← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وقال آخرون: الذي يأتلف الأحاديث، وينفي التعارض عنها -والله أعلم- أنه قد روى أبو هريرة وعائشة، عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (١). فمن عدهما جعلها ثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ومن أسقطهما جعلها إحدى عشرة؛ وأما قول عائشة: إن صلاته بالليل سبع وتسع، فقد روى الأسود أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلَّى سبع ركعات (٢). وروي عنها: أنه كان يصلي بعد السبع ركعتين وهو جالس، وبعد التسع كذلك (٣). قَالَ المهلب: وإنما كان يوتر بتسع -والله أعلم- حين يفاجئه الفجر، وأما إذا اتسع له فما كان ينقص عن عشر؛ للمطابقة التي بينها وبين الفرائض التي امتثلها ﷺ في نوافله وامتثلها في الصلوات المسنونة (٤).

стр. 4902

قَالَ أبو عمر: وقد روي في هذا الخبر أنه ﷺ يسلم من كل اثنين من صلاته تلك، وروي غير ذلك (١). وقوله: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) يقضي على كل ما اختلف فيه من ذلك. ثم ذكر حديث كريب، عنه؛ في مبيته. وفيه الاضطجاع بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، وعدها خمس عشرة. ثم ذكر حديث مالك، عن مخرمة بن بكير، عن كريب، وفيه: خمس عشرة. قَالَ: ولم يختلف عن مالك في إسناده، ومتنه، وأكثر ما روي عنه في ركوعه في صلاة الليل ما روي عنه في هذا الخبر عن ابن عباس، وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم، وإنما: "الصلاة خير موضوع" (٢). وقال الطرقي: اختلف الرواة على أبي سلمة في حديث: ما زاد بلفظ المقبري ما سلف، وروى جماعة عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة منها ركعتا الفجر. منهم من فصَّل، ومنهم من أجمل. وزاد عروة: فإذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن حَتَّى يأتيه المؤذن. قَالَ: وقال مسروق: سألت عائشة عن صلاة الليل، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر. وفي رواية الأسود: ثلاث عشرة. ثم إنه صلى إحدى عشرة وترك ركعتين، ثم إنه قبض حين قبض وهو يصلي سبع ركعات. قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست

стр. 4903

وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة، ولم يكن يدع ركعتين قبل الفجر. وفي الصحيحين والأربعة من حديث هشام، عن أبيه، عنها: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يصلي ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح. ولمسلم عن عبد الله بن شقيق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه. وفيه: ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وفيه: وكان إذا طلع الفجر يصلي ركعتين (١). وللنسائي من حديث يحيى بن الجزار عنها قالت: كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن وثقل صلى سبعًا (٢). وقد روى يحيى بن الجزار عن ابن عباس قَالَ: كان ﷺ يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الفجر (٣). وقد روي أيضًا عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بتسع (٤).

стр. 4904

ولأبي داود من حديث سعد بن هشام بن عامر عن عائشة (قالت) (١): قلتُ: حدثيني عن وتر رسول الله ﷺ . قالت: كان يوتر بثماني ركعات لا يجلس إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك إحدى عشرة، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلى ركعتين وهو جالس، فتلك تسع ركعات. وفيه: وكان إذا غلبت عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ولمسلم نحوه (٢). وأخرج الترمذي -مصححًا- قولها: منعه من ذلك مرض أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، قَالَ: فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: والله هذا هو الحديث (٣). وفي رواية: يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله ثم يدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة، فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم (٤). وعنده من حديث زرارة بن أوفى عنها: فيصلي ثمان ركعات ولا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة فإنه كان يجلس ثم يقوم ولا يسلم فيصلي ركعة يوتر بها ثم يسلم، يرفع بها صوته (٥).

стр. 4905

وفي رواية: ولا يقعد في شيء منها حَتَّى يقعد في الثامنة ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة ثم يقعد فيدعو بما شاء الله أن يدعو، ويسأله ويرغب إليه، وسلم تسليمة واحدة، ثم يقرأ وهو قاعد بأم القرآن، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأ الثانية ويركع ويسجد وهو قاعد، وبدعو بما شاء. أي: يدعو ثم يسلم وينصرف. فلم تزل تلك صلاته حَتَّى بَدَّن (١) فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع، وركعة وهو قاعد حَتَّى قبض على ذلك (٢). قَالَ المنذري: ورواية زرارة عن سعد عنها هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة منها نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قَالَ: قد سمع زرارة من عمران وأبي هريرة وابن عباس، ثم قَالَ: وهذا ما صح له، وظاهره عدم سماعه منها (٣). وفي أبي داود أيضًا من حديث علقمة بن وقاص عنها أنه ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، ثم أوتر بسبع ركعات، ويركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد (٤). ولما أورد الترمذي في وصف صلاته ﷺ بالليل حديث ابن عباس وحديث عائشة: كان يصلي من الليل تسع ركعات. قَالَ: وفي الباب عن أبي هريرة وزيد (م. عو) بن خالد الجهني والفضل بن عباس. ثم

стр. 4906

قَالَ: وأكثر ما روي عنه في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقل ما وصف من صلاته من الليل تسع ركعات (١). قلتُ: أما حديث أبي هريرة فلا عدد فيه يحصره، وأما حديث زيد فهو ثلاث عشرة بالوتر، وأما حديث الفضل: فصلى عشرًا وأوتر بواحدة ثم ركع ركعتي الفجر. وذكر القاضي عياض عن العلماء أن كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة أخبر بما شاهد. وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل: منها، وقيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة منهن الوتر الأغلبُ، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، وأكثره: خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله: سبع. وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة أو النوم أو لعذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السنن، كما قالت: لما أسن صلى سبع ركعات، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، كما رواها زيد، وروتها عائشة، وبعد ركعتي الفجر تارة، وتحذفها تارة أو تعد أحدهما، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة، وحذفتها تارة. ونقل أبو عمر عن أهل العلم أنهم يقولون: إن الاضطراب عنها في أحاديثها في الحج، والرضاع، وصلاته ﷺ بالليل، وقصر صلاة المسافر لم يأت إلا منها؛ لأن الذين يروون عنها حفاظ أثبات (٢).

стр. 4907

وقال القرطبي: قد أشكلت هذِه الأحاديث على كثير من العلماء حَتَّى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب، وهذا إنما يصح إذا كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقت، والصحيح أن كل ما ذكرته صحيح من فعل رسول الله ﷺ في أوقات متعددة وأحوال مختلفة حسب النشاط ولتبيين أن كل ذلك جائز (١). ثم هذِه الأحاديث دالة على سنية قيام الليل لأنه ﷺ فعله وواظب عليه، وأن الوتر من صلاة الليل، وقد كنا ألممنا ببعض في ( … ) (٢) في كتاب العلم في باب: السمر في العلم في حديث ابن عباس في مبيته في بيت ميمونة. ونختم ذلك بكلام المحاملي في "لبابه" حيث قَالَ: صلاة الوتر على ستة أنواع: ركعة واحدة، ثلاث ركعات مفصولة، خمس لا يقعد إلا في آخرهن ويسلم، سبع يقعد في السادسة ولا يسلم ثم يقوم إلى السابعة ويتمها، تسع ركعات يتشهد في الثامنة ولا يسلم ثم يقول، إلى التاسعة فيتمها، إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم فرده (٣).

стр. 4908

١١ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ إلى قوله: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٧] وَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ: قَامَ بِالحَبَشِيَّةِ، وِطَاءً: مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾: لِيُوَافِقُوا [فتح: ٣/ ٢١] ١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ. تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ. [١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١ - فتح: ٣/ ٢٢] ثم ذكر فيه عن حميد عن أنس: كَانَ النبي ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ. الشرح: ما ذكره البخاري عن ابن عباس في تفسير ﴿نَاشِئَةَ﴾ ذكره عبد بن حميد في "تفسيره" من حديث سعيد بن جبير عنه به سواء (١)، وذكر

стр. 4909

ابن فارس نحوه قَالَ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] يريد: القيام والانتصاب للصلاة (١). فمعنى: نشأ بالحبشية: قام. ولعلها وافقت اللغة العربية في هذا الحبشية. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أوله، ونحو ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: هي من العشاء الآخرة إلى الصبح. وعن ابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة (٢). وقول أكثر الناس فيما حكاه ابن التين عنهم وصححه، والمعنى: إن الساعات الناشئة من الليل -إن المبتدئة القبلية- بعضها في إثر بعض. وقال الأزهري: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] قيامه، مصدر جاء على فاعلة كعاقبة. وقيل: ساعاته. وقيل: كل ما حدث بالليل وبدأ فهو ناشئة. وقال نفطويه: كل ساعة قامها قائم من الليل فهي ناشئة. وقوله: (وَطِاءً مواطأة). قَالَ الأخفش: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: قيامًا. وأصل الوطء في اللغة: الثقل. ومنه الحديث: "اللهم اشدد وطأتك على مضر" (٣) وقيل: أشد وطاء أشد ثباتًا من النهار، نحو ما في البخاري، من قولك: وطئت الشيء: ثبتُّ عليه. وذكر الإسماعيلي في قوله: ﴿وَطْئًا﴾ أنه على التفسير المذكور: القراءة وطاء، ممدود، والمعنى في وطأ مهموز. أي أثبت للقيام، وكأنه يريد أن القيام بعد قومه أعون على القيام ويقيم القراءة.

