← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

تقدم بيان حديث ابن مسعود، وأن المراد: لغير ميقاتها المعهود، وقد سلف عنه: حين يبزغ الفجر. وتأخير المغرب عن وقتها، بيِّن. وقوله: (ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَر) أي: أضاء، وقوله: (أَصَابَ السُّنَّةَ) يعني: فعل رسول الله ﷺ . قَالَ ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ صلى الفجر بالمزدلفة (حَتَّى) (١) تبين له الصبح بأذان وإقامة.

стр. 6687

١٠٠ - باب مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ ١٦٨٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. [٣٨٣٨ - فتح: ٣/ ٥٣١] ذكر فيه حديث عمرو بن ميمون: شَهِدْتُ عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. هذا الحديث من أفراده، وفي رواية له: لا يفيضون من جمع حَتَّى تشرق الشمس (١)، ولابن ماجه: أشرق ثبير، كيما نغير (٢)، وللترمذي مصححًا من حديث ابن عباس أنه ﷺ أفاض قبل طلوع الشمس (٣). ولمسلم عن جابر: فلم يزل ﷺ واقفًا حَتَّى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٤). وفي البيهقي من حديث محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة قَالَ: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: "أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب

стр. 6688

الشمس حَتَّى تكون الشمس عَلَى رءوس الجبال، مثل عمائم الرجال عَلَى رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس عَلَى رءوس الجبال مثل عمائم الرجال عَلَى (رؤوسها) (١) هدينا مخالف لهديهم" قَال البيهقي: رواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة، فذكره مرسلًا (٢). وللبيهقي من حديث جبير بن الحويرث قَال: رأيتُ أبا بكر واقفًا عَلَى قزح، وهو يقول: أيها الناس أصبحوا، أيها الناس أصبحوا، ثم دفع، فكأني أنظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٣)، وقد سلف. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ أفاض من جمع حين أسفر جدًّا، وأخذ به ابن مسعود وابن عمر، وقال بذلك عامة العلماء أصحاب الرأي والشافعي، غير مالك، فإنه كان يرى أن يدفع قبل الطلوع وقبل الإسفار (٤). وفيه من الفقه -كما قَالَ الطبري- بيان وقت الوقوف الذي أوجبه الله عَلَى عباده حجاج بيته بالمشعر الحرام إلا به، كذا أوجبه، وقد سلف ما فيه. قَالَ: فمن وقف بالمشعر الحرام ذاكرًا في الوقت الذي وقف به رسول الله ﷺ أو في بعضه فقد أدركه وأدى ما ألزمه الله تعالى من ذكره به، وذلك حين صلاة الفجر بعد طلوع الفجر الثاني إلى أن يدفع

стр. 6689

الإمام منه قبل طلوع الشمس من يوم النحر، ومن لم يدرك ذَلِكَ حَتَّى تطلع فقد فاته الوقوف به بإجماع، وإنما عجَّل رسول الله ﷺ الصلاة وزاحم بها أول وقتها؛ ليدفع قبل أن تشرق الشمس عَلَى جبل ثبير؛ ليخالف أمر المشركين، فكلما بعد دفعه من طلوع الشمس كان أفضل، فلهذا اختار هذا مالك. وقوله: (لَا يُفِيضُونَ) يعني: لا يرجعون من المشعر الحرام إلى حيث بدأوا، والمصير إليه من منى حَتَّى تطلع، ولذلك تقول العرب لكل راجع من موضع كان صار إليه من موضع آخر إلى الموضع الذي بدأ منه: أفاض فلان من موضع كذا. وكان الأصمعي يقول: الإفاضة: الدفعة، كل دفعة إفاضة. ومنه قيل: أفاض القوم في الحديث إذا (دفعوا) (١) فيه. وأفاض في معه يفيضه، فأما إذا سالت دموع العين فإنما يقال: فاضت عينه بالدموع. وقوله: (أَشْرِقْ ثَبِيرُ) قَالَ الهروي: يريد: ادخل أيها الجبل في الشروق، كما تقول: أجنب إذا دخل في الجنوب، وأشمل إذا دخل في الشمال، وشروقها: طلوعها، وقال عياض: (أشرق ثبير): أدخل يا جبل، من شرق أي: أضاء. وقال ابن التين: ضبطه أكثرهم بالفتح، وبعضهم بكسر الهمزة، كأنه ثلاثي من شرق، وفسره بعضهم: أي: أطلع الشمس يا جبل، وليس يبين؛ لأن شرق مستقبله يشرق بالضم (٢)، والأمر منه بالضم لا بالكسر، والذي عليه الجماعة بالفتح أي: لتطلع عليك الشمس.

стр. 6690

(وثبير) -بالمثلثة المفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم راء-: جبل المزدلفة، عَلَى يسار الذاهب إلى منى، وقيل: هو أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن به، وقد تقدم ذكر ثبير في باب طواف النساء مع الرجال، وأنها سبعة أجبل (١). وقال ابن التين: ثبير جبل عند مكة، ولم يذكر غير ذَلِكَ. وقوله: (كيما نغير) أي: ندفع ونفيض للنحر وغيره، وذلك من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه. قَالَ ابن التين: وضبطه بعض أهل اللغة بسكون الراء في الموضعين (٢).

