله تعالى في مخالفته لنبيه وترك اتِّباعه، متوعدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال في ترك اتَّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه؛ لأن طاعة الرسول كطاعته، وكان ﷺ رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. ويأتي في باب: ما يكره من السؤال. في كتاب الاعتصام، زيادة إن شاء الله (١). وقال ابن التين -بعد أن ذكر السؤال في أنه كيف يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد أكمل الله عدد الفرائض ورد عدد الخمسين إلى الخمس-: قيل: صلاة الليل كانت مكتوبة عليه، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على الأمة الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعلٍ في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجبًا، فَتَرَك الخروج إليهم في الليلة الرابعة لئلا يدخل ذلك في حد ما وجب، والزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعاله لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يدل ذلك على زيادة فرض في جملة الشرع المفروض في الأصل.

стр. 4870

وجواب ثان؛ وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه وجعل عزائمها خمسًا، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وألزمت متبرعة ما كانت استعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضًا عليهم. وقد ذكر الله تعالى فريقًا من النصارى ابتدعوا رهبانية ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ثم لامهم لما قصروا فيها في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي الشارع أن يكونوا مثلهم بقطع العمل شفقة على أمته. وأجاب عن أمره أبا هريرة بالضحى والوصاية بها من وجهين: أحدهما: أنه أفرده به وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة كمداومة أبي هريرة عليه، فأمن الافتراض به. قلتُ: لم يفرده به بل شاركه فيه أبو ذر وأبو الدرداء كما سلف. والثاني: أن يكون أوصاه بالمداومة عليها بعد موته ﷺ ، وهو وقت يؤمن فيه الافتراض. قَالَ الداودي: وفي تخلفه؛ لئلا يفرض عليهم الفرار من قدر الله. وفيه: صلاة النافلة جماعة، والجمع في المسجد ليلًا. وقولها: (وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا). كذا ثبت من حديث عروة عنها، والسبحة -بضم السين- النافلة. وقيل: الصلاة. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣] قَالَ المفسرون: من المصلين. وفي مسلم (١) عنها من طريق عبد الله بن شقيق كما سلف: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه (٢). وفيه عن معاذة عنها

стр. 4871

من حديث قتادة وغيره: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء (١). وفي رواية: ما شاء الله (٢). والمراد بالنفي في الأول في علمها، وإثباتها بسبب وهو المجيء من السفر، فلا تعارض وقول النسائي: خالفها عروة وعبد الله بن سفيان. وليس الأمر على ما ذهب إليه؛ لأن عروة إنما روى عنها نفي صلاة الضحى لغير سبب. ورواية معاذة عنها أنه صلاها لسبب، وذلك إذا قدم من سفر أو غيره كما سلف في الرواية الأخرى، نبه على ذلك ابن التين. وقَالَ ابن الجوزي: رواية إثباتها مقدمة على نفيها. وقال ابن عبد البر (٣): وأما قولها: (مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ). فهو: أن من علم من السنن علمًا خاصًا يؤخذ به عند بعض أهل العلم دون بعضٍ، فليس لأحدٍ من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وإنما حصل المتأخرون على علم ذلك منذ صار العلم في الكتب، وقد روي عن النبي ﷺ آثار كثيرة حسان في صلاة الضحى. وذكر حديث أم هانئ، ثم ذكر طريقًا منه من حديث أبي الزبير عن عكرمة بن خالد عن أم هانئ أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: يا رسول الله، ما هذِه الصلاة؟ قَالَ: "صلاة الضحى" (٤)، ثم قَالَ: ألا ترى أن أم هانئ قد علمت من صلاة

стр. 4872

الضحى ما جهلت عائشة؟ وأين أم هانئ في الفقه والعلم من عائشة. ثم أورد أيضًا حديث أبي ذر: "يصبح على كل سلامَى من ابن آدم صدقة" وفيه: "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" أخرجه مسلم (١)، وأوصى أبا ذر وأبا الدرداء وأبا هريرة بركعتي الضحى (٢)، ثم روى حديث معاذ بن أنس في ذلك، وإسناده لين ضعيف (٣)، من حديث نعيم بن همار عنه (٤)، فهؤلاء كلهم قد عرفوا من صلاة الضحى ما جهله غيرهم.

стр. 4873

وذكر أيضًا حديث عتبان بن مالك أنه ﷺ صلى في بيته سبحة الضحى، وقاموا وراءه فصلوا (١). ثم قَالَ: وقد كان الزهري يفتي بحديث عائشة ويقول: إن رسول الله ﷺ لم يصل الضحى قط، وإنما كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلونها بالهواجر، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر يصلونها ولا يعرفونها. قَالَ ابن عمر: وإنما صلاة القوم بالليل. وقال طاوس: أوَّل من صلاها الأعراب. وقال ابن عمر: ما صليتها منذ أسلمت. أخرجه عبد الرزاق (٢). وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قَالَ: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها، وهذا نحو قول عائشة. ثم ذكر حديث معاذة عنها في صلاتها وقال: إنه منكر غير صحيح عندي (٣). وهو مردود، وقد علمت أن مسلمًا أخرجه (٤). وجمع النووي بين حديث إثباتها ونفيها أنه كان يصليها وقتًا؛ ويتركها وقتًا خشية الافتراض كما ذكرت عائشة، ويُتأول قولها: (ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه): على أن معناه: ما رأيته -كما قالت في الرواية الثانية- ما رأيته يصلي سبحة الضحى.