стр. 4910

وحديث أنس يأتي إن شاء الله في الصوم في باب ما يذكر من صومه وإفطاره بالسند واللفظ (١). وراويه عن حميد هو: محمد بن جعفر بن أبي كثير. وسليمان هو: ابن بلال كما صرح به خلف، وأبو خالد هو: سليمان بن حيان، وذكره المزي بلفظ: وقال سليمان، بدل: تابعه. نعم ذكره بلفظ: وقال في الصوم كما سيأتي، وذكر أن في البخاري حديث أبي خالد في الصلاة والصوم عن محمد -وهو ابن سلام- عن أبي خالد، وذاك في الصوم فقط لا هنا فاعلمه. وذكر الإسماعيلي أن القاضي أبا يوسف حدث عن محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد وحميد: سئل أنس عن صوم رسول الله ﷺ ، ثم قَالَ: وافقه المعتمر. إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة والنشاط فيها، فكان ﷺ ليس له في شهر من المشهور صيام معروف ولا فطر معروف، وكذا صلاته كانت تختلف، تارة يصلي وتارة ينام، وذلك -والله أعلم- بحسب التيسير. وأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢ - ٣] ففيها أقوال: منها أن قوله ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ليس معناه الفرض بدليل أن بعده ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ﴾ [المزمل: ٣ - ٤] وليس كذا يكون الفرض، وإنما هو ندب وحض. وقيل: هو حتم. ثالثها: أنه حتم وفرض عليه وحده. روي ذلك عن ابن عباس،

стр. 4911

وحجة هذا القول الحديث السالف خشية الافتراض علينا (١)؛ فدل على أنه لم يكن فرضًا علينا، ويجوز أن فُرض ثم نُسخ بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] وعلى هذا جماعة من العلماء. روى النسائي (٢) من حديث عائشة: افتُرِضَ القيام في أول هذِه السورة على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه حولًا حَتَّى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم نزل التخفيف في آخرها، فصار قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فريضة (٣)، وهو قول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة، فيما حكاه عنهم النحاس (٤). وقال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر (حلب) (٥) شاة (٦)، وهذا أسلفناه فيما مضى (٧). قَالَ إسماعيل بن إسحاق: أحسبهما قالا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ الشافعي (٨): سمعت بعض العلماء يقول: إن الله تعالى أنزل فرضًا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ الآية ثم نسخ هذا بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثم احتمل قوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أن يكون فرضًا ثابتًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾

стр. 4912

[الإسراء: ٧٩] فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله ﷺ أن لا واجب من الصلوات إلا الخمس. قَالَ أبو عمر: قول بعض التابعين: قيام الليل فرضًا (١)، ولو كقدر حلب شاة، قولٌ شاذ متروك؛ لإجماع العلماء أن قيام الليل نسخ بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية (٢). وقد أسلفنا أن الأصح عندنا نسخه في حقه ﷺ . ومعنى الآية السالفة: التقدير -والله أعلم- أنه منصوب بإضمار فعل كأنه قَالَ تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] فعلم تعالى أن هذا الليل يختلف الناس في تقديره على قدر أفهامهم وطاقتهم على القيام، فقال: أو انقص من نصف الليل بعد إسقاط ذلك القليل قليلًا أو زد عليه، وكان هذا تخييرًا من الله تعالى إرادة الرفق بخلقه والتوسعة عليهم، ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: اقرأه على ترتيل، قاله مجاهد. ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ حرامه وحلاله، قاله مجاهد، وقال الحسن: العمل به (٣). ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بعد النوم. أي: ابتداء عمله شيئًا بعد شيء، وهو من نشأ إذا ابتدأ، وقد سلف، وفيه ما فيه من الخلاف. ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أمكن موقعًا، وقد سلف ما فيه. قَالَ قتادة: أثبت في الخير وأشد في الحفظ للتفرغ بالليل (٤). ومن قرأ: وطْأً. فالمعنى: أشد مهادًا للتصرف في التفكر والتدبر، قاله مجاهد (٥)، يواطئ السمع والبصر والقلب.

