← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

تلك الأشياء من الطواف والسعي والرمي قد صد عنه المحرم، وحيل بينه وبينه فسقط عنه أن يفعله، والحلق لم يحل بينه وبينه وهو قادر على فعله فما كان يصل إلى فعله فحكمه فيه في حال الإحصار كحكمه في غير حال الإحصار، وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإحصار فهو الذي يسقط عنه (١). وقد ثبت عنه ﷺ أنه حلق حين صد في حديث ابن عمر والمسور (٢)، وليس لأحد قياس مع وجود السنة الثابتة، وقد دعا رسول الله ﷺ للمحلقين يوم الحديبية ثلاثًا لأنهم لم يشكوا، وللمقصرين مرة (٣)، فثبت بتفضيله من حلق منهم على من قصَّر، أنه كان عليهم ذَلِكَ كما يكون عليهم لو وصلوا البيت، ولولا ذَلِكَ لما كانوا فيه إلا سواء، ولا كان لبعضهم في ذَلِكَ فضيلة على بعض، فبان أن حكم الحلق والتقصير لا يزول بالإحصار، وقد روى الطبراني والنسائي أيضًا، من حديث ناجية بن جندب، قال: أتيت رسول الله ﷺ حين صد الهدي. فقلت: يا رسول الله، أتبعث معي بالهدي فلأنحرنه بالحرم. قال: "كيف تصنع به؟ " قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه، فانطلقت حَتَّى نحرته بالحرم (٤)، وقد ثبت عنه حين صد في حديث المسور:

стр. 6967

أنه حلق، قال (١): وذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم ذبح في غيره (٢) احتجاجًا بحديث ابن عباس، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره. وقالوا: إنما نحر هديه بالحديبية إذ صد دل أن من (لم) (٣) يمنع من إدخال هديه في الحرم أن يذبحه في غير الحرم. وهذا قول مالك (٤)، وروى سفيان من حديث أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: خرجت مع علي وعثمان فاشتكى الحسن بالسقيا وهو محرم فأصابه برسام (٥) فأومأ إلى رأسه فحلق ونحر جزورًا (٦)، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد فلم يذكر عثمان ولا أن الحسن كان محرمًا (٧) (٨).

стр. 6968

٢ - باب الإِحْصَارِ فِي الحَجِّ ١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٨] ذكر فيه حديث سَالِمٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. يريد حبس بمرض. وقوله: (طاف .. ) إلى آخره ويكون محصرًا بمكة. مذهب مالك والشافعي: أن المحصر بمرض لا يحل حَتَّى يطوف ويسعى (١)، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر (٢)، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والإتمام يقتضي الوجوب؛ ولأنه متلبس بالحج لم يصد عنه بيد عادية، فلم يحل دون البيت المخطي الوقت أو الطريق، فإن شرط التحلل بالمرض، فالمشهور عنه أنه يتحلل به لحديث ضباعة في ذَلِكَ (٣)، خلافًا لمالك.

стр. 6969

وقوله: (فيهدي). أي للآية السالفة ولا يذبحه إلا بمكة أو منى خلافًا للشافعي، وقد سلف، فإن بقى على إحرامه إلى قابل. ففي الهدي قولان عن مالك، فإن تحلل بعمرة في أشهر الحج، ففي تحلله قولان لابن القاسم، فإن صححناه. فاختلف قوله: هل يكون متمتعًا أم لا (١)؟ واحتج ابن عمر فيمن أحصر في الحج أنه يلزمه ما يلزم من أحصر في العمرة، وحكمهما سواء في ذَلِكَ، قاس الحج على العمرة، والشارع لم يحصر إلا في عمرة، وهو أصل في إثبات القياس كما سلف واستعمال الصحابة له. واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة، فقال الشافعي وأبو ثور: حكم الغريب والمكي سواء يطوف ويسعى ويحل ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر، وأوجبها مالك على المحصر المكي، وعلى من أنشأه من مكة، وقال: لا بد لهم من الخروج إلى الحل لاستئناف عمرة التحلل؛ لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة، فلذلك يعمل بهذا، وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من الحل محرمًا، فيطوف، ويسعى، ثم يحصره العدو عن الوقوف، أنه لا يحتاج إلى الخروج إلى الحل؛ لأن منه دخل ولم يحل من إحرامه، ويتحلل بعمرة ينشئها من مكة. وقال أبو حنيفة: لا يكون محصرًا من بلغ مكة؛ لأن الإحصار عنده من منع من الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال بموضعه، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة، وعليه الحج من قابل ولا هدي عليه؛ لأن الهدي يجبر ما أدخله على نفسه، ومن

стр. 6970

حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصًا. وقال الزهري: إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن نعش نعشًا. وفي حديث ابن عمر رد على الزهري؛ لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرًا، ألا ترى قول ابن عمر: طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يذكر الوقوف بعرفة (١). وفيه أيضًا: رد قول أبي حنيفة: أن من كان بمكة لا يكون محصرًا، وقد استدل ابن عمر على أنه يكون محصرًا بقوله: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج؟!) والحبس عنه: هو الإحصار عند أهل اللغة، وقول ابن عمر: ثم حل من كل شيء حَتَّى يحج عامًا قابلًا، ويهدي هديًا، معناه عند الحجازيين: إن كان ضرورة، ومعنى الهدي للضرورة: إذا قضى الحج إنما هو من أجل وقوع الحبس الذي كان يقع له في سفر واحد في سفرين، وكذلك معنى هدي الإحصار لمرض.

стр. 6971

٣ - باب النَّحْرِ قَبْلَ الحَلْقِ فِي الحَصْرِ ١٨١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ المِسْوَرِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. [انظر: ١٦٩٤ - فتح: ٤/ ١٠] ١٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَرِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ وَسَالِمًا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ١٠] ذكر فيه حديث المِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. وحديث ابن عمر: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَت كُفَّارُ قُرَيْشِ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. قال ابن المنذر: النحر قبل الحلق للمحصر وغيره، هو ظاهر كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلا أن سنة المحصر أن ينحر هديه حيث أحصر، وإن كان في الحل اقتدى بالشارع في الحديبية قال تعالى: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] أي: محبوسًا، و (لما) (١) سقط عنه أن يبلغ محله سقط عنه هديه. فأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].

стр. 6972

فقد أسلفنا قبل أن المخاطب به الآمن الذي يجد السبيل إلى الوصول إلى البيت، وليس للمحصر بعد أن يفعل شيئًا مما يحرم على المحرمين، حَتَّى ينحر هديه تأسيًا بالشارع، فإن خالف فالفدية لازمة استدلالًا بأنه ﵇ أمر كعب بن عجرة بالفدية (لما) (١) حلق (٢). وهذا قول مالك والشافعي (٣).

стр. 6973

٤ - باب مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُدْوٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ فِي أى مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إِلَى البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا يَعُود، وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ. ١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ. فَالتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ. ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ١١] ثم ساق حديث نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ .. الحديث، وقد سلف. وروح هو ابن عبادة، وشبل هو ابن عباد المكي الثقة، وقول مالك إلى آخره هو في "الموطأ" (١)، وظاهر كلام ابن عباس أن من أحصر

стр. 6974

بمرض أو غيره أن يحل دون البيت، وهو خلاف ما قدمناه عنه: أن المحصر بمرض لا يحله إلا البيت، وتفرقته بين أن يستطيع وبين أن لا، خلاف مذهب مالك، وقول مالك: ينحر هديه ويحلق رأسه لا خلاف في جواز التحلل في حصر العدو في موضعه (١). قال ابن التين: والتحلل يصح بأحد وجهين: أحدهما: أن يتيقن بقاءه لقوته وكثرته، وإن كان بينه وبين الحج ما يعلم أن لو زال لأدركه. والثاني: أن يكون العذر لا يرجى زواله، ولا يكون محصورًا حَتَّى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العذر لا يدرك الحج، فيحل حينئذٍ عند ابن القاسم وعبد الملك، وقال أشهب: لا يحل حَتَّى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حَتَّى يروح الناس إلى عرفة (٢). وقوله: (وقبل أن يصل الهدي إلى البيت). ظاهره مخالفة ابن عباس في قوله السالف فيما إذا استطاع. وقوله: (ولا قضاء عليه). أي: لأنه محصر متطوع، خلافًا لأبي حنيفة (٣)، فإن كان فرضًا مستقرًا بقي في ذمته أو غير مستقر اعتبرت الاستطاعة بعد. وقال مالك وأصحابه: لا يجزئه عن حجة الإسلام، وخالف عبد الملك وأبو مصعب فيه (٤). وقوله: (والحديبية خارج من الحرم). وهو من قول البخاري، وصله بقول مالك وليس من قوله.

стр. 6975

وقوله: (إنها داخل الحرم). وقال الشافعي: إنها خارج الحرم (١)، وجمع ابن بطال بينهما فقال: كلا القولين له وجه، وذلك أن الحديبية في أول الحرم وهو موضع بروك ناقته ﷺ ؛ لأنها إنما بركت في أول الحرم، وقال ﵇: "حبسها حابس الفيل" (٢)، وصاحب الفيل لم يدخل الحرم فمن قال: إن الحديبية خارجه، فيمكن أن يريد البئر وموضع بروك ناقة رسول الله ﷺ ، ومن قال: إنها في الحرم، يريد موضع حلاقهم ونحرهم (٣). ووجه إيراد حديث ابن عمر في الباب وليس في لفظه ما يدل على الترجمة؛ لأن البخاري استغنى بشهرة قصة صده ﵇ بالحديبية وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذَلِكَ؛ لأنها لم تكن حجة الفريضة، وإنما كانوا محرمين بعمرة، وعقب البخاري كلام مالك بحديث ابن عمر للتنبيه على أنه أخذه منه. إذا تقرر ذَلِكَ: فقد اختلف السلف في هذا الباب: فذهب ابن عباس إلى أن المحرم لا بدل عليه ولا شيء؟ ذكره عنه عبد الرزاق، وقال: لا حصر إلا من حبسه عدو، فيحل بعمرة وليس عليه حج قابل ولا عمرة (٤)، فإن حبس وكان معه هدي بعث به ولم يحل حَتَّى ينحر الهدي، وإن لم يكن معه هدي حل مكانه، وهذا خلاف ما رواه عن النبي ﷺ : أنه أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في

стр. 6976

عمرة القضاء، وفي لفظ قال لأبي حاضر حين سأله عن قضاء عمرته: أبدل الهدي، رواه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح الإسناد (١). وذكر عطاء عن ابن عباس في الذي يفوته الحج قال: يحل بعمرة، وليس عليه حج قابل، وعن طاوس مثله (٢). وروى ابن أبي شيبة عن علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء: أنه ﵇ قال: "من لم يدرك الحج فعليه الهدي وحج قابل وليجعلها عمرة" (٣). وعن مالك في المحصر بعدو: يحل بسنة الإحصار، ويجزئه من حجة الإسلام (٤)، وهو قول أبي مصعب، وأفتى به محمد بن سحنون. وقال ابن شعبان: يجزئه من حجة الإسلام، وإن صد قبل أن يحرم، وقال ابن الماجشون: إنما استحب له مالك القضاء (٥). وفيها قول آخر: روي عن عمر وزيد بن ثابت: أنه يحل بعمرة، وعليه حج قابل والهدي (٦)، وهو قول عروة. وقال علقمة والنخعي: عليه حجة وعمرة، وهو قول الكوفيين، وقال مجاهد والشعبي: عليه حج قابل.

стр. 6977

وقال مالك في "المدونة": لا قضاء على المحصر بعدو في حج التطوع ولا هدي عليه (١)؛ لأنه ﵇ لم يأمر أصحاب الحديبية بقضاء ولا هدي إلا أن تكون حجة الإسلام فعليه حج قابل والهدي، وبه قال الشافعي وأبو ثور. واحتج الكوفيون: بأنه ﵇ لما صد في الحديبية قضاها في العام القابل فسميت عمرة القضاء. واحتج أصحاب مالك فقالوا: هذِه التسمية ليست من الشارع ولا من أصحابه، وإنما هي من أهل السير فليس فيها حجة، ولم تسم عمرة القضاء من أجل ما ذكروه، وإنما سميت من أجل أنه ﵇ قاضى عام الحديبية قريشًا، كما أسلفناه، ولو وجب القضاء لبينه، وحجة مالك: الهدي من أجل أن إحرامه حيل بينه وبين إتمامه بالوصول إلى البيت، وجعل أبو حنيفة العمرة عوضًا من ذَلِكَ. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم نحر في غير الحرم، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: لما نحر ﵇ هديه بالحديبية إذ صد، دل على أن لمن منع من إدخال هديه الحرم، أن يذبحه في غير الحرم، وهذا قول مالك. وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجوز نحر الهدي إلا في الحرم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فكان الهدي ما جعله الله تعالى ما بلغ الكعبة كالصوم المتتابع في الظهار، وكفارة القتل لا تجوز غير متتابع، وإن كان الذي وجب عليه غير المطيق للإتيان به متتابعًا فلا تبحه الضرورة أن يصومه متفرقًا فكذلك الهدي الموصوف ببلوغ الكعبة لا يجوز إلا كذلك، وإن صد عن بلوغ الكعبة

стр. 6978

واحتجوا: بأن ذبح النبي ﷺ بهديه حين صد كان في الحرم، ثم ذكر حديث ناجية السالف (١). وقال آخرون: كان بالحديبية، وهو يقدر على دخول الحرم، ولم يكن صد عن الحرم، وإنما صد عن البيت، واحتجوا بحديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن المسور: أن النبي ﷺ كان بالحديبية، خباؤه في الحل، ومصلاه في الحرم (٢)، ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم، فلما ثبت بالحديث الذي ذكرنا أنه ﵇ كان يصل إلى الحرم استحال أن يكون نحر الهدي في غيره؛ لأن الذي يبيح نحر الهدي في غيره إنما يبيحه في حال الصد عن الحرم، لا في حال القدرة على دخوله فانتفي مما ذكرناه أن يكون ﵇ نحر الهدي في غير الحرم، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، واحتج من سلف بما ذكرناه قبل الإحصار في الحج؛ لأن فيه أن عليًا نحر الجزور دون الحرم، والحجة عليهم في ذَلِكَ أنهم لا يبيحون لمن كان غير ممنوع من الحرم أن يذبح في غير الحرم وإنما يختلفون إذا كان ممنوعًا منه فدل أن عليًّا إنما نحر فيه في غير الحرم، وهو واصل إلى الحرم، أنه لم يكن أراد به الهدي، وإنما أراد به الصدقة والتقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس في الحديث أنه أراد به الهدي، فكما يجوز لمن حمله على أنه هدي ما حمله عليه، فكذلك يجوز لمن حمله على أنه ليس بهدي ما حمله عليه (٣).

стр. 6979

٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. ١٨١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". [١٨١٥، ١٨١٦، ١٨١٧، ١٨١٨، ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣، ٦٧٠٨ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٢] ذكر فيه حديث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلًاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ شَاةً".

стр. 6980

٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهْيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ" أَوْ قَالَ: "احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ". [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٦] ذكر فيه حديث كعب أيضًا، وأن ذلك كان بالحديبية ورأسه يتهافت قملا فقال: "أحْلِقْ رَأْسَكَ" أَوْ: "احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى آخِرِهَا. فَقَالُ ﷺ : "صُمْ ثَلًاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ مساكين، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ".

стр. 6981

٧ - باب الإِطْعَامُ فِي الفِدْيَةِ ١٨١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى -أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى- تَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٦] ذكره أيضا، وفيه: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةَ، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرى -أَوْ مَا كنْتُ أُرى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرى- أتَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ".

