← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

٥٣ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِفْطَارِهِ ١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ. [مسلم: ١١٥٧ - فتح: ٤/ ٢١٥] ١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ، حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ. [انظر: ١١٤١ - فتح: ٤/ ٢١٥] ١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ١١٤١، ٣٥٦١ - مسلم: ٢٣٣٠ - فتح: ٤/ ٢١٥] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: والله لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا والله لَا يَصُومُ. وحديث مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أنس: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ، حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ ترَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلَّيًا إِلَّا رَأَيْتَةُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيتهُ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ.

стр. 7702

ثم ساق عن محمد، عن الأحمر -أبي خالد- عن حميد قال: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ صِيَامِ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، الحديث. الشرح: تعليق سليمان عن حميد تقدم في باب: قيامه بالليل ونومه أيضًا (١)، ومحمد هذا قال الجياني وغيره: هو محمد بن سلام (٢). وفي هذِه الأحاديث من الفقه: أن النوافل المطلقة ليس لها أوقات معلومة وإنما يراعى فيها وقت النشاط لها والحرص عليها. وفيه: أنه ﵇ لم يلتزم سرد الصيام الدهر كله، ولا سرد الصلاة بالليل كله رفقًا بنفسه وبأمته؛ لئلا تقتدي به في ذَلِكَ فيجحف بهم، وإن كان قد أُعطي من القوة في أمر الله تعالى ما لو التزم الصعب منه لم ينقطع عنه، فركب من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام، وبهذا أوصى عبد الله بن عمرو، فكان إذ كبر يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ (٣). وقول ابن عباس: أنه ﵇ ما صام شهرًا كاملًا قط غير رمضان، يشهد لحديث أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة السالف بالصحة، وهما مبينان لحديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنه ﵇ كان يصوم شعبان كله، أن المراد بذلك أكثره، كما سلف.

стр. 7703

وقول أنس: ما مسِسْت خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ ، كسر السين أفصح من الفتح، وهو دال على كمال فضائله خَلْقًا وخُلُقًا، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الرب تعالى لمباشرته الملائكة ولمناجاته لهم.

стр. 7704

٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ ١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي: "إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ". [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢١٧] حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، أَنا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي: "إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ". إسحاق هذا قال الجياني: لم ينسبه أحد من شيوخنا ولا أبو نصر (١)، ورواه أبو نعيم في "مستخرجه" عن أبي أحمد، ثَنَا ابن شيرويه، ثَنَا إسحاق بن إبراهيم، أنا هارون، ثنا علي بن مبارك. وقد جاء في إكرام الضيف وبره أحاديث، وهو من صنع المرسلين، ألا ترى ما صنع إبراهيم ﷺ بضيفه حين جاءهم بعجل سمين، وصح: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (٢)، ومن إكرامه أن يأكل معه ولا يوحشه بأن يأكل وحده، وهو معنى قوله: "وإن لضيفك عليك حقًّا" (٣) يريد أن تطعمه أفضل ما عندك وتأكل

стр. 7705

معه. ألا ترى أن أبا الدرداء كان صائمًا فزاره سلمان فلما قرب إليه الطعام قال: لا آكل حَتَّى تأكل، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه، ومن حقه أن يقوم بحقه، والزور: الضيف، والرجل يأتيه زائرًا، الواحد والاثنان والثلاثة، والمذكر والمؤنث في ذَلِكَ بلفظ واحد، يقال: هذا رجل زَور، ورجلان زَور، وقوم زَور فيؤخذ في كل موضع؛ لأنه يتصدر في موضع الأسماء، ومثل ذَلِكَ هم قوم صوم وفطر وعدل في أن المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقد سلف، ذلك في الصلاة وقيل: زور جمع زائر مثل تاجر وتجر. وحقها هنا: يريد الوطء، فإذا سرد الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها، وفي لفظ: "إن لأهلك" (١) بدل "زوجك"، والمراد بهم هنا: الأولاد والقرابة، ومن حقهم الرفق بهم والإنفاق عليهم وشبه ذَلِكَ. والزوج أفصح، وفي لغة زوجة.

стр. 7706

٥٥ - باب حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ ١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: "فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ". قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: "نِصْفَ الدَّهْرِ". فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢١٧] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" الحديث بطوله. وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل؛ لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت، كما قال في الحديث المروي عند أبي داود: "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" (١). قال المبرد: المنبت: المسرع في السير، فكأنه وقفت دابته ولم يبلغ

стр. 7707

منزله، وقال ﷺ : "أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل" (١)، وقال: "اكلفوا من العمل ما تطيقون" (٢) فنهى عن التعمق في العبادة وإجهاد النفس في العمل؛ خشية الانقطاع، ومتى دخل أحد في شيء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها، وقد ذم الله تعالى من فعل ذَلِكَ بقوله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧] فوبخهم على ترك التمادي فيما دخلوا فيه، ولهذا قال ابن عمرو حين ضعف عن القيام بما كان التزمه: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . وقد

стр. 7708

جاء في رواية أخرى تأتي في باب: صوم داود: "إنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت له العين" (١). أي: غارتا ودخلتا وهجمت على الضرر دفعة واحدة، والهجم: أخذ الشيء بسرعة، وهجمت على القوم: دخلت عليهم، ويحتمل أن يكون هجمت بغلبة النوم وكثرة السهر. وقوله: "بحسبك" أي: يكفيك أن تصوم ثلاثة أيام. وفي رواية: "صم من كل عشرة يومًا" (٢) وقد علل صيامها بأنه يعادل صيام الدهر كله، وسيأتي الكلام على ذَلِكَ. والسين ساكنة، أي: يكفيك ما ذكرته. ونقل ابن التين عن بعض العلماء أن صيامها حسن ما لم يعيِّنْها، وليس فيها تشبه بالفرض إذا لم يعين أيامًا من الشهر، مثل قصد أيام البيض فقد كرهه مالك، وقال: ما هذا ببلدنا، وقال: الأيام كلها لله، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يوفيه أو شهر (٣)، قال عنه ابن وهب: وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه صوم يوم يوفيه أو شهر كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء ويفطر إذا شاء، وذكر علي بن الفضل المقدسي في رسالة مالك إلى هارون أنه أمره بصيامها، وقال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ذَلِكَ صيام الدهر" (٤) إلا أنه

стр. 7709

تكلم في إسنادها -أعني: الرسالة- وهي مذكورة في "سنن الكجي" وهو ثقة إمام، وادعى الباجي أنه روى في إباحة تعمدها أحاديث لا تثبت، وفي "صحيح مسلم" عن (معاذة) (١)، قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. قلت: فمن أي شهر كان يصوم؟ قالت: ما كان يبالي من أي الشهر كان يصوم (٢). قال: واختلف القائلون بإباحة تعمد صومها على أربعة أقوال في تعيينها: فقال ابن حبيب: كان أبو الدرداء يصوم أول يوم واليوم العاشر والعشرين (٣). قال: وبلغني أن هذا كان صوم مالك، رواها ابن حبيب. قال الباجي: فيه نظر؛ لأن رواية ابن حبيب، عن مالك فيها ضعف ولو صحت، إذ أن المعنى أن هذا مقدار صوم مالك، فأما أن يتحرى صيامها، فالمشهور عن مالك منعه (٤). وقال سحنون: يصوم أوله. واختاره الشيخان [أبو محمد و] (٥) الحسن؛ لأنه لا يدري ما يمنعه من فعل ذَلِكَ من مرض، أو موت أو غير ذَلِكَ. وفي الترمذي قال أبو ذر: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشر" ثم

стр. 7710

حسنه (١)، وقال الشيخ أبو إسحاق في "زاهيه": أفضل صيام التطوع أول يوم من الشهر من العشر الأول وحادي عشرة وحادي عشريه. وقوله: "فصم صيام نبي الله داود ولا تزد عليه" وقال في الباب بعده: "لا أفضل من ذَلِكَ" (٢)، وقال: "صم وأفطر"، وقال: "لا صام من صام الأبد" مرتين (٣)، وقال فيمن صام الأبد: "لا صام ولا أفطر" أخرجاه (٤). استدل بهذا من منع صوم الدهر من خمسة أوجه: قوله: "ولا تزد" "صم وأفطر"، "لا أفضل من ذَلِكَ"، دعاؤه على من صامه، أنه في معنى من لم يؤجَرْ لقوله: "لا صام ولا أفطر" لأنه أمسك ولا أجر له. ومعنى: "لا صام من صام الأبد": أنه لم يصم يومًا ينتفع به، وتكون (لا) بمعنى لم، كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١] وقوله: "وأي عبدٍ لك لا ألما" (٥) ويحتمل أنه دعا ليرجع عن ذَلِكَ، وأجاز

стр. 7711

مالك، وابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" صيامه. قال ابن حبيب: إنما النهي إذا صام فيه ما نهي عنه (١)، وهو مذهب سائر الفقهاء إلا الظاهرية، فإنهم أثموا فاعله عمدًا بظاهر أحاديث النهي عنه (٢)، وقد صح أنه قال: "إني أصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٣)، وعندنا أن صومه غير العيد والتشريق مكروه لمن خاف ضررًا أو فوت حق، ومستحب لغيره. واحتج من لم يكرهه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وبقوله ﵇ حكاية عن الله تعالى: "إلا الصوم فإنه لي" (٤). قال الداودي: وإنما صار صيام يوم ويوم أفضل؛ لأنه أبقى لقوة الجسم وإذا استمر صار عادة.

стр. 7712

٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ ١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ". قُلْتُ: إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ". فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ". [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٠] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: والله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. إلى آخر الحديث. وفي آخره، "لا صام من صام الأبد" مرتين. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). وفيه: أن التألي على الله تعالى في أمر لا يجد منه سعة ولا إلى غيره سبيلًا منهي عنه، كما نهى رسول الله ﷺ عبد الله بن عمرو عما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار، وكذا من حلف: لا يتزوج، ولا يأكل، ولا يشرب، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] والذي حلف ألَّا ينكح أن ينكح، كذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه، وعليه كفارة يمين.

стр. 7713

وفيه: أن التعمق في العبادة والