← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

ولابن ماجه بإسناد جيد أن ابن عباس قَالَ لرجل: إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله ، فإن رسول الله ﷺ قَالَ: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" (١).

стр. 6547

وللدارقطني: كان عبد الله إذا شرب منها قَالَ: اللَّهُمَّ إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء (١). ولأحمد -بإسناد جيد- من حديث جابر في ذكر حجته ﷺ : ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبّ عَلَى رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، الحديث (٢). وفي "شرف المصطفي" -المصنف الكبير- عن أم أيمن قالتْ: ما رأيتُ النبي ﷺ شكى جوعًا قط، ولا عطشًا، كان يغدو إذا أصبح، فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الطعام فيقول: "لا أنا شبعان" (٣).

стр. 6548

وعن عقيل بن أبي طالب قَالَ: كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام، قَالَ لنا أبي: ائتوا زمزم، فنأتيها، فنشرب منها فنجتزئ. وروى ابن إسحاق، عن عليٍّ: قَالَ عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلما كان الغد نمتُ فيه، فجاءني فقال لي: احفر بَرَّة، قَالَ: قلت: وما بَرَّة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلمَّا كان الغد رجعتُ إلى مضجعي، فنمتُ فيه، فجاءني فقال لي: احفر المضنونة، قَالَ: قلتُ: وما المضنونة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلمَّا كان الغد رجعتُ إلى مضجعي، فنمتُ فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قَالَ: قلتُ: وما زمزم؟ قَالَ: لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (١) عند قرية النمل (٢).

стр. 6549

وذكر الزمخشري في "ربيعه" (١): أن جبريل أنبط بئر زمزم مرتين، لآدم (حين) (٢) انقطعتْ زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل. قَالَ السهيلي: كان الحارث بن مضاض الجرهمي لما أخرج من مكة عفي أثرها، فلم تزل دارسة إلى أيام عبد المطلب. وسُميت طيبة؛ لأنها للطيبين والطيبات. وفي إنباط جبريل إياها بعقبه دون يده إشارة أنها لعقبه وراثة. وسميت بَرةَّ؛ لأنها فاضت للأبرار عن الأشرار. والمضنونة، لأنها ضن بها عَلَى غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب بن منبه. وفي كتاب الزبير: قيل لعبد المطلب: احفر المضنونة، ضننت بها عن الناس لا عليك. وقوله: عند نقرة الغراب، الغراب عند أهل التعبير: فاسق وهو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة عَلَى نقرة الأسود الحبشي بمعوله يهدمها حجرًا حجرًا في آخر الزمان، ونعت (ذَلِكَ) (٣) بذي السويقتين (٤)، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه، وكونها عند الفرث

стр. 6550

والدم؛ لأن ماءها طعام طعم وشفاء سقم، ولما شرب له كما سلف، فهي كاللبن الخارج من بين فرب ودم خالصًا سائغًا لشاربه، وكونها عند قرية النمل؛ لأنها هي عين مكة التي يردها الحاج من كل جانب، فيحملون إليها البر والشعير وغير ذَلِكَ، وهي لا تحرث ولا تزرع، وكذلك قرية النمل تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب (١). وسميت زمزم لما ذكر الكلبي في "بلاده" عن الشرقي؛ لأن بابل بن ساسان حيث سار إلى اليمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة في موضع بئر زمزم، فلما احتفرها عبد المطلب أصاب السيوف والحلي، فيه سميت زمزم. وفي "الاشتقاق" للنحاس، عن أبي زيد: (الزمزة) (٢) من الناس: خمسون ونحوهم. وقال ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب؛ لئلا يأخذ الماء يمينًا وشمالًا، ولو تركت لساحت عَلَى وجه الأرض حَتَّى تملأ كل شيء. وعن ابن هشام: الزمزمة عند العرب: الكثرة والاجتماع. وذكر المسعودي أن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، والزمزم صوت يخرجه الفرس من خياشيمها. وقال الحربي: سميتْ بزمزمة (٣) الماء حولها، وهو حركته.

стр. 6551

وفي كتاب أبي عبيد قَالَ بعضهم: إنها مشتقة من قولهم: ماء زمزوم وزمزام، أي: كثير، وهو ما في "الموعب": زمزم وزمازم (١)، وهو الكثير. قَالَ البكري في "معجمه": وهو بفتح الأول وسكون الثاني وفتح الزاي الثانية، ويُقال: بضم الأول، وبفتح الثاني مخففًا ومشددًا وكسر الزاي الثانية (٢)، فهذِه ثلاثة أوجه. وقال الأزهري في "تهذيبه"، عن ابن الأعرابي: زَمْزَم، وَزَمَّم، وَزُمَّزم. قلتُ: ولها أسماء أخر: رَكْضَة جبريل، وهزمة الملك، والشَّبَّاعة (٣). وحكى الزمخشري ضم الشين (٤)، وهمزة جبريل بتقديم الميم وتأخيرها بعد الزاي، وتكتم، ذكره صاعد في "الفصوص" وغير ذَلِكَ. ومقصود البخاري: أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، لفضله

