حكاه ابن سيده (١).
والنص: أرفع السير، ومنه قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ وصار إلى العدو فهو الخبب، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ فهو الوضع والإيضاع. وقال أبو عبيد: النص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها (٢)، ومنه حديث علي: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى (٣). ونص الحقاق: غاية البلوغ.
وقال ابن المبارك: هو بلوغ العقل. وقال ابن أبي خالد في كتابه "الاحتفال": النص والنصيص: السير، أن تسار الدابة، والبعير سيرًا شديدًا حَتَّى يستخرج أقصى ما عنده، والحاصل أنهما ضربان من السير.
إذا تقرر ذَلِكَ: فتعجيل الدفع من عرفة إنما هو لضيق الوقت؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، ومن عرفة إلى مزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذلك سببها، فتعجلوا السير لاستعجال الصلاة.
قَالَ الطبري: وبهذا قَالَ العلماء في صفة سيره ﷺ من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى منى (٤)، وبذلك عمل السلف. قَالَ الأسود: شهدتُ مع عمر الإفاضتين جميعًا، لا يزيد عَلَى العنق، لم يوضع في واحدة منهما. وكان ابن عمر سيره العنق. وعن ابن عباس مثله. وقال آخرون: الإفاضة من عرفات وجمع إيضاع دون العنق.
стр. 6652
وروى معرور قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب رجلًا أصلع عَلَى بعير يقول: يا أيها الناس أوضعوا فإنا وجدنا الإفاضة للإيضاع (١).
وروي عن الصديق: أنه وقف عَلَى قُزَح وقال: أيها الناس أصبحوا أصبحوا، ثم دفع كأني انظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٢). ومعنى يخرش بعيره: يخدشه بالمحجن، ومنه تخارش السنانير والكلاب.
قَالَ الطبري: والصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار أنه كان يسير العنق إلا في وادي محسر، فإنه يوضع فيه، ولو أوضع أحد في الموضع الذي ينبغي أن يعنق فيه أو عكس لم يلزمه شيء؛ لإجماع الجميع عَلَى ذَلِكَ، غير أنه يكون مخطئًا سبيل الصواب، وما ذكره من تفسير ﴿فَجَوةٍ﴾ و ﴿مَنَاصٍ﴾ هو كذلك في بعض النسخ. وقال ابن التين: فجوة: متسع لا أحد فيه.
فرع: قررنا أن السنة الإسراع، وإنما يميل عن بعضه لمانع زحام أو غيره، وأما ما رُوِي عنه ﷺ أنه أمر بالسكينة والوقار (٣)، فمعناه: لا تخرجوا من حدهما بالزجر والإيضاع. وأما سرعة لا تخرج عن حد الوقار فغير ممنوع بل هو سنة.
стр. 6653
فائدة:
سُميت حجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودع الناس فيها، وقال: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" (١).
وغلط من كره تسميتها بذلك، وقد سلف، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه قَالَ فيها: "هل بلغت؟ " (٢) وحجة الإسلام؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك.
وفيه نافع (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْع، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.
وفيه أسامة (٢): مثل الأول وزيادة عن الفضل: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.
وحديث أسامة في مسلم (د. ت) (٣)، وقصة ابن عمر من أفراد البخاري.
والشِّعْب: الطريق في الجبل، بكسر الشين وفتحها: الجمع بين الشيئين، ونزوله الشعب إنما كان لأجل إزالة الحاجة، وليس ذَلِكَ من سنته، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله، ويدير ناقته حيثما أدار ناقته، ويقتفي آثاره وحركاته، وليس ذَلِكَ بلازم إلا فيما تعلق منها بالشريعة.
قَالَ عكرمة: الشِّعْب: الذي كانت الأمراء تنزله، اتخذه رسول الله ﷺ مبالًا، واتخذتموه مصلى (٤).
وقوله: (فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلتُ: الصلاة، قَالَ: (الصلاة) (٥) أمامك" فركب حَتَّى أتى المزدلفة، فصلى) ظاهره الوضوء الشرعي لا الاستنجاء، وقال عيسى بن دينار: إنه استنجاء لا وضوء، قال: وفيه دليل أن الاستنجاء يسمى وضوءًا،
стр. 6656
ودليل ذَلِكَ قوله فيما سيأتي: (ولم يسبغ الوضوء) (١)، ولذلك قَالَ له أسامة: الصلاة، فذكره لما رأى من تركه الاستعداد لها في الوضوء.
وقيل معنى: (ولم يسبغ (الوضوء) (٢) أي: لم يبالغ فيه مبالغته إذا أراد به الصلاة، وقد سلف ذَلِكَ في الحديث في الطهارة في باب: إسباغ الوضوء أيضًا (٣).
وقوله: ("الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"). مقتضاه أنه ليس بوقتها، أو أن ذَلِكَ ليس بموضعها أو هما، ومقتضاه أن موضعها المزدلفة.
وبه احتج مالك لذلك، أو تؤوّل عَلَى أن الصلاة الفاضلة أمامك.
ومن صلى قبل أن يأتيها دون عذر، فقال ابن حبيب: يعيد متى ما علم بمنزل المصلي قبل الزوال لقوله: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ" وبه قَالَ أبو حنيفة.
وقال جابر بن عبد الله: لا صلاة إلا بجمع (٤)، وإليه ذهب محمد والثوري.
وقال مالك: لا يصليان إلا بها إلا من عذر به أو بدابته، قَالَ: فإن صلاهما بعذر لم يجمع بينهما حَتَّى يغيب الشفق.
وقال أشهب: بئس ما صنعه، ولا يعيد إلا أن يصليها قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها أبدًا، وبه قَالَ الشافعي، ونصره القاضي أبو الحسن، واحتج عليه بأن ذَلِكَ -أعني: الجمع- سنة، فلم يكن شرطًا في صحتها، وإنما كان عَلَى معنى الاستحباب، كالجمع بعرفة.
стр. 6657
ومن أسرع وأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق. قَالَ ابن حبيب: لا يُصلي حَتَّى يغيب الشفق. ووجهه قوله: "الصَّلاةُ أَمَامَكَ" ثم صلاها بمزدلفة بعد مغيب الشفق (١).
وقال أشهب: يجمع حينئذٍ، وإن قضاهما قبل المغيب. وهو خلاف ما في "المدونة" وجمع هي: المزدلفة والمشعر الحرام.
وعند الفقهاء: أن المشعر جبل في آخر المزدلفة يُقال له: قُزح، سمي جمعًا؛ لأنها محل الجمع، أو لاجتماع آدم وحواء.
وقوله: (فَيَنْتَفِضُ) هو كناية عن البول. وقال الداودي: يعني يتنظف فيصير كالفضة. قَالَ: ويحتمل أنه يكون يتنصل مما به من ثقل ذَلِكَ، قَالَ: وقوله: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ" ولم يسم موضعها.
فيه: تأخير البيان ما لم تدعُ الحاجة إليه.
وفيه: فضل أسامة وخصوصه بالشارع. والوضوء بفتح الواو عَلَى الأشهر، وقوله: (وُضُوءًا خَفِيفًا). هو بضم الواو وفتحها.
وقوله: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رمى جمرة العقبة) سلف الكلام فيه.
ومعنى قوله: (رَدِفْتُ): صوت له رديفًا، وكذلك: (ردف الفضل رسول الله).
قَالَ ابن التين: وضبط في بعض الكتب: (ردف الفضلَ)، بنصب اللام وضم اللام من (رسولُ الله ﷺ ) وليس بصحيح؛ لأنه إنما يقال: أردف فلانًا: إذا جعله خلفه، كذلك فسره في حديث أسامة، والغرض أنه ﷺ أردفهما به، وردِف بكسر الدال، يقال: ردفه وردف له: إذا جاء بعده أو تبعه.
стр. 6658
فائدة:
سميت جمرة؛ لأنها حجارة مجتمعة، وكل شيء مجتمع فهو عند العرب جمرة وجمار، ومنه قولهم: أجمر السلطان جيشه في الثغر، بمعنى: جمعهم فيه، ومنه قيل لأحياء من العرب تجمعت: جمار وجمرات، ومنه قيل للمرأة إذا أمرت أن تجمع شعرها بعضه إلى بعض: أجمري شعرك.
стр. 6659
٩٤ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ
١٦٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى المُطَّلِبِ- أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -مَوْلَى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ- حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ". أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾: [الكهف: ٣٣]: بَيْنَهُمَا. [فتح: ٣/ ٥٢٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالايضَاعِ". (أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَلَكُم﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرنَا خِلَلَهُمَا﴾: ﴿الكهف: ٣٣﴾ بَيْنَهُمَا) (١).
هذا الحديث من أفراده.
قَالَ الداودي: السكينة في المشي هي السرعة ليس بالإبطاء ولا بالاشتداد ولا بالخبب، واحتج بالحديث السالف: فإذا وجد فجوةً نصَّ، والنص فوق العَنَق، كما سلف (٢).
وقوله: ("فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ") أوضعوا إبلهم: أسرعوا بها، والإيضاع: العدو السريع، يقال: وضع البعير و (أوضع) (٣): ركبه، ذكره
стр. 6660
الهروي (١). وقال ابن فارس: هو سير سهل سريع يقال: إنها لحسنة الوضع (٢).
قَالَ الخطابي: الإيضاع: سير حثيث (٣). زاد الهروي: ويقال هو سير مثل الخبب (٤). وإنما نهاهم عن الإيضاع والجري إبقاء عليهم، ولئلا يجحفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بعد المسافة؛ لأنها كانت تبهرهم فيفشلوا وتذهب ريحهم، وقد نهينا عن البلوغ إلى مثل هذِه الحال، فكان في معنى قوله قبله: ("عليكم بالسكينة") إلا في بطن وادي مُحِسَر فقد كان ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير يوضعون في وادي محسر (٥)، وتبعهم عَلَى ذَلِكَ كثير من العلماء.
وقال النخعي: لما رأى عمر سرعة الناس في الإفاضة من عرفة وبجمع قَالَ: والله لأعلم إنّي أن البر ليس برفعها أذرعها، ولكن البر شيء تصبر عليه القلوب. وقال عكرمة: سأل رجل ابن عباس عن الإيجاف فقال: إن (حَلْ حَلْ) (٦) تشغل عن ذكر الله وتوطئ وتؤذي.
قَالَ ابن المنذر: وحديث أسامة يدل عَلَى أن أمره بالسكينة إنما كان في الوقت الذي لم يجد فجوة، وأنه حين وجدها سار سيرًا فوق ذَلِكَ،
стр. 6661
وإنما أراد بها في وقت الزحام، وقد أسلفنا ذَلِكَ فيما مضى.
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته في يوم عرفة: إنكم شخصتم من القريب والبعيد وتكلفتم من المؤنة ما شاء الله، وليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له (١).