стр. 6691

١٠١ - باب التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ، حِينَ يَرْمِى الجَمْرَةَ، وَالاِرْتِدَافِ فِي السَّيْرِ ١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ. [انظر: ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨٠، ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥٣٣] ١٦٨٦ و ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى -قَالَ:- فَكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. [انظر: ١٥٤٣، ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨٠، ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥٣٢] ذكر فيه حديث ابن عباس: أنه ﵇ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ. وقد سلف قريبًا في باب النزول بين عرفة وجمع (١)، وحديث أسامة السالف فيه أيضًا (٢). ولم يذكر ما يدل عَلَى التكبير، واختلف السلف في الوقت الذي يقطع فيه الحاج التلبية؛ فذهبت طائفة إلى حديثي الباب، وقالوا: يلبي الحاج حَتَّى يرمي جمرة العقبة، وروي هذا عن ابن مسعود (٣) وابن عباس (٤)، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا:

стр. 6692

يقطعها مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة، إلا أحمد وإسحاق: فإنه يقطعها عندهما إذا رمى الجمرة بأسرها عَلَى ظاهر الحديث (١). وروي عن علي: أنه كان يلبي في الحج، فإذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطعها (٢). قَالَ مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا (٣). وقال ابن شهاب: وفعل ذَلِكَ الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة وابن المسيب. وذكر ابن المنذر عن سعد مثله، وذكر أيضًا عن مكحول. وكان ابن الزبير يقول: أفضل الدعاء يوم عرفة التكبير، وروي معناه عن جابر. احتج ابن القصار لمالك وأهل المدينة فقال في حديث ابن عباس وأسامة: لو فعل هذا رسول الله ﷺ ، عَلَى أنه المستحب عنده لم يخالفه الصحابة بعده، فيحتمل أنه أراد أن لا يقطع التلبية عند زوال الشمس؛ لأن الناس كانوا يتلاحقون به يوم عرفة، وليلة النحر إلى طلوع الفجر، وهو آخر الوقت الذي به يدرك عرفة، حَتَّى لا يبقى أحد إلا سمع تلبيته؛ لأنه صاحب الشرع، فأعلمهم أنها تجوز إلى هذا الوقت، ويكون المستحب لنا عند الزوال بعرفة؛ لما قد تقرر من اختيار الصحابة له، وهم الذين أمرنا بالاقتداء بهم؛ لأنهم المتلقون للسنن، والمفسرون لها، فوجب اتباع سبيلهم واختيار ما اختاروه والرغبة فيما رغبوا عنه.

стр. 6693

وتأول الطحاوي: في قطع الصحابة التلبية عند الرواح إلى عرفة: أن ذَلِكَ لم يكن عَلَى أن وقت التلبية قد انقطع، ولكن لأنهم كانوا يأخذون فيما سواها من الذكر والتكبير والتهليل، كما لهم أن يفعلوا ذَلِكَ قبل يوم عرفة أيضًا (١). وقد سلف في باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، أن التلبية: هي الإجابة لما دعي إليه، فإذا بلغ عرفة فقد بلغ غاية ما يدركه الحاج بإدراكه ويفوت بفوته، فلذلك يقطع التلبية عند بلوغ النهاية. وقد سلف ذكر الارتداف في السير في أول الحج، قَالَ ابن المنذر: وثبت أن النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر عَلَى راحلته (٢)، وقال به مالك، فرأى أن يرمي جمرة العقبة راكبًا للاقتداء، وفي غير يوم النحر ماشيًا (٣)، وكره جابر أن يركب إلى شيء من الجمار إلا من ضرورة (٤)، وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون الجمار وهم مشاة (٥)، واستحب ذَلِكَ أحمد وإسحاق (٦).

стр. 6694

١٠٢ - باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ … ﴾ إلى قوله: ﴿الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٦٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ ﷺ . قَالَ: وَقَالَ آدَمُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ. [انظر: ١٥٦٧ - مسلم: ١٢٤٢ - فتح: ٣/ ٥٣٤] ذكر فيه حديث شعبة عن أبي جمرة -بالجيم: قَالَ: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَني بِهَا .. الحديث. وقد سلف في باب التمتع (١)، ثم قَالَ: وَقَالَ آدمُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجّ مَبْرُورٌ. أما تعليق آدم فأسنده في باب التمتع المذكور (٢)، وأما تعليق غندر فأخرجه مسلم عن محمد بن مثني وابن بشار عنه (٣). وقال الإسماعيلي: رواه علي بن أبي الجعد ومعاذ بن معاذ وأبو داود ووهب بن جرير وعبد الرحمن الرصاصي و (هشيم) (٤) بن القاسم وآدم

стр. 6695

والأشيب، كل قَالَ فيه: (حج) (١) وعمرة، ولا أعلم أحدًا قَالَ فيه: متقبلة. وقال أبو نعيم: أصحاب شعبة كلهم قالوا: عمرة متقبلة، خلا النضر؛ فإنه قَالَ فيه: متعة متقبلة. والجزور المراد بها الإبل من الجزر وهو: القطع، أو شاة، وقد اختلف العلماء في: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ فقالت طائفة: شاة روي ذَلِكَ عن علي وابن عباس، رواه عنهما مالك في "موطئه" (٢)، وأخذ به، وقال به جمهور العلماء واحتج بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: وإن ما يحكم به في الهدي شاة، وقد سماها الله تعالى هديًا. وروي عن طاوس، عن ابن عباس: ما يقتضي أن ما استيسر من الهدي في حق الغني بدنة، وفي حق غيره بقرة، وفي حق الفقير شاة (٣). وعن ابن عمر وابن الزبير وعائشة: أنه من الإبل والبقر خاصة (٤)، وكأنهم ذهبوا إلى ذَلِكَ من أجل قوله تعالى: ﴿وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [الحج: ٣٦] فذهبوا: أن الهدي ما وقع عليه اسم بدنة، ويرده قوله تعالى: ﴿فَجَزَآء مِثلُ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾، إلى قوله: ﴿فًا أسْتَيْسَرَ