стр. 6552

وبركته، وقد نص أصحابنا عَلَى شربه. قَالَ وهب بن منبه: نجدها في كتاب الله، شراب الأبرار، وطعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزح ولا تزم، من شرب منها حَتَّى يتضلع أحدثت له شفاء وأخرجت منه داء. وروى ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في الحج (١)، ولعله لئلا يظن أن شربه من الفرض اللازم، وقد فعله أولًا مع أنه كان شديد الاتباع للآثار بل لم يكن أحد أتبع لها منه. قَالَ معمر، عن الزهري: إن عبد المطلب لما أنبط ماء زمزم بنى عليه حوضًا فطفق هو وابنه الحارث ينزعان فيملآن ذَلِكَ الحوض، فيشرب منه الحاج، فيكسره الناس من حسدة قريش بالليل، ويصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه، فأُرِي في المنام فقيل له: قل: اللَّهُمَّ إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي للشارب حل وبل، ثم كفيتهم، فقام فنادى بالذي أري، فلم يكن أحد يفسد عليه حوضه ليلًا إلا رُمي بداء في جسده، ثم تركوا له حوضه وسقايته. قَالَ سفيان: بل حل محل. وفيه: الشرب قائمًا كما سلف، وحلف عكرمة عَلَى نفيه، وقد ثبت شربه قائمًا (٢). وقوله: "فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ". وفي رواية أخرى: "في المسجد الحرام" ومحل الخوض فيه الإسراء، وقد سلف.

стр. 6553

فرع: يُكره أن يستعمل ماء زمزم في نجاسة. وقال الماوردي: يحرم الاستنجاء به. وفي غسل الميت به قولان عند المالكية (١)، قَالَ ابن شعبان منهم: لا يستعمل في مرحاض، ولا يخلط بنجس، ولا يُزال به نجس، ويتوضأ به، ويتطهر من ليس باعضائه نجس، ولا يغسل به ميت -بناء عَلَى أصله في نجاسة الميت- ولا يقرب ماء زمزم بنجاسة، ولا يستنجى به. وذُكر أن بعض الناس استعمله في ذَلِكَ فحدث به الباسور، والناس وأهل مكة وغيرهم عَلَى إبقاء ذَلِكَ إلى اليوم.

стр. 6554

٧٧ - باب طَوَافِ القَارِنِ ١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا". فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٩٣] ١٦٣٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ. فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا. [١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٤٩٤] ١٦٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي. وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى

стр. 6555

أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الَحجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٤٩٤] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث بطوله. كما سلف في باب: كيف تهل الحائض والنفساء (١). ثانيها: حديث نافع: أَنَّ ابن عُمَرَ دَخَلَ ابنهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ .. ، فذكر إيجابه الحج والعمرة والإحصار، وقد سلف أيضًا، إلا الإحصار. ثالثها: حديثه أيضًا عن ابن عمر أنه أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ .. الحديث بطوله. وأخرجه والذي قبله مسلم أيضًا (٢)، وأسلفنا هناك اختلاف العلماء في حكم طواف القارن، وأن الثلاثة قالوا: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وبه قَالَ ابن عمر، وجابر بن عبد الله اعتمادًا عَلَى أحاديث الباب خلافًا، لأصحاب الرأي. قَالَ ابن بطال: وروي ذَلِكَ عن الشافعي أيضًا وهذا غريب عنه (٣)، واحتجوا بأن العمرة إذا أفردها لزمته أفعالها.

стр. 6556

فلم يكن ضمها إلى الحج موجبًا لسقوط جميع أفعالها، دليله التمتع، وهو منتقض بالحلق؛ لما كان عليه حلاقتان كان عليه طوافان. ولما كان القارن يكفيه حلق واحد، كفاه طواف واحد، فإن قيل: القياس منتقض؛ لأن المستحق في الحلق عن كل إحرام مقدار الربع، فمتى حلق جميع رأسه فقد أتى بما يقع عليه لكل واحد منهما، ولأنه يجري الموسى عَلَى رأسه بعد الحلق، فيقوم مقام الحلق الآخر عند العجز. وجوابه: ما يقولون: إذا اقتصر القارن عَلَى حلق ربع رأسه، ولم يتجاوزه، ولم يجر الموسى عَلَى رأسه، هل يجزئه أو يحتاج إلى زيادة ربع آخر؟ فإن قلتم به فليس مذهبكم، وإن كفاه واحد فقد ثبت ما قلناه، وأيضًا فإن القارن إذا قتل صيدًا واحدًا فعليه جزاء، والحجة لهم لازمة؛ بحديث عائشة وابن عمر؛ لأنهم يأخذون بحديث عائشة في رفض العمرة مع احتماله في ذَلِكَ للتأويل، ويتركونه في طواف القارن، وهو لا يحتمل التأويل. وقول ابن عمر: (إذن أصنع كلما صنع رسول الله ﷺ ) يعني: حين صُدَّ عام الحديبية فحلق، ونحر، وحل، فلم يُصد ابن عمر، فقرن الحج إلى العمرة، وكان عمله لهما واحدًا، وطوافًا واحدًا. وقد احتج أبو ثور لذلك فقال: لما لم يجز أن يجمع بين عملين إلا الحج والعمرة فأجزنا ومن خالفنا لهما سفرًا واحدًا وإحرامًا واحدًا وكذلك التلبية كان كذلك يجزئ عنهما طواف واحد، وسعي

стр. 6557

واحد (١)، وابن عمر ﵁ لما أحرم علم بالعدو ولم يعلم هل يصده أم لا. ومنصوص مذهب مالك: أن من أحرم بعد علمه بالعدو أنه لا يحل بحال لأنه ابتدأه بعد علمه به، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون (٢) ويبينه أنه ﷺ لم يتيقن الصد؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة، ولم تكن قريش تمنع من قصدها. وذكر عروة، عن عائشة: أنها أهلتْ بعمرة، وقد سلف، وأنها لم تتمادى عليها؛ لأنها حاضت، وقد تريد بهذا: أهل غيري، وتريد أنه ﷺ لم يهل بها، إذ لو أهل بها لبدأت بذكره. وقوله: (وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). روي أنهم طافوا طوافين، وسعوا سعيين، والأول أثبت، وعليه عوام العلماء، وقد سلف. وقوله: (وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ) يعني: بعيره. وقوله: (فقال: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ). قَالَ ابن التين: بعد أن ذكره بلفظ: لا إيمن، أصله: لا أمن بفتح الألف، فكسروها؛ لأن الماضي عَلَى فعل بالكسر، والعرب تكسر أول مستقبل فعل، إلا أن يكون ياء، نحو: أنت تعلم، وأنا إعهد، وإخاف ربي، وإخال، ولا يكسرون أول مستقبل فعَل بالفتح، إلا أن يكون فيه حرف حلق، فيقولون: أنا إذهب، وإلحق، وهي لغة تميم، وقيل أنه أمال، وفي بعض الكتب: إني لا أيمن، بفتح الهمزة، ولا أعلم له وجهًا.

стр. 6558

وقوله في الحديث الثالث: (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةَ) إلى أن قَالَ: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ). لعله يريد بطوافه الأول أنه لما قدم طاف وسعى مرة واحدة، وذلك الطواف ليس من أركان الحج، وإنما هو طواف القدوم، وإنما الواجب لهما طواف الإفاضة الذي يفعله يوم النحر أو بعده، ومخرج هذا الإشكال ما ذكره الداودي، قَالَ: يعني قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول يعني: الذي معه سعي. وقوله: (كَذَلِكَ صنع رَسُولُ اللهِ ﷺ ) يُحتمل أنه يريد أنه قرن، ويحتمل أن يريد صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ . وقوله: (ولم يزد عَلَى ذَلِكَ) يعني: ولم يزد عَلَى السعي، ولكن طاف طواف الإفاضة. وأما الصد المذكور في حديث ابن عمر، فلنتكلم عليه هنا؛ ليُحالَ فيما بعدُ عليه، فنقول: اختلف العلماء في المحصر في الآية الكريمة، بالعدوِّ أو بالمرض؟ فمن قَالَ بالأول احتج بذكر المرض فيه، فلو كان المحصر هو المحصر بمرض، لما كان لذكر المرض بعد ذَلِكَ فائدة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن قَالَ بالثاني قَالَ: لا يُقال: أحصر في العدو، وإنما يقال: حصره العدو، وأحصره المرض، وإنما ذكر المرض بعد ذَلِكَ؛ لأنه صنفان: صنف محصر، وغير محصر، وقال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: من المرض، وعكس ذَلِكَ، فأحصر بالعدو، وحصر بالمرض؛ لأن العدو إنما عرض للإحصار، والمرض فاعله. وعند الحنفية: أن كل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى الحرم

стр. 6559

لإتمام حج أو عمرة من خوف أو مرض أو سلطان فهو محصر، أي: ممنوع (١). والإحصار لغة: المنع، وإليه ذهب ابن حزم (٢)، حيث قَالَ: اختلف الصحابة فمن بعدهم في الإحصار، فرُوِّينا عن ابن عمر أنه قَالَ: لا إحصار إلا من عدو (٣)، وفي مسلم عن البراء: لما أحصر رسول الله ﷺ عن البيت .. الحديث (٤). وقال إبراهيم النخعي: الإحصار من الخوف والمرض والكسر، وقال عطاء: من كل شيء يحبسه، وسيأتي في البخاري في بابه (٥). وقال ابن مسعود: هو المرض والكسر وشبهه. وعن ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو (٦)، وقال طاوس: لا حصر إلا أن (يذهب) (٧) الحصر.

стр. 6560

وعن علقمة: الحصر: الخوف والمرض (١)، وعن عروة: الحصر ما حبسه من وجع، أو خوف، أو ابتغاء ضالة (٢). وعن الزهري: الحصر ما حصره من وجع أو عدو حَتَّى يفوته الحج. قَالَ: وقد فرق قوم بين الإحصار والحصر، فروينا عن الكسائي: أنه قال: ما كان من المرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حُصِر. وعن أبي عبيدة: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وبه قَالَ أبو عبيد. قَالَ ابن حزم: هذا لا معنى له، وقول ربنا هو الحجة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنما نزلت في الحديبية، إذ منعه الكفار من إتمام عمرته، فسماه تعالى: إحصارًا، وكذلك قَالَ البراء وابن عمر والنخعي، وهو في اللغة قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائي، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فهذا هو منع العدو بلا شك؛ لأن المهاجرين إنما منعهم في الأرض الكفار، وبيَّن ذَلِكَ -جل وعز- بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحَّ أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان عَلَى كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذَلِكَ (٣). وقال الفراء: لو نويت بقهر السلطان أنها علة مانعة، ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز أحصر، ولو قلت في أحصر من المرض وشبهه أنه حصره، جاز حصر.

стр. 6561

وقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] ويُقال: إنه المحصر عن النساء لأنها علة، وليس بممنوع محبوس، وعلى هذا فابنِ. قَالَ الرماني (١) في "اشتقاقه": الأصل فيه الحبس، ومعنى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: منعتم من علة أو عائق. وذكر الزجاج في "معانيه": أن الرواية عن أهل اللغة أنه يُقال للذي يمنعه خوف أو مرض من التصرف: أحصر فهو محصر، وللرجل الذي حبس: حصر فهو محصور. ورد كلام الفراء وقال: الحق فيه ما عليه أهل اللغة؛ لأن الممنوع من التصرف حبس نفسه، فكأن المرض أحبسه أي: جعله يحبس نفسه، وتقول: حصرتُ فلانًا، إنما هو حبسته لا أنه حبس نفسه، فلا يجوز فيه أحصر، والتي هذا ذهب ثعلب وشراحه، وفي "نوادر اليزيدي": حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني، لغة بني أسد. وقال أبو عبيدة، عن يونس: حصرته وأحصرته لغتان، قَالَ: ولم نجد أحصرته. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: إذا حبسته عن الذهاب في كل وجهٍ فقد حصرته، وإن حبسته عن المتقدم خاصةً فقد أحصرته.

стр. 6562

وقال النحاس: جميع أهل اللغة عَلَى أن الإحصار إنما هو بالمرض ومن العدوِّ، لا يُقال: إلا حصر (١). والمحصر لا يتحلل إلا بالذبح عند الحنفية والحنابلة (٢)، وعندنا به وبنية التحلل، وكذا الحلق إن جعلناه نسكًا. وقال مالك: لا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي ساقه (٣). وذهب أبو حنيفة في جماعة إلى أن الإحصار يكون في العمرة أيضًا (٤). وقال ابن القاسم: ليس للعمرة حد بل يتحلل، وإن لم يخش، الفوات (٥). ولا يجوز ذبح الإحصار إلا في الحرم في الحج والعمرة، قاله أبو حنيفة (٦). قَالَ الرازي في "أحكامه": وهو قول ابن مسعود وابن عباس -إن قدر عليه- وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والنخعي والثوري. وقال الشافعي ومالك وأحمد: يذبح في العمرة هديه حيث أحصر (٧).

стр. 6563

وعن أحمد في الحج روايتان: الأولى: تختص بيوم النحر (١)، وعندنا إذا أمكنه ذبحه في الحرم لا يجوز ذبحه في غيره في أحد الوجهين (٢). وأجمعوا أنه لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبحه في الحل، وبالعكس يجوز بلا خلاف، واستدلوا بأنه ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما أحصروا في ذي القعدة سنة ست نحروا هداياهم بها، وهي من الحل. والحنفية استدلوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فلو كان محله حيث أحصر لم يكن لقوله: ﴿مَحَلَّهُ﴾ ومعنى؛ لأنه يكون قد بلغ محله في كل موضع أحصر فيه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وهو عام في كل هدي، وهو بيان المحل المجمل. وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: (أن يبلغ الهدي محله) (٣) أي: وصدوا الهدي أن يبلغ محله. وفي النسائي بإسناد جيد أنه ﷺ قَالَ له ناجية بن جندب الأسلمي حين صد الهدي: يا رسول الله، ابعث به معي أنا أنحره، قَالَ: "وكيف؟ " قَالَ: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، فدفعه رسول الله ﷺ ، فانطلق به حَتَّى نحره في الحرم (٤).

стр. 6564

وذكر الطحاوي، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أنهما ذكرا أن خباء رسول الله ﷺ كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقال مالك: الحديبية من الحرم، حكاه صاحب "لمطالع" عنه، وقال ابن القصار: بعضها الحل. وذكر علي بن الجعد، عن أبي يوسف: سألتُ أبا حنيفة عن الحصر في الحرم، قَالَ: لا يكون محصرًا، قلتُ: فرسول الله ﷺ أحصر بالحديبية وهي من الحرم. فقال: إن مكة كانت دار حرب والآن دار إسلام (١). ويجوز ذبحه قبل يوم النحر في العمرة بالاتفاق، وكذا في الحج عند أبي حنيفة، وخالفه صاحباه والثوري وأحمد في رواية الأثرم وحنبل، فقالوا: لا يجوز قبل يوم النحر، ولا يحتاج إلى الحلق، بل يتحلل بالذبح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يحلق، فإن لم يحلق فلا شيء عليه. وروي عنه دم (٢). وعن أحمد روايتان، وكذا عن مالك والشافعي، ولا بدل له عند الحنفية (٣)، والأظهر عند الشافعي: نعم، وأنه طعام بقيمة الشاة (٤)، ومالك في أحد قوليه، وفي الآخر: يصوم عشرة أيام كالمتمتع، وهو قول أحمد (٥).

стр. 6565

وكان عطاء يقول: إذا عجز عن الهدي ينظر إلى قيمته فيطعم به لكل مسكين نصف صاع من برٍ أو يصوم (١). قَالَ أبو يوسف: وهذا أحبُّ إليَّ (٢). وقال الزهري وعروة: لا إحصار عَلَى أهل مكة (٣). قَالَ أبو يوسف: إن غلب العدو فحال بينه وبين البيت فهو محصور (٤). وفي "شرح الهداية": الأصح أنه إن مُنع من الوقوف والطواف فهو محصر، وإن لم يمنع من أحدهما فلا (٥). وذهب بعضهم إلى أنه لا إحصار اليوم؛ لزوال الشرك عن جزيرة العرب، وهذا شذوذ فإن العدو لم يزل، فإن حبسه السلطان تحلل عند الجماعة، خلافًا لمالك (٦). والحاج عن غيره إذا أحصر يجب عَلَى الآمر دم للإحصار عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عَلَى الحاج (٧). وقال عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام: إن العدوَّ والمرض سواء، لا يحل المحصر منهما إلا بالطواف. قَالَ الرازي: لا نعلم لهما موافقًا من فقهاء الأمصار، ويتحقق الإحصار عند أبي حنيفة بعد الإحرام.

стр. 6566

وقال مالك: لا يكون محصرًا حَتَّى يفوته الحج، إلا أن يدركه فيما بقي فيتحلل في مكانه (١). وفي "شرح الموطأ" لأبي عبد الله القرطبي: من أحصر بمرض أو كسر أو عرج فقد حل في موضعه ولا هدي، وعليه القضاء، وعزاه إلى أبي ثور تعلقًا بحديث الحجاج بن عمرو، وخالف بذلك الجماعة. وحديث الحجاج حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم عَلَى شرط البخاري بلفظ: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل". وفي لفظ أبي داود: "أو مرض". قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذَلِكَ فقالا: صدق (٢). وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: ثبت عن ابن عباس أنه قَالَ: لا حصر إلا حصر العدو (٣)، فكيف بهذِه الرواية؟! وتأوله بعضهم إنما يحل بالكسر إذا كان قد اشترط ذَلِكَ في عقد الإحرام عَلَى معنى حديث ضباعة المشهور (٤)، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها معنى (٥) (٦).

стр. 6567

٧٨ - باب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ ١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَىْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي -الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ- فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلاَّنِ. [انظر: ١٦١٤ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٩٦] ١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. [انظر: ١٦١٥ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٩٧] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ. الحديث. وقد سلف في باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة (١). وفيه: ما ترجم به أن سنة الطواف أن يكون عَلَى طهارة.

стр. 6568

واتفق جمهور العلماء عَلَى أنه لا يجزئ بغير طهارة كالصلاة (١)، وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة كما أسلفته هناك، فقال: إن طاف بغير طهارة فإن أمكنه إعادة الطواف أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بالدم (٢)، وحجة الجماعة هذا الحديث، وفعله للوجوب إلا أن تقوم دلالة، وأيضًا فإن فعله خرج مخرج البيان لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ لأن الطواف مجمل يحتاج إلى بيان صفته؛ لأنه يقتضي طوفة واحدة، وقد تقدم تسميته صلاة، وقد يكون في الشرع صلاة لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة، لا يقال: فينبغي أن يكون لها تحريم وتسليم، لأنه ليس كل ما كان صلاة يحتاج إلى ذَلِكَ؛ لأن كثيرًا من الناس من يقول في سجود السهو أنه صلاة ولا يحتاج إلى ذَلِكَ، وكذلك سجود التلاوة إذا كان في صلاة. وحديث صفية لما حاضت فقال: "أحابستنا هي؟ " فقيل: قد أفاضت، فقال: "فلا إذًا" (٣) حجة لنا؛ فلو كان الدم يقوم مقام طوافها بغير طهارة لكان ﷺ لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن تطهير ثم تطوف. فإن قلت: إن الطواف -أعني: طواف الزيارة- لا يصح الحج إلا به، فلا يحتاج إلى طهارة كالوقوف بعرفة.

стр. 6569

قلتُ: لما كان بعقب كل أسبوع من الطواف ركعتان، لا فصل بينه وبينها، وجب أن يكون الطائف متوضئًا؛ ليصلّ صلاته بطوافه، والوقوف بعرفة لا صلاة بإثره فافترقا، واختلفوا فيمن انتقض وضوؤه وهو في الطواف. فقال عطاء ومالك: يتوضأ ويستأنف الطواف (١). قَالَ مالك: بخلاف السعي لا يقطع ذَلِكَ عليه ما أصابه من انتقاض وضوئه (٢). وقال النخعي: يبني، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، إلا أن الشافعي قَالَ: إن تطاول استأنف (٣)، وقال مالك: إن كان تطوَّع فأراد إتمامه توضأ واستأنف، وإن لم يرد إتمامه تركه (٤). وفيه: حجة لمن اختار الإفراد، وأن ذَلِكَ كان عمل النبي ﷺ ، وأصحابه بعده لم يعدل أحد منهم إلى تمتع ولا قران؛ لقولها: (ثم لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ) وهو يبين لك أن ما وقع لعائشة أنه اعتمر أو فسخ وَهْم، أو يكون عَلَى تأويل الأمر. وقوله: (ثمَّ لَمْ يكُنْ عُمْرَةٌ). هذا آخر كلام عائشة، وما بعده لعروة، قاله أبو عبد الملك، وقال الداودي: ما ذكر من حج عثمان من كلام عروة، وما قبله لعائشة، قَالَ: وما احتج به عروة لا مزيد فوقه، وإنما كان الفسخ في تلك الحجة خاصة.

стр. 6570

٧٩ - باب وُجُوبِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ١٦٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَوَاللهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ، كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ -إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ- كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ. [١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٣/ ٤٩٧]

стр. 6571

ذكر فيه عن (عروة) (١) قال: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] .. الحديث بطوله، وقد أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (٢). وقوله: (حَتَّى أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): قائل هذا هو الزهري، كما صرح به مسلم (٣)، وزعم الحميدي أن أبا معاوية الضرير تفرد عن هشام بقوله: إن الأنصار كانوا يطوفون بين الصفا والمروة. وسائر الروايات عن هشام أنه قَالَ: أنهم كانوا لا يطوفون بينهما (٤). وما ذكرته عائشة ﵂ من بديع فقهها، ومعرفتها بأحكام الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة، وليس بنص في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذَلِكَ محتمل، ولو كان نصًّا في ذَلِكَ لكان يقول: فلا جناح عليه أن لا يطَّوَّف بهما؛ لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذَلِكَ إنما كان بسبب الأنصار، وقد يكون الفعل واجبًا ويعتقد المعتقد أنه قد منع من إيقاعه عَلَى صفة، وهذا كمن عليه صلاة ظهر فيظن أن

стр. 6572

لا يسوغ له إيقاعها بعد المغرب، فيسأل فيقال: لا حرج عليك إن صليت، فيكون الجواب صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه، وقد جاء أن الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فنزلت الآية، وعروة أَوَّلَ الآية بأن لا شيء عليه في تركه؛ لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب، ولكن سببه أنه خوطب به من رأى الحرج فيه. وجاء أن من العرب من كان يقول: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: أراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء. وفي "أسباب النزول" للواحدي: قَالَ ابن عباس: كان عَلَى الصفا صنم عَلَى صورة رجل، يقال له إساف، وعلى المروة صنم عَلَى صورة امرأة تدعى نائلة، يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمُسخا حجرين، فوضعا عَلَى الصفا؛ ليُعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكُسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين، فنزلت هذِه الآية (١). وقَالَ السدي: كان في الجاهلية تعزف الشياطينُ في الليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قَالَ المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بينهما فإنه شرك، كنا نصنعه في الجاهلية، فنزلت الآية (٢).

стр. 6573

وقال الفراء: فيما نقله الأزهري: كانت العرب عامة لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، فلا يطوفون بينهما، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾ [المائدة: ٢] أي: لا تستحلوا ترك ذَلِكَ (١). وفي "معانيه": كره المسلمون الطواف بينهما لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذَلِكَ تعظيمًا لهما (٢). وقال أبو عبيدة: شعائر الله واحدها شعيرة (٣). وقيل: شعاره، حكاه في "الموعب" و"المطالع"، وهو ما أشعر الهدي إلى الله تعالى. وقال الزجاج: هي جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو سعي وذبح، وإنما قيل: شعائر لكل علم مما تعبد به. وقال الحسن: شعائره: دينه. وقال السجستاني في "مصاحفه": وجدت في مصحف أُبي بن كعب: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما (٤). وقال الزمخشري: هي قراءة ابن مسعود (٥)، زاد غيره: وابن عباس. وقال الزجاج: يجوز أن يطوف، وأن يطوف ويتطوف، فالثاني عَلَى الإدغام، لقرب مخرج التاء من الطاء، ومَنْ ضم أوله، فهو من طوّف إذا أكثر التطواف. إذا تقرر ذَلِكَ: فاختلف العلماء في السعي بينهما، فروي عن ابن مسعود وأُبي بن كعب وابن عباس أنه غير واجب، ولا دم في تركه.

стр. 6574

وحكي أيضًا عن أنس وابن الزبير وابن سيرين، وقال عطاء والحسن وقتادة والثوري: هو واجب، يجبر بدم (١). وعن عطاء: سنة لا شيء فيه (٢)، وبه قَالَ الكوفيون، وقالتْ عائشة: هو فرض لا يصح الحج إلا به (٣). وبه قَالَ مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، ويأمرون من بقي عليه منه شيء بالرجوع إليه من بلده، فإذا كان وطئ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته، وحج قابل والهدي (٤)، كذا حكاه ابن بطال عنهم (٥)، ونقل المروذي عن أحمد أنه مستحب، واختيار القاضي وجوبه وانجباره بالدم (٦). قَالَ ابن قدامة: وهو أقرب إلى الحق (٧). وعن طاوس: من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن. وذكر ابن القصار، عن القاضي إسماعيل: أنه ذكر عن مالك فيمن تركه حَتَّى تباعد فأصاب النساء أنه يجزئه ويهدي.

стр. 6575

احتج من لم يره واجبًا بقراءة من قرأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما) (١) فعلى هذا لا جناح عليه في تركه، كما قالته عائشة. واحتج بعضهم بقراءة الجماعة وقالوا: الآية تقتضي أن يكون السعي مباحًا لا واجبًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والقصر مباح لا واجب، وبقول عائشة في هذا الحديث: (وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما). والجواب: أن عائشة قد رَدَّتْ عَلَى عروة تأويل المخالف في الآية وقالت: (بئس ما قلت يا ابن أختي، إن الآية لو كانت كما أولتها لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما نزلت في الأنصار الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بينهما، وفي الذين كانوا يطوفون في الجاهلية، ثم تحرجوا أن يطوفوا في الإسلام)، وهذا يبطل تأويلهم؛ لأن عائشة علمتْ سبب الآية، وضبطته، وتفسير الراوي مقدم عَلَى غيره، والمراد بقولها: أنه ﷺ سنَّه، أي: جعله طريقة، لا كما تحرجوا منه، وقد صح من مذهبها أنه فرض، كما قاله ابن بطال (٢)، وإن حكى الخطابي عنها: أنه تطوع (٣)، وأما القراءة الأولى فشاذة، وقد يجوز أن ترجع إلى معنى المشهورة؛ لأن العرب تصل بلا وتزيدها كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢]، وكقوله: ﴿

стр. 6576

فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]، و ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] أقسم بيوم القيامة، وأقسم بكل ما ذكر و ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد، فيحتمل قول عائشة لعروة: (كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) عَلَى معنى الصلة التي رجع بها إلى معنى قوله: ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهمَا﴾، وقد جعلهما من شعائره: وهي العلامات، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾. وقال الشارع لما طاف بهما: "نبدأ بما بدأ الله به" (١) وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢) وطاف بينهما. ودلَّ حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالتْ: ما تمتْ حجة أحد ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة (٣) - أن ذَلِكَ مما لا يكون مأخوذًا من جهة الرأي، وإنما يُؤخذ من جهة التوقيف، وقولها ذَلِكَ يدل عَلَى وجوب السعي بينهما في الحج والعمرة جميعًا. قَالَ ابن المنذر: إن ثبت حديث بنت أبي تجراة (٤): "اسعوا فإن الله

стр. 6577

كتب عليكم السعي" (١) فالسعي ركن، كما قَالَ الشافعي وإلا فهو

стр. 6578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6580

تطوع (١). قَالَ ابن عبد البر: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وكان سيئ الحفظ، ولا نعلم له خربة تسقط عدالته (٢). وزعم بعض الشافعية: أن الآية الكريمة تم الكلام فيها عند قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. والجواب: أن الأمر يقتضي رفع الجناح والحرج عمن تطوف بهما، والكلام فيمن سعى بينهما. فائدة: مناة: صنم كان نصبه عمرو بن لحي لجهة البحر. قَالَ ابن الكلبي: وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد، سميت مناة لأن النسائك كانت تجبى بها أي: تراق. وقال الحازمي: هي عَلَى سبعة أميال من المدينة، وإليه نسبوا زيد مناة، والمُشلل: -بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين الأولى مفتوحة- الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.

стр. 6581

وقال البكري: هي ثنية مشرفة عَلَى قديد (١). وقال ابن التين: هي عند الجحفة. وفي رواية أبي معاوية: أن الأنصار كانوا يهلون لصنمين عَلَى شط البحر يُقال لهما: إساف ونائلة (٢)، وإساف بن بغي، ونائلة بنت ديك، قاله ابن إسحاق وغيره (٣)، ووقع في كلام القرطبي: ابن بغا، ويُقال: عمرو، ونائلة بنت سهيل، ويُقال: ذئب، والمعروف ما قدمناه. قَالَ: ولم يكونا قط عَلَى شاطئ البحر، وإنما كانا -فيما يقال- من جرهم زنيا في الحرم داخل الكعبة فمُسخا حجرين فنصبا عند الكعبة. وقيل: عَلَى الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما الناس، ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم. وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما (٤). وما ذكره من أن قصيًّا هو الذي نحر عندهما خلاف ما ذكره الأزرقي أن فاعل ذَلِكَ عمرو بن لحي الذي ابتدع عبادة الأوثان (٥). وذكر الواقدي أن نائلة حين أمر الشارع بكسرها عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور، وهادمها أبو سفيان فيما ذكره ابن هشام، ويقال: علي بن أبي طالب. فائدة أخرى: قوله: (قَالَ أبُو بَكْرٍ -يعني: ابن عبد الرحمن- فأسْمَعُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كلاهما فِي الذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا

стр. 6582

في الجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا فِي الإِسْلَامِ)، يحتمل أن يكون: (فاسمع) أمرًا. قال ابن التين: وكذلك هو مضبوط في الأصل، ويحتمل أن يكون خبرًا عن نفسه. قلت: وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وعلى الوجهين فإن الآية نزلت فيمن خاف الحرج إذا طاف بينهما.

стр. 6583

٨٠ - باب مَا جَاءَ فِي السَّعْىِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنِ. ١٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا. إِلاَّ، أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵁ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١] [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ

стр. 6584

أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨] [٤٤٩٦ - مسلم: ١٢٧٨ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. زَادَ الُحمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مِثلَهُ. [انظر: ١٦٠٢ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ثم ساق خمسة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر: كَانَ النبي ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا .. الحديث. وسلف في باب: من طاف إذا قدم مكة (١)، وهنا أتم من ذاك، وشيخ البخاري فيه محمد بن عبيد بن ميمون. وقال الجياني في نسخة خلف: ابن حاتم بدل: ابن ميمون (٢). وخب: هرول، وكذا السعي. ثانيها: حديث ابن عمر أيضًا، وقد سلف في باب صلاة النبي ﷺ لسبوعه ركعتين (٣). ثالثها: حديثه أيضًا: قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ … إلى آخره. وسلف في باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (٤). رابعها: حديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ

стр. 6585

الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فقَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وهو في مسلم (ت. س) أيضًا (١)، ويأتي في التفسير (٢). وشيخ البخاري فيه أحمد بن محمد، ثَنَا عبد الله، قَالَ الحاكم: هو أحمد بن محمد بن موسى مردويه، وقال الدارقطني: هو أحمد بن محمد بن ثابت شبويه (٣). خامسها: حديث سفيان، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّما سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ليُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. وهو في مسلم أيضًا (٤)، ثم قَالَ (٥): زاد الحميدي، ثَنَا سفيان، ثَنَا عمرو، سمعت عطاء، عن ابن عباس مثله. وظاهر هذا أنه لم يروه عن شيخه الحميدي، لكن أبو نعيم الحافظ لما رواه عن أبي علي محمد بن أحمد، ثَنَا بشر بن موسى، ثَنَا الحميدي، ثَنَا سفيان، فذكره. ثم قَالَ: رواه -يعني البخاري- عن الحميدي- وعلي بن عبد الله جميعًا، عن سفيان. إذا عرفت ذَلِكَ فمعنى هذا الباب كالذي قبله.
следующие страницы →