стр. 4874

وسببه أنه ﷺ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإما مسافرٌ أو حاضر في المسجد أو غيره أو عند بعض نسائه، ومتى يأتي يومها بعد تسعة، فيصبح قولها: (ما رأيته يصليها). وتكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها. أو المراد بها: يصليها ما يداوم عليها. فيكون نفيًا للمداومة لا لأصلها -قَالَ-: وأما ما صح عن ابن عمر قَالَ في الضحى: هي بدعة (١)، فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة؛ لا أن أصلها في البيوت ونحوها. أو يقال: قوله: بدعة. أي: المواظبة عليها؛ لأن الشارع لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه. وقد ثبت استحباب المحافظة عليها في حقنا بحديث أبي الدرداء وأبي ذر وأبي هريرة (٢). ويقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل رسول الله ﷺ لها وأمره بها، وكيفما كان فالجمهور على استحبابها، ولربما نقل التوقف فيها عن ابن عمر وابن مسعود (٣). وذكر المنذري وجهًا آخر فقال: ويجمع بينهما بأنها أنكرت صلاة الضحى المعهودة حينئذ عند الناس على الذي اختاره من السلف من صلاتها ثماني ركعات، وأنه ﷺ كان يصليها أربعًا ويزيد ما شاء، فيصليها مرة ستًا ومرة ثمانيًا، وأقل ما تكون ركعتين، وقد رأى جماعة صلاتها في بعض الأيام دون بعض؛ ليخالف بينها وبين الفرائض.

стр. 4875

وقال عياض: إنه الأشبه عندي في الجمع (١). وقال القرطبي: يحتمل أن يقال: إنما أنكرت عائشة الاجتماع لها في المسجد -أي: وإنما سنتها البيت- وهو الذي قَالَ فيه عمر: بدعة. قال: وقد روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم كانوا لا يصلونها. قَالَ: وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تتخذ سنة، أو يظن بعض الجهال وجوبها، ويحتمل أنها بدعة. أي: حسنة. كما قَالَ في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى. وهذا منه نص على ما تأولناه. قَالَ: وقول عائشة: (وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) بالسين المهملة والباء الموحدة، وهي الرواية المشهورة، أي: لأفعلها (٢). قلتُ: وفي "الموطأ" -كما عزاه ابن الأثير-: أنها كانت تصليها ثماني ركعات، وروي عنها: لو نشر إليَّ أبواي من قبري ما تركتها (٣). قَالَ: وقد وقع في "الموطأ": لأستحبها. من الاستحباب، والأول أولى (٤). ولعلها سمعت من النبي ﷺ الحض عليها، وأنه إنما تركها -يعني: المداومة عليها- لأجل ما ذكرته قبل، وهذا يشكل على ما صححه أصحابنا من أن الضحى كانت واجبة عليه وعلى أمته، ومن شأنه أنه إذا عمل عملًا أثبته.

стр. 4876

فرع: وأول وقتها ارتفاع الشمس، وآخره ما لم تزل الشمس، وأفضل وقتها ربع النهار، كما قاله الغزالي في "الإحياء" (١)، والماوردي، وهو حين ترمض الفصال، وعند الأكثرين: أكثرها ثمانية. وقال الروياني والرافعي وغيرهما: أكثرها اثنتا عشرة ركعة (٢)، وفيه حديث ضعيف (٣). قَالَ المهلب (٤): في حديث عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين سنة؛ لأنه ﷺ صلى بصلاته ناس ائتموا به، وهذا خلاف من أزرى فقال: سخره عمر ولم يثق إليه في مقالته ولا صدق؛ لأن الناس كانوا يصلون لأنفسهم أفذاذًا، إنما فعل عمر التخفيف عنهم فجمعهم على قارئ واحد يكفيهم القراءة ويفرغهم للتدبر. واحتج قوم من الفقهاء بقعوده ﷺ عن الخروج إلى أصحابه الليلة الثالثة أو الرابعة وقالوا: إن صلاة رمضان في البيت أفضل للمنفرد من فعلها في المسجد. منهم مالك وأبو يوسف والشافعى (٥)، وقال

стр. 4877

مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وأنا أفعل ذلك، وما قام ﷺ إلا في بيته (١). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسالم وعلقمة والأسود أنهم كانوا لا يقومون مع الناس في رمضان (٢). وقال الحسن البصري: لأن تفوه بالقرآن أحبُّ إليك من أن يفاه عليك (٣). ومن الحجة لهم أيضًا حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ حين لم يخرج إليهم قَالَ لهم: "إني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" أخرجه مسلم (٤)، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد لا سيما مع رسول الله ﷺ في مسجده. وخالفهم آخرون فقالوا: صلاتها في الجماعة أفضل. قَالَ الليث: لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حَتَّى تترك المساجد حَتَّى لا يقوم (أحد) (٥) فيها، لكان ينبغي أن يخرجوا إلى المسجد حَتَّى يقوموا فيه (٦). لأن قيام الليل في رمضان الأمر الذي لا ينبغي تركه، وهو مما سن الفاروق للمسلمين وجمعهم عليه. وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله ابن السائب قَالَ: كنت أصلي بالناس في رمضان، فبينما أنا أصلي سمعت تكبير عمر على باب المسجد، قدم معتمرًا، فدخل فصلى

стр. 4878

خلفي. وكان ابن سيرين يصلي مع الجماعة، وكان طاوس يصلي لنفسه ويركع ويسجد معهم (١). وقال أحمد: كان جابر يصليها في جماعة (٢). وروي عن علي وابن مسعود مثل ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وممن قَالَ: إن الجماعة أفضل عيسى بن أبان والمزني وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران. واحتج أحمد في ذلك بحديث أبي ذر أنه ﷺ خرج لما بقي من الشهر سبع فصلى بهم حَتَّى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بنا السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حَتَّى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا. فقال: "إن القوم إذا صلوا مع الإمام حَتَّى ينصرف كتب قيام تلك الليلة" ثم خرج السابعة وخرجنا، وخرج بأهله حَتَّى خشينا أن يفوتنا الفلاح، وهو السحور. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وكل من اختار الانفراد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا ينقطع معه القيام في المسجد، كما نبه عليه الطحاوي (٤)، فأما الذي ينقطع منه ذلك فلا.

стр. 4879

قَالَ: وقد أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فصار هذا القيام واجبًا على الكفاية، فمن فعله كان أفضل ممن انفرد، كالفروض التي على الكفاية، أما الذين لا يصبرون ولا يقوون على القيام فالأفضل لهم حضورها؛ ليسمعوا القرآن وتحصل لهم الصلاة، ويقيموا السُّنَّة التي قد صارت علمًا. ذكره ابن القصار، وهو مقالة عندنا. وفي حديث أم سلمة وعلي -السالفين أول الباب- دلالة على فضل صلاة الليل، وإنباه النائمين من الأهل والقرابة؛ لأنه ﷺ أيقظ لها عليًّا وابنته من نومهما؛ حثًّا لها على ذلك في وقت جعله الله لخلقه سكنًا لما علم عظم ثواب الله تعالى عليها، وشرفت عنده منازل أصحابها اختار لهم إحراز فضلها على السكون والدعة، وأيقظهن ليخبرهن بما أُنزل؛ ليزدادوا خشوعًا؛ وليصلوا ليلًا. قالت عائشة: وإذا أراد أن يوتر أيقظني (١). وفيه: السمر بالعلم. وفي حديث عليًّ رجوع المرء عما ندب إليه إذا لم يوجب ذلك، وأنه ليس للعالم والإمام أن يشتد في النوافل. وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) كلام صحيح قنع به ﷺ من العذر في النافلة، ولا يعذر بمثل هذا في الفرض. وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) هو كقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك (٢). وهو معنى قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]

стр. 4880

الآية. أي أن نفس النائم ممسكة بيد الله، وأن التي في اليقظة مرسلة إلى جسدها غير خارجة من قدرة الله، فقنع ﷺ بذلك وانصرف. وأما ضربه فخذه وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] فإنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم، وكذلك لا يحرج الناس إذا حضوا على النوافل ولا يضيق عليهم، إنما يذكروا في ذلك ويشار عليهم. وقوله: ("مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَ ومِنَ الخَزَائِنِ") قاله لما أعلمه ربه تعالى بوحيه بأنه يفتح على أمته من الغنى والخزائن، وعرفه أن الفتن مقرونة بها بعده مخوفة على من فتحت عليه، ولذلك آثر كثير من السلف القلة على الغنى خوف التعرض لفتنة المال، وقد استعاذ الشارع ﷺ من فتنته كما استعاذ من فتنة الفقر. وقوله: ("وصَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ") أزواجه. يعني: من يوقظهن لصلاة الليل، وهو دال على أن الصلاة تنجي من شر الفتن ويعتصم بها من المحن. وقوله: ("كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ") يريد: كاسية بالثياب الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن، ومن يحرم عليه النظر إلى ذلك منهن، وهن عاريات في الحقيقة، فربما عوقبت في الآخرة بالتعري الذي كانت إليه مائلة في الدنيا مباهية بحسنها، فعرف ﷺ أن الصلاة تعصم من شر ذلك، وقد فسر مالك أنهن لابسات رقيق الثياب، وقد يحتمل -كما قَالَ ابن بطال- أن يريد ﷺ بذلك النهي عن لبس رقيق الثياب واصفًا كان أو غير واصف خشية الفتنة (١).

стр. 4881

وقال ابن التين: يحتمل وجهين: أن تكون ناعمة في الدنيا عجلت لها جنتها وتكون عارية يوم القيامة في الموقف والنار -أو في الموقف- ثم تصير إلى رحمة الله، وأن تكون كاسية عند نفسها عارية عند الناس للباسها ما يصف، كالغلائل ونحوها، وما يشف كالثوب الرقيق الصفر يلصق بالبدن فلا يخفي عن الناظر شيء، وهي عارية لظهور محاسنها، وقيل: كاسيات من النعم عاريات من الشكر. وقيل: إنهن يكشفن بعض أجسادهن، ويشددن الخمر من ورائهن فتنكشف صدورهن فكن كالعاريات، ولا تستر جميع أجسادهن، وقد بسطنا الكلام على هذا في كتاب العلم، وأعدناه لطول العهد به، وسيأتي لنا عودة إلى هذا في باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، من كتاب الفتن (١). وقوله في أوله: ("سُبْحَانَ اللهِ") هو تعظيم لما رأى، وتنبيه أن من سمعه إذا صيح به التفت، ومعنى: "سُبْحَانَ اللهِ": تنزيهه وبراءته من السوء، وقد سلف.

стр. 4882

٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ. ﴿انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ. ١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ -أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ". [٤٨٣٦، ٦٤٧١ - مسلم: ٢٨١٩ - فتح: ٣/ ١٤] ثم ذكر فيه حديث المغيرة: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ ليُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ -أَوْ سَاقَاهُ- فَيمالُ لَهُ، فَيَقُولُ: "أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ". هذا الحديث ذكره في التفسير (١) كما ستعلمه إن شاء الله (٢). وقوله: (حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ) يقال: ورم يرم: إذا ربا، وهو فعل يفعل من نادر الكلام، وشاذة كما قاله ابن التين (٣). وفيه: أنه كان يفعل من العبادة ما ينهى عنه أمته؛ لعلمه بقوة نفسه؛ ولما لا يخشى عليه من الملول في ذلك. وقوله: (فيقال له): أي: ألا ترفق بنفسك؟ وقد روي أنه قيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". وفيه: أن السجود والصلاة شكر النعم. قَالَ المهلب: وفيه: أَخْذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن

стр. 4883

أضر ذلك ببدنه؛ لأنه حلال، وله أن يأخذ بالرخصة، ويكلف نفسه ما عفت له به وسمحت. قَالَ: إلا أن الأخذ بالشدة أفضل، ألا ترى قوله أي في الجواب: "أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ " فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟ فمن وفق للأخذ بالشدة فله في الشارع أفضل الأسوة، وإنما ألزم الأنبياء والصالحون أنفسهم شدة الخوف، وإن كانوا قد آمنوا لعلمهم بعظيم نعم الله تعالى عليهم، وأنه بدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في شكره تعالى بأكثر مما افترض عليهم فاستقلوا ذلك، ولهذا المعنى قَالَ طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين (١)، وهذا كله مفهوم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] (٢).

стр. 4884

٧ - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ ١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا". [١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١١٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٣/ ١٦] ١١٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى. [٦٤٦١، ٦٤٦٢ - مسلم: ٧٤١ - فتح: ٣/ ١٦] ١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا. تَعْنِي: النَّبِىَّ ﷺ . [مسلم: ٧٤٢ - فتح: ٣/ ١٦] ذكر فيه حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا". وحديث مسروق: قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ. وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أنا أَبُو الأَحْوَصِ- واسمه سلاَّم بن سليم الحنفي، مات هو ومالك، وحماد بن زيد، وخالد الطحان سنة سبع وسبعين ومائة- عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ قَامَ فَصَلَّى.

стр. 4885

قلتُ: والصارخ: الديك. حديث عائشة قالت: ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا، يعني: النبي ﷺ . الشرح: أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم (١)، والأربعة أيضًا مختصرًا أو مطولًا. وكرره البخاري قريبًا (٢). وفي الصوم في مواضع ستة (٣)، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين (٤)، والنكاح (٥)، والأدب (٦)، وفضائل القرآن (٧)، والاستئذان (٨). وذكر عبد الحق في "أحكامه" أن عطاء رواه عن عبد الله بن عمرو، وهو خطأ، بينهما السائب بن فروخ كما أخرجه مسلم (٩).

стр. 4886

وعطاء هذا هو ابن أبي رباح، صرح به المزي، وذكر الطرقي أنه ابن السائب. وروى البزار منه: "وكان لا يفر إذا لاقى" من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو (١)، كذا أخرجه الطبراني من طريق حجاج، عن عطاء، ومن طريق الأوزاعي، عن عطاء، عنه (٢). قَالَ القرطبي: ظن من لا بصيرة عنده: إنه حديث مضطرب، وليس كذلك، فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته، وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف وتناقض، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره (٣). وحديث عائشة الأول أخرجه أيضًا في الرقاق (٤). وأخرجه مسلم (د) أيضًا (٥). و (أشعث) في إسناده هو أبي الشعثاء سليم بن أسود. وشيخ البخاري فيه (محمد) قد أسلفنا أنه ابن سلام، وكذا نسبه ابن السكن. قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي ذر، عن أبي أحمد الحموي: حَدَّثنَا محمد بن سالم. وقال أبو الوليد الباجي: محمد بن سالم ذكر البخاري، وساق الحديث: حَدَّثنَا محمد بن سالم -وعلى سالم علامة الحموي- قَالَ:

стр. 4887

وسألت عنه أبا ذر فقال: أراه ابن سلام، وسها فيه أبو محمد الحموي. ولا أعلم في طبقة شيوخ البخاري محمد بن سالم. ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، ثنا خلف بن هشام، ثنا أبو الأحوص، عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، أو الأسود قَالَ: سألت عائشة .. الحديث. ثم قَالَ: لم يذكر البخاري بعدُ أشعث في هذا الوجه. وفي رواية أبي داود: كان إذا سمع الصراخ قام فصلى (١). وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن عبدان، عن ابن المبارك، عن شعبة. والذي في البخاري عبدان، عن أبيه، عن شعبة، فاعلمه. وحديثها الآخر أخرجه مسلم (٢). إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليها من أوجه: أحدها: قوله: ("أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ") يريد لمن عدا النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢] الآيات وقد سلف أن هذا الأفضل لمن قسم الليل أسداسًا. وفي "كتاب المحاملي": وإن صلى بعض الليل، فأي وقت أفضل؟ فيه قولان: أحدهما: أن يصلي جوف الليل. والثاني: وقت السحر؛ ليصلي صلاة الفجر وهو غريب. وقوله: ("وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كان يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ

стр. 4888

يَوْمًا") ظاهره أنه أفضل من صوم الدهر عند عدم التضرر، وقد صرح به بعض أصحابنا، ولا شك أن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة، بل به وبالحج والجهاد وغير ذلك. فإذا استفرغ جهده في الصوم خاصة انقطعت قربه، وبطلت سائر العبادات، فأمر أن يستبقي قوته لها. وبين ذلك في الحديث الآخر في قصة داود: "وكان لا يفر إذا لاقى" (١). وبين ذلك لعبد الله بن عمرو فقال: إنك إذا قمت الليل -يريد كله- هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر (٢)، وقيل: النهي لمن صام الأيام المنهي عنها، وقيل في قوله: (لا أفضل من ذلك) بالنسبة إلى المخاطب لما علم من حاله ومنتهى قوته، وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه، ويقعد به عن حقوق نفسه. الثاني: وجه ترجمة البخاري من هذا الحديث: نوم داود السدس الأخير، وقام ثلثه، وهو الوقت الذي ينادى فيه: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ (٣) ونومه السدس الأخير؛ ليستريح من نصب القيام السابق. ووجه كونها أحب؛ لأنها أرفق على النفس وأبعد من الملل المؤدي إلى الترك، والله يحب أن يديم فضله ويوالي نعمه أبدا، وقد قَالَ ﷺ :

стр. 4889

"إن الله لا يمل حَتَّى تملوا" (١) يعني: أنه لا يقطع المجازاة على العبادة حَتَّى تقطعوا العمل، فأخرج لفظ المجازاة بلفظ الفعل؛ لأن الملل غير جائز على الرب ﷻ ، ولا من صفاته، ووجه كون أحب العمل إليه الدائم؛ لأن مع الدوام على العمل القليل يكون العمل كثيرًا، وإذا تكلف المشقة في العمل انقطع عنه وتركه فكان أقل. الثالث: قولها: (كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارخ) هو نحو من قول ابن عباس: نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، كذا قاله ابن التين. وقال ابن بطال: هذا في حدود الثلث الآخر لتحري وقت نزول الرب تعالى: أي أمره (٢). وقولها: (مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلا نَائِمًا) أي: مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: فإن كنت يقظانة حَدَّثَني وإلا اضطجع حَتَّى يأتيه المنادي للصلاة (٣)؛ فتحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح؛ ولذلك كان ينام عند السحر. وهذا كان يفعله ﷺ في الليالي الطوال وفي غير رمضان؛ لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور على ما يأتي في الباب بعده.

стр. 4890

٨ - باب مَنْ تَسَحَّرَ (١) فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ ١١٣٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [انظر: ٥٧٦ - فتح: ٣/ ١٨] ذكر فيه حديث أنس: أَنَّ رسول اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا .. الحديث. وقد سلف في باب: وقت الفجر (٢). وفيه: تأخير السحور، والمراد بالصلاة: صلاة الصبح، وترجم عليه البخاري في الصيام باب: كم قدر بين السحور وصلاة الصبح (٣). إلا أول ما قام إليه ركعتا الفجر؛ لأنه حين كان قبلَ الفجر وبينهما مقدارُ ما ذكر، ففي تلك المدة صلى ركعتي الفجر ثم قعد ينتظر الصلاة (٤).