стр. 6696

مِنَ اَلهَدىِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد حكم المسلمون في الظبي بشاة، فوقع عليها اسم هدي، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يحتمل أن يشير به إلى أقل أجناس الهدي، وهو الشاة، وإلى أقل صفات كل جنس، فهو ما رُوِي عن ابن عمر: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة (١) فهذا عنده أفضل من الشاة، ولا خلاف نعلمه في ذَلِكَ، وإنما محل الخلاف أن الواجد للإبل والبقر هل يخرج شاة؟ فعند ابن عمر يمنع إما تحريمًا واما كراهة، وعند غيره نعم، روي عن ابن عمر وأنس: يجزئ فيها شرك في دم (٢)، وروي عن عطاء وطاوس والحسن مثله (٣)، وهو قول أبي حنيفة، والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: لا تجزئ عندهم البدنة والبقرة عن أكثر من سبعة عَلَى حديث جابر، ولا تجزئ عندهم الشاة عن أكثر من واحد (٤). قَالَ ابن بطال: ولا تعلق لهم في حديث ابن عباس، قَالَ إسماعيل القاضي وأبو جمرة: وإن كان من صالحي الشيوخ فإنه شيخ، وقد روى ثقات أصحاب ابن عباس عنه أن ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾: شاة (٥)، وإنما

стр. 6697

المعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالعلم، وقد روى ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس مثل رواية أبي حمرة. وليث ضعيف. وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد عن ابن عباس قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد، وأما ما روي عن جابر أنه قَالَ: نحرنا يوم الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (١)، فلا حجة فيه؛ لأن الحديبية لم يكن فيها تمتع، وإنما كان ﵇ أحرم بالعمرة من ذي الحليفة، وساق الهدي، فلما صُدَّ نحو هديه (٢)، وهو تطوع ليس فيه تمتع ولا غيره مما يوجب هديًا، وهذا كما يروى عنه أنه ضحى عن أمته (٣)، وكما روي عن أبي أيوب: أن الرجل يُضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل

стр. 6698

بيته (١). وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قَالَ: تفسير حديث جابر في التطوع، والعمرة تطوع، لا بأس بذلك (٢). وروى عنه ابن القاسم أنه لا يشترك في هدي واجب ولا تطوع (٣). فإن قلت: الهدي كان عليهم؛ لأنهم أحصروا (٤)، أجيب: بأن الهدي كان قد أشعر، وأوجب هديًا من قبل أن يحصروا، ولم يذكر أحد أنهم استانفوا هديًا بعد الحصر. وما رُوِي عن أنس: أنهم كانوا يشتركون السبعة في البدنة والبقرة (٥)، فإنما يعني به الأضاحي، وليس المراد به أنهم يشتركون في الأضحية عَلَى أن لكل واحد منهم سهمًا من ملكها، وإنما يعني به أن أهل البيت يضحون بالجزور أو البقرة عن جماعة منهم، وهذا جائز عند المالكية، ولو كان أكثر من سبعة إذا كان ملكها رجل واحد، وضحى بها عن نفسه وأهله (٦).

стр. 6699

وقال ابن التين: قوله: (أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ) هو مذهب سعد، ولم يتابعا عليه واحتج عليهما بأن من فعل ذَلِكَ فهو مخرجُ لحم لا دم، والله تعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد سلف الكلام عَلَى صوم الأيام الثلاثة والسبعة فيما مضى فراجعه. وقوله: (اللهُ أَكْبَرُ) هي كلمة تقال حين يسمع المرء ما يسر فيه. وقوله: (سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ) أي: طريقه، وهو المبين عن الرب ﷻ لما أجمل، وإنما حدَّث به ابن عباس؛ ليعرِّفه أن فتواه حق. فإن قلت: المتعة في الآية للمحصرين بالحج، ولم يذكر معهم من لم يحصر، فكيف أبحتموها لمن لم يحصر؟ وأجيب: بأن في الآية ما يدل عَلَى أن غير المحصرين قد دخلوا فيها، بما قد أجمعوا عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فلم يختلف أهل العلم في المحرم بالحج والعمرة ممن لم يحصر أنه إذا أصابه أذى في رأسه أو مرض أنه يحلق، وأن عليه الفدية المذكورة في الآية التي تليها، وأن القصد بها إلى المحصر لا يمنع دخول غيره فيها، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لا يمنع أن يكون غيره فيه كهو، بل هو أولى مما ذكرنا من المعنى الأول الذي في الآية؛ لأنه قَالَ في المعنى الأول: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يقل ذَلِكَ في المعنى الثاني منها.

стр. 6700

١٠٣ - باب رُكُوبِ البُدْنِ لِقَوْلِهِ ﴿وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾. [الحج ٣٦ - ٣٧]. قَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتِ البُدْنَ لِبُدْنِهَا. ﴿القَانِعُ﴾ السَّائِلُ، وَ ﴿وَالمُعْتَرُّ﴾: الذِي يَعْتَرُّ بِالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَ ﴿شَعَائِرُ اللهِ﴾: اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا، وَالعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَيُقَالُ: ﴿وَجَبَتْ﴾: سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ. ١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ. [١٧٠٦، ٢٧٥٥، ٦١٦٠ - مسلم: ١٣٢٢ - فتح: ٣/ ٥٣٦] ١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا". ثَلَاثًا. [٢٧٥٤، ٦١٥٩ - مسلم: ١٣٢٣ - فتح: ٣/ ٥٣٦] ثم ذكر حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". فِي الثَّانيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ. وحديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: "ارْكَبْهَا". ثَلَاثًا.

стр. 6701

الشرح: (البدنة): سلف الكلام عليها في الجمعة، والبدن بإسكان الدال، وقريء بضمها، سميت لبدانتها. أي: لسمنها. وقد ذكر البخاري قول مجاهد في ذَلِكَ، ويقال: بَدُن بضم الدال، وبَدّن بالتشديد إذا أسن. قَالَ الداودي: قيل: إن البدنة تكون من البقر، وهذا نقل عن الخليل. ﴿لَكُم فِيهَا خَيرٌ﴾ [الحج: ٣٦] تركب إذا احتاج إليه، و ﴿القَانِعَ﴾: السائل في قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن، قالوا: بخلاف المعتر الذي يتعرض ولا يسأل (١). وقال مالك: أحسن ما سمعت فيه أن القانع الفقير، والمعتر: الدائر (٢) (٣)، وقيل: القانع: السائل الذي لا يقنع بالقليل. وقرأ أبو رجاء (القَنِع). وهو مخالف للأول، يُقال: قنع إذا رضي، وبفتح النون إذا سأل. وقرأ الحسن: (والمعتَرِي) (٤)، ومعناه: مثل المعتر، يُقال: أعتره واعتراه، وعره وعراه، إذا تعرض لما عنده أو طلبه. وعبارة صاحب "العين": القنوع: التذلل للمسألة (٥)، إبراهيم قنع إليه: مال وخضع. وعنه: القانع: خادم القوم وأجيرهم، وقال الزجاج:

стр. 6702

القانع: الذي يقنع بما (تعطيه) (١)، وقيل: الذي يقنع باليسير، وقال قطرب: كان الحسن يقول: هو السائل الذي يقنع بما آتيته، ويصير القانع من معنى القناعة والرضا. وقوله: ﴿لَن يَنَالَ اَللهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج: ٣٧] يروى عن ابن عباس: أنهم كانوا في الجاهلية يضحون بدماء البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون فعل ذَلِكَ فأنزلها الله (٢). وقوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] أي: ما أريد به وجه الله، و (الشعائر) تقدمت، و ﴿العَتِيقِ﴾: عتقه من الجبابرة، كما ذكره البخاري، وقد روي ذَلِكَ مرفوعًا بزيادة: "فلم يغلب عليه جبار قط" (٣).

стр. 6703

وقال الحسن: لقدمه، وحجته (١) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية وجبت كما ذكر. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ولفظه: فقال: "اركبها" في الثانية أو الثالثة (٢)، وفي لفظ له: يسوق بدنة مقلدة فقال له رسول الله ﷺ : "اركبها" فقال: بدنة يا رسول الله؟ فقال: "ويلك اركبها" ثلاثًا (٣). وللبخاري في باب تقليد النعل قريبًا: قَالَ: "اركبها" قَالَ: إنها بدنة. قَالَ: "اركبها" قَالَ: فلقد رأيته راكبها ليساير النبي ﷺ ، والنعل في عنقها (٤). وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: "اركبها" مرتين أو ثلاثًا (٥). وفي رواية للبخاري: "اركبها ويلك" قالها في الثانية أو في الثالثة (٦). ولمسلم: مرَّ عليه ببدنة أو هدية فقال: "اركبها" قَالَ: إنها بدنة أو هدية، فقال: "وإن" (٧). ولأحمد: يسوق بدنة، وقد جهده المشي، وفيه قَالَ: "اركبها وإنها بدنة" (٨). وانفرد مسلم بحديث ابن الزبير قَالَ: سمعت جابر بن عبد الله يسأل

стр. 6704

عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حَتَّى تجد ظهرًا" (١). ولأحمد من حديث علي سئل: يركب الرجل هديه؟ قَالَ: لا بأس به، قد كان رسول الله ﷺ يمر بالرجال يمشون، فيأمرهم بركوب هديهم، ثم قال: ولاتتَّبعون شيئًا أفضل من سنة نبيكم (٢). وفي "مراسيل أبي داود" من حديث ابن جريج عن عطاء قَالَ: كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركب غير منهوكة. قلتُ: ماذا؟ قَالَ: الرجل الراجل، والمتبع اليسير، وإن نتجت حمل عليها ولدها وعدله (٣). إذ تقرر ذَلِكَ: ففيه استعمال ما وُجِّه لله تعالى إذا احتيج إليه عَلَى خلاف ما كانت الجاهلية عليه من أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأعلم الشارع أن ما أهل به لله إنما هو دماؤها، وأما لحومها، والانتفاع بها قبل نحرها وبعده فغير ممنوع، بل هو مباح بخلاف سُنن الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع: فذهب أهل الظاهر إلى أن ذَلِكَ جائز من غير ضرورة، وبه قَالَ أحمد وإسحاق، وبعضهم أوجب ذَلِكَ، واحتج بحديثي الباب، وكره مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأكثر الفقهاء -فيما حكاه صاحب "الاستذكار"- ركوبها من غير ضرورة، وكرهوا شرب لبن الناقة بعد ري فصيلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك.

стр. 6705

واحتجوا: أن ما أخرج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه والانتفاع به إلا عند الضرورة (١). وركوبها يحتمل أن يكون لغير ضرورة، وأن يكون لها، ورواية جابر السالفة تشهد له، وكذا رواية أحمد: وقد جهده المشي، فأباح ركوبها للضرورة، وقد روى نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الرجل إذا ساق بدنة وأَعيا ركبها: وما أنتم بمستنين سنة هي أهدى من سنة محمد (٢). وكذا لا يجوز بيع منافعها إجماعًا. وقد قَالَ مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَكمُ فِيهَا مَنَفعُ إِلَى أَجَل مُّسَمّى﴾ قَالَ: في ظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها حَتَّى تصير بدنًا (٣). وبه قَالَ النخعي وعروة. واختلف متى ذَلِكَ؟ فقال عروة: بعد أن يقلدها، وقال مجاهد: قبله، وهو أولى؛ لأن الأجل المسمى أن يقلد ولم يوجد. وقال ابن القاسم: فإن ركبها محتاجًا فليس عليه أن ينزل إذا استراح (٤). وقال إسماعيل: مذهب مالك يدل عَلَى أنه إذا استراح نزل، وبه قَالَ ابن الجلاب (٥)، وإذا نزل لحاجته أو لليل لم يركبها حَتَّى يحتاج إلى ذَلِكَ كأول مرة. وعن بعض الشافعية والحنفية فيما حكاه ابن التين: إن نقصها (ركوبه) (٦) ضمن النقصان، إن ركب ركوبًا قادحًا.

