← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وفيه: أن الأكل والشرب في المحافل مباح، إذا كان لتبيين معنى، أو دعت إليه ضرورة كما فعل يوم الكديد إذا علم مما يريد بيانه من سنته.

стр. 6617

وفيه: جواز قبول الهدية من النساء (١)، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها إذ كان مثل هذا القدر لا يتشاحُّ الناس فيه. وقال ابن التين: كان ﷺ يترك العمل يحب أن يعمل به لئلا يضيق عَلَى أمته. فرع: يستحب أيضًا صوم ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ احتياطًا لعرفة.

стр. 6618

٨٦ - باب: التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنى إِلَى عَرَفَةَ ١٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. [انظر: ٩٧٠ - مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٣/ ٥١٠] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنسًا وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. هذا الحديث سلف في العيد (١) (٢)، وفي الحديث ابتداء قطع التلبية من الغدو من منى، وآخرها رمي جمرة العقبة في حديث الفضل وأسامة بن زيد وابن مسعود، عن رسول الله ﷺ (٣) (قَالَ: كان يهل

стр. 6619

منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) (١). والذي مضى عليه جمهور العلماء من الصحابة وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة، كما حكاه ابن أبي صفرة؛ لأنهم فهموا (٢) أن تعجيل قطعها وتأخيرها عَلَى الإباحة، يدل عَلَى ذَلِكَ ترك إنكار بعضهم عَلَى بعض، وهم فهموا السنن وتلقوها (٣)، فوجب الاقتداء بهم في اختيارهم لأنا أمرنا باتباعهم. وقال الطحاوي: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن بعضهم كان يهل، وبعضهم كان يكبر، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذَلِكَ ولهم أن يلبوا؛ لأن الحاج فيما قبل يوم عرفة له أن يكبر، وله أن يهل، وله أن يُلبي فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية (٤). وقال المهلب: وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من يوم عرفة؛ لأنه آخر السفر، وإليه منتهى الحاج وما بعد ذَلِكَ فهو رجوع. فالتكبير فيه أولى، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فدل هذا عَلَى أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية؛ لأن معناها الإجابة، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية، وأخذ في الدعاء، وسأل حاجاته، وسيأتي اختلافهم في قطع

стр. 6620

التلبية في حديث الفضل وأسامة بعد هذا قريبًا. والحديث دالٌ عَلَى إباحة التكبير والتهليل، ورواه محمد، عن مالك واحتج بهذا قَالَ: كان القوم يكبرون ويلبون. فائدة: الغدو: السير، وهو السنة أن يسير إذا طلعت الشمس كما أسلفناه، واستثنى مالك من كان ضعيفًا أو بدابته علة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوعها. قَالَ: ويكره أن يمر إلى عرفة من غير طريق المازنين، فإن مر عَلَى غيره فلا شيء عليه.

стр. 6621

٨٧ - باب التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ ١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ. [١٦٦٢، ١٦٦٣ - فتح: ٣/ ٥١١] ذكر فيه: عن عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وفي آخره: فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ. هذا الحديث ذكره في باب: الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقًا، فقال: وقال الليث: حَدَّثَني عقيل، عن ابن شهاب قَالَ: أخْبرَنِي سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم

стр. 6622

عرفة إلى آخره (١). وكأنه أراد بيان تصريح ابن شهاب بسماعه له من سالم، وقال معمر: إن الزهري سمعه من ابن عمر (٢)؛ لأنه شهد تلك القصة وحضرها. وسمع منه حديثًا آخر. وفي "التمهيد": روى معمر، عن الزهري أنه كان شاهدًا مع سالم وأبيه هذِه القصة مع الحجاج، ووهم معمر فيه، قَالَ يحيى بن معين: وهم فيه معمر، وابن شهاب لم ير ابن عمر ولم يسمع منه شيئًا (٣). وعند الإسماعيلي من حديث أبي مصعب والتنيسي، عن مالك: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم في الموضعين، وعنده: فاقصر الخطبة وعجل الصلاة. وروى حديث الليث في "صحيحه" عن أبي عمران إبراهيم بن هانئ، حدثَنَا الرمادي، ثَنَا ابن بكير، وأبو صالح، أن الليث حدثهما: ثَنَا عقيل، عن ابن شهاب، أنا سالم، فذكره. إذا تقرر ذَلِكَ: فهذا الحديث يدخل في السنة؛ لقوله: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ)، والمراد سنة سيدنا رسول الله ﷺ ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها، كقولهم: سنة العمرين وما أشبهه. وقد أسلفنا توهيم معمر عن الزهري في شهوده القصة. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح: قد روى الزهري عن ابن عمر نحو ثلاثة أحاديث.