стр. 6662
٩٥ - باب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥٢٣]
ذكر فيه حديث أسامة: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ .. الحديث، وسلف قريبًا، وهنا أتم.
وقوله: (دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) يريد: بعد الغروب، كما جاء مبينًا في حديث آخر.
قَالَ ابن حبيب: إذا دفع الإمام من عرفة، فارفع يديك بالدعاء، وادفع بالسكينة، فإن كنت راجلًا فامشِ الهوينا (١)، وإن كنت راكبًا فافعل السنة كما سلف، ويستحب أن يأخذ في طريق المازمين، فإن خالف فلا شيء عليه؛ لأنه ليس فيه إخلال بنسك يجبر.
وقوله: (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) يريد أنه بدأ بها ولم يؤخرها؛ لأنه وصل موضعه، وقد سئل مالك فيمن أتاها: أيبدأ بالصلاة أو بحط رحله؟ فقال: إن كان خفيفًا فلا بأس به، دون المحامل والزوامل فلا أراه قبلها، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط. وقال أشهب: له حط رحله قبلها، وحطه بعد المغرب أحبُّ ما لم يضطر
стр. 6663
إلى دابته لما بدابته من الثقل أو لغيره من العدو (١).
وقوله: (فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أقِيمتِ الصَّلَاةُ). يريد تعجيل المغرب أولًا، فلما صلاها اتسع الوقت للعشاء فأناخ، وقد صلى ابن مسعود بعدها ركعتين ثم تعشى ثم أذن،
كما سيأتي قريبًا.
وقوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) يريد: لم يتنفل، وهو خلاف ما فعله ابن مسعود. وقال أشهب: لا يتعشَّى قبل أن يصلي المغرب، وإن خفف، وليصل المغرب ثم يتعشَّى قبل أن يُصلي، فإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن كان فيه طولٌ أخَّره حَتَّى يُصلي العشاء فيما أحب (٢)، ويحتمل هذا أن يكون الجمع هنا ليس مقصودًا في نفسه، وإنما المقصود تأخير المغرب إلى مغيب الشفق، ويحتمل أن يكون هذا العمل اليسير
ليس بفاصل، ولا مانع من حكم الجمع وتقدم التنفل.
قَالَ ابن الجلاب: وعندنا: لا يضر الفصل في جمع التأخير وإن طال.
وفيه: أن السنة من أيام الحاج الجمع بمزدلفة وهو إجماع، وقد أسلفنا في باب: النزول بين عرفة وجمع، اختلاف العلماء فيما إذا صلى قبل أن يأتي المؤدلفة، وفيها قول ثالث: أنه يجزئ إمامًا كان أو غيره، روي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس وابن الزبير وعطاء وعروة والقاسم، وبه قَالَ الأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).
стр. 6664
وحجة من أجاز ذَلِكَ أنه ﷺ جعل وقت هاتين الصلاتين من حين تغيب الشمس إلى آخر وقت العشاء، وجعل له أن يجمع تقديمًا وتأخيرًا، وأوقات الصلاة إنما هي محدودة بالساعات والزمان، فمن صلاها بعد الغروب بعرفة أو دون المزدلفة فقد أصاب الوقت، وإن ترك الاختيار لنفسه في الموضع، والصلاة لا تبطل بالخطأ في الموضع إذا لم يكن نجسًا، ألا ترى أن من صلاها بعد خروج وقتها بالمزدلفة، فمن لم يصل إلى المزدلفة إلا بعد طلوع الفجر أنه قد فاته وقتها، فلا اعتبار بالمكان.
ويشبه هذا المعنى قوله ﷺ : "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (١). فأدرك وقت الصلاة القوم في بعض الطريق، فمنهم من صلى، ومنهم من أخَّر إلى بني قريظة، فلم يعنف أحدًا منهم.
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: لا يختلفون في الصلاتين اللتين تصليان بعرفة أنهما لو صليتا دونهما كل واحدة منهما في وقتها في سائر الأيام كانتا مجزئتين. فالصلاة بمزدلفة أحرى أن تكونا كذلك؛ لأن أمر عرفة لما كان آكد من أمر مزدلفة كان ما يفعل في عرفة آكد مما يفعل في مزدلفة، فثبت ما قَالَ أبو يوسف وانتفي ما قاله الآخرون (٢).
فائدة:
سميت المزدلفة لاقترابهم إلى منى، والازدلاف: التقرب، ومنه ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠] أو لاجتماع الناس بها،
стр. 6665
والاجتماع: الازدلاف، ومنه ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم أو قربناهم من الهلاك (١)، قولان.
وقال ثعلب: لأنها منزلة وقربة من الله تعالى، ومنه: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ زُلفَةً﴾ [الملك: ٢٧] أي: رأوا العذاب قربة.
وقال الطبري: لازدلاف آدم إلى حواء (٢)، وكان كل واحد منهما لما أهبط إلى الأرض أهبط إلى مكان غير مكان صاحبه، فازدلف كل منهما إلى الآخر فتلاقيا بالمزدلفة.
وقيل: للنزول بها في زلفة من الليل. وقال الكلبي: لدفع الناس منها زلفة جميعًا يزدلفون منها إلى موضع آخر.
وقال الخطابي: اللام بعد الدال مكسورة، قَالَ: وآخرها مُحسر،
وأول منى بطن محسر الذي يستحب الإسراع فيه؛ لأنه كان موقف النصارى.
٩٧ - باب مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
١٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللهِ ﵁، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى- فَأَذَّنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، فِي هَذَا المَكَانِ، مِنْ هَذَا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ. [١٦٨٢، ١٦٨٣ - مسلم: ١٢٨٩ - فتح: ٣/ ٥٢٤]
ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن يزيد: حَجَّ عَبْدُ اللهِ، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرى- فَأَذنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلَّي هذِه السَّاعَةَ إِلَّا هذِه الصَّلاةَ، فِي هذا المَكَانِ مِنْ هذا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: ورَأَيْتُ النَبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
الشرح:
روى مالك عن ابن شهاب حديث ابن عمر أول الباب قبله، ولم يذكر فيه أنه أقام لكل صلاة، وزاد الإقامة فيه عن ابن شهاب ابن أبي ذئب هنا والليث وهما ثقتان حافظان، وزيادة الثقة مقبولة.
стр. 6668
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن خالد شيخ البخاري، وكذا ذكره البيهقي، وإنما لم يتطوع بينهما لأجل التخفيف.
وقال ابن بطال: إنما لم يتطوع -والله أعلم-؛ لأنه لم يكن بينهما أذان، ففرغ من المغرب ثم قام إلى العشاء، ولم يكن بينهما مهلة في الوقت يمكن فيها التنفل.
وأما من روى أنه يؤذن لكل صلاة؛ لأنه لا يمنع التنفل لمن أراد، وقد فعل ذَلِكَ ابن مسعود كما سلف، وإن كان قد رُوِي عن مالك أنه لا يتنفل بينهما، وكل ذَلِكَ واسع لا حرج فيه.
قَالَ الطبري: ولأنهما صلاتان تصليان لأوقاتهما، ولم يفت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر، ففيه حجة للشافعي أن صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة إقامة وكذلك في حديث أسامة السالف، (١) كما سلف.
وقد اختلف العلماء في الأذان والإقامة لهما، فروى ابن القاسم، عن مالك: أنه يؤذن ويقيم لكل منهما (٢) عَلَى ظاهر حديث ابن مسعود. وقد روى مالك عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ذَلِكَ (٣).
وذهب أحمد وأبو ثور وابن الماجشون إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد (وإقامة واحدة، خلاف قولهم في الجمع بعرفة) (٤). وذهبت طائفة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها. واحتج الطحاوي بحديث حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان واحد (وإقامتين) (٥).
стр. 6669
قَالَ: وأجمعوا أن الأولى من الصلاتين بعرفة يؤذن لها ويقام، فالنظر عَلَى ذَلِكَ أن تكون المزدلفة كذلك. وأخذ الطحاوي بحديث أهل المدينة (١). واحتج لأبي حنيفة بما رواه شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه ﷺ أذن للمغرب بجمع وأقام، ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى (٢).
وحجتنا حديث ابن شهاب السالف، ولم يذكره مالك في حديثه كما سلف، وهذِه الرواية أصح عن ابن عمر مما خالفها.
وحديث ابن عباس عن أسامة أنه ﷺ عدل إلى الشعب فتوضأ، وفي آخره: أقام لكل واحدة منهما.
واحتج الثوري بما رواه عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة (٣).
وكان أحمد بن حنبل يحجب من مالك إذ أخذ بحديث ابن مسعود ولم يروه، وهو من رواية أهل الكوفة وترك ما روى أهل المدينة في ذَلِكَ من غير ما طريق، وكذلك أخذ أهل الكوفة بما رواه أهل المدينة في ذَلِكَ وتركوا روايتهم عن ابن مسعود.
وقال ابن حزم: حديث ابن عمر وأبي أيوب ليس فيهما ذكر أذان ولا إقامة (٤).
стр. 6670
قلتُ: (بلى) (١) في حديث ابن عمر الإقامة كما سلف. قَالَ: وكذا رواية طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر من فعله (٢).
وفي حديث الزهري عن سالم عنه أنه ﷺ بجمع بإقامة واحدة (٣)، وكذا رواه ابن عباس مرفوعًا من عند مسلم (٤).
قَالَ: وإلى هذا ذهب محمد بن داود وسفيان وأحمد.
وفيه أيضًا من حديث أسامة: إقامة للمغرب وإقامة للعشاء، وفعله عمر، وذهب الشافعي في رواية أهل مصر، وقال به أحمد وسفيان. وعند مسلم من حديث ابن عمر: أذَّن وأقام وصلَّى المغرب، ثم التفت إلينا، فصلى بنا العشاء ركعتين (٥). ورويناه عن عمر، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
فهذِه الأحاديث التي رويت مسندة، وأشد الاضطراب في ذَلِكَ عن ابن عمر، فإنه رُوِي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا: بإقامة واحدة. وروي عنه: بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا: الجمع بإقامتين وبأذان واحد وإقامة واحدة. قَالَ: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن رسول الله ﷺ ، وهو ما رويناه عن ابن مسعود. -أي: وهو ما في البخاري كما سلف-: كل واحدة منهما بأذان وإقامة.
стр. 6671
قَالَ أبو الحسن: فذكرتُ ذَلِكَ لمحمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قَالَ: وروي أيضًا عن عمر من فعله، وروي عن علي مرسلًا (١)، وبه يأخذ مالك، والعجب منه كيف أخذ بهذا وهو من رواية الكوفيين وترك ما روى أهل المدينة الذي اعتمده الكوفيون؟!