стр. 6982

٨ - باب النُّسُكُ شَاةٌ ١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٨] ١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ. مِثْلَهُ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٨] ذكره أيضًا. وفيه: فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُم بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتبيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللهُ الفِدْيَةَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُط عَلَى وَجْهِهِ. مِثْلَهُ. حديث كعب هذا في هذِه الأبواب أخرجه مسلم من طرق (١)، وفي رواية له: "احلق ثم أذبح شاة نسكًا أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين" (٢)، وفي رواية له: فقمل رأسه ولحيته (٣)، وفي رواية له: والفرق ثلاثة آصع (٤)، وفي رواية له: ثلاثة آصع من تمر (٥).

стр. 6983

وقوله: (وعن محمد بن يوسف): قد وصله الإسماعيلي: أخبرنا علي بن محمد الحدَّادي (١)، ثَنَا هاشم بن سعيد بن أبي داود، ثَنَا محمد بن يوسف الفريابى، ثَنَا ورقاء، فذكره، وأخرجه أيضًا من حديث عمر بن الخطاب: حَدّثَنَا الفريابي، حَدثَنَا ورقاء، به، وللطبراني [في] (٢) "الكبير": "اهد بقرة وأشعرها وقلدها"، فافتدى ببقرة (٣). وذكرها أبو داود أيضًا (٤)، وفي لفظ: "واهد هديًا" فقال: ما أجد هديًا، قال: "فأطعم ستة مساكين" قال: ما أجد، قال: "فصم ثلاثة أيام" (٥)، وفي لفظ: "أي ذَلِكَ فعلت أجزأ عنك" (٦)، وفي "مقامات التنزيل": والنسك ذبيحة، وفي رواية: حَتَّى وقع في حاجبي، قال: وهذِه الآية نزلت في طريق مكة في شأن كعب، وقيل بالحديبية.

стр. 6984

وأجمع العلماء على أن من حلق رأسه لعذر أنه غير فيما نص الله تعالى من الصيام أو الصدقة أو النسك (١)، واختلف فيمن حلق، أو لبس أو تطيب، عامدًا من غير ضرورة، فقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية وهو مخير فيها. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بمخير إلا في الضرورة لشرط الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإذا حلق أو تطيب أو لبس عامدًا من غير ضرورة فعليه دم (٢)، وحجة مالك: أن السنة وردت في كعب بن عجرة في حلقه رأسه، وقد آذاه هوامه، ولو كان حكم غير الضرورة مخالفًا لبينه ولَمَّا لم تسقط الفدية من أجل الضرورة علم أن من لم يكن بمضطر أولى أن لا يسقط عنه، وقال مالك والليث والثوري وأبو حنيفة: إذا حلق ناسيًا فعليه الفدية كالعامد. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا فدية عليه. وهو قول إسحاق وابن المنذر، واحتج من يقول بأن فرض الحج على غير الفور؛ لأنه ﵇ قال لكعب بن عجرة: "يؤذيك هوامك؟ " قال: نعم. قال: "احلق وانسك شاةً" فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإتمام الشيء حقيقة إنما هو كماله بعد الدخول فيه، وقد يستعمل في ابتداء الشيء تجوزًا واتساعًا، ولم يرد الله بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ الإكمال بعد الطواف فيه، ولكنه تجوز، فاستعمل في ابتداء الدخول، يدل على ذَلِكَ قول عمر: وعلى تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك. فأخبر أن التمام

стр. 6985

فيهما هو ابتداء الدخول فيهما، وهم لم يكونوا في الحديبية محرمين بالحج فيصح خطابهم بإكماله، وإنما كانوا محرمين بالعمرة فعلم أن الأمر لهم بالإتمام ليس هو أمر بإكماله بعد الدخول فيه، وإنما هو أمر بالدخول فيه ابتداء، فدل هذا أن فرض الحج على غير الفور، وأن إحكام الحج وجبر ما يعرض فيه قد كان نزل. وكانت قصة كعب في الحديبية، وكانت سنة ست، واحتج بهذا أصحاب الشافعي. ولم يختلف الفقهاء أنَّ الإطعام لستة مساكين، وأنَّ الصيام ثلاثة أيام وأنَّ النَّسك شاةٌ على ما في حديث كعب إلا رواية الطبراني السالفة، وإلا شيء يروى عن الحسن (١) وعكرمة (٢) ونافع (٣) أنهم قالوا: الإطعام

стр. 6986

لعشرة مساكين والصيام عشرة أيام، ولم يتابعهم أحد من الفقهاء عليه للسنة الثابتة بخلافه، وإن كان ابن حزم قال: إنه غير صحيح عنهم (١). قال أحمد بن صالح: حديث كعب في الفدية سنة معمول بها عند جماعة العلماء، ولم يروها أحد من الصحابة غير كعب، ولا رواها عن كعب إلا رجلان من أهل الكوفة: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل، وهي سنة أخذها أهل المدينة من أهل الكوفة (٢). قلت: ورواه ابن وهب عن مالك، عن حميد، عن مجاهد (٣)، عن كعب لم يذكر ابن أبي ليلى (٤)، وتابعه ابن القاسم وابن عفير عن مالك (٥). قال ابن عبد البر: والحديث لمجاهد عن ابن أبي ليلى صحيح لا شك فيه عند أهل العلم بالحديث (٥). ورواه الترمذي في التفسير عن علي بن حجر، عن هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد قال: قال كعب، .. الحديث (٦). قال أبو عمر: ورواه ابن وهب وغيره بإثبات ابن أبي ليلى، ورواه الشافعي وجماعات بإسقاط مجاهد، وإسقاطه خطأ، وزعم الشافعي أن