стр. 4891

٩ - باب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ١١٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ . [مسلم: ٧٧٣ - فتح: ٣/ ١٩] ١١٣٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [انظر: ٢٤٥ - مسلم: ٢٥٥ - فتح: ٣/ ١٩] ذكر فيه حديث أبي وائل (١)، وهو شقيق بن سلمة، عن عبد الله قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا .. الحديث. وحديث حذيفة: كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. وهذا سلف في الطهارة (٢)، لكن لا مناسبة له هنا؛ لأن الشوص ليلا لا يدل على طول صلاة ولا قصرها. نعم، حديثه الآخر في مسلم: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع .. الحديث بطوله (٣)، فكأنه أشار إليه ولا شك أن السواك من كمال هيئة الصلاة والتأهب (لها، قلنا:) (٤) وأخذ النفس بما تؤخذ به نهارا، فكأن ليله

стр. 4892

نهارا، وهو دليل على طول القيام فيه إذ النافلة المخففة لا تتهيأ له هذا التهيؤ الكامل (١). وحديث عبد الله أخرجه مسلم (٢)، وهو ظاهر الدلالة على طول القيام؛ لأنه هم أن يقعد ويذر رسول الله ﷺ ، وكان عبد الله جلدًا مقتديًا برسول الله ﷺ محافظًا على ذلك. وقد اختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التطوع: طول القيام أو كثرة الركوع والسجود؟ فذهبت طائفة إلى الثاني، وروي عن أبي ذر أنه كان لا يطيل القيام ويطيلهما، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" (٣)، وروي عن ابن عمر أنه رأى فتى يصلي قد أطال صلاته فلما انصرف قَالَ: من يعرف هذا؟ قَالَ رجل: أنا، قَالَ عبد الله: لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا قام العبد يصلي أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه، فكلما ركع وسجد تساقطت عنه" (٤).

стр. 4893

وقال يحيى بن رافع: كان يقال: لا تطيل القراءة في الصلاة فيعرض لك الشيطان فيفتنك (١). وقال آخرون بالأول، واحتجوا بحديث أبي سفيان عن جابر قَالَ: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قَالَ: "طول القنوت" (٢)، وهو قول إبراهيم وأبي مجلز والحسن، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (٣). وقال أشهب: هو أحب إلى لكثرة القراءة على سعة ذلك كله (٤)، وليس في حديث أبي ذر وابن عمر ما يمنع هذا إذ يجوز أن يكون المراد: فإن زاد مع ذلك طول القيام كان أفضل، وكان ما يعطيهم الله من الثواب أكثر، فهذا أولى ما حمل عليه معنى الحديث. وكذا حديث ابن عمر ليس فيه تفضيلهما على طول القيام، وإنما فيه ما يعطاه المصلي على الركوع والسجود من حط الذنوب عنه، ولعله يعطى بطول القيام أفضل من ذلك -نبه عليه الطحاوي-، وحديث ابن مسعود يشهد بصحة هذا القول. وفي الحديث أن مخالفة الإمام أمر سوء كما قَالَ ابن مسعود. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الآية.

стр. 4894

وكذا قَالَ ﷺ للذين صلوا خلفه قيامًا وهو جالس: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به .. " إلى آخره (١)، فينبغي أن يكون ما خالف الإمام من أمر الصلاة وغيرها بما لا ينبغي. وفيه: أن السواك من السنن ولا شك فيه، وهو من الفطرة، واستحبابه عند القيام من النوم، وقد سبق في موضعه، والاختلاف في الشوص، قَالَ الحربي: يستاك عرضا وهو قول أكثر أهل اللغة.

стр. 4895

١٠ - باب (صَلَاةِ اللَّيْلِ) (١) ﷺ - وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ؟ ١١٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ". [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٣/ ٢٠] ١١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي بِاللَّيْلِ. [مسلم: ٧٦٤ - فتح: ٣/ ٢٠] ١١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. [فتح: ٣/ ٢٠] ١١٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. [١١٤٧ - مسلم: ٧٣٨ - فتح: ٣/ ٢٠] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث بن عمر أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْبرْ بِوَاحِدَةٍ".

стр. 4896

ثانيها: حديث ابن عباس قال: كانت (١) صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي: بِاللَّيْلِ. ثالثها: روي عن مسروق، عن عائشة: أن صلاته ﵇ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتسْعٌ وَإِحْدى عَشْرَةَ، سِوى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. طريق آخر: عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنها: كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ. الشرح: حديث ابن عمر تقدم في باب: الوتر (٢)، وعليه أكثر أهل العلم، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا الترمذي وصححه (٤). زاد أبو داود: منها ركعتا الفجر (٥). وراويه عن ابن عباس أبو جمرة -بالجيم والراء- نصر بن عمران الضبعي. وحديث عائشة الأول من أفراده. والثاني أخرجه مسلم أيضًا (٦)، ورواه ابن نمير بلفظ: كانت صلاته عشر ركعات ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة (٧).