وقال ابن التين: ذكر في حديث ابن عمر الجمع بإقامتين، وهو قول ابن الجلاب، والذي في "المدونة" أنه يؤذن ويقيم لكل صلاة مثل فعل ابن مسعود (٢). وقيل: بأذان للأولى وإقامة للثانية فقط. وفي فعل ابن مسعود من الفقه جواز التنفل بين هاتين الصلاتين كما سلف، وإنما تعشَّى بينهما عَلَى سبيل السعة فيه، لا عَلَى أن يدخل بين المغرب والعشاء عملًا أو شغلًا. وقد قَالَ أصبغ: إذا صلى أهل المسجد المغرب فوقع مطر شديد وهم يتنفلون فأرادوا أن يعجلوا العشاء فلا بأس بذلك.
وقوله: (هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا) أي: عن الوقت المستحب المعتاد إلى ما قبل الوقت، إلا أن تحويلهما قبل دخول وقتهما المحدود في كتاب الله تعالى، وقاله الداودي أيضًا.
وقوله: (يَبْزُغُ) -هو بياء مثناة تحت ثم باء موحدة، ثم زاي، ثم غين معجمة- أي: يطلع.
رابعها: حديث عائشة: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ -وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبِطَةً- فَأَذِنَ لَهَا.
الخامس: حديثها أيضًا: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ -وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً- فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، فَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث كلها أخرجها مسلم بزيادة أم حبيبة (١). وحديث أسماء أخرجه البخاري من حديث ابن جريج: حَدَّثَني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء.
وأخرجه أبو داود، عن محمد بن خلاد، عن يحيى، عن ابن جريج،
أخبرني عطاء، أخْبرَنِي مخبر، عن أسماء أنها رمتْ الجمرة، قلتُ: إنا رمينا الجمرة بليل، فقالتْ: إنا كنا نصنع هذا عَلَى عهد رسول الله ﷺ (٢).
وأخرجه النسائي من حديث مالك، عن يحيى، عن عطاء أن مولى لأسماء بنت أبي بكر أخبره، فذكره (٣).
стр. 6675
وجعل الطرقي هذا وحديث البخاري واحدًا.
وقال الداني في "أطراف الموطأ": قَالَ يحيى بن يحيى في سنده: عن مولاة بهاءٍ، عَلَى التأنيث، وعند ابن بكير وغيره: مولى، وهو الصحيح (١).
و (المشعر) بفتح الميم، وفي لغة كسرها، ونقل ابن التين، عن الكسائي أن عليها أكثر العرب، وادَّعى القتبي أنه لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أنها قراءة.
وقال صاحب "المطالع": بكسر الميم لغة لا رواية، وحكى ابن التياني في "الموعب" عن قطرب لغة ثالثة بفتح الميم وكسر العين.
و (الحرام) (٢) معناه: المحرم لا من الحل، وقيل: ذو الحرمة، وسُمي مشعرًا لما فيه من الشعار، وهي معالم الدين، وحده ما بين مأزمي عرفة، وقرن محسر يمينًا وشمالًا. و (ثَبِطة) -بفتح الثاء المثلثة ثم باء موحدة مكسورة- بطيئة، قَالَ صاحب "المطالع": كذا ضبطناه، وضبطه الجياني، عن ابن سراج بالكسر والإسكان. وقال الخطابي أيضًا: الثبطة: البطيئة، وقد تثبط الرجل عن أمره، ومنه قوله تعالى:
﴿فَثَبَّطَهُم﴾ (٣) [التوبة: ٤٦].
والظُّعن -بضم الظاء المعجمة ثم عين مهملة- جمع ظعينة، وهن النساء، وفي "المحكم": هو جمع ظاعن، والظاعن اسم للجمع، والظعون من الإبل: الذي تركبه المرأة خاصة. والظعينة أيضًا: الجمل يظعن عليه. والظعينة: الهودج تكون فيه المرأة، وقيل: هو الهودج،
стр. 6676
كانت فيه امرأة أو لم تكن. والظعينة: المرأة في الهودج سميت به عَلَى حد تسمية الشيء باسم ما يجاوره، وقيل: لأنها تظعن مع زوجها، ولا تسمى ظعينة إلا وهي في هودج، وقيل الظعن: الجماعة من النساء والرجال (١).
أما فقه الباب: فيسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويبقى غيرهم حَتَّى يصلوا الصبح مغلِّسين اقتداء به.
والمعنى فيه: اتساع الوقت للدعاء، والتغليس هنا أشد استحبابًا من باقي الأيام. ولهذا قَالَ ابن مسعود فيما مضى: أنها حولت عن وقتها، أي: المعتاد، وينبغي أن يحرص عَلَى صلاة الصبح هناك. فقد صح فيه حديث عروة بن مضرس السالف (٢).
وقال ابن حزم: فرض عَلَى الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحج بمزدلفة، قَالَ: فمن لم يفعل ذَلِكَ فلا حج له (٣).
وانفرد أبو حنيفة حيث قَالَ: لا يجوز لغير الضعفة النفر قبل الفجر، قَالَ: فإن نفر لزمه دم، وسيأتي إيضاحه. والوقت المستحب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع شمس يوم النحر اقتداءً بالشارع.
واختلف العلماء هل يجوز رميها قبل ذَلِكَ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز رميها بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وإن رماها قبل الفجر أعاد، ونُقِل عن أكثر العلماء (٤).
стр. 6677
ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر، رُوِي ذَلِكَ عن عطاء وطاوس والشعبي، وبه قَالَ الشافعي: بعد نصف الليل (١). وحكي عنه مثل الأول، حكاه عنه ابن التين.
وقال النخعي ومجاهد: لا يرميهما حَتَّى تطلع الشمس، وبه قَالَ الثوري وأبو ثور وإسحاق، وهو خلاف قول الأكثرين، منهم الأربعة.
فهذِه مذاهب ثلاثة: حجة الأول: حديث ابن عمر السالف أول الباب، وحجة الثاني: حديث أسماء في الباب لكن لم يذكر البخاري فيه الرمي قبل الفجر، ورواه غيره. و (غلَّس) محتملة للتأويل لا يقطع بها؛ لأنه يجوز أن يُسمى ما بعد الفجر غلسًا. واعترض ابن القصار فقال: لو صح: رمينا قبل الفجر لكان ظنًّا منه؛ لأنه لما رآها صلت الصبح في دارها ظن أن الرمي كان قبل الفجر (والرمي كان بعد الفجر) (٢)، فأخرت صلاة الصبح إلى دارها.
وقولها فيه: (هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ) إشارة إلى فعلها، وفعلها يجوز أن يكون بعد الفجر؛ لأنها لم تقل هي: رمينا قبله، ولا قالت: كنا نرمي معه قبله؛ لأنه لم يقل أحد عن رسول الله ﷺ أنه رمى قبله، وفيه ما لا يخفي.
واحتج الشافعي أيضًا بحديث أم سلمة: أن النبي ﷺ أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر (٣). وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى
стр. 6678
ليلًا قبل الفجر؛ لأنه غير جائز أن يوافي أحد صلاة الصبح بمكة وقد رمى جمرة العقبة إلا وقد رماها ليلًا؛ لأن من أصبح بمنى وكان بها بعد طلوع الفجر فإنه لا يمكنه إدراك الصبح بمكة.
وقد ضعف أحمد حديث أم سلمة ودفعه، وقال: لا يصح، رواه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، ولم
يسنده غيره، وهو خطأ.
قَالَ وكيع: عن هشام، عن أبيه -مرسل- أنه ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة. قَالَ أحمد: هذا أيضًا عجب، وما يصنع النبي ﷺ يوم النحر بمكة ينكر ذَلِكَ، قَالَ: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته، فقال: عن هشام، عن أبيه: أمرها أن توافي، وليس أن توافيه، قَالَ: وبين هذين. فرق، يوم النحر صلاة الصبح بالأبطح، وقال لي يحيى بن سعيد: سل عبد الرحمن بن مهدي، فسألته فقال: هكذا قَالَ سفيان- عن هشام، عن أبيه: توافي.
قَالَ أحمد: رحم الله يحيى ما أضبطه وأشد تفقده (١). واحتج الثوري بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قدَّم أغيلمة بني عبد المطلب وضعفتهم، وقال: "يا بني لا ترموا الجمرة حَتَّى تطلع الشمس". رواه شعبة، عن
стр. 6679
الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، به (١)، ورواه سفيان ومسعر، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن أبيه، عن ابن عباس: قدمنا من المزدلفة بليل، فقال ﷺ : "أبينية عبد المطلب لا ترجموا جمرة العقبة حَتَّى تطلع الشمس" (٢). وهذا إسناده وإن كان ظاهره الحسن، فإن حديث ابن عمر وأسماء يعارضانه، فلذلك لم يخرجه البخاري مع أنه قد روى مولى ابن عباس، عن ابن عباس قَالَ: بعثني رسول الله ﷺ مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر (٣). فخالف حديث مقسم عنه. وصوَّب الطبري القول الأول؛ لأن حينئذٍ يحل الحاج، وذلك أن بطلوع الفجر من تلك الليلة انقضى وقت الحج، وفي انقضائه انقضاء وقت التلبية ودخول الرمي، غير أنه لا ينبغي لمن كان محرمًا أن
стр. 6680
يلبس أو يتطيب أو يعمل شيئًا مما كان حرامًا عليه قبل طلوع الفجر يوم النحر، حَتَّى يرمي جمرة العقبة استحسانًا، واتباعًا في ذَلِكَ السنة، فإذا رمى الجمرة فقد حل من كل شيء حرم عليه إلا الوطء، حَتَّى يطوف للإفاضة.
قلتُ: كأنه لم ير الحلق من أسبابه.
وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس للاتباع، ومن رمى بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه.
وقال الطبري: الدليل الواضح أن لأهل الضعف في أبدانهم ترك الوقوف بالمشعر الحرام والتقدم من جمع.
وقد اختلف السلف في ذَلِكَ، فقالت طائفة: يجوز، فمن تقدم بليل من أهل القوة فلم يقف بها مع الإمام فقد ضيع نسكًا وعليه دم، وهو قول مجاهد وعطاء، وقتادة، والزهري، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وكان مالك يقول: إن من مر بها فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل ثم دفع أول الليل أو وسطه أو آخره ولم يقف مع الإمام أجزأه، ولا دم عليه، وهو قول النخعي؛ وحجته الاتباع، فمن خالف فعليه دم، وإنما أجزنا له المتقدم ليلًا إذا بات بها لتقديمه ﷺ أهله ليلًا، فكان ذَلِكَ رخصة لكل أحد بات بها. وقال الشافعي: إن دفع منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن خرج منها قبله ولم يعد إليها افتدى، والفدية شاة (١).
стр. 6681
وقال آخرون: جائز ذَلِكَ لكل أحد، للضعيف والقوي، وكانوا يقولون: إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ كبعض منازل السفر، فمن شاء فعل، ومن شاء تركه.
وروي ذَلِكَ عن عطاء والزهري، وحكي أيضًا عن الأوزاعي، وسيأتي ما يخالفه. واحتجوا بحديث ابن عمر مرفوعًا: "إنما جمع منزل لذبح المسلمين" (١).
وذهب قوم على أن المبيت بها فرض لا يجوز الحج إلا به، وبه قَالَ ابن بنت الشافعي وابن خزيمة، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وفيه: قوة، وبه قَالَ خمسة من التابعين، وقال به ابن حزم والشعبي والنخعي وعلقمة والأوزاعي أيضًا، وحماد بن أبي سليمان، ويروى عن ابن الزبير والحسن وأبي عبيد القاسم بن سلام: ويجعل إحرامه عمرة.
وحكاه ابن التين عن علقمة والنخعي والشعبي في الوقوف بالمشعر الحرام، وأنه إن لم يقف به فاته الحج للآية.
قَالَ الطحاوي: والحجة عليهم أن قوله تعالى: ﴿فَاَذْكُرُوا اللهَ عِندَ اَلمَشْعَرِ اَلحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ليس فيه دليل أن ذَلِكَ عَلَى الوجوب، ولأن الله تعالى إنما ذكر الذكر ولم يذكر الوقوف، وكل قد أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله تعالى أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون الذكر فيه الذي لم يذكر في الكتاب أحرى أن لا يكون فرضًا، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أشياء في الحج لم يرد بذكرها إيجابها في
стр. 6682
قول أحد من الأئمة، من ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وكل قد أجمع النظر أنه لو حج ولم يسع أن حجه قد تم، وعليه دم، فكان ما ترك من ذَلِكَ، فكذلك ذكر الله في المشعر الحرام (١).
قلتُ: لا يسلم له الإجماع، فمذهب الشافعي أنه ركن لا يصح الحج إلا به، ولا يجبر بدم، وأما حديث عروة بن مضرس السالف (٢)، فلا حجة فيه لإجماعهم عَلَى أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة، فلم يصلها مع الإمام حَتَّى فاتته أن حجه تام، فلما كان الحضور مع الإمام ليس من صلب الحج الذي لا يجزئ إلا به كان الموطن الذي تكون فيه تلك الصلاة التي لم تذكر في الحديث أحرى، إلا أن يكون كذلك فلم يتحقق بهذا الحديث ذكر الفرض إلا بعرفة.
قلتُ: وخلاف ابن حزم الذي قدمته لا يقدح في هذا الإجماع.
قَالَ الطحاوي: وفي حديث سودة ترك الوقوف أصلًا (٣)، وكذلك في حديث ابن عباس وأسماء، وفي إباحة الشارع لهم ذَلِكَ للضعيف دليل عَلَى أن الوقوف بها ليس من صلب الحج كالوقوف بعرفة، ألا ترى أن رجلًا لو ضعف عن الوقوف بعرفة، وترك ذَلِكَ لضعفه حَتَّى طلع الفجر يوم النحر أن حجه قد فسد، ولو وقف بها بعد الزوال ثم نفر منها قبل الغروب أن أهل العلم مجمعون عَلَى أنه غير معذور للضعف الذي به، وأن طائفة منهم تقول: عليه دم، لتركه بقية الوقوف بعرفة، وطائفة منهم تقول: قد فسد حجه، ومزدلفة ليست
стр. 6683
كذلك؛ لأن من أوجب الوقوف بها يجيزون النفور عنها بعد وقوفه بها قبل فراغ وقتها، وهو قبل طلوع الشمس من يوم النحر لعذر الضعف، فلما ثبت أن عرفة لا يسقط فرض الوقوف بها للعذر، ولا يحل النفور عنها قبل وقته للعذر، وكانت مزدلفة ما يباح ذَلِكَ منها بالعذر، وثبت أن حكم مزدلفة ليس في حكم عرفة؛ لأن الذي يسقط للعذر ليس بواجب، والذي لا يسقط بالعذر هو الواجب.
وفي "شرح الهداية": لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه.
فرع:
يحصل المبيت بساعة من النصف الثاني من الليل دون الأول عَلَى الأصح.
وقال ابن التين: الشروع من المبيت فيها النزول فيها والمقام بمقدار ما يرى أنه مقام، فإن منعه من النزول مانع، فقال محمد: عليه بدنة، وقال مالك: إن نزل بها ثم ارتحل عنها أول الليل عامدًا أو جاهلًا فلا شيء عليه، ومن جاءها بعد الفجر، قَالَ أشهب: في كتاب محمد: عليه الدم، وخالف ابن القاسم (١).
فرع:
وقت الوقوف بالمشعر بعد صلاة صبح النحر إلى الإسفار. وعن مالك: لا يقفون إلى الإسفار ويدفعون قبله، وقال محمد: لا يجوز أن يؤخر حَتَّى يطلع، وأخَّر ابن الزبير الوقوف حَتَّى كادت الشمس تطلع؛ فقال ابن عمر: إني لأراه يريد أن يصنع كما صنع أهل
стр. 6684
الجاهلية، فدفع ابن عمر ودفع الناس بدفعه (١)، وفعله ﷺ لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا لا يفيضون حَتَّى تطلع الشمس. وقيل: الدفع بعد الإسفار الأول وقيل الإسفار الثاني، حكاهما ابن التين.
فائدة:
قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ) مقتضاه أن المتقدم كان قبل الصبح، وخصَّهم بذلك للضعف عن زحمة الناس، ومقتضاه الوقوف قبل الفجر؛ لأن الوقوف يسقط جملة. واختلفت المالكية: هل عليهم دم؟ فقال القاضي في "معونته": الظاهر أن لا دم (٢).