стр. 6706

وقوله: ("ويْلَكَ") مخرجه مخرج الدعاء عليه من غير قصد؛ إذ أبي من ركوبها أول مرة، وقال له: (إنها بدنة). وكان ﵇ يعلم ذَلِكَ، فخاف أن لا يكون علمه، وكأنه قَالَ: لك الويل في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف، وفي رواية: "ويحك" (١) ذكرها ابن التين، وكان الأصمعي يقول: ويل: كلمة عذاب، وويح كلمة رحمة، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف عَلَى هلكة، وفي الحديث أنه وادٍ في جهنم (٢). فرع: يجوز إهداء الذكر والأنثى من الإبل، وهو مذهبنا (٣)، وقول جماعة من الصحابة، ونقل ابن التين عن الشافعي أنه قال: لا يهدى إلا الإناث، ثم قَالَ: دليلنا ما رواه في "موطئه" عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر: أنه ﷺ أهدى جملًا كان لأبي جهل بن هشام (٤)، ثم قَالَ: وهذا نص في محل النزاع، ولا يسلم له ذَلِكَ، ومن جهة القياس: أن الهدي جهة من جهات القرب، فلم تختص بالذكور كالضحايا والزكاة والعتق والكفارات.

стр. 6707

فرع: فيه من العلم تكرير العالم الفتوى، وتوبيخ من لا يأتمر بها. وقوله: ("ارْكبْهَا، وَيْلَكَ") في الثانية أو الثالثة، يحتمل أن يريد في الثانية من قوله: "اركبها" ابتداء، فيقول له ذَلِكَ زجرًا عن مراجعته عن أمر قد كان له في التعليق بما أمره به، وحمله عَلَى عمومه في الأحوال سعة، ويحتمل أن يريد الثانية من جوابه له عن قوله: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ). فيكون في ذَلِكَ زجر عن تكرير سؤاله عن أمر قد بينه، ولم يقيد أمره بركوبها بحال الإعياء دون حال الإراحة، ولا قَالَ له: فإذا استطعت المشي، فانزل، فاقتضى ذَلِكَ استدامة ركوبها، وإن زال تعبه، كما سلف. فرع: بوَّب البخاري عليه أن من حبس شيئًا ينتفع به، وأنكره الداودي عليه، وقال: إنما جعلها الله إذا بلغت محلها، وفيه نظر.

стр. 6708

١٠٤ - باب مَنْ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ ١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. [مسلم: ١٢٢٧ - فتح: ٣/ ٥٣٩] ١٦٩٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ، بِمِثْلِ الذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [مسلم: ١٢٢٨ - فتح: ٣/ ٥٣٩] ذكر فيه حديث ابن شهاب، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهْدى فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ .. الحديث بطوله. وفي آخره: وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ، بِمِثْلِ الذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .

стр. 6709

قَالَ أبو نعيم الأصبهاني: خرجه البخاري مسندًا: عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة فذكره، ومسلم ساقه بطوله، إلى حديث عروة عن عائشة (١). ومعنى: تمتع: أي: أمر به وأباحه، وكذلك معنى: (قرن بينه): أنه قَالَ: فكان من الناس من أهدى وما في آخره من تعليم الناس يفسر ما في أوله من إشكال (تمتع). وقد صح عن ابن عمر أنه رد قول أنس أنه ﷺ يتمتع، وقال: أهل بالحج وأهللنا (٢). كما سلف، فتعين التأويل. وقال المهلب والداودي: معنى: تمتع ها هنا: قرن، وقيل له: متمتع؛ لأنه (لا يسقط) (٣) عمل العمرة المنفردة، ولا يعمل في الحج إلا عملًا واحدًا. وقوله: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيء حَرُمَ منه حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ" ولم يقل: وعمرته، وهو دال عَلَى أنه لم يتمتع؛ لأنه ساق الهدي، ولم يحل كما حل من لم يسقه. وقوله: "فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ" ظاهر في وجوب السعي. وقوله: (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالحَجِّ). ثم قَالَ ابن بطال: إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أولًا، ويقدموها قبل الحج، وأن ينشئوا الحج قبلها إذا حلُّوا منها (٤). وقوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مع رسول الله ﷺ ) أي: تمتعوا بحضرته (٥).

стр. 6710

وأما قوله: (وعَنْ عُرْوَةَ) إلى مثل خبر سالم عن أبيه، فنعم، هو مثله في الوهم؛ لأن أحاديث عائشة كلها من رواية عروة والأسود والقاسم وعمرة مسقطة لهذا الوهم؛ لأنهم يروون عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج. ورواية أبي الأسود عن عروة عنها: أنه أهل بالحج (١) مخالفة لرواية ابن شهاب، عن عروة عنها في تمتعه بالعمرة، وموافقة لرواية الجماعة عن عائشة. وأما ترجمة الباب فساقها؛ ليعرف أن السنة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، واختلف العلماء في ذَلِكَ: فقال مالك: من اشترى هديه بمكة أو بمنى ونحره، ولم يقف به بعرفة في الحل فعليه بدله. وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير، وبه قَالَ الليث، وروي عن القاسم: أنه أجازه، وإن لم يوقف به بعرفة، وبه قَالَ أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور (٢). وقال الشافعي: وقف الهدي بعرفة سنة لمن شاء، إذا لم يسقه من الحل، وقال أبو حنيفة: ليس بسنة؛ لأنه ﵇ إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، والحجة لمالك: أنه ﵇ ساقه من الحل إلى الحرم (٣)، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤).