стр. 6623

قَالَ ابن عبد البر: هذا لا يصححه أحد سماعًا، وليس لابن شهاب سماع من ابن عمر، وأما محمد بن يحيى الذهلي فقال: ممكن أن يكون قد شاهد ابن عمر مع سالم في قصة الحجاج، واحتج برواية معمر، وفيها: ركب هو وسالم وأنا معهما حين زاغت الشمس، وفيها: قَالَ الزهري: وكنت يومئذٍ صائمًا فلقيت من الحر شدة، قَالَ محمد بن يحيى: وقد روى ابن وهب، عن عبيد الله (١) بن عمر العمري، عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وفي حديثه قَالَ ابن شهاب: وأصاب الناس في تلك الحجة شيء لم يصبنا مثله، واحتج أيضًا بأن عنبسة روى عن يونس، عن ابن شهاب قَالَ: وفدت إلى مروان وأنا محتلم قَالَ: ومروان مات سنة خمس وستين، ومات ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، قَالَ: وأظن مولد الزهري في سنة خمسين أو نحو هذا، وموته سنة أربع وعشرين ومائة، فممكن أن يكون شاهد ابن عمر في تلك الحجة، فلست أدفع رواية معمر، هذا آخر كلام الذهلي. وذكر الحلواني قَالَ: سمعتُ أحمد بن صالح يقول: قد أدرك الزهري الحرة وهو بالغ وعقلها -أظنه قَالَ: وشهدها- وكانت الحرة أول خلافة يزيد بن معاوية، وذلك سنة إحدى وستين، قَالَ عبد الرزاق: فقلتُ لمعمر: ورأى الزهري ابن عمر؟ قَالَ: نعم، وسمع منه حديثين، فسلني عنهما أحدثكهما (٢).

стр. 6624

ثم ها هنا أمور: أحدها: قَالَ أبو عمر: رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف: (وعجل الصلاة). وقَالَ القعنبي وأشهب: (فأقم الخطبة وعجل الوقوف، جعلا موضع الصلاة الوقوف)، قَالَ أبو عمر: وهو عندي غلط؛ لأن أكثر الرواة عن مالك عَلَى خلافه (١). ثانيها: تعجيل الصلاة يوم عرفة، سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يُصلي العصر بإثر السلام. قَالَ أبو عمر: وقد يحتمل ما قاله القعنبي أيضًا؛ لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل الصلاة والفراغ منها سنة (٢). وقد أسلفنا رواية مصعب وغيره عن مالك وفيها: وعجل الصلاة، كما رواه الجماعة. ثالثها: فيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذَلِكَ إليه، وهو واجب عليهم، فيقيمون من كان عالمًا به. رابعها: في فوائده: فيه: الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. وفيه: أن الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه. وفيه: أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة، وقد رُوِي عن مالك في هذا الحديث: وعجل الصلاة مكان الوقوف، كما سلف، وهو صحيح المعنى؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين والجمع بينهما، فدل عَلَى أن

стр. 6625

تعجيل الصلاة بعرفة سنة، ورواية: وعجل الوقوف في البخاري صحيح أيضًا كما سلف. وفيه: الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجاج لعبد الله: (أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَي ماء)، وأهل العلم يستحبونه. وفيه: خروج الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة، ولم ينكر ذَلِكَ عليه ابن عمر، ففيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم، وقد سلف في بابه (١). وفيه: جواز تأمير الأدون عَلَى الأفضل والأعلم. وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل في الدين بقول أهل العلم ويصير إلى رأيهم. وفيه: ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه. وفيه: الفهم بالإشارة والنظر. وفيه: أن اتباع الشارع هي السنة، وإن كان في المسألة أوجه جائز غيرها. وفيه: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره. واختلف العلماء في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر، وفي جلوس الإمام للخطبة قبلهما، فقال مالك: يخطب الإمام طويلًا، ثم يؤذن وهو يخطب، ثم يصلي، ومعنى ذَلِكَ: أن يخطب الإمام صدرًا من خطبته، ثم يؤذن المؤذن ويقيم، فيكون فراغه مع فراغ الإمام من الخطبة، ثم ينزل فيقيم (٢).

