← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

وقال البكري: هي ثنية مشرفة عَلَى قديد (١). وقال ابن التين: هي عند الجحفة. وفي رواية أبي معاوية: أن الأنصار كانوا يهلون لصنمين عَلَى شط البحر يُقال لهما: إساف ونائلة (٢)، وإساف بن بغي، ونائلة بنت ديك، قاله ابن إسحاق وغيره (٣)، ووقع في كلام القرطبي: ابن بغا، ويُقال: عمرو، ونائلة بنت سهيل، ويُقال: ذئب، والمعروف ما قدمناه. قَالَ: ولم يكونا قط عَلَى شاطئ البحر، وإنما كانا -فيما يقال- من جرهم زنيا في الحرم داخل الكعبة فمُسخا حجرين فنصبا عند الكعبة. وقيل: عَلَى الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما الناس، ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم. وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما (٤). وما ذكره من أن قصيًّا هو الذي نحر عندهما خلاف ما ذكره الأزرقي أن فاعل ذَلِكَ عمرو بن لحي الذي ابتدع عبادة الأوثان (٥). وذكر الواقدي أن نائلة حين أمر الشارع بكسرها عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور، وهادمها أبو سفيان فيما ذكره ابن هشام، ويقال: علي بن أبي طالب. فائدة أخرى: قوله: (قَالَ أبُو بَكْرٍ -يعني: ابن عبد الرحمن- فأسْمَعُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كلاهما فِي الذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا

стр. 6582

في الجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا فِي الإِسْلَامِ)، يحتمل أن يكون: (فاسمع) أمرًا. قال ابن التين: وكذلك هو مضبوط في الأصل، ويحتمل أن يكون خبرًا عن نفسه. قلت: وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وعلى الوجهين فإن الآية نزلت فيمن خاف الحرج إذا طاف بينهما.

стр. 6583

٨٠ - باب مَا جَاءَ فِي السَّعْىِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنِ. ١٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا. إِلاَّ، أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵁ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١] [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ

стр. 6584

أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨] [٤٤٩٦ - مسلم: ١٢٧٨ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ١٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. زَادَ الُحمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مِثلَهُ. [انظر: ١٦٠٢ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢] ثم ساق خمسة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر: كَانَ النبي ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا .. الحديث. وسلف في باب: من طاف إذا قدم مكة (١)، وهنا أتم من ذاك، وشيخ البخاري فيه محمد بن عبيد بن ميمون. وقال الجياني في نسخة خلف: ابن حاتم بدل: ابن ميمون (٢). وخب: هرول، وكذا السعي. ثانيها: حديث ابن عمر أيضًا، وقد سلف في باب صلاة النبي ﷺ لسبوعه ركعتين (٣). ثالثها: حديثه أيضًا: قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ … إلى آخره. وسلف في باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (٤). رابعها: حديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ

стр. 6585

الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فقَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وهو في مسلم (ت. س) أيضًا (١)، ويأتي في التفسير (٢). وشيخ البخاري فيه أحمد بن محمد، ثَنَا عبد الله، قَالَ الحاكم: هو أحمد بن محمد بن موسى مردويه، وقال الدارقطني: هو أحمد بن محمد بن ثابت شبويه (٣). خامسها: حديث سفيان، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّما سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ليُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. وهو في مسلم أيضًا (٤)، ثم قَالَ (٥): زاد الحميدي، ثَنَا سفيان، ثَنَا عمرو، سمعت عطاء، عن ابن عباس مثله. وظاهر هذا أنه لم يروه عن شيخه الحميدي، لكن أبو نعيم الحافظ لما رواه عن أبي علي محمد بن أحمد، ثَنَا بشر بن موسى، ثَنَا الحميدي، ثَنَا سفيان، فذكره. ثم قَالَ: رواه -يعني البخاري- عن الحميدي- وعلي بن عبد الله جميعًا، عن سفيان. إذا عرفت ذَلِكَ فمعنى هذا الباب كالذي قبله.

стр. 6586

وفيه: بيان صفة السعي، وأنه شيء معمول به، غير مرخّص فيه، ألا ترى ابن عمر حين ذكره قَالَ: وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. والأثر المصدَّر به الباب أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد وعطاء قَالَ: رأيتهما يسعيان من خوخة بني عباد، إلى زقاق ابن أبي حسين، فقلتُ لمجاهد، فقال: هذا بطن المسيل الأول، ولكن الناس انتقصوا منه (١). وفي نسخة: عزو ذَلِكَ إلى ابن عمر، وذكر ابن عباس في الباب سبب مشروعية السعي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته؛ لأنهم قالوا: إن حمى يثرب أنهكتهم، فكان ﷺ يرمل في طوافه بالبيت، مقابل المسجد ومقابل السوق، موضع جلوسهم، فإذا توارى عنهم مشى كما سلف، فالسنة التزام الخبب في الأشواط الثلاثة الأول في الطواف تبركًا بفعله وسنته، وإن كانت العلة قد ارتفعت بذلك من تعليم شعائر الله، وسيأتي في "الصحيح" في كتاب الأنبياء علة أخرى للسعي والهرولة بين الصفا والمروة، في قصة هاجر مع ولدها إسماعيل ترقب الماء حَتَّى كملت سبعًا (٢). قَالَ ﷺ : "فلذلك سعى الناس بينهما" (٣)، فبين فيه أن سبب ذَلِكَ فعل هاجر ﵍، وقد روى مسلم (٤) من حديث أبي الطفيل

стр. 6587

أنه ﷺ إنما ركب فيه لما كثر عليه الناس (١)، وقد اختلف الناس في ذَلِكَ، فكرهتْ عائشة الركوب فيه، وكذا عروة، وهو قول أحمد وإسحاق (٢). وقال أبو ثور: لا يجزئه وعليه أن يُعيد (٣)، وقال الكوفيون: إن كان بمكة أعاد ولا دم عليه، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم (٤)، ورخصت طائفة فيه، وروي عن أنس أنه طاف عَلَى حمار (٥)، وعن عطاء ومجاهد مثله (٦). وقال الشافعي: يجزئه، ولا إعادة عليه إن فعل (٧)، وحجة من أجاز ذَلِكَ فعله ﷺ ، وحجة من كرهه أنه ينبغي امتثال فعل هاجر في ذَلِكَ، وركوبه ﷺ لمعنى كما سلف. وأما قول أنس: إنهم كانوا يكرهون الطواف بهما لأنهما من شعائر الجاهلية حَتَّى نزلت الآية، فقد كان ما سواهما من الوقوف بعرفة والمزدلفة، والطواف من شعائر الحج في الجاهلية، فلما جاء

стр. 6588

الإسلام، وذكر الله ذَلِكَ في كتابه صار من شعائر الحج في الإسلام، فإن قلت: فما تقول في قوله آخر الآية: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ إلى آخره؟ قلتُ: يلزمك التطوع به مفردًا ولا قائل به إجماعًا، وهذا راجع إلى أول الآية، لا إلى هذا، أي: من تطوع بحج أو غيره فإن الله شاكر عليم. ثم اعلم أن واجبات السعي عندنا أربعة: أحدها: قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، ولو كان راكبًا اشترط أن يسير دابته حَتَّى تضع حافرها عَلَى الجبل، وإن صعد عَلَى الصفا والمروة فهو أكمل، وكذا فعله سيدنا رسول الله ﷺ الصحابة بعده، وليس هذا الصعود شرطًا ولا واجبًا، بل هو سنة متأكدة، وبعض الدرج مستحدث، فالحذر من أن يخلفها وراءه، فلا يصح سعيه حينئذٍ، وينبغي أن يصعد عَلَى الدرج حَتَّى يستيقن، ولنا وجه شاذ: أنه يجب الصعود عَلَى الصفا والمروة قدرًا يسيرًا، ولا يصح سعيه إلا بذلك ليستيقن قطع جميع المسافة، كما يلزمه غسل جزء من الرأس في غسل الوجه ليستيقن. ثانيها: الترتيب: فلو بدأ بالمروة لم يجزئه؛ لأنه ﷺ قَالَ: "ابدءوا مما بدأ الله به" (١). قَالَ في "المحيط" من كتب الحنفية: لو بدأ بالمروة وختم بالصفا أعاد شوطًا (٢). ولا يجزئه ذَلِكَ، والبداءة بالصفا شرط، ولا أصل لما ذكره الكرماني (٣) من أن الترتيب في السعي ليس

стр. 6589

بشرط، حَتَّى لو (بدأ) (١) بالمروة وأتى بالصفا جاز، وهو مكروه لترك السنة، فيستحب إعادة الشوط. الثالث: يحسب من الصفا إلى المروة مرة، ومن المروة إلى الصفا مرة، حَتَّى يتم سبعًا، هذا هو الصحيح، وفيه وجه سلف. الرابع: يشترط أن يكون السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف قدوم أو إفاضة، ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع، فلو طاف وسعى أعاده، وعند غيرنا يعيده إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله بعث بدم. وشذ إمام الحرمين فقال: قَالَ بعض أئمتنا: لو قدَّم السعي عَلَى الطواف اعتد بالسعي، وهذا غلط. ونقل الماوردي وغيره الإجماع في اشتراط ذَلِكَ (٢). وقال عطاء: يجوز السعي من غير تقدم طواف، وهو غريب. فرع: الموالاة بين مرات السعي سنة، فلو تخلل يسير أو طويل بينهنّ لم يضر، وكذا بينه وبين الطواف الأول، وفيه قول. فرع: يستحب السعي عَلَى طهارة من الحدث والنجس ساترًا عورته. فرع: المرأة تمشي ولا تسعى؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الخلوة بالليل سعت كالرجل.

стр. 6590

فرع: موضع المشي والعدو معروف، والعدو: يكون قبل وصوله إلى الميل الأخضر، وهو العمود المبني في ركن المسجد بقدر ستة أذرع إلى أن يتوسط بين العمودين المعروفين، وما عدا ذَلِكَ فهو محل المشي، فلو هرول في الكل لا شيء عليه، وكذا لو مشى عَلَى هينته، وعن سعيد بن جبير قَالَ: رأيتُ ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة ثم قَالَ: إن مشيت فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن سعيت فقد رأيته يسعى، وأنا شيخ كبير. أخرجه أبو داود (١).

стр. 6591

وفي رواية: كان يقول لأصحابه ارملوا، فلو استطعت الرمل لرملت، وعنه قَالَ: رأيتُ عمر يمشي، أخرجها سعيد بن منصور. فرع: يخرج من باب الصفا للسعي للاتباع، ولم يجد مالك له بابًا، ومعناه: أنه ليس من المناسك الخروج من باب الصفا، غير أنَّ من خرج إليه من غير بابه تكلف زيادة. فرع: قَالَ ابن التين: يكره للرجل أن يقعد على الصفا إلا لعذر. فرع: ضعف ابن القاسم في روايته عن مالك رفع يديه عَلَى الصفا والمروة (١). وقال ابن حبيب: يرفع، وإذا قلنا: يرفع. فقال ابن حبيب: يرفعها حذو منكبيه وبطونها إلى الأرض، ثم يكبر ويهلل ويدعو (٢)، وقال غيره من المتأخرين: الدعاء والتضرع إنما يكون وبطونهما إلى السماء (٣). وما ذكره ابن حبيب إنما يكون عند الذكر والتعظيم، ولعله هو الذي ضعفه مالك.

стр. 6592

فرع: لو ترك السعي ببطن المسيل، ففي وجوب الدم قولان عن مالك (١).

стр. 6593

٨١ - باب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٠٤] ١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ. قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ،، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيْتِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ. [انظر: ١٥٥٧ - فتح: ٣/ ٥٠٤] ١٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ: أَنْ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -

стр. 6594

ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ سَأَلْنَهَا -أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا- فَقَالَتْ: وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي. فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي. فَقَالَ: "لِتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوِ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ- وَالحُيَّضُ، فَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى". فَقُلْتُ: الحَائِضُ؟. فَقَالَتْ أَوَ لَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟! ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عائشة: "افْعَلِي كما يَفْعَلُ الحَاجُّ … " إلى آخره. وقد سلف (١). وكذا حديث جابر وحديث حفصة. سلف في أبواب الحيض (٢)، وفي أبواب العيد (٣). وقولها: (لَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ). تريد أن طواف العمرة منعها منه حيضها، وقوله لها: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ" لا يكون إلا بأن تردف الحج عَلَى العمرة، وأبعد من قَالَ: إنها كانت حاجة، وإنما لم تسع لأن من شرط صحته سبق طواف، كما سلف في باب: كيف تهل الحائض؟ وانظر تبويب البخاري عليه، وإذا سعى عَلَى غير وضوء، كأنه فهم من قوله: ("غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي") أنها تسعى.

стр. 6595

وروى البيهقي من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: أيما امرأة طافت بالبيت، ثم توجهت لتطوف بالصفا والمروة فحاضت فلتطف بالصفا والمروة وهي حائض، وكذلك الذي يحدث بعد أن تطوف بالبيت وقبل أن تسعى (١). وقوله: ("لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ"). فيه دليل عَلَى أن إحرامه ﷺ لم يكن بتوقيف، واستدل به بعض من يرى تفضيل التمتع والقران، ويتأول قوله: ("لَوِ اسْتَقْبَلْتُ") إلى آخره، لفسخت الحج في العمرة كما أمر به أصحابه، ويستحب لمن أصابه ما أصاب عائشة أن يعتمر لهذا الحديث، قاله القاضي أبو محمد من المالكية. وقول أم عطية: (بِيَبَا)، هي لغة كما يقال: بأبي تبدل الهمزة بياء، وروي: بأبا- وهي رواية أبي ذر هنا (٢). والعلماء مجمعون أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت عَلَى طبق الحديث (٣). وفي حكمها كل من ليس عَلَى طهارة من جنب وغير متوضئ؛ لأن ركوع الطواف متصل به لا فصل بينه وبينه، هذِه سنة، وإنما منعت الحائض الطواف تنزيهًا للمسجد عن النجاسات. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقد أمر الشارع الحيَّض في العيدين بالاعتزال، فوجب تنزيهه عن الحائض والجنب ومن عليه نجاسة، وأما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدًا شرط فيه الطهارة إلا الحسن البصري فقال: إن ذكر أنه سعى عَلَى غير طهارة

стр. 6596

قبل أن يحل فليعد، وإن ذكر ذَلِكَ بعد ما حل فلا شيء عليه (١). وذكر ابن وهب عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يطوف بينهما عَلَى غير طهارة، وحديث الباب دال عَلَى جوازه.

стр. 6597

٨٢ - باب الإِهْلَالِ مِنَ البَطْحَاءِ، وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى قال: وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ المُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالحَجِّ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ، وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالحَجِّ. وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنَ البَطْحَاءِ. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. الشرح: تعليق عطاء عن جابر أخرجه مسلم، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح بلفظ: أهللنا مع النبي ﷺ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل، ونجعلها عمرة، وفيه: حَتَّى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج (١). وتعليق أبي الزبير عنه أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: فأهللنا من الأبطح (٢). وتعليق عبيد: سبق مسندًا في الطهارة وغيرها (٣)، ومراد جابر بالبطحاء:

стр. 6598

الأبطح. قاله ابن التين. والإحرام منه مباح لهذا الحديث. قَالَ الداودي: والأولى أن يحرم من خارج المسجد، ورواه ابن حبيب عن مالك: أنه يحرم من باب المسجد، ولم يُقل أنه أولى (١). لكن في "الموطأ": إنما يهل أهل مكة، أو المقيم من جوفها لا يُحرم إلا من الحرم (٢). وروى أشهب عنه: يُحرم من داخل المسجد (٣). وما سقناه عن مسلم: حَتَّى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا. وفي حديث ابن عمر: أنه كان يهل يوم التروية، حين تنبعث به راحلته للاتباع (٤)، يريد أنه أخر الإحرام حَتَّى يعقبه بأعمال الحج، ورأى أن هذا أولى من تقدمه عليه. وروى ابن وهب في "موطئه" عن مالك: أنه لا ينبغي لأحد أن يهل بحج أو عمرة، حَتَّى يقيم بأرض يهل بها، حَتَّى يخرج. ورواه ابن عبد الحكم عن مالك؛ لأن الإهلال إجابة. قَالَ ابن التين: وهذا لغير المكي، أما من كان بها، فاختار أكثر الصحابة والعلماء الإهلال أول ذي الحجة. ورواه ابن القاسم وابن عبد الملك، عن مالك: ليستديم المحرم الإحرام، ويأخذ بحظ من (الشعث) (٥) عَلَى حسب ما فعله ﷺ حين أحرم من ميقاته.

стр. 6599

وقد قَالَ الفاروق في "الموطأ": يا أهل مكة، ما بال الناس يأتون شعثًا وأنتم مدَّهِنُون، أهلوا إذا رأيتم الهلال. وأقام ابن الزبير بمكة تسع سنين. يهل بهلال ذي الحجة. وعروة أخوه معه يفعل ذَلِكَ (١)، وفعل ذَلِكَ بحضرة الصحابة والتابعين، ولم ينكر ولا يداوم إلا عَلَى الأفضل. وعلى هذا أمر جمهور الصحابة، ولذلك قَالَ عبيد لابن عمر: أهل الناس ولم تهل أنت، حَتَّى يوم التروية) (٢) فيفعل ذَلِكَ من بمكة، ليستدرك ما فاته من شقة المسافة، والمراد بالانبعاث سلف. قَالَ ابن التين: وتأوله بعض أصحابنا عَلَى معنى تنبعث به أي: من الأرض للقيام. وفي رواية عبد الله بن إدريس: في هذا الحديث في "الموطأ": حَتَّى تستوي به، وأكثر الرواة عَلَى خلافه. وقال المهلب: من أنشا الحج من مكة فله أن يهل من بيته، ومن المسجد الحرام، أو من البطحاء، وهي طرف من مكة، ومن حيث أحب مما دون عرفة، ذَلِكَ كله واسع؛ لأن ميقات أهل مكة منها، وليس عليه أن يخرج إلى الحل؛ لأنه خارج في حجته إلى عرفة؛ فيحصل له بذلك الجمع بين الحل والحرم، وهو بخلاف منشأ العمرة من مكة، وقد سلف في بابه، ويستحب للمكي والمتمتع إذا أنشأ الحج من مكة أن يهلا من حيث أهل ابن عمر من البطحاء، وكذلك قَالَ جابر. قَالَ غيره: وأما وجه احتجاج ابن عمر

стр. 6600

بإهلاله ﷺ بذي الحليفة وهو غير مكي، عَلَى من أنشأ الحج من مكة، أنه يجب أن يهل يوم التروية، وهي في قصة أخرى، فوجهه [أنه] ﷺ أهل من ميقاته، في حين ابتدائه في عمل حجته، واتصل به عمله، ولم يكن بينهما مكث ينقطع به العمل؛ فكذلك المكي لا يهل إلا يوم التروية، الذي هو أول عمله للحج؛ ليتصل له عمله، تأسِّيًا به في ذَلِكَ، وقد تابع ابن عمر عَلَى ذَلِكَ ابن عباس قَالَ: لا يهل أحد من مكة بالحج حَتَّى يريد الرواح إلى منى، وبه قَالَ عطاء (١). واحتج بأن الصحابة إذ دخلوا في حجتهم معه ﷺ أهلوا عشية التروية حين توجهوا إلى منى. وأما قول عبيد لابن عمر: إن أهل مكة يهلون إذا رأوا الهلال، فهو مذهب عمر وابن الزبير. وروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عمر قَالَ: يا أهل مكة، إلى آخر ما سلف، فهو عَلَى وجه الاستحباب؛ لأن الإهلال إنما يجب عَلَى من اتصل عمله، وليس من السنة أن يقيم المحرم في أهله. وقد روى ابن عمر ما يوافق مذهب عمر. ذكر مالك في "الموطأ" أن ابن عمر كان يهل بهلال ذي الحجة، ويؤخر الطواف بالبيت والسعي حَتَّى يرجع من منى (٢). وقال نافع: أهل ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال، ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة أخرى حين راح إلى منى (٣).

стр. 6601

قَالَ مجاهد: فقلتُ لابن عمر: أهللت فينا إهلالًا مختلفًا، قَالَ: أما أول عام فأخذت بأخذ أهل بلدي -يعني: المدينة- ثم نظرت فإذا أنا أدخل عَلَى أهلي حرامًا وأخرج حرامًا، وليس كذلك كنا نصنع، إنما كنا نهل ثم نقبل عَلَى شأننا، قلتُ: فبأي شيء نأخذ، قَالَ: تحرم يوم التروية (١). فرع: مذهب أبي حنيفة: أن أهل مكة ميقاتهم في الحج الحرم، ومن المسجد أفضل (٢)، وفي "مناسك الحصيري" الأفضل لهم أن يحرموا من منزلهم، ويسمعهم التأخير إلى آخر الحرم، بشرط أن يدخلوا الحل محرمين، فلو دخلوا من غير إحرام لزمهم دم (كالآفاقي) (٣)، وعند الشافعي ميقاته نفس مكة. وقال بعض أصحابه: كل الحرم (٤). فائدة: يوم التروية ثامن ذي الحجة، سُميَّ بذلك؛ لأنهم يتروون فيه من الماء لأجل الوقوف، أو لأن آدم رأى فيه حواء، أو لأن جبريل أرى إبراهيم فيه المناسك، أو لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، أو لأن إبراهيم رأى تلك الليلة في منامه ذبح ولده بأمره تعالى، فلما أصبح

стр. 6602

كان يروى -من الرؤى وهو مهموز- في النهار كله أي: يتفكر، وقيل: هو من الرواية لأن الإمام يروي للناس مناسكهم. فائدة ثانية: كان خروجه يوم التروية ضحى. ذكره أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفي"، وفي "سيرة الملا" أنه خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي "شرح الموطأ" لأبي عبد الله القرطبي: خرج إلى منى عشية يوم التروية، ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة بحيث يصلون الظهر أول وقتها. هذا هو الصحيح عندنا (١). وفي قول: يخرجون بعد صلاة الظهر بمكة (٢).

стр. 6603

٨٣ - باب: أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ؟ ١٦٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. [١٦٥٤، ١٧٦٣ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٠٧] ١٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا. وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ﵁ ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ. [انظر: ١٦٥٣ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٠٧] ذكر فيه حديث إسحاق الأزرق، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ رسول الله ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. ثم ساقه من حديث علي، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا. وَأخبرني إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هذا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ. هذا الحديث أخرجه (مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا،

стр. 6604

إلى قوله: (أمراؤك) (١). واستغربه الترمذي من حديث الأزرق، عن الثوري (٢)، وللحاكم من حديث ابن عباس: أنه ﷺ صلى خمس صلوات بمنى (٣).

стр. 6605

وقال القاسم عن عبد الله بن الزبير: من السنة في الحج أن يُصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة (١). وفي مسلم من حديث جابر: أنه ﷺ صلى بها الخمس (٢). وقد أسلفنا قريبًا الخلاف في ذَلِكَ في الآثار وعندنا. وقال المهلب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبوا، ويصلون حيث أمكنهم، ولذلك قَالَ أنس: (صل حيث يصلي أمراؤك)،

стр. 6606

والمستحب من ذَلِكَ ما فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (١). وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف سبعًا ويركع ويخرج، فإن خرج قبل فلا حرج (٢)، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء، وكانت عائشة تخرج ثلث الليل، وهذا يدل عَلَى التوسعة، وكذلك المبيت في منى ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة الوقت الذي يجب (فيه) (٣) ولا فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيام رمي الجمار، وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور (٤). والمستحب في ذَلِكَ أن يُصلي الظهر والعصر بمنى، وكذا المغرب والعشاء والصبح ثم يدفع بعد طلوع الشمس إلى نمرة، بقرب عرفات حَتَّى تزول الشمس، ثم يُصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم يدفع إلى الموقف فيدعو بجبال الرحمة إلى الغروب، فإذا غربت دفع مع الإمام فصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعًا، ثم يبيت بها ويأخذ منها حصى جمرة العقبة فقط، ثم يُصلي الصبح بها مغلسًا، ثم يدفع إلى منى لرمي جمرة العقبة، ثم يحل له باثنتين من أشياء ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف، جُميع المحرمات إلا النساء، وبالثالث: النساءُ. وعند مالك إلحاق الصيد والطيب بالنساء، ثم يرجع إلى منى فيبيت

стр. 6607

بها، ويرمي أيام التشريق بعد الزوال إلا أن يتعجل في يومين وقد تم حجه، وكان منزله ﷺ من منى بالخيف. وكره مالك المقام بمكة يوم التروية، حَتَّى يمسي إلا أن يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج، فعليه أن يُصلي الجمعة إلا أن يكون مسافرًا، فهو بالخيار، وأحب أن يصلوا؛ لفضيلة المسجد، قاله أصبغ. وقال محمد: أحب إلى خروجهم إلى منى؛ ليدركوا بها الظهر فما بعدها، وإنما تكلم مالك عَلَى من لم يفعل حَتَّى أدركه الوقت (١). وكره مالك أن يتقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية، وإلى عرفة قبل يوم عرفة، واختلف في تقدمة الأثقال، فكرهه مالك، كما يتقدم الناس ولأنه لا بد أن يكون معها من يحفظها، وأجازه أشهب في "المجموعة" (٢). وقوله: (فَلَقِيتُ أَنَسًا. فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النبي ﷺ هذا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟). قَالَ الداودي: هو وهم وإنما سأله عن صلاة العصر يوم النفر فأخبره: أنه صلى بالأبطح. وقوله: (ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ: كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ). يعني: أنهم لا ينزلون بالأبطح، وليس من فروضه، واستحب مالك لمن يقتدى به أن لا يترك النزول به (٣).

стр. 6608

٨٤ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى ١٦٥٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ. [انظر: ١٠٨٢ - مسلم: ٦٩٤ - فتح: ٣/ ٥٠٩] ١٦٥٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ -وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١٠٨٣ - مسلم: ٦٩٦ - فتح ٣/ ٥٠٩] ١٦٥٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [انظر: ١٠٨٤ - مسلم: ٦٩٥ - فتح: ٣/ ٥٠٩] ذكر فيه أحاديث ثلاثة. أحدها: حديث ابن عمر: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ). ثانيها: حديث حارثة بن وهب الخزاعي قَالَ: (صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ). ثالثها: حديث (عبد الله) (١) قال: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ (ركعتين متقبلتين) (٢).

стр. 6609

وقد سلف ذَلِكَ في قصر الصلاة (١) واضحًا بمذاهب العلماء فيمن يلزمه القصر بمنى، وبما نزع به كل فريق منهم، ونذكر نبذة منه؛ لبعد العهد به، فنقول: ذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن أهل مكة ومن أقام بها من غيرها يقصرون بمنى وعرفة، وأن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بها من كان مقيمًا فيها (٢). وذهب الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنهم يتمون الصلاة بها، وقالوا: إن من لم يكن سفره سفرًا تقصر فيه الصلاة فحكمه حكم المقيم، وكذا تقدم هناك معنى إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر، وما للعلماء في ذَلِكَ من التأويلات (٣). وقول ابن مسعود: (تفرقت بكم الطرق) أي: ذهبتم إلى التأويلات. وقوله: (لَيْتَ حَظِّي .. ) إلى آخره يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. وقال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان؛ كراهةً لخلافه، وأخبر بما في نفسه.

стр. 6610

٨٥ - باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ١٦٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا -مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ- عَنْ أُمِّ الفَضْلِ: شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. [١٦٦١، ١٩٨٨، ٥٦٠٤، ٥٦١٨، ٥٦٣٦ - مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٣/ ٥١٠] ذكر فيه حديث أم الفضل: (شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِه ﷺ ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ بِشَرَابِ فَشَرِبَهُ). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وذكره في باب الصيام بهذِه الترجمة (٢)، وزاد حديثًا آخر، كما تقف عليه هناك (٣). فثبت أنه أفطر يوم عرفة بعرفة، وصح في مسلم أن صومه يكفر سنتين أخرجه من حديث أبي قتادة (٤)، وهو من أفراده، وهذا في غير الحجيج. أما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا؛ كيلا يضعفوا عن الدعاء وأعمال الحج اقتداءً بالشارع. وأطلق كثيرون من أئمة أصحابنا كونه مكروهًا لهم؛ لحديث أبي داود وغيره، وفي سنده جهالة (٥) فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب

стр. 6611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6612

الصوم فقد قَالَ المتولي: الأولى أن يصوم؛ حيازةً للفضيلتين، ونسب غيره هذا إلى المذهب، وقال: الأولى عندنا أن لا يصوم بحال. وقال الروياني في "الحلية": إن كان قويًا وفي الشتاء ولا يضعف بالصوم عن الدعاء، فالصوم أفضل له، وبه قالت عائشة وجماعة من أصحابنا. وقال البيهقي في "المعرفة": قَالَ الشافعي في القديم: لو علم الرجل أن الصوم بعرفة لا يضعفه فصامه كان حسنًا (١)، واختار الخطابي هذا (٢)، والمذهب عندنا استحباب الفطر مطلقًا. وبه قَالَ جمهور أصحابنا وصرحوا بأنه لا فرق، ولم يذكر الجمهور الكراهة، بل قالوا: يستحب فطره، كما قَالَه الشافعي (٣). ونقل الماوردي وغيره: استحباب الفطر عن أكثر العلماء. وحكى ابن المنذر عن جماعة منهم: استحباب صومه. وحكى صاحب "البيان" عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أنه يجب عليه الفطر بعرفة (٤).

стр. 6613

وقال ابن بطال: اختلف العلماء في صومه، فقال ابن عمر: لم يصمه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وأنا لا أصومه (١). وقال ابن عباس يوم عرفة: لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب (٢)، واختار مالك وأبو حنيفة والثوري: الفطر (٣). وقال عطاء: من أفطر يوم عرفة؛ ليتقوى به عَلَى الذكر كان له مثل أجر الصائم (٤). وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة (٥)، وروي أيضًا عن عمر، وكان إسحاق يميل إليه، وكان الحسن يعجبه صومه ويأمر به الحاج، وقال: رأيتُ عثمان بعرفات في يوم شديد الحر صائمًا، وهم يروحون عنه، وكان أسامة بن زيد وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير: يصومون بعرفات. وقال قتادة: لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء (٦)، وبه قَالَ الداودي.

стр. 6614

وقال الشافعي: أحب صيامه لغير الحاج، أما من حج فأحب أن يفطر، ليقويه عَلَى الدعاء (١). وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف (٢). وقال الطبري: إنما أفطر ﷺ بعرفة ليدل عَلَى أن الاختيار في ذَلِكَ الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء، وقضاء ما لزمه من المناسك، وكذلك من كره صومه من السلف؛ وإنما كان لما بيناه من إيثارهم الأفضل من ثقل الأعمال عَلَى ما هو دونه، وإبقاءً عَلَى نفسه؛ ليقوى بالإفطار عَلَى الاجتهاد في العبادة، ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثوابه، ويدخل من باب الريان (٣). وقال المهلب: في شربه اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع للحجج وأنه فوق الخبر، وقد قَالَ ﷺ : "ليس الخبر كالعيان" (٤).

стр. 6615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6616

وفيه: أن الأكل والشرب في المحافل مباح، إذا كان لتبيين معنى، أو دعت إليه ضرورة كما فعل يوم الكديد إذا علم مما يريد بيانه من سنته.

стр. 6617

وفيه: جواز قبول الهدية من النساء (١)، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها إذ كان مثل هذا القدر لا يتشاحُّ الناس فيه. وقال ابن التين: كان ﷺ يترك العمل يحب أن يعمل به لئلا يضيق عَلَى أمته. فرع: يستحب أيضًا صوم ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ احتياطًا لعرفة.

стр. 6618

٨٦ - باب: التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنى إِلَى عَرَفَةَ ١٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. [انظر: ٩٧٠ - مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٣/ ٥١٠] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنسًا وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. هذا الحديث سلف في العيد (١) (٢)، وفي الحديث ابتداء قطع التلبية من الغدو من منى، وآخرها رمي جمرة العقبة في حديث الفضل وأسامة بن زيد وابن مسعود، عن رسول الله ﷺ (٣) (قَالَ: كان يهل

стр. 6619

منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) (١). والذي مضى عليه جمهور العلماء من الصحابة وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة، كما حكاه ابن أبي صفرة؛ لأنهم فهموا (٢) أن تعجيل قطعها وتأخيرها عَلَى الإباحة، يدل عَلَى ذَلِكَ ترك إنكار بعضهم عَلَى بعض، وهم فهموا السنن وتلقوها (٣)، فوجب الاقتداء بهم في اختيارهم لأنا أمرنا باتباعهم. وقال الطحاوي: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن بعضهم كان يهل، وبعضهم كان يكبر، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذَلِكَ ولهم أن يلبوا؛ لأن الحاج فيما قبل يوم عرفة له أن يكبر، وله أن يهل، وله أن يُلبي فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية (٤). وقال المهلب: وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من يوم عرفة؛ لأنه آخر السفر، وإليه منتهى الحاج وما بعد ذَلِكَ فهو رجوع. فالتكبير فيه أولى، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فدل هذا عَلَى أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية؛ لأن معناها الإجابة، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية، وأخذ في الدعاء، وسأل حاجاته، وسيأتي اختلافهم في قطع

стр. 6620

التلبية في حديث الفضل وأسامة بعد هذا قريبًا. والحديث دالٌ عَلَى إباحة التكبير والتهليل، ورواه محمد، عن مالك واحتج بهذا قَالَ: كان القوم يكبرون ويلبون. فائدة: الغدو: السير، وهو السنة أن يسير إذا طلعت الشمس كما أسلفناه، واستثنى مالك من كان ضعيفًا أو بدابته علة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوعها. قَالَ: ويكره أن يمر إلى عرفة من غير طريق المازنين، فإن مر عَلَى غيره فلا شيء عليه.
следующие страницы →