стр. 6987

مالكًا هو الذي أسقطه (١). قال ابن حزم: والصحيح في خبر كعب ما رواه ابن أبي ليلى، والباقون روايتهم مضطربة موهومة، والقصة واحدة، ووجب أخذ ما رواه أبو قلابة والشعبي عنه؛ لثقتهما، ولأنها مبينة لسائر الأحاديث (٢). قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الإطعام في فدية الأذى مدَّان بمده ﵇ على ما جاء في حديث كعب. وروي عن الثوري وأبي حنيفة: أنهما قالا في الفدية: من البر نصف صاع، ومن التمر أو الشعير أو الزبيب صاع لكل مسكين (٣). وهذا خلاف نص الحديث ولا معنى له، وعمَّ الشارع جميع أنواع الطعام، ولم يستثن بعض ما يطعم المساكين، وقاس أبو حنيفة: كفارة الأيمان على كفارة فدية الأذى فأوجب في كفارة الأيمان وسائر الكفارات مدين مدين لكل إنسان، كما ستعلمه. وقام الإجماع على أن أقل النسك شاة (٤)، وبها أفتى الشارع كعب بن عجرة، وقد ثبت كما قال ابن بطال: أنه نسك ببقرة، ثم ساقه بإسناده من حديث سليمان بن يسار قال: ذبح كعب بقرة فأخذ بأرفع الكفارات، ولم تكن هذِه مخالفة لرسول الله ﷺ بل كانت موافقة وزيادة. ففيه من الفقه: أن من أُفتي بأيسر الأشياء وأقل الكفارات أن له أن يأخذ بأعالي الأمور، وأرفع الكفارات كما فعل كعب، قال ابن المنذر:

стр. 6988

قوله في الحديث ولم يبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة فيه دليل أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حَتَّى ييأس من الوصول فيحل، وقال من أحفظ عنه من أهل العلم: إن من يئس أن يصل إلى البيت فجاز له أن يحل فلم يفعل حَتَّى خلى سبيله أن عليه أن يمضي إلى البيت؛ ليتم مناسكه. وقوله: (فأمره أن يحلق ولم يبين لهم أنهم يحلون بها). فيه حجة لمالك في وجوب الكفارة على المرأة تقول في رمضان: غدًا حيضي، والرجل يقول: غدًا يوم حُمَّاي، فيفطران ثم ينكشف الأمر بالحمى والحيض كما قالا، أن عليهما الكفارة؛ لأنه لم يكن ما كان في علم الله من أنهم يحلون بالحديبية، وأن الهدي قد بلغ محله، بمسقط عن كعب الكفارة إذا استباح الحلاق قبل إعلام الله تعالى بأن الهدي قد بلغ محله، فكذلك ما كان في علم الله من أنها تحيض لا تسقط عنها الكفارة إذا استباحت حرمة رمضان قبل علمها بالحيض، وكذلك المريض إذ قد يجوز أن يكون ما ظنَّا؛ لأنه لا يقطع على مغيب (١). تنبيهات: أحدها: الهوام: القمل، وهي هوام الإنسان المختصة بجسده؛ لأنها تهم في الرأس وتدب، وقال الداودي: الهوام: دواب الإنسان التي تخرج من جسده، قال: وكل ما سكن أحجار الأرض فهو من هوامها، وقال ابن فارس: هوام الأرض: حشراتها، وهي دوابها الصغار كاليرابيع والضباب (٢). وقال الهروي: الهوام: الحيات، وكل

стр. 6989

ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل (سمه) (١) فهو: السوام كالعقرب والزنبور، قال: ومنها الهوام مثل القنافذ والخنافس، والفأر واليرابيع، قال: وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وذكر حديث كعب هذا. وقوله: "احلق رأسك" يحتمل الندب والإباحة، قال ابن التين: وهذا يدل على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوع وتجب به الفدية، وكذلك الجسد عند مالك (٢). ثم قال: وقال الشافعي: أخذ القملة من الجسد مباح، وفي أخذها من الرأس الفدية؛ لأجل ترفهه لا لأجل القملة. قلت هذا غريب؛ فإن الشافعي قال: من قتل قملة تصدق بلقمة وهو على وجه الاستحباب (٣). ثانيها: لو صام الثلاثة أيام في أيام التشريق، فأباحه في "المدونة" (٤) وكرهه في كتاب محمد للنهي عن صيامها، ولا يصومها إلا من صام العشر في حق المتمتع للنص فيها (٥). ثالثها: قال مالك: له أن ينسك الشاة حيث شاء لإطلاق الكتاب والسنة (٦)، وقال أبو بكر بن الجهم وأبو حنيفة والشافعي: لا يذبحه إلا بمكة، وكذا قال الشافعي في الإطعام (٧).

стр. 6990

رابعها: هذِه الكفارة مخيرة و (أو) للتخيير في الآية، وبعض العلماء يرى أن يبدأ بالأول فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد فصيام، حكاه ابن التين في غزوة الحديبية، وقال الداودي: وقيل إن النسك لا يكون إلا هديًا، وظاهر القرآن يرده، وذكر الشاة أولًا في بعض الروايات إنما هو للندب (١). خامسها: قال محمد من المالكية: إذا أطعم ذرة نظر مجراه من القمح، وزاد منها قدر ذَلِكَ (٢)، وأنكره غيره، وقال: لا ينبغي أن يجعل القمح أصلًا، ورواية مسلم السالفة: ثلاثة آصع من تمر (٣)، ترد على أبي حنيفة ومن وافقه في قوله: أنه إذا أطعم غير البر أطعم أربعة وعشرين مدًّا لستة مساكين، وعن أحمد: إن أطعم برًا أطعم مدًا لكل مسكين، أو تمرًا أطعم مدين (٤). سادسها: الفرق: بفتح رائه وإسكانها، قاله ابن فارس (٥)، وأنكر غيره الإسكان (٦)، وهو ستة عشر رطلًا وذلك ثلاثة آصع. سابعها: ظاهر ما سلف أن القمل أمرضه، فلما حمل إليه استعظم ما به، ومعنى: يتهافت: يسقط، كما جاء في الرواية الأخرى، والجهد بفتح الجيم: المشقة.

стр. 6991

ثامنها: جعل هنا صوم يوم معادل صاع، وفي فطر رمضان بمد، وفي كفارة اليمين مقابلة العتق، وإطعام عشرة مساكين، وفي كفارة الظهار: إطعام ستين عن صيام شهرين، يتعبد الله عباده بما شاء. تاسعها: وقع لابن عبد البر وابن بطال أن النسك هنا شاة (١)، وقد نبهنا فيما مضى على ذَلِكَ. عاشرها: فدية في الآية مرفوع أي: فعليه فدية، ولو نصب جاز في اللغة على إضمار فليعط فدية أو فليأت فدية، قاله الزجاج. حادي عشرها: من غرائب ابن حزم أن نتف الشعر لا شيء عليه فيه قال: لأن النتف غير الحلق والتنوير (٢). وغيره قال: الحلق والنورة والقص وغيره سواء، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا (٣)، ونقل ابن بطال عن أكثر العلماء وجوب الفدية على المحرم إذا حلق شعر جسده، أو أطلى أو حلق موضع المحاجم، وبعضهم يجعل عليه في كل شيء من ذَلِكَ دمًا (٤). وقال داود: لا شيء عليه. قال ابن حزم: إذا حلق المحرم رأسه أو بعضه لغير ضرورة عامدًا عالمًا أنَّ ذَلِكَ لا يجوز بطل حجه، ولو قطع من شعر رأسه ما لا يسمى حالقًا، فلا شيء عليه، لا إثم ولا كفارة بأي شيء قطعه أو نزعه (٥). ثاني عشرها: اختلف في موضع الفدية، فقال مالك: إن شاء بمكة وإن شاء ببلده، وذبح النسك والإطعام والصيام عنده سواء، يفعل من

стр. 6992

ذَلِكَ ما شاء أين شاء، وهو قول مجاهد (١)، والذبح والهدي عنده لا يكون إلا بمكة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: الدم والإطعام لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء، وهو قول طاوس (٢)، وعن أبي حنيفة أيضًا كقول عطاء (٣).

стр. 6993

٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٨١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". [انظر: ١٥٢١ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٤/ ٢٠] ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ، سمعت أبا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هذا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". ١٠ - باب قَوْلِ اللهِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". [انظر: ١٥٢١ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٤/ ٢٠] ذكر فيه الحديث المذكور بلفظه سواء، إلا أنه قال: "رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" وشيخ شيخ البخاري فيه سفيان وهو الثوري كما بينه البيهقي في إسناده، ثم عزاه إلى البخاري، وأخرجه البيهقي أيضًا من حديث يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، أدخل بينهما هلالًا (١)، لكن صرح البخاري بسماع منصور من أبي حازم، فلا يضر هذا، وقد سلف في أول الحج مصرحًا فيه بالسماع أيضًا فراجعه من ثَمَّ (٢).

стр. 6994

٢٨ كتاب جزاء الصيد

стр. 6995

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ٢٨ - [كتاب] باب جَزَاءِ الصَّيْدِ ونحوه (١) [١ - باب] قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. [المائدة: ٩٥ - ٩٦] [٢ - باب] إِذَا اصَّادَ الحَلَالُ فَأَهْدَى إلى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ . وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ غَيْرُ الصَّيْدِ نَحْوُ الإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالخَيْلِ، يُقَالُ: عَدْلُ: ذَلِكَ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ. ﴿قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧]: قِوَامًا. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يَجْعَلُونَ عَدْلًا. ١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ

стр. 6996

فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: "كُلُوا" وَهُمْ مُحْرِمُونَ. [١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧. ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٤/ ٢٢] ثم ذكر فيه حديث أَبِي قَتَادَةَ: أنه صاد حمار وحش وكان غير محرم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: "كُلُوا" وَهُمْ مُحْرِمُونَ. الشرح: هذِه الآية نزلت في كعب بن عمرو وأنه كان محرمًا في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحشٍ، ووقع في "تفسير مقاتل"، أنها نزلت في أبي اليسر (١) عمرو بن مالك، والأول ما ذكره المؤرخون ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي وغيرهم، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، والآية نزلت في العمد، والخطأ ملحق به للتغليظ. قال الزهري: نزل الكتاب بالعمد، والسنة جاءت بالخطأ (٢). ﴿وَأَنتُم حُرُم﴾ بحج أو عمرة، أو المحرم الداخل في الحرم كأتهم وأنجد، ويقال: أحرم إذا دخل في الأشهر الحرم متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه

стр. 6997

أو ذاكرًا، وقد سلف. قال مجاهد والحسن: هو العامد للصيد مع نسيان الإحرام حال قتله، فإن قتله عامدًا ذاكرًا فأمره إلى الله، ولا حكم عليه؛ لأنه أعظم من أن يكون له كفارة مثل ما قتل في صورته وشبهه أو قيمة الصيد يصرف في مثله من النعم وهي الإبل والبقر والغنم، فإن انفردت الإبل وحدها قيل لها نعم بخلاف غيرها (١). قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، وخولف. ﴿يحَكُمُ بِهِ﴾ أي: بالمثل. ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ الحرم كله؛ لأن الكعبة فيه، ويجوز فيه من الصغار ما لا يجوز في الأضحية خلافًا لأبي حنيفة. ﴿أَو كَفَّاَرَةٌ﴾ يشترى بقيمة المثل طعام، أو بقيمة الصيد أو عدل الطعام صيامًا عن كل مد يومًا أو ثلاثة أيام، أو عن كل صاع يومين، وهي مخيرة أو مرتبة في المثل، ثم الطعام ثم الصيام قاله ابن عباس (٢)، وقد أسلفنا كلام البخاري في العدل، وقرئ بالكسر (٣)،

стр. 6998

وأنكرت؛ لأنه الحمل، وقيل: هما لغتان بمعنى. ﴿وَبَالَ أَمرِه﴾ بالتزام الكفارة، ووجوب التوبة. ﴿عَمَّا سَلَفَ﴾، أي: قبل التحريم. ﴿وَمَن عَادَ﴾ بعد التحريم. ﴿فَيَننَقِمُ اَللهُ مِنهُ﴾ بالجزاء أو عقاب الآخرة. ﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾ بعد التحريم مرة بعد أخرى انتقم الله منه بالعقوبة دون الجزاء عند ابن عباس (١)، أو بهما عند الجمهور، وقال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول أمره فإذا عاد لم يحكم (٢)، ويقال: اذهب ينتقم الله منك. أي: ذنبك أعظم كاليمين الغموس، قال الزهري: ويملأ بطنه وظهره ضربًا وجيعًا، وبذلك حكم الشارع في صيد وج، وادٍ بالطائف (٣).

стр. 6999

﴿صَيدُ اَلْبحَرِ﴾ أي: مصيده. ﴿وَطَعَامُهُ﴾ أي: طافيه وما لفظه أو مملوحه. ﴿مَتَعًا لكُم﴾ أي: مدخر، وسيأتي في كتاب الصيد إيضاحه إن شاء الله وقدره. ﴿وَللسَيَّارَةِ﴾: المسافرون، أراد أن المسافر والمقيم فيه سواء، وكان بنو مدلج ينزلون سيف البحر فسألوه عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت. وأما أثر أنس فأخرجه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن

стр. 7000

الصباح بن عبد الله البجلي قال: سألت أنس بن مالك عن المحرم هل يذبح؟ قال: نعم (١)، وعن إبراهيم: يذبح المحرم كل شيء إلا الصيد (٢)، وكذا قاله الحكم وحماد وعطاء (٣). وأما أثر ابن عباس فذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره"، وكأن البخاري ذكر هذا التعليق ليستدل به على ما روي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: ذبيحة المحرم ميتة (٤)، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقال ابن التين: على قول ابن عباس عامة العلماء. وقال ابن بطال: ما ذكراه قول الجماعة، العلماء لا خلاف بينهم أن الداجن كله من الإبل والبقر والغنم والدجاج وشبهه يجوز للمحرم ذبحها؛ لأن الداجن كله غير داخل في الصيد (٥). وأما حمام مكة فليس من الداجن وهو داخل في الصيد المحرم على المحرم. وقال الحربي في "مناسكه": يذبح المحرم الدجاج الأهلي، ولا يذبح الدجاج السندي، ويذبح الحمام الشامي، ولا يذبح الطيارة، ويذبح الأوز، ولا يذبح البط البري، ويذبح الغنم والبقر الأهلية، ويصيد السمك وكل ما كان في البحر، ويجتنب صيد الضفادع. وهذِه تفاصيل غريبة.

стр. 7001

وقوله: (والخيل). قالت به فرقة، كما قاله ابن التين، وأجازها أبو يوسف ومحمد، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل الحديث لحديث جابر وأسماء: أنهم أكلوه على عهد رسول الله ﷺ ، وكرهها مالك وأبو حنيفة (١)، وسيأتي في الذبائح إن شاء الله تعالى (٢). إذا عرفت ذَلِكَ، فاتفق أئمة الفتوى بالحجاز والعراق أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأ فعليه الجزاء، منهم: الليث والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق (٣)، وخالف أهل الظاهر فقالوا: لا يجب الجزاء إلا على المتعمد للآية؛ لأن دليل الخطاب يقتضي أن الخاطئ بخلافه وإلا لم يكن لتخصيص المتعمد معنى، وقالوا: قد روي عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن ذَلِكَ كان مذهبه. روى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه سأل رامي الظبي وقاتله: أعمدًا أصبته أم خطأ؟ (٤) قالوا: ولم يسأله عمر عن ذَلِكَ إلا لافتراق حكمهما عنده. وروي مثله عن ابن عباس.