стр. 4913

﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أثبت للقراءة، قاله مجاهد. قَالَ بعضهم: ولهذا المعنى فرض الله صلاة الليل بالساعات، جزءًا من الليل لا جزءًا من القرآن، إرادة التنبيه على تفهمه وتدبره، والعمل بالقلب وأنه ليس بهَذِّ الحروف وجريه على اللسان، وأن الثواب بمقدار تمام الساعات التي يقرأ فيها. ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ " فراغًا وحقيقته لغة: التصرف والحركة. وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: لن تطيقوه. وصحح ابن التين أنه منسوخ بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 4914

١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ ١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ". ١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: "أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ". [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٣/ ٢٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كسْلَانَ". وحديث سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في الرؤيا: "أمَّا الذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ (١) وَيَنَامُ عَنِ الصلاةِ المَكْتُوبَةِ". الشرح: حديث أبي هريرة يأتي إن شاء الله في صفة إبليس (٢)، وأخرجه مسلم

стр. 4915

(د. س) أيضًا (١)، والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز. وحديث سمرة مختصر من حديث طويل يأتي بطوله آواخر الجنائز (٢)، وأخرجه النسائي (٣)، وأخرج مسلم منه وأبو داود والترمذي قطعة (٤)، وكرر البخاري هذِه القطعة في التفسير في سورة التوبة في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٥) [التوبة: ١٠٢] وفي أحاديث الأنبياء (٦) والتعبير (٧)، وأخرجه مختصرًا ومطولًا في الجنائز (٨)، وبدء الخلق (٩)، والبيوع (١٠)، والجهاد (١١)، والأدب (١٢). و (أبو رجاء) هو: عمران العطاردي. وإسماعيل هو: ابن علية. و (مؤمل) (في د س) شيخ البخاري هو: ابن هشام أبو هاشم ختن إسماعيل بن علية، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١٣).

стр. 4916

إذا تقرر؛ ذلك فالكلام على الحديث الأول من وجوه: أحدها: التبويب ليس مطابقًا لما أورده من الحديث، فإن ظاهره أنه يعقد على رأس من يصلي ومن لم يصل، وهذا الاعتراض للمازري، ويتأول كلام البخاري على إرادة استدامة العقد إنما يكون على من ترك الصلاة، وجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعقد عليه لزوال أثره (١). فإن قلت: فالصديق وأبو هريرة كانا يوتران أول الليل وينامان آخره. قيل: أراد الذي ينام ولا نية له في القيام، وأما من صلى من النافلة ما قدر له ونام بنية القيام فلا يدخل في ذلك؛ بدليل قوله ﷺ : "ما من امرئٍ يكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صلاة" (٢) ذكره ابن التين. الثاني: القافية: مؤخر الرأس، وقافية كل شيء آخره. ومنه: قافية الشِّعْر. وقال ابن الأثير: القافية: القفا، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل: وسطه (٣). وقال ابن حبيب: وسطه وأعلاه وأعلى الجسد.

стр. 4917

الثالث: يحتمل أن يكون هذا العقد حقيقًا بمعنى السحر للإنسان ومنعه من القيام؛ فيعمل فيمن خذل ويصرف عمن وفق، قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ (٤)﴾ فشبه تعالى فعل الشيطان بفعل الساحر الذي يأخذ خيطًا ويعقد عليه عقدة ويتكلم عليه فيتأثر المسحور عند ذلك. وقيل: من عقد القلب وتصميمه. فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلًا طويلًا فيتأخر عن القيام. الرابع: فسر بعضهم العقد الثلاث؛ وقال: هي الأكل والشرب والنوم، ألا ترى أنه من أكثر الأكل والشرب كثر نومه لذلك، واستبعد لقوله: "إذا هو نام" فجعل العقد حينئذٍ، والظاهر أنه مَثَلٌ واستعارة من عقد بني آدم وليس بذلك العقد نفسها، ولكن لما كان بنو آدم يمنعون بعقدهم ذلك بصرف من يحاول فيما عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما يجب من ذكر الله والصلاة. الخامس: إنما خص العقد بالثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم تنتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع، نبه عليه القرطبي (١). السادس: قوله: ("يَضْرِبُ مكان كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ") يريد: يضرب بالرقاد. ومنه ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١]

стр. 4918

معناه: أن ذلك مقصود الشيطان بذلك العقد، ويعني بقوله: "عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ" تسويفه بالقيام والإلباس عليه في بقية الليل من الطول ما له فيه فسحة. وقوله: ("لَيْلٌ طَوِيلٌ") رفع على الابتداء أو على الفاعل بإضمار فعل أي: بقي عليك. وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتنا الصحيحة: "ليل طويل" على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: عليك ليلًا طويلًا، على الإغراء. والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: "فَارْقُدْ"، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذٍ يكون قوله: فارقد ضائعًا (١). السابع: قوله: ("فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ") فيه -كما قَالَ أبو عمر-: أن الذكر يطرد الشيطان وكذا الوضوء والصلاة، قَالَ: ويحتمل أن يكون الذكر: الوضوء والصلاة لما فيهما من معنى الذكر يختص بهما الفضل في طرد الشيطان (٢). قلتُ: بعيد؛ فقد غاير بينه وبينها، ويحتمل أن تكون كذلك سائر أعمال البر. الثامن: قوله: ("فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة") فيه ما قلناه.

стр. 4919

وقوله: ("فَإِنْ صَلى انْحَلَّتْ عُقْدَه") هو بالجمع، وفي بدء الخلق زيادة: "كلها" (١) وروي في غيره بالإفراد. قَالَ صاحب "المطالع" اختلف في الأخير منها فقط، فوقع في "الموطأ" لابن وضاح بالجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما صحيح، والجمع أوجه وقد جاء في مسلم في الأولى: "عُقْدَةٌ" وفي الثانية: "عقدتان" وفي الثالثة: "انحلت العقد" (٢). التاسع: المراد بالصلاة هنا: الفريضة، قاله ابن التين، قَالَ: وقيل: النافلة، واحتج له بالحديث الذي بعد هذا: "بال الشيطان في أذنه" (٣). ومعنى: ("أصبح نشيطًا طيب النفس") للسرور بما وفقه الله له من الطاعة ووعده به من ثوابه، مع ما يبارك في نفسه، وتصرفه في كل أموره مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه. وقوله: ("وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ") وذلك لما عليه من عقد الشيطان، وآثار تثبيطه واستيلائه ولم يزل عنه. قال أبو عمر: وزعم قوم أن في هذا الحديث ما يعارض الحديث الآخر: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" (٤) لقوله: "خَبِيثَ النَّفسِ"

стр. 4920

وليس كذلك لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهية لتلك الكلمة وتشاؤمًا بها إذا أضافها الإنسان إلى نفسه، فإن الخبث: الفسق، قَالَ تعالى: ﴿الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، والحديث الثاني: "أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ" ذمًّا لفعله وعيبًا له، ولكل واحد من الخبرين وجه فلا معنى للتعارض، فالنهي منصب أن يقول هذا اللفظ عن نفسه، وهذا إخبار عن صفة غيره (١). العاشر: ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة، وهي الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن يصبح خبيث النفس كسلان. قَالَ المهلب: قد فسر الشارع معنى العقد وهو: "عليك ليل طويل فارقد"، فكأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى حزبه، فينعقد في نفسه أنه بقي من الليل بقية طويلة حَتَّى يروم بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت حزبه فإذا ذكر الله انحلت عقدة أي: علم أنه قد مر من الليل طويل، وأنه لم يبق منه طويل، فإذا قام وتوضأ استبان له ذلك أيضًا، وانحل ما كان عقد في نفسه من الغرور والاستدراج، فإذا صلى واستقبل القبلة، انحلت الثالثة؛ لأنه لم يصغ إلى قوله، ويئس الشيطان منه، ولما كان مؤخر الرأس فيه العقل (٢) والفهم، فعقده فيه إثباته في فهمه أنه بقي عليه ليل طويل، فيصبح نشيطًا طيب النفس؛ لأنه مسرور بما قدم مستبشرٌ بما وعده ربه من الثواب والغفران، وإلا أصبح مهمومًا بجواز كيد الشيطان عليه، وكسلان بتثبيط الشيطان له عما كان اعتاده من فعل الخير.

стр. 4921

وأما الحديث الثاني: فـ"يثلغ" بمثناة تحت مضمومة ثم مثلثة ثم لام ثم غين معجمة أي: يشدخ، والشدخ: فضخ الشيء الرطب بالشيء اليابس، ومعنى: "يرفضه": يتركه، وهو بفتح الفاء وكسرها كما ذكره ابن التين عن الضبط وعن أهل اللغة أي يترك تلاوته حَتَّى ينساه أو يترك العمل به. وعبارة ابن بطال: يترك حفظه والعمل بمعانيه، قَالَ: فأما إذا ترك حفظ حروفه وعمل بمعانيه فليس برافض له، قد أتى في الحديث "أنه بحشر يوم القيامة أجذم" (١) أي: مقطوع الحجة، والرافض له يثلغ رأسه كما سلف، وذلك لعقد الشيطان فيه، فوقعت العقوبة في موضع المعصية. وقوله: ("يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ") يعني: لخروج وقتها وفواته، وهذا إنما يتوجه إلى تضييع صلاة الصبح وحدها لأنها التي تبطل بالنوم، وهي التي أكد الله المحافظة عليها، وفيها تجتمع الملائكة. وسائر الصلوات إذا ضيعت فحملها محملها، لكن لهذِه الفضل. ا. هـ (٢) وفي رواية: "فأتينا على رجلٍ مضطجع على قفاه ورجل قائم على

стр. 4922

رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذِه حَتَّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه" (١). واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في هذا الباب، وليس رفض القرآن: ترك الصلاة بالليل، وهو عجيب منه، فسيأتي في الحديث في الجنائز: "والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل حَتَّى نسيه، ولم يعمل به بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة" (٢). … باب كذا في أصول البخاري، وفي أصل (٣) ابن بطال:

стр. 4923

١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ (١) ١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ". [٣٢٧٠ - مسلم: ٧٧٤ - فتح: ٣/ ٢٨] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ: قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ". وسيأتي في باب: صفة إبليس إن شاء الله، وفيه: "أو في أذنيه" (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا (٣). وهو على ظاهره إذ لا إحالة فيه ويفعل ذلك استهانة به، وبه صرح الداودي وعياض (٤) وغيرهما. ويحتمل أن يكون تمثيلًا له ضرب له حين غفل عن الصلاة كمن ثقل سمعه وبطل حسه؛ لوقوع البول الضار في أذنه بقول الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد. وليس لسهيل بول، وإنما هو نجم يطلع فيفسد الفضيخ بعده، وإذا أراد غير البول منه فلا ينكر إن كانت هذِه الصفة. قَالَه الخطابي (٥).

стр. 4924

وخص البول في الذكر إبلاغًا في التنجيس، وخص الأذن؛ لأنها حاسة الانتباه، والمهلب (والطحاوي) (١) نحى إلى هذا فقالا: هذا على سبيل الإغياء من تحكم الشيطان في العقد على رأسه بالنوم الطويل. قَالَ ابن مسعود: كفي المرء من الشر أن يبول الشيطان في أذنه (٢). فمن نام الليل كله، ولم يستيقظ عند الأذان، ولا تذكر، فالشيطان سد ببوله أذنيه، وأي استهانة أعظم من هذِه حيث صيَّره كنيفًا معدًّا للقاذورات، نسأل الله السلامة.

стр. 4925

١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَقَالَ تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ أَيْ: مَا يَنَامُونَ. ١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". [٦٣٢١، ٧٤٩٤ - مسلم: ٧٥٨ - فتح: ٣/ ٢٩] ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يُنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَي السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الأخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَاَغْفِرَ لَهُ". الشرح: الهجوع: نوم الليل خاصة. وقيل في معنى الآية: قل ليلة تمر عليهم لم يصيبوا فيها خيرًا. وقوله: (أَيْ: يَنَامُونَ). هو ما فسره به جماعات. قَالَ إبراهيم: قليلًا ما ينامون (١). وقال الضحاك: قليلًا من الناس (٢). وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون. وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة. فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية. وعلى قول الضحاك هذا الصنف قليل من الناس.

стр. 4926

وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١) والأربعة، ويأتي في الدعوات والتوحيد (٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عليًّ وابن مسعود وجبير بن مطعم ورفاعة الجهني وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص (٣). وقال الطرقي: في الباب: (ورافع بن عرابة) (٤) وابن عباس وجابر بن عبد الله وعمرو بن عنبسة وأبي موسى. وقال ابن الجوزي: حديث النزول رواه جماعة منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود والنواس بن سمعان وأبو ثعلبة الخشني وعائشة في آخرين. وعدد بعض من أسلفناه. إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الحديث ليس فيه ذكر الصلاة لكنها محل الدعاء والاستغفار والسؤال، وترجم له في الدعاء باب: الدعاء نصف الليل (٥). ومراده: النصف الأخير. فإنه قَالَ: حين يبقى ثلث الليل الآخر. ثانيها: قوله: ("يُنْزِلُ") هو بضم أوله، من أنزل. قَالَ ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله ﷺ ، بضم الياء من ينزل، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين (٦). وكذا قَالَ

стр. 4927

القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف. أي: يُنزل الله ملكًا. قَالَ: والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن الله يمهل حَتَّى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له" الحديث (١). وصححه عبد الحق (٢). الثالث: جاء هنا: "حين يبقى ثلث الليل الآخر".

стр. 4928

وكذا أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع من "صحيحه" (١)، وأخرجه مسلم بألفاظ: أحدها: هذا. ثانيها: "حين يمضي ثلث الليل الأول" (٢). ثالثها: "لشطر الليل -أو ثلث الليل- الآخر" (٣). وذكر الترمذي أن الرواية الأولى أصح الروايات (٤)، وصححها أيضًا غيره، فذكر القاضي عياض (٥) أن النزول عند مضي الثلث الأول. و"من يدعوني .. " إلى آخره في الثلث الآخر. وقال: يحتمل الشارع أعلم بالأول فأخبر به ثم بالثاني فأخبر به، فسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما، وأبو سعيد خبر الثلث الأول فأخبر به مع أبي هريرة. وقال ابن حبان في "صحيحه": صح "حين يمضي شطر الليل أو ثلثاه"، و"حين يبقى ثلث الليل الآخر"، و"حتى يذهب ثلث الليل الأول"، فيحتمل أنه في بعض الليالي: حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حين يبقى ثلث الليل الأول (٦). قلتُ: ويجوز -والله أعلم- أن يكون ابتداء الأمر من أول الثلث الثاني إلى الثالث.

стр. 4929

ثم اعلم أن صفات القديم (١) ﷻ إما أن يكون استحقها لنفسه أو لصفة قامت به أو لفعل يفعله، ولا يطلق شيء من الألفاظ في أوصافه وأسمائه المتفرعة عما تقدم إلا بتوقيف كتاب أو سنة أو اتفاق الأمة دون قياس، فلا مجال له فيها، وقيل ما يرد من مثل هذِه الأخبار من مثل هذا اللفظ -أعني: ينزل- إلا ونظيره في القرآن. قَالَ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وأهل البدع يحملونها إذا وردت في القرآن على التأويل (الصحيح) (٢)، ويأتون من جمل الأخبار على مثل ذلك جحدًا منهم لسنة المصطفي ﷺ ، واستخفافًا بذوي النهى الناقلين، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى، فالنزول لغة يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والإعلام: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: اعلم به الروح الأمين

стр. 4930

محمدًا ﷺ ، وبمعنى القول: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: سأقول مثل ما قال. والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل من مكارم الأخلاق إلى دنيها. أي: أقبل إلى دنيها ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حَتَّى نزل بنا بنو فلان. أي: حكمهم. وذلك كله متعارف عند أهل اللغة. وإذا كانت مشتركة المعنى وجب حمل ما وصف به الرب ﷻ من النزول على ما يليق به من بعض هذِه المعاني التي لا تقتضي له ما لا يليق بنعته من إيجاب حدث يحدث في ذاته، وهو إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف بالتذكير والتشبه الذي يلقى في قلوب أهل الخير منهم (١)، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة ووجدناه تعالى

стр. 4931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4932

خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، ويحتمل أن يكون ذلك فعلًا يظهر بأمره فيضاف إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى الأمير في البلد، وإنما أمر بذلك فيضاف إليه الفعل كما مضى أنه عن أمره ظهر، إذا احتمل ذلك في اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا بهذا الدعاء والنداء فيضاف ذلك إلى الله. وحديث النسائي السالف يعضده، وقد سئل الأوزاعي عن معنى هذا الحديث فقال: يفعل الله ما يشاء، وهذِه إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه ، وذكر حديث كاتب مالك عنه أنه قَالَ في هذا الخبر: ينزل أمره ورحمته، وقد رواه مطرف عنه أيضًا (١)، وأنكر بعض المتأخرين هذا اللفظ، فقال: كيف يفارقه أمره؟. وهذا كلام من اعتقد أنه ينزل أمره القديم، وليس كذلك، وإنما المراد ما أشرنا إليه، وهو ما يحدث عن أمره، قَالَ الإمام أبو بكر محمد بن فورك: روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله ﷺ بما يؤيد هذا التأويل، وهو بضم الياء من ينزل، وقد تقدم نقل ذلك عنه، فإذا كان ذلك محفوظًا فوجهه ظاهر (٢).

стр. 4933

وقد سئل بعض العلماء عن حديث التنزيل، فقال: تفسيره قول إبراهيم حين أفل النجم: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَطَلَبَ رَبُّا لا يجوز عليه الانتقال والحركات، ولا يتعاقب عليه النزول، وقد مدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه في كتابه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فوصفه باليقين، وحكي عن بعض السلف في هذا الحديث وشبهه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها. وكان مكحول والزهري يقولان: أمرُّوا الأحاديث (١). وقال أبو عبد الله: نحن نروي هذِه الأحاديث ولا نرفع بها المعاني. وإلى نحو هذا نحى مالك في سؤال الاستواء على العرش (٢). وحمل الداودي مذهبه في هذا الحديث على نحو من ذلك وقال فيما تقدم عنه: نقله حبيب، وليس حبيب بالقوي (٣). وضعفه غيره أيضًا لكنا أسلفنا أنه لم ينفرد به. فصارت مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه ثلاثة: فرقة قائلة بالتأويل كما سلف محتجين بالحديث الآخر: "إذا تقرب

стр. 4934

إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" (١). وفرقة قالت بالوقف عن جميعها. وفرقة قالت بالتأويل في بعضها. سئل مالك في "العتبية" عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش (٢): قال: لا يتحدث به، وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به، وهو يرى ما فيه من التغرير؟! وحديث "إن الله خلق آدم على صورته" (٣). وحديث الساق (٤). قَالَ ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله أن يتحدث بمثل هذا. قيل له: فالحديث الذي جاء: إن الله يضحك (٥). فلم يره من هذا وأجازه، وكذلك حديث النزول. ويحتمل أن يفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن حديث النزول والضحك صحيحان لا طعن فيهما، وحديث اهتزاز العرش قد سلف الإنكار له والمخالفة فيه من الصحابة. وحديث الصورة والساق ليس تبلغ أسانيدهما في الصحة درجة حديث النزول (٦).