стр. 6626

وحكى ابن نافع أنه قَالَ: الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة (قبلهما) (١) (٢). وقال الشافعي: يأخذ المؤذن في الأذان إذا قام الإمام للخطبة الثانية، فيكون فراغه من الأذان بفراغ الإمام من الخطبة ويقيم (٣). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا صعد الإمام المنبر أخذ المؤذن في الأذان كما في الجمعة (٤). وسُئل مالك: إذا صعد الإمام عَلَى المنبر يوم عرفة أيجلس قبل أن يخطب؟ قَالَ: نعم، ثم يقوم فيخطب طويلًا، ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب ثم يُصلي، قَالَ: ويخطب خطبتين (٥). وأجمع العلماء عَلَى أنه ﷺ إنما صلى بعرفة صلاة المسافر لا صلاة جمعة، ولم يجهر بالقراءة، وكذلك أجمعوا أن الجمع بينهما يوم عرفة مع الإمام سنة مجمع عليها (٦)، واختلفوا فيمن فاتته الصلاة يوم عرفة مع الإمام، هل له أن يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: نعم، وكذا بالمزدلفة (٧)، وقال أبو حنيفة: لا، إلا من صلاها مع الإمام (٨). واختلف العلماء في الأذان للجمع بينهما: فقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وأبو ثور

стр. 6627

والطبري: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وقد روي عن مالك مثله، والأول أشهر (١). وقال أحمد وإسحاق: يجمع بينهما بإقامة إقامة، أو باذان وإقامتين إن شاء (٢)، وإن لم يخطب ويسر بالقراءة فيهما؛ لأنهما ظهر وعصر قصرا من أجل السفر، وقال أبو حنيفة: يجهر. وفي "شرح الهداية ": يسر. وأجمعوا أن الخطبة قبل الصلاة يوم عرفة (٣)، وقد أسلفنا أنه لا يدخل عرفة إلا وقت الوقوف بعد فعل الظهر والعصر جمعًا بنمرة بقرب عرفات خارج الحرم من طرف الحرم إلى عرفات، وأما ما يفعله معظم الناس في هذِه الأزمان من دخولهم عرفة قبل وقت الوقوف فخطأ وبدعة، والصواب الأول، ويغتسل بنمرة للوقوف. قَالَ جابر: ضرب النبي ﷺ قبة بنمرة فنزل بها، حَتَّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحِّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس،

стр. 6628

أخرجه مسلم في حديثه الطويل (١). قَالَ عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان وأبو ثور وأحمد وابن المنذر وعامة الفقهاء وأهل الحديث: قصر الصلاة غير جائز لأهل مكة بعرفات (٢). وقال القاسم بن محمد وسالم والأوزاعي ومالك: لهم قصرها (٣)، ومن صلى العصر في رحله وحده صلاه في وقته عند أبي حنيفة (٤)، وخالفاه فقالا: يجمع المنفرد. وقوله: (فَأَنْظِرْنِي) أي: أخرني للغسل، فأنظره رفقًا به وعونًا، وهي بألف قطع فيما ضبطه بعضهم، وضبطه غيره بضم الظاء ووصل الهمزة، ذكرهما ابن التين. وقوله: (حَتَّى أُفِيضَ) قَالَ: صوابه أُفِضْ؛ لأنه جواب الأمر. وقول عبد الملك للحجاج: (لا تخالف ابن عمر في الحج)، إقرار بدينه وعلمه وبأنه القدوة في زمانه الذي يجب أن يقتدي به أهل وقته. ومضي ابن عمر إلى الحجاج حين الزوال؛ مسارعة إلى الخير ومعونةً؛ وحرصًا عَلَى إثبات ما عنده من العلم ونشره وانتفاع الناس به، وتوجهه إليه حين زالت الشمس هو السنة، لما يلزم من تعجيل الصلاة ذَلِكَ اليوم، وصياحه عند سرادق الحجاج -وهو فسطاطه- ليكون أسرع لخروجه من إدخال الإذن عليه، وخروجه وعليه ملحفة معصفرة.

стр. 6629

قَالَ ابن التين: يحتمل أن يكون غير مفدمة، وإن كان المصبوغ كله مكروهًا للآية، لكن ليس الحجاج ممن يقتدى به فيقال: مفدم من غيره. وقوله: (هذِه السَّاعَةَ؟ قَالَ: نعم) فيه إعلام له بالسنة وأنه التعجيل؛ لأنه حج مع الشارع ورأى أفعاله. وقوله: (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) يحتمل أن يكونوا ركبانًا؛ لأن السنة الركوب حينئذٍ لمن له راحلة. وقوله: (فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ) يدل عَلَى أنه كان راكبًا. وقوله: (فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ) يدل له أيضًا حديث عمار "اقصروا الخطبة"، أخرجه مسلم (١)، وكذا حديث جابر (٢)، وبه قَالَ ابن التين (٣)، والعراقيون من أصحابنا يطلقون أنه لا يخطب الإمام يوم عرفة، ومعناه: أنه ليس لما يأتي به من الخطبة تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة؛ لأنها لا تغير حكم الصلاة، وبه قَالَ أبو حنيفة (٤). وقال الشافعي: يخطب (٥)، وهو قول جميع أصحابنا المغاربة، والمدنيون يقولون: يخطب إلا أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة بالصلاة، وإنما يجعلون لها حكم التعليم (٦).

стр. 6630

وقد قَالَ ابن حبيب: يخطب قبل الزوال. وقال أبو محمد: فيه نظر. وقال أشهب: إن خطب قبل الزوال لم يجزه ويعيدها، إلا أن يكون صلى الظهر بعد الزوال فيجزئه (١). وقال مالك: كل صلاة يخطب لها، فإنه يجهر فيها بالقراءة، قيل له: فعرفة يخطب فيها ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم (٢). فائدة: خطب الحج أربع: الأولى: سابع ذي الحجة بعد الزوال فردة، والمالكية: خطبتين يجلس بينهما خلافًا لمحمد، وقيل: قبل الزوال، حكاه محمد، وقال عطاء: أدركتهم يخرجون ولا يخطبون، وأدركتهم يخطبون بمكة. ثانيها: ببطن عُرنة من عرفة يجلس بينهما. ثالثها: يوم النحر. رابعها: أوسط أيام التشريق، وهو يوم الرءوس (٣).

стр. 6631

قَالَ ابن حزم: خطبها رسول الله ﷺ يوم الأحد ثاني يوم النحر (١). وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٢)، وهو يوم القر. وفيه حديث في أبي داود (٣)، وآخر في "مسند أحمد" (٤)، وآخر في

стр. 6632

الدارقطني (١).

стр. 6633

قَالَ ابن حزم: وقد روي أيضًا أنه خطبهم يوم الاثنين، وهو يوم الأكارع، وأوصى بذوي الأرحام خيرًا (١). قَالَ ابن قدامة: وروي عن أبي هريرة أنه كان يخطب العشر كله، وفي "المصنف": وكذا ابن الزبير (٢).

стр. 6634

٨٨ - باب الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ ١٦٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ- عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ. [انظر: ١٦٥٨ - مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٣/ ٥١٣] ذكر فيه حديث أم الفضل السالف قريبًا في باب صوم يوم عرفة، وفي آخره: وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ (١). والوقوف راكبًا أفضل من الترجل للاتباع. وفيه: قوة عَلَى الدعاء والتضرع والتعظيم لشعائر الله، وهو ما اختاره مالك والشافعي وجماعة، وعنه قول: إنهما سواء (٢). وقد سلف هذا المعنى. وفيه: أن الوقوف عَلَى ظهر الدواب مباح، إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة، وأن النهي الوارد ألا تتخذ ظهورها منابر، معناه الأغلب الأكثر، بدليل هذا الحديث. وإرسالا أم الفضل إلى الشارع؛ لتختبر صومه كما سلف وهو دال عليه، وإن كان قد تركه لغيره كشبع. وذكر بعضهم فيما حكاه ابن التين: أن من سهل عليه بذل المال

стр. 6635

وشق عليه المشي، فمشيه أكثر أجرًا له، ومن شق عليه بذله وسهل عليه المشي فركوبه أكثر أجرًا له، وهذا على اعتبار المشقة في الأجور، قَالَ: وذلك غير بعيد.