стр. 4897

وشيخ البخاري في الطريق الأول من حديث عائشة: إسحاق عن عبيد الله. قَالَ الجياني: لم أجده منسوبًا لأحد من رواة الكتاب، وذكر أبو نصر أن إسحاق الحنظلي يروي عن عبيد الله بن موسى في "الجامع" (١)، ويؤيد ذلك أن أبا نعيم أخرجه كذلك، ثم قَالَ في آخره: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق عن عبيد الله، وكذا ذكره الدمياطي أنه ابن راهويه، لكن الإسماعيلي رواه في كتابه عن إسحاق بن سيار النصيبي، عن عبيد الله، وإسحاق هذا صدوق ثقة كما قاله ابن أبي حاتم (٢)، لكن ليس له رواية في الكتب الستة، ولا ذكره البخاري في "تاريخه الكبير"، فتعين أنه الأول. وفيه أبو حصين بفتح أوله وهو عثمان بن عاصم بن حصين، كوفي، أسدي، مات سنة ثماني وعشرين ومائة (٣). وشيخ البخاري في الثاني: عبيد الله بن موسى وهو العبسي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، حدث عنه وعن رجل عنه (٤). إذا تقرر ذلك، فثلاث عشرة مبنية على الفتح، وأجاز الفراء سكون الشين من عشر. وقول ابن عباس: (ثلاث عشرة) بينه في مبيته عند خالته ميمونة ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر، ثم

стр. 4898

اضطجع حَتَّى جاءه المؤذن، ثم خرج فصلى (١) الصبح، وفي أخرى ذكرها ست مرات ثم أوتر، ثم اضطجع، ثم ركع الفجر (٢). وقول عائشة: (سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدى عَشْرَةَ، سِوى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) تريد ليلةً: سبعًا، وأخرى تسعًا، وأخرى إحدى عشرة، وهو أكثر ما كان يصلي كما أخبرت به عائشة: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا أخرجاه (٣). وروي عنها: ثلاث عشرة فيحتمل أنها نسيت رواية: إحدى عشرة، أو أسقطت: ركعتي الفجر، أو وصفته بأكثر فعله وأغلبه. وفي "الموطأ" من حديث هشام، عن أبيه، عنها أنه كان يصلي ثلاث عشرة، ثم يصلي إذا سمع نداء الصبح ركعتين (٤)، وسندها لا شك في صحته. وقد أخرجها البخاري في باب: ما يُقرأ في ركعتي الفجر، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به، وقال: ركعتين خفيفتين (٥). فلعل الثلاث عشرة بإثبات سنة العشاء التي بعدها، أو أنه عدا الركعتين الخفيفتين عند الافتتاح، أو الركعتين بعد الوتر جالسًا؛ لكن روي في باب: قيام النبي ﷺ في رمضان وغيره، عن عبد الله بن

стр. 4899

يوسف، عن مالك، عن سعيد، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (١). ثم اعلم أنه اختلف عن ابن عباس أيضًا، فروي عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن غريب، عنه أنه صلى أيضًا إحدى عشرة بالوتر (٢). وروى شريك بن أبي نمر، عن كريب، عنه أنه صلى أيضًا إحدى عشرة ركعة (٣). وعن سعيد بن جبير، عنه مثله (٤). وروى المنهال بن عمرو، وعن علي بن عبد الله بن عباس، عنه في مبيته إحدى عشرة ركعة بالوتر. أخرجه الطحاوي (٥). وروي عن عائشة ما تقدم، وعنها: إحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، وروي عن زيد بن خالد الجهني- حين رمق صلاته ﷺ بالليل: ثلاث عشرة بالوتر (٦). وقد أكثر الناس القول في هذِه الأحاديث، فقال بعضهم: إن هذا الاختلاف جاء من قبل عائشة وابن عباس؛ لأنَّ رواةَ هذِه الأحاديث ثقاتٌ حفاظ، وكل ذلك قد عمل به الشارع ليدل على التوسعة في ذلك، وأن صلاة الليل لا حد فيها لا يجوز تجاوزه إلى غيره، وكلٌّ سنة.

стр. 4900

وقال آخرون: بل جاء الاختلاف فيها من قبل الرواة، وإن الصحيح منها إحدى عشرة بالوتر. وقد كشفت عائشة هذا المعنى، ورفعت الإشكال فيه بقولها: ما زاد على إحدى عشرة. وهي أعلم الناس بأفعاله؛ لشدة مراعاتها له، وهي أضبط من ابن عباسٍ؛ لأنه إنما رقب صلاته مرة حين بعثه العباس (١)؛ ليحفظ صلاته بالليل، وعائشة رقبت ذلك دهرها كلّه؛ فما روي عنها بما خالف إحدى عشرة، فهو وَهَمٌ، ويحتمل الغلط في ذلك أن يقع من أجل أنهم عدوا ركعتي الفجر مع الإحدى عشرة فتمت بذلك ثلاثة عشرة، وقد جاء هذا المعنى بينًا في طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عنه في مبيته عند ميمونة (٢)، وروى ابن وهب من طريق عروة، عن عائشة كذلك (٣). فكل ما خالف هذا عنها فهو وَهَمٌ، قالوا: ويدلُّ على صحة ذلك قول ابن مسعودٍ للرجل الذي قَالَ: قرأت المفصل في ركعة: هذا كهذِّ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينها. فذكر عشرين سورةً من المفصل سورتين في كلِّ ركعةٍ (٤). فدلَّ هذا على أنَّ حزبه بالليل عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة قاله المهلب وأخوه عبد الله (٥).

стр. 4901

وقال آخرون: الذي يأتلف الأحاديث، وينفي التعارض عنها -والله أعلم- أنه قد روى أبو هريرة وعائشة، عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (١). فمن عدهما جعلها ثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ومن أسقطهما جعلها إحدى عشرة؛ وأما قول عائشة: إن صلاته بالليل سبع وتسع، فقد روى الأسود أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلَّى سبع ركعات (٢). وروي عنها: أنه كان يصلي بعد السبع ركعتين وهو جالس، وبعد التسع كذلك (٣). قَالَ المهلب: وإنما كان يوتر بتسع -والله أعلم- حين يفاجئه الفجر، وأما إذا اتسع له فما كان ينقص عن عشر؛ للمطابقة التي بينها وبين الفرائض التي امتثلها ﷺ في نوافله وامتثلها في الصلوات المسنونة (٤).

стр. 4902

قَالَ أبو عمر: وقد روي في هذا الخبر أنه ﷺ يسلم من كل اثنين من صلاته تلك، وروي غير ذلك (١). وقوله: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) يقضي على كل ما اختلف فيه من ذلك. ثم ذكر حديث كريب، عنه؛ في مبيته. وفيه الاضطجاع بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، وعدها خمس عشرة. ثم ذكر حديث مالك، عن مخرمة بن بكير، عن كريب، وفيه: خمس عشرة. قَالَ: ولم يختلف عن مالك في إسناده، ومتنه، وأكثر ما روي عنه في ركوعه في صلاة الليل ما روي عنه في هذا الخبر عن ابن عباس، وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم، وإنما: "الصلاة خير موضوع" (٢). وقال الطرقي: اختلف الرواة على أبي سلمة في حديث: ما زاد بلفظ المقبري ما سلف، وروى جماعة عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة منها ركعتا الفجر. منهم من فصَّل، ومنهم من أجمل. وزاد عروة: فإذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن حَتَّى يأتيه المؤذن. قَالَ: وقال مسروق: سألت عائشة عن صلاة الليل، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر. وفي رواية الأسود: ثلاث عشرة. ثم إنه صلى إحدى عشرة وترك ركعتين، ثم إنه قبض حين قبض وهو يصلي سبع ركعات. قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست

стр. 4903

وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة، ولم يكن يدع ركعتين قبل الفجر. وفي الصحيحين والأربعة من حديث هشام، عن أبيه، عنها: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يصلي ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح. ولمسلم عن عبد الله بن شقيق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه. وفيه: ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وفيه: وكان إذا طلع الفجر يصلي ركعتين (١). وللنسائي من حديث يحيى بن الجزار عنها قالت: كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن وثقل صلى سبعًا (٢). وقد روى يحيى بن الجزار عن ابن عباس قَالَ: كان ﷺ يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الفجر (٣). وقد روي أيضًا عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بتسع (٤).

стр. 4904

ولأبي داود من حديث سعد بن هشام بن عامر عن عائشة (قالت) (١): قلتُ: حدثيني عن وتر رسول الله ﷺ . قالت: كان يوتر بثماني ركعات لا يجلس إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك إحدى عشرة، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلى ركعتين وهو جالس، فتلك تسع ركعات. وفيه: وكان إذا غلبت عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ولمسلم نحوه (٢). وأخرج الترمذي -مصححًا- قولها: منعه من ذلك مرض أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، قَالَ: فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: والله هذا هو الحديث (٣). وفي رواية: يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله ثم يدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة، فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم (٤). وعنده من حديث زرارة بن أوفى عنها: فيصلي ثمان ركعات ولا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة فإنه كان يجلس ثم يقوم ولا يسلم فيصلي ركعة يوتر بها ثم يسلم، يرفع بها صوته (٥).

стр. 4905

وفي رواية: ولا يقعد في شيء منها حَتَّى يقعد في الثامنة ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة ثم يقعد فيدعو بما شاء الله أن يدعو، ويسأله ويرغب إليه، وسلم تسليمة واحدة، ثم يقرأ وهو قاعد بأم القرآن، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأ الثانية ويركع ويسجد وهو قاعد، وبدعو بما شاء. أي: يدعو ثم يسلم وينصرف. فلم تزل تلك صلاته حَتَّى بَدَّن (١) فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع، وركعة وهو قاعد حَتَّى قبض على ذلك (٢). قَالَ المنذري: ورواية زرارة عن سعد عنها هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة منها نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قَالَ: قد سمع زرارة من عمران وأبي هريرة وابن عباس، ثم قَالَ: وهذا ما صح له، وظاهره عدم سماعه منها (٣). وفي أبي داود أيضًا من حديث علقمة بن وقاص عنها أنه ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، ثم أوتر بسبع ركعات، ويركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد (٤). ولما أورد الترمذي في وصف صلاته ﷺ بالليل حديث ابن عباس وحديث عائشة: كان يصلي من الليل تسع ركعات. قَالَ: وفي الباب عن أبي هريرة وزيد (م. عو) بن خالد الجهني والفضل بن عباس. ثم
следующие страницы →