стр. 4935

والثاني: أن التأويل في النزول أبين وأقرب، والعذر بسوء التأويل فيها أبعد، وبالله التوفيق. وفي الحديث أيضًا أن آخر الليل أفضل الدعاء والاستغفار، قَالَ تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٨] وروى محارب بن دثار، عن عمه، أنه كان يأتي المسجد في السحر ويمر بدار ابن مسعود، فيسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي. فسئل ابن مسعود عن ذلك فقال: إن يعقوب ﵇ أخر نيته إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (١). وروى الجريري أن داود سأل جبريل، أي الليل أسمع؟ فقال: لا أدري غير أن العرش يهتز في السحر (٢). وقوله: أسمع، يريد أنها أرفع للسمع، والمعنى أنها أولى بالدعاء وأرجى للاستجابة، وهذا كقول ضماد حين عرض عليه الشارع الإسلام فقال: سمعت كلامًا لم أسمع قط كلامًا أسمع منه (٣)، يريد أبلغ ولا أنجع في القلب (٤)

стр. 4936

١٥ - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: قُمْ الآن. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ". ١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَي فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. [مسلم: ٩٣٧ - فتح: ٣/ ٣٢] وذكر حديث الأسود عن عائشة: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ .. الحديث. أما حديث سلمان فسيأتي في الصوم والأدب مسندًا (١). وقال الترمذي: حسن صحيح (٢). و (أبو الدرداء) اسمه: عويمر بن زيد. وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٣). قَالَ الإسماعيلي: هذا حديث يغلط في معناه الأسود، فإن الأخبار الجياد: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وأمر بذلك من سأله (٤). وإنما كان يقوم آخره لأجل حديث النزول السالف، وهذا كان فعل السلف.

стр. 4937

وروى الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري قَالَ: قَالَ عمر: الساعة التي تنامون فيها أعجب إليَّ من الساعة التي تقومون فيها (١). وقال ابن عباس في قيام رمضان: ما تتركون منه أفضل بما تقومون فيه (٢). وفيه: دلالة على أن في رجوعه من الصلاة إلى فراشه قد كان يطأ ويصبح جنبًا ثم يغتسل، وقد كان لا يفعل ذلك. قيل: وظاهره عدم وضوئه للنوم مع الجنابة.

стр. 4938

١٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ١١٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي". [انظر: ٢٠١٣، ٣٥٦٩، ١١٤٠ - مسلم: ٧٣٨ - فتح: ٣/ ٣٣] ١١٤٨ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَؤ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَ رَكَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٣/ ٣٣] ذكر فيه حديث عائشة: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ .. الحديث. وحديثها أيضًا: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَئٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ. الشرح: حديث عائشة الأول يأتي في الصوم وصفته ﷺ (١)، وأخرجه مسلم

стр. 4939

أيضًا، وأبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح (١). أخرجاه عن مالك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة عنها. قَالَ أبو عمر: وهكذا هو في "الموطأ" عند جماعة الرواة فيما علمت، ورواه محمد بن معاذ بن المستهل، عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب عن أبي سلمة، عنها. والصواب الأول (٢). وأخرجه البخاري في الاعتصام وصفته ﷺ من حديث سعيد بن ميناء عن جابر (٣). وحديثها الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقد أسلفنا اختلاف الآثار في عدد صلاته ﷺ قريبًا. واختلف العلماء في عدد الصلاة في رمضان، فذكر ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم (ت. ق) (٥) بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر (٦)، وروي مثله عن عمر بن الخطاب وعليٍّ وأُبي بن

стр. 4940

كعب (١)، وبه قَالَ الكوفيون والشافعي وأحمد (٢)، إلا أن إبراهيم هذا هو جد ابن شيبة، وهو ضعيف فلا حجة في حديثه، والمعروف القيام بعشرين ركعة في رمضان عن عمر وعليًّ، قاله ابن بطال (٣) ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء، ونقله ابن رشد عن داود (٤). وقال عطاء: أدركت الناس يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة، الوتر منها ثلاثًا (٥). وروى ابن مهدي عن داود بن قيس. قَالَ: أدركت الناس في المدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًّا وثلاثين ركعة، ويُوتَرُ بثلاث (٦). وهو قول مالك وأهل المدينة (٧)، وجعله الشافعي خاصًّا بأهل المدينة؛ لشرفهم وفضل مهاجرهم. ونقل ابن رشد عن ابن القاسم عن مالك: الوتر بركعة (٨). وحكي [أن] (٩) الأسود بن يزيد، كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع. وقول عائشة: (يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا) قد أسلفنا في أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" لأنه مفسر وقاض على المجمل، وقد جاء بيان هذا في بعض طرق هذا
следующие страницы →