فائدة أخرى:
(الحطمة) في حديث عائشة: الزحمة، وحطمة السيل: دفاع معظمه.
وقولها: (مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ) أي: من شيء أفرح به. و (هنتاه): أي: يا هذِه، وقد سلف الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٣).
تقدم بيان حديث ابن مسعود، وأن المراد: لغير ميقاتها المعهود، وقد سلف عنه: حين يبزغ الفجر. وتأخير المغرب عن وقتها، بيِّن.
وقوله: (ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَر) أي: أضاء، وقوله: (أَصَابَ السُّنَّةَ) يعني: فعل رسول الله ﷺ . قَالَ ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ صلى الفجر بالمزدلفة (حَتَّى) (١) تبين له الصبح بأذان وإقامة.
стр. 6687
١٠٠ - باب مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ
١٦٨٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. [٣٨٣٨ - فتح: ٣/ ٥٣١]
ذكر فيه حديث عمرو بن ميمون: شَهِدْتُ عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
هذا الحديث من أفراده، وفي رواية له: لا يفيضون من جمع حَتَّى تشرق الشمس (١)، ولابن ماجه: أشرق ثبير، كيما نغير (٢)، وللترمذي مصححًا من حديث ابن عباس أنه ﷺ أفاض قبل طلوع الشمس (٣).
ولمسلم عن جابر: فلم يزل ﷺ واقفًا حَتَّى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٤).
وفي البيهقي من حديث محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة قَالَ: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: "أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب
стр. 6688
الشمس حَتَّى تكون الشمس عَلَى رءوس الجبال، مثل عمائم الرجال عَلَى رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس عَلَى رءوس الجبال مثل عمائم الرجال عَلَى (رؤوسها) (١) هدينا مخالف لهديهم" قَال البيهقي: رواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة، فذكره مرسلًا (٢). وللبيهقي من حديث جبير بن الحويرث قَال: رأيتُ أبا بكر واقفًا عَلَى قزح، وهو يقول: أيها الناس أصبحوا، أيها الناس أصبحوا، ثم دفع، فكأني أنظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٣)، وقد سلف. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ أفاض من جمع حين أسفر جدًّا، وأخذ به ابن مسعود وابن عمر، وقال بذلك عامة العلماء أصحاب الرأي والشافعي، غير مالك، فإنه كان يرى أن يدفع قبل الطلوع وقبل الإسفار (٤).
وفيه من الفقه -كما قَالَ الطبري- بيان وقت الوقوف الذي أوجبه الله عَلَى عباده حجاج بيته بالمشعر الحرام إلا به، كذا أوجبه، وقد سلف ما فيه. قَالَ: فمن وقف بالمشعر الحرام ذاكرًا في الوقت الذي وقف به رسول الله ﷺ أو في بعضه فقد أدركه وأدى ما ألزمه الله تعالى من ذكره به، وذلك حين صلاة الفجر بعد طلوع الفجر الثاني إلى أن يدفع
стр. 6689
الإمام منه قبل طلوع الشمس من يوم النحر، ومن لم يدرك ذَلِكَ حَتَّى تطلع فقد فاته الوقوف به بإجماع، وإنما عجَّل رسول الله ﷺ الصلاة وزاحم بها أول وقتها؛ ليدفع قبل أن تشرق الشمس عَلَى جبل ثبير؛ ليخالف أمر المشركين، فكلما بعد دفعه من طلوع الشمس كان
أفضل، فلهذا اختار هذا مالك.
وقوله: (لَا يُفِيضُونَ) يعني: لا يرجعون من المشعر الحرام إلى حيث بدأوا، والمصير إليه من منى حَتَّى تطلع، ولذلك تقول العرب لكل راجع من موضع كان صار إليه من موضع آخر إلى الموضع الذي بدأ منه: أفاض فلان من موضع كذا. وكان الأصمعي يقول: الإفاضة: الدفعة، كل دفعة إفاضة. ومنه قيل: أفاض القوم في الحديث إذا (دفعوا) (١) فيه. وأفاض في معه يفيضه، فأما إذا سالت دموع العين فإنما يقال: فاضت عينه بالدموع.
وقوله: (أَشْرِقْ ثَبِيرُ) قَالَ الهروي: يريد: ادخل أيها الجبل في الشروق، كما تقول: أجنب إذا دخل في الجنوب، وأشمل إذا دخل في الشمال، وشروقها: طلوعها، وقال عياض: (أشرق ثبير): أدخل يا جبل، من شرق أي: أضاء.
وقال ابن التين: ضبطه أكثرهم بالفتح، وبعضهم بكسر الهمزة، كأنه ثلاثي من شرق، وفسره بعضهم: أي: أطلع الشمس يا جبل، وليس يبين؛ لأن شرق مستقبله يشرق بالضم (٢)، والأمر منه بالضم لا بالكسر، والذي عليه الجماعة بالفتح أي: لتطلع عليك الشمس.
стр. 6690
(وثبير) -بالمثلثة المفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم راء-: جبل المزدلفة، عَلَى يسار الذاهب إلى منى، وقيل: هو أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن به، وقد تقدم ذكر ثبير في باب طواف النساء مع الرجال، وأنها سبعة أجبل (١).
وقال ابن التين: ثبير جبل عند مكة، ولم يذكر غير ذَلِكَ.
وقوله: (كيما نغير) أي: ندفع ونفيض للنحر وغيره، وذلك من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه.
قَالَ ابن التين: وضبطه بعض أهل اللغة بسكون الراء في الموضعين (٢).