стр. 6711

١٠٥ - باب مَنِ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ ١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لأَبِيهِ: أَقِمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ البَيْتِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي العُمْرَةَ. فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ. ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٥٤١] ذكر فيه: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعمانِ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ لأَبِيهِ: أَقِمْ، فَإنَّي لَا (إيمنها) (١) أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ البَيْتِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ: ﴿لَّقَد كاَنَ لَكُم في رَسُولِ أللهِ أسَوة حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١] إلى أن قال: ثُمَّ اشْتَرى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وقد سلف في طواف القارن (٢)، ولما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا قَالَ: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن اليمان، وأشار إلى صحة وقفه (٣).

стр. 6712

وقوله: (إِذَا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ): يعني: من الإحلال حين صُدَّ بالحديبية، عَلَى ما يأتي ذكره في باب المحصر بعد، إن شاء الله تعالى (١). ولم يصد ابن عمر، وأهل بعمرة من المدينة، فلما خرج إلى الميقات أردف الحج عَلَى العمرة، وقال: ما شأنهما إلا واحدًا، يعني: في العمل؛ لأن القارن لا يطوف عنده إلا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا. وقام الإجماع عَلَى أنَّ من أَهلَّ بعمرة في أشهر الحج، أنَّ له أن يدخل عليها الحج (٢)، ما لم يفتتح الطواف بالبيت؛ لأن الصحابة أهلوا بعمرة في حجة الوداع، ثم قَالَ لهم رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" (٣). وبهذا احتج مالك في "موطئه" (٤) واختلفوا في إدخاله عليها إذا افتتح الطواف، فقال مالك: يلزمه ذَلِكَ، ويصير قارنًا، وحكى أبو ثور أنه قول (الكوفي) (٥).

стр. 6713

وقال الشافعي: لا يكون قارنًا وذكر أنه قول عطاء، وبه قَالَ أبو ثور، وأما إدخال العمرة عَلَى الحج فمنع منه مالك، وهو قول أبي إسحاق، وأبي ثور، والشافعي في الجديد، وأجازه الكوفيون، وقالوا: يصير قارنًا (١)، وقد أساء فيما فعل، وإنما جاز إرداف الحج عَلَى العمرة ولم يجز عكسه؛ لأن عمل الحج يستغرق عمل العمرة ويزيد عليها، وإذا أدخل العمرة عَلَى الحج فلم يأت بزيادة في العمل، ولا أفاد فائدة؛ فلم يكن لإدخالها عَلَى الحج معنى، والقياس عند أبي حنيفة لا يمنع إدخال عمرة عَلَى حجة، ومن أصله عَلَى القارن تعدد الطواف والسعي. وأما ترجمة البخاري فإنما أراد أن يبين مذهب ابن عمر: أن الهدي ما أُدخل من الحل إلى الحرم؛ لأن قديدًا في الحل في نصف طريق مكة. وقد روى مالك عن نافع عنه أنه كان يقول: الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة (٢)، وكذا فعل الشارع، فمن خالفه يحتاج إلى دليل. وقوله: (لَا إيمنها). قَالَ سيبويه: من العرب من يكسر زوائد كل فعل مضارع ماضيه فَعِل، ومستقبله يَفْعَل فيقولون: أنا إعلم، وأنت تِعلم، ونحن نِعلم، وهو يَعلم فيفتح الياء كراهية الكسرة فيها لثقلها، وعلى هذا جاز (لا إيمنها)؛ لأنهم يقولون: إيمن.

стр. 6714

١٠٦ - باب مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، يَطْعُنُ فِي سَنَامِهِ الأَيْمَنِ بِالشَّفْرَةِ، وَوَجْهُهَا قِبَلَ القِبْلَةِ بَارِكَةً. ١٦٩٤، ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الهَدْىَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. الحديث ١٦٩٤ - [١٨١١، ٢٧١٢، ٢٧٣١، ٤١٥٨، ٤١٧٨، ٤١٨١ - فتح: ٣/ ٥٤٢] الحديث ١٦٩٥ - [٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٢] ١٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدَىَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. [١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢، ١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٣٣١٧، ٥٥٦٦ - فتح: ٣/ ٥٤٢] وذكر فيه من حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبِيُّ ﷺ الهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. وحديث عائشة: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدى، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ حِلا.

стр. 6715

أما أثر ابن عمر، فأخرج نحوه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر، عن عبد الله، عن نافع أن ابن عمر قَالَ: لا هدي إلا ما قلد وأشعر ووقف بعرفة (١). وحديث المسور بن مخرمة ومروان من أفراد البخاري، وهو قطعة من حديث طويل، ذكره البخاري في عشرة مواضع من كتابه، وبكماله يأتي إن شاء الله تعالى في الصلح متصلًا (٢)، وهو من مراسيل الصحابة؛ لأن المسور كان سنه في الحديبية أربع سنين (٣)، وأما مروان فلم تصح له صحبة (٤)، وعن الدارقطني: أنه ﵇ ساق يوم الحديبية سبعين