стр. 6636

٨٩ - باب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا. ١٦٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ -عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ ﵁: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلاَّ سُنَّتَهُ؟! [انظر: ١٦٦٠ - فتح: ٣/ ٥١٣] ثم ذكر معلقًا حديث ابن عمر السالف قريبًا في التهجير (١)، وقد سلف مسندًا (٢)، وحكمة الجمع أول الوقت امتداد الوقوف والدعاء والتضرع والإنابة، وقد أسلفنا في باب: التهجير، اختلاف العلماء فيمن فاتته الصلاة بعرفة مع الإمام، فكان ابن عمر يجمع بينهما، كما حكاه البخاري، وهو قول عطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكاه أبو ثور عن يعقوب ومحمد والشافعي (٣). قال النخعي وأبو حنيفة والثوري: إذا فاتته مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام للاتباع. ووجه الدلالة عَلَى الكوفيين قول سالم للحجاج: (إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة)، وهذا خطاب يتوجه إلى كل أحد مأمومًا كان أو منفردًا أن سنة الصلاة ذَلِكَ الوقت، وكذلك قول ابن عمر: كانوا يجمعون

стр. 6637

بينهما، فالسنة لفظ عام يدخل فيه كل مصلِّ، فمن زعم أنه لبعض المصلين فعليه الدليل. قَالَ الطحاوي: وقد رُوِي عن ابن عمر وعائشة مثل قول الصاحبين من غير خلاف من الصحابة، وقال ابن القصار: قول (الكوفيين) (١) ليس بشيء؛ لقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢) وهذا خطاب لكل واحد في نفسه أن يُصلي الصلاتين في وقت إحداهما بعرفة كما فعل ﷺ ؛ لأن الخطاب إنما يتوجه إلى هيئة الصلاة ووقتها لا إلى الإمامة. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي عَلَى أنه إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة لم يصل بهم الإمام الجمعة، وكذلك قال الطحاوي (٣). قَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: يجمع بمنى من له ولاية الصلاة هناك. وقال محمد ومالك والشافعي: لا يجمع، وإنما يصلي بعرفة الظهر ركعتين سواء، هذا إن كان الإمام من غير أهل عرفة. وقال أبو يوسف: يجمع بها، وسأل أبو يوسف مالكًا عن هذِه المسألة

стр. 6638

بحضرة الرشيد فقال مالك: سبايانا بالمدينة يعلمون ألا جمعة بعرفة، وعلى هذا أهل الحرمين مكة والمدينة، وهم أعلم بذلك من غيرهم، وقد جمع الشارع بين الصلاتين بعرفة، وصادف ذَلِكَ يوم جمعة، ولم ينقل أنه جهر بالقراءة، فدلَّ أنه ﷺ صلى الظهر (بغير) (١) جهر، ولو جهر لنقل، وأيضًا فإن من شرط الجمعة الاستيطان، وليست عرفة بوطن لأهل مكة، فلم يجز لهم أن يصلوها. وروى ابن وهب عن مالك: أنه إذا وافق يوم جمعة يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر أو أيام التشريق لا جمعة عليهم، من كان من أهل مكة أو من أهل الآفاق، قَالَ: ولا صلاة عيد يوم النحر.

стр. 6639

٩٠ - باب قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ ١٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ -أَوْ زَالَتْ- فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَحَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الرَّوَاحَ. فَقَالَ: الآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً. فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي. فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ. [انظر: ١٦٦٠ - فتح ٣/ ٥١٤] ذكر فيه حديث ابن عمر مع الحجاج السالف (١) وقصر الخطبة بعرفة وغيرها سنة، وقد أسلفناه.

стр. 6640

٩١ - باب الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ [مسلم: ١٢٢٠ - فتح: ٣/ ٥١٥] ١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الحُمْسَ -وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. [٤٥٢٠ - مسلم: ١٢١٩ - فتح: ٣/ ٥١٥] ذكر فيه حديث مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي، وفي لفظ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هذا والله مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ هذا الحديث زاد فيه الإسماعيلي في "صحيحه" والبرقاني فيما ذكره الحميدي. قَالَ سفيان: -يعني قريشًا- وكانت تسمى الحمس، وكانت قريش لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقفون بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ

стр. 6641

حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ سفيان: الأحمس: الشديد في دينه (١). زاد أبو نعيم في "مستخرجه": وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وقيل: كانت قريش تتكبر أن تقف مع الناس. ولابن إسحاق: حَدَّثَني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع، عن أبيه جبير قَالَ: رأيتُ النبي ﷺ قائمًا مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقًا من الله تعالى له (٢). وهذا يزيل شبهة من زعم أن رؤية جبير كانت بعد النبوة. قَالَ ابن التين: وروي هذا الحديث، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد، عن أبيه -مثل ما في البخاري- قَالَ فيه: رأيته ﷺ قائمًا مع الناس قبل أن يبعث. فمن ها هنا قَالَ بعضهم: إنه ﷺ حج في الجاهلية (٣)، أما بعد الهجرة فواحدة، وأحاطت قريش به. ثم ذكر البخاري من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ- وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ .. الحديث، وفي آخره قالت عائشة: إِنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.

стр. 6642

وقد اختلف المفسرون في هذِه الآية: فقال الضحاك: يريد إبراهيم ﵇ (١). ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه، عن يزيد بن سفيان قَالَ: كنا وقوفًا مكانًا بعيدًا من الموقف فأتانا ابن مربع فقال: أتى رسول الله ﷺ إليكم يقول لكم: "كونوا عَلَى مشاعركم، فإنكم عَلَى إرث من إرث إبراهيم" (٢). وروي عن الضحاك أنه الإمام (٣)، وقيل: آدم (٤)، وقد قرئ: (الناسي) (٥) وقيل: سائر الناس. قَالَ ابن التين: وهو الصحيح بدليل حديث جبير (غير الحمس) وهم قريش، ومن ولدت من غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبًا اشترطوا عليه أن ولدها عَلَى دينهم، ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة. وقوله: (وَالحُمْسُ: قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ) قَالَ الداودي: يعني من مسه

стр. 6643

ولادة قريش من نسل البنات، والأحمس والحمس: الشديد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا: تنادوا واقتتلوا، والأحمس: المشدد عَلَى نفسه في الدين، والحماسة: الشدة في كل شيء، ذكره ابن سيده (١)، وتحامس عنيِّ: من غلط العامة، وحمس بالكسر، وأحمس: بين الحمس، وقيل: والحمسة: الحرمة، ذكره ابن فارس (٢). قال الحربي عن بعضهم: سموا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء، وحجرها أبيض يضرب إلى السواد، وذكره الهروي. قَالَ ابن إسحاق: وكانت قريش -لا أدري بعد الفيل أو قبله- ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه، فتركوا الوقوف عَلَى عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، قالوا: ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من (الحل إلى الحرم) (٣) إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، ومما أحدثوه أن لا يطوفوا بالبيت عراة، ولا يطوفوا بين الصفا والمروة، وما سواهم من العرب يقال لهم: الحلة، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة ورموا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا بها الآثام، فما طرحوا من

стр. 6644

ثوب لم يمسه أحد (١). وسُمَّي النسيء واللقاء والحريم، ذكره الكلبي. وقال السهيلي: كانوا ذهبوا في ذَلِكَ مذهب الترهب والتأله، وكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر (٢)، وكذا قَالَ المهلب: إنما كان وقوف قريش -وهم الحمس- عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية- بالحرم وسكناها فيه، ويقولون: نحن جيران الله، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج، ويقولون: نحن لا نفارق عزنا وما حرم الله به أموالنا ودماءنا، وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم من عرفة، وكان وقوف النبي ﷺ وطوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام وما افترض الله تعالى عليه من تبليغ الدعوة وإفشاء الرسالة، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة، وقيل: كانت قريش تستكبر أن تقف مع الناس، وكذلك جبير، وقال: ما شأنه وقف في الحل؟ وانظر كيف أنكر جبير ذَلِكَ، وقد حج قبله عتَّاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع (٣)، فإما أن يكونا وقفا بجمع عَلَى ما كانت قريش تفعل، أو لم يكن جبير شهد معهما الموسم، قاله ابن التين. وإنما كان ذَلِكَ في الجاهلية كما سلف، وجبير أسلم عام الفتح (٤).

стр. 6645

وقال الخطابي: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في ضمنه الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة والانتشار إنما يكون عن اجتماع قبله بها (١). وكذا قَالَ ابن بطال: في الآية دليل أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها، غير أنا لم نجده، ذكر لنا ابتداء ذَلِكَ الوقوف، وبينه الشارع كما سيأتي. فإن قلت: ثم يفيض (المهملة) (٢): وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام فالجواب أن (ثم) بمعنى الواو، والمختار أنها عَلَى بابها، والمعنى: ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفيه معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ثم أكد عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت قريش تفيض. وزعم الطحاوي أن ظاهر الآية: فإذا أفضتم من عرفات، وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، والإفاضة الأولى من عرفات، والثانية من المشعر الحرام؛ لأنه قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، إلى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أفَاضَ

стр. 6646

النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] غير أنا وجدنا قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في معنى: وأفيضوا، وتجعل ثم في موضع الواو كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] عَلَى معنى: والله شهيد (١). واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل الغروب ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة عَلَى الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من النهار وحده ودفع قبل الغروب لم يجزئه، وإن وقف جزءًا من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه؛ وأخذ في ذَلِكَ مما رواه عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج (٢). وعن عروة بن الزبير مثله (٣)، ورفعه ابن عمر مرة: "من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج" (٤). وعن عطاء يرفعه "من أدرك عرنة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج" وعن عمرو بن شعيب رفعه قَالَ: "من أجاز بطن عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له" (٥).

стр. 6647

وعن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير رفعه: "إنا لا ندفع حَتَّى تغرب الشمس" (١) يعني: من عرفات. ضعفها كلها ابن حزم (٢). وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: الاعتماد عَلَى النهار من يوم عرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع (٣). وحديث عروة بن مضرس الطائي مرفوعًا: "من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه"، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٤). وفيها من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أنه ﷺ قَالَ: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك حجة". وصححه ابن حبان والحاكم (٥).

стр. 6648

قالوا: فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه، إلا إنهم يقولون: إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، والأظهر عند الشافعي: لا دم عليه، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، أخذوا بحديث عروة بن مضرس إلا في إيجاب الدم لمن وقف نهارًا ودون الليل، وتفريقهم في وقت النهار بين بعد الزوال وقبله، فإنه من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر؛ تمسكًا بحديث عروة بن مضرس السالف، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار. قال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (١). وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن بن أبي الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حَتَّى غربت فلا دم عليه، وبه قَالَ مالك والشافعي. وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دم (٢).

стр. 6649

والذي يظهر من المذاهب مذهب أحمد أنه يدخل إلا بالزوال، ومضي خطبتين وأربع ركعات اتباعًا للدليل القولي والفعلي. وأجاب ابن القصار عن حديث عروة فقال: نحن نعلم أنه ﷺ وقف وقفة واحدة جمع فيها بين الليل والنهار، فصار معناه من ليل ونهار، واستفدنا من فعله أن المقصود آخر النهار، وهو الوقت الذي وقته، وعقلنا بذلك أن المراد جزء من النهار مع جزء من الليل؛ لأنه لم يقتصر عَلَى جزء من النهار دون الليل، ولو تجرد هذا من فعله لجاز أن يكون (أو) بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] معناه: وكفورًا. فإن قيل: فأنتم لا توجبون الجمع بين الليل والنهار في الوقوف. قيل: لما قَالَ: "فقد تم حجه" علمنا أن التمام نقيض الكمال والفضل فيجمع فيه بين السنة والفرض، فالسنة الوقوف بالنهار، والفرض هو الليل؛ لأنه هو انتهاء الوقوف، فهو الوقت المقصود، وهو أخص به من النهار؛ لأنه لو انفرد وقوفه في هذا الجزء لأجزأه بالإجماع، ولو وقف هذا القدر من النهار لكان فيه خلاف، ووجب عليه الدم، فكيف يكون النهار أخص من الليل؟! فائدة: سُميت عرفة؛ لأن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قَالَ: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذَلِكَ (١)، أو لأن جبريل يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول: قد عرفت قد عرفت. وقيل غير ذَلِكَ (٢).

стр. 6650

٩٢ - باب السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ ١٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ]: فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ. [٢٩٩٩، ٤٤١٣ - مسلم: ١٢٨٦ - فتح: ٣/ ٥١٨] ذكر فيه عن أسامة أنه سُئِلَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة خلا الترمذي (١) ويأتي في الجهاد والمغازي (٢). والعنق -بفتح العين المهملة والنون- سير فوق المشي، أو أدنى المشي، أو أوله، أو المشي السريع الذي يتحرك فيه عنق البعير، أو سير سهل دون الإسراع، أقوال متقاربة. والفجوة -بفتح الفاء، وحكي ضمها-: الفرجة المتسعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧]، وقيل: ما اتسع منها وانخفض،

стр. 6651

حكاه ابن سيده (١). والنص: أرفع السير، ومنه قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ وصار إلى العدو فهو الخبب، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ فهو الوضع والإيضاع. وقال أبو عبيد: النص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها (٢)، ومنه حديث علي: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى (٣). ونص الحقاق: غاية البلوغ. وقال ابن المبارك: هو بلوغ العقل. وقال ابن أبي خالد في كتابه "الاحتفال": النص والنصيص: السير، أن تسار الدابة، والبعير سيرًا شديدًا حَتَّى يستخرج أقصى ما عنده، والحاصل أنهما ضربان من السير. إذا تقرر ذَلِكَ: فتعجيل الدفع من عرفة إنما هو لضيق الوقت؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، ومن عرفة إلى مزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذلك سببها، فتعجلوا السير لاستعجال الصلاة. قَالَ الطبري: وبهذا قَالَ العلماء في صفة سيره ﷺ من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى منى (٤)، وبذلك عمل السلف. قَالَ الأسود: شهدتُ مع عمر الإفاضتين جميعًا، لا يزيد عَلَى العنق، لم يوضع في واحدة منهما. وكان ابن عمر سيره العنق. وعن ابن عباس مثله. وقال آخرون: الإفاضة من عرفات وجمع إيضاع دون العنق.

стр. 6652

وروى معرور قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب رجلًا أصلع عَلَى بعير يقول: يا أيها الناس أوضعوا فإنا وجدنا الإفاضة للإيضاع (١). وروي عن الصديق: أنه وقف عَلَى قُزَح وقال: أيها الناس أصبحوا أصبحوا، ثم دفع كأني انظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٢). ومعنى يخرش بعيره: يخدشه بالمحجن، ومنه تخارش السنانير والكلاب. قَالَ الطبري: والصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار أنه كان يسير العنق إلا في وادي محسر، فإنه يوضع فيه، ولو أوضع أحد في الموضع الذي ينبغي أن يعنق فيه أو عكس لم يلزمه شيء؛ لإجماع الجميع عَلَى ذَلِكَ، غير أنه يكون مخطئًا سبيل الصواب، وما ذكره من تفسير ﴿فَجَوةٍ﴾ و ﴿مَنَاصٍ﴾ هو كذلك في بعض النسخ. وقال ابن التين: فجوة: متسع لا أحد فيه. فرع: قررنا أن السنة الإسراع، وإنما يميل عن بعضه لمانع زحام أو غيره، وأما ما رُوِي عنه ﷺ أنه أمر بالسكينة والوقار (٣)، فمعناه: لا تخرجوا من حدهما بالزجر والإيضاع. وأما سرعة لا تخرج عن حد الوقار فغير ممنوع بل هو سنة.

стр. 6653

فائدة: سُميت حجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودع الناس فيها، وقال: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" (١). وغلط من كره تسميتها بذلك، وقد سلف، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه قَالَ فيها: "هل بلغت؟ " (٢) وحجة الإسلام؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك.

стр. 6654

٩٣ - باب النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ ١٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩] ١٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ. ١٦٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩] ١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ الفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. [انظر: ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥١٩] فيه أسامة (١): أن النبي ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ .. الحديث.

стр. 6655

وفيه نافع (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْع، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ. وفيه أسامة (٢): مثل الأول وزيادة عن الفضل: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. وحديث أسامة في مسلم (د. ت) (٣)، وقصة ابن عمر من أفراد البخاري. والشِّعْب: الطريق في الجبل، بكسر الشين وفتحها: الجمع بين الشيئين، ونزوله الشعب إنما كان لأجل إزالة الحاجة، وليس ذَلِكَ من سنته، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله، ويدير ناقته حيثما أدار ناقته، ويقتفي آثاره وحركاته، وليس ذَلِكَ بلازم إلا فيما تعلق منها بالشريعة. قَالَ عكرمة: الشِّعْب: الذي كانت الأمراء تنزله، اتخذه رسول الله ﷺ مبالًا، واتخذتموه مصلى (٤). وقوله: (فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلتُ: الصلاة، قَالَ: (الصلاة) (٥) أمامك" فركب حَتَّى أتى المزدلفة، فصلى) ظاهره الوضوء الشرعي لا الاستنجاء، وقال عيسى بن دينار: إنه استنجاء لا وضوء، قال: وفيه دليل أن الاستنجاء يسمى وضوءًا،
следующие страницы →