стр. 7002

وذهب جماعة العلماء في تأويل الآية، وقالوا: لا حجة في سؤال عمر؛ لأنه يجوز أن يسأله عن ذَلِكَ ليعلم إن كان قتله عمدًا، ثم قتل بعده صيدًا عمدًا انتقم الله منه فأراد عمر تحذيره من ذَلِكَ مع أنه قد روى شعبة هذا الحديث عن قبيصة أنه أجاب عمر بلا أدري، فأمره بالفدية (١). فخالف رواية سفيان، فدل على أن السؤال كان ليقف به على الانتقام في العودة مع أن الأشبه بمذهب عمر مذهب الجماعة. روى شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود أن كعبًا قال لعمر: إن قومًا استفتوني في محرم قتل جرادة، فأفتيتهم أن فيها درهمًا، فقال: إنكم يا أهل حمص كثيرة دراهمكم؛ تمرة خير من جرادة (٢)، أفلا ترى عمر لم ينكر على كعب تركه سؤال القوم عن قتل المحرم للجرادة إن كان عمدًا أو خطأ؛ لاستواء الحكم في ذَلِكَ عنده، ولو اختلف الحكم في ذَلِكَ عنده لأنكر عليه تركه السؤال عن ذَلِكَ، وهذا ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن عمرو كلهم قد أجاب بما أصاب المحرم بوجوب الجزاء، ولم يسأل أحد منهم عن عمد في ذَلِكَ ولا خطأ (٣)، ولا يكون ذَلِكَ إلا لاستواء الحكم عندهم في ذَلِكَ، ثم السنة الثابتة عن الشارع تدل على هذا المعنى.

стр. 7003

روى جابر أنه ﵇ سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: "نعم، وفيه كبش إذا صاده المحرم" (١) ولم يفصل بين العمد والخطأ، والقياس يدل عليه أيضًا كما في فساد الحج بالجماع، والخطأ بالكفارة أولى من العمد دليله كفارة القتل. واحتج أهل الظاهر بحديث: "وضع عن أمتي الخطأ" (٢)، والمراد وضع الإثم. فإن الفقهاء مجمعون أن الخطأ والنسيان ليسا في إتلاف الأموال، وما رووه عن ابن عباس فإسناده ضعيف، رواه قتادة عن رجل عن ابن عباس، قاله إسماعيل بن إسحاق.

стр. 7004

وأغرب محمد بن عبد الله المالكي فقال: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه إن عاد إلا ما أوعده به أو يعفو عنه، ونقله عن ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وطاوس وأبي ثور، وقيل: إن ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ مردود إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ وفيه بعد. واختلفوا في تأويل قوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: المراد بالآية إخراج مثل الصيد المقتول من النعم إن كان له مثل، ففي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، والغزال عنز، والأرنب عناق، واليربوع جفرة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب القيمة وإن كان له مثل، ثم يشتري بتلك القيمة هديًا أو طعامًا أو يتصدق بقيمته (٣). قالوا: لما لم يجز أن يراد بالمثل المثل من الجنس علم أن المراد به القيمة، وأنها تصرف في النعم يدل على أن المراد بالمثل القيمة قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وهو عام في جميع الصيد سواء كان له مثل أو لم يكن، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره فإن الواجب في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة، في أحد الأمرين، وجوابه أن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المراد به: مثل المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان الواجب في النعامة نعامة، وفي بقر الوحش بقرة، فلما قال:

стр. 7005

﴿مِنَ اَلنَعَمِ﴾، أوجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره، ومثله من النعم ليس هو القيمة، والمماثلة من طريق الخلقة مشاهدة محققة، والتخصيص بالنعم من سائر الحيوان قال على ذَلِكَ، ومخرج للدراهم وغيرها، وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع وهو ما له مثل، والمجاز في آخر وهو ما لا مثل له، فإنَّا نعدل إلى القيمة وإنما يتنافي ذَلِكَ إذا كان في حالة واحدة فأما في حكمين فلا، فإن قلت: أين مماثلة الشاة للحمامة؟ قلت: لأن الطير ليس من النعم، والجزاء لا يكون إلا هديًا، وهو أقل ما يسمى هديًا. وإن قتل جماعة واحدًا لزمهم جزاء واحد عند الشافعي، خلافًا لمالك (١). واختلفوا في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فقال مالك: لا يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وجوزه الثوري والشافعي، واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين. وجه الأول الآية، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فيحتاج إلى حكمين غيره يحكمان كما يحتاج إلى شاهدين غيره، والحكومات إنما تكون من غير المحكوم عليهم، كما لا يجوز أن يكون الزوج حكمًا في الشقاق (٢). واتفق الأئمة الأربعة وأبو ثور أن هذِه الكفارة مخيرة للإتيان فيها بـ (أو) فإن شاء أهدى وإن شاء صام، وإن شاء تصدق (٣).
следующие страницы →