стр. 6716

بدنة عن سبعمائة رجل (١)، وفي رواية: كانوا في الحديبية خمس عشرة مائة (٢) وسيأتي في المغازي عن جابر وعن ابن أبي أوفى كانوا ألفًا وثلاثمائة (٣)، وفي رواية أربع عشرة مائة (٤) وكانت الحديبية سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، قال ابن التين: والأشهر أربع عشرة مائة، وأقام في سفرته شهرًا ونصفًا، وقيل: خمسين ليلة، ورجع إلى المدينة لخمس مضين من المحرم. وحديث عائشة أخرجه مسلم والأربعة (٥)، وبوب له بعد فتل قلائد البدن والبقر، وليس فيه ذكر البقر (٦)، لكن قد صح أنه ﵇ أهداهما جميعًا، كما ذكره ابن المنير (٧)، وفي أفراد مسلم من حديث ابن عباس: صلى النبي ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به عَلَى البيداء أهل بالحج (٨)، وفي أبي داود:

стр. 6717

سلته بيده (١)، وفي أخرى: بأصبعه (٢). وإذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري في الباب أن يبين أن من أراد أن يحرم بالحج أو العمرة، وساق الهدي معه، فإن المستحب له أن لا يشعر هديه ولا يقلده إلا من ميقات بلده، وكذلك يستحب له أيضًا أن لا يحرم إلا بذلك الميقات عَلَى ما عمل النبي ﷺ بالحديبية، وفي حجته أيضًا، وكذلك من أراد أن يبعث بالهدي إلى البيت ولم يرد الحج والعمرة وأقام في بلده، فإنه يجوز له أن يقلده، وأن يشعره في بلده، ثم يبعث به اقتداء بالشارع، إذ بعث بهديه مع أبي بكر سنة تسع، ولم يوجب عليه إحرامًا ولا تجردًا من ثيابه ولا غير ذَلِكَ، وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى منهم: مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، كلهم احتج بحديث عائشة في الباب، أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام عَلَى من لم ينوه وردوا قول ابن عباس فإنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده الإحرام، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حَتَّى ينحر هديه (٣)، وتابع ابن عباس عَلَى ذَلِكَ ابن عمر (٤)، وبه قَالَ عطاء (٥)، عَلَى خلاف عن ابن عمر وسعيد بن جبير (٦) ومجاهد (٧).

стр. 6718

قَالَ أبو عمر: وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن المسيب -عَلَى اختلاف عنه (١) - وميمون بن أبي شبيب، وروي مثل ذَلِكَ في أثر مرفوع من حديث جابر (٢)، رواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن ابن أبي لبيبة (٣)، عن عبد الملك بن جابر عنه (٤). وابن أبي لبيبة شيخ ليس ممن يحتج به فيما ينفرد، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه (٥)، ولكنه قد عمل بحديثه بعض الصحابة (٦)، وتابع ابن عباس أيضًا: النخعي، والشعبي، وأبو الشعثاء، ومجاهد، والحسن، ذكره في "المصنف"، وحكاه أيضًا عن عمر، وعلي، وابن سيرين (٧)، وهم محججون بالسنة الثابتة، وليس أحد بحجة عليها.

стр. 6719

قَالَ الطحاوي: وقد رأى ربيعة بن الهدير -فيما رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم- رجلًا متجردًا بالعراق، فسأل الناس عنه، فقالوا: أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فذكر ذَلِكَ لابن الزبير، فقال: بدعة ورب الكعبة (١). فلا يجوز أن يكون ابن الزبير حلف عَلَى ذَلِكَ أنه بدعة، إلا وقد علم أن السنة خلاف ذَلِكَ (٢). قَالَ أبو عمر: وأما ابن عباس فاعتمد عَلَى حديث جابر، وقد ذكرنا علته، ولو علم به ابن الزبير لم يقسم (٣). وفي "المصنف" عن أنس، والحسن، وعائشة، وعلقمة، وابن مسعود مثل حديث عائشة (٤)، وبين أن الذي رآه ربيعة بن الهدير متجردًا، وأخبر به ابن الزبير عبد الله بن عباس، زمن إمرته عَلَى البصرة (٥)، ثم ذهب جماعة العلماء إلى سنية الإشعار إلا أبا حنيفة. قَالَ ابن حزم: لا نعلم له فيه سلفًا (٦). ونقله ابن بطال، عن إبراهيم النخعي، وفي "المصنف" عن عائشة وابن عباس: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، ومن حديث ليث، عن

стр. 6720

عطاء وطاوس ومجاهد مثله (١)، وفي لفظ عنهم: ليس الإشعار بواجب (٢). وقال الطحاوي: أبو حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل عَلَى وجه يخاف منه هلاكًا كسراية الجرح لا سيما في حر الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة، وأراد سد الباب عَلَى العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذَلِكَ، وأما من وقف عَلَى الحد (في ذَلِكَ) (٣) فقطع الجلد دون اللحم فلا يكره. وذكر الكرماني عنه استحسانه، قَالَ: هو الأصح لا سيما إن كان بمتبيغ ونحوه، فيصير كالفصد والحجامة (٤). وفي "شرح الهداية": هو أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب الأيسر حَتَّى يسيل الدم. قاله أبو يوسف ومحمد، لما روي عن ابن عمر أنه كان يشعرها مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، ذكره ابن بطال (٥). وحديث ابن عباس السالف، وأثر ابن عمر: الأيمن. وتأوله بعض المالكية لصعوبتها. وقد رُوِي عن نافع: كان ابن عمر إن كانت بدنته ذللًا أشعرها في الأيسر، وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن، والأخرى من الأيسر (٦). وابن عمر

стр. 6721

كان من التابعين للآثار. والذي عنه في "الموطأ": من الأيسر، رواه مالك، عن نافع عنه (١). والذي عنه في البخاري مرسل لم يسنده. قَالَ مالك في "العتبية": لم يشعرها ابن عمر في الشقين؛ لأنها سنة لكن ليذللها، وإنما السنة في الأيسر مطلقًا. قَالَ محمد: في الشقين أي: في أي الشقين أمكنه (٢). قَالَ ابن قدامة: وعن أحمد من الجانب الأيسر؛ لأن ابن عمر فعله، وبه قَالَ مالك (٣). قَالَ ابن التين: وهو الذي اشتهر في "المدونة" (٤) وغيرها. وحكاه ابن حزم، عن مجاهد بقوله: كانوا يستحبون الإشعار في الأيسر (٥). وعند الشافعي وأحمد في قول، وأبي يوسف ومحمد: الأيمن. وزعم القائلون بالأيسر، بأنه ﵇ كان يدخل بين البعيرين من قبل رءوسهما فيضرب أولًا عادة عن يساره من قبل يسار السنام، ثم يعطف عَلَى الآخر فيضربه من قبل يمينه، فصار الطعن في الجانب الأيسر أصليًّا؛ لأنه المفعول أولًا، وفي الأيمن اتفاقيًا، والأصل أولى. وزعم صاحب "المطالع" أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضًا، من الجانب الأيمن، هذا عند الحجازيين، وأما العراقيون: فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة.

стр. 6722

وقال ابن حبيب: يشعرها طولًا (١). وقال ابن التين: عرضًا، والعرض: عرض السنام من العنق إلى الذنب. قَالَ ابن التياني: أشعرت الناقة إذا وجأت في كتفها. وفي "الجامع": أشعرها إشعارًا، وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بما حل فيها، وذلك أن الذي يغلب بها علامة تعرف بها. وقال ابن سيده: هو أن يشق جلدها أو يطعنها حَتَّى يظهر الدم (٢). واختلفوا -كما قَالَ ابن بطال (٣) - في إشعار البقر، فكان ابن عمر يقول: تشعر في أسنمتها (٤)، وحكاه ابن حزم، عن أبي بن كعب أيضًا (٥)، وقال عطاء والشعبي: تقلد وتشعر، وهو قول أبي ثور. وقال مالك: تشعر التي لها سنام وتقلد، ولا تشعر التي لا سنام لها وتقلد. قال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر (٦). واختار ابن حبيب: أن تشعر وإن لم يكن لها أسنمة (٧). قَالَ ابن التين: وما علمت أحدًا ذكر الخلاف في البقر المسنمة إلا الشيخ أبا الحسن، وما أراه موجودًا، وأما الغنم فلا يسن إشعارها لضعفها، ولأن صوفها يستر موضع الإشعار، وأما التقليد فسنة بالإجماع وهو تعليق نعل أو جلد، وما أشبهه ليكون علامة للهدي.

стр. 6723

قال الحنفيون: لو قلد بعروةٍ مزادة، أو لحاء شجرة، وشبه ذلك جاز؛ لحصول العلامة وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين لحديث ابن عباس السالف، وبه قَالَ ابن عمر، وقال الزهري ومالك: تجزئ واحدة، وعن الثوري: تجزئ فم القربة، ونعلان أفضل لمن وجدهما (١). فائدة: لم يذكر البخاري ﵀ حكم الهدي إذا عطب، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" (من أفراده) (٢): نحرها، وصبغ نعلها في دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك (٣).

стр. 6724

١٠٧ - باب فَتْلِ القَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالبَقَرِ ١٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵃ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ". [انظر: ١٥٦٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٥٤٣] ١٦٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٣] ذكر فيه حديث حفصة قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ". وحديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِب المُحْرِمُ. هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١). وفيه من الفقه: أن ما عُمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها وتحسينها، ألا ترى عائشة لم تقنع بالقلائد إلا بفتلها وإحكامها. وأجمعَ العلماء على تقليدِ الهدي (٢)، وهو علامة له، كأنه إشهادٌ على أنه أخرجه من مِلكِه لله تعالى، وليعلمَ الناسُ الذين يبتغون أكلَه، فيشهدون نحره.

стр. 6725

وفيه: عملُ أمهات المؤمنين بأيديهن، وخدمتهن في بيوتهن، وقد كانَ ﵇ يخدمُ في بيته (١). وفقهُهُ سلفَ في البابِ قَبلَه. وهذِه فوائد نعطفها على الباب الأول: الأولى: قوله: (كان ابن عمر إذا أهدى من المدينة) يقتضي أن الهدي قد يُساق من الموضع البعيد إذا كان يؤمن عليه في مثل تلك المسافة، والبقر أضعف من لِكَ فلا يهدى إلا من المسافة التي يسلم فيها مثلها، وأما الغنم فروى محمد والعتبي، عن مالك: لا تساق إلا من عرفة، أو ما قرب؛ وهذا لأنها تضعف عن قطع طويل المسافة (٢). وقوله: (قلده وأشعره بذي الحليفة) يريد لأنها موضع إحرامه لا الجحفة، وروي عن مالك: أن ذَلِكَ لا بأس به، والسنة اتصال ذَلِكَ كله: يقلده، ثم يشعره، ثم يحلله إن شاء، ثم يركع، ثم يحرم، ودليل ذَلِكَ حديث المسور ومروان في الكتاب (٣). الثانية: قوله في حديث المسور ومروان: قلد النبي ﷺ الهدي وأشعره -وكذا حديث عائشة- ثم قلدها وأشعرها (٤)؛ يقتضي مباشرته ذَلِكَ بنفسه، وهو أفضل من الاستنابة كذبح الأضحية، واختلف في المرأة مالك وابن شهاب.
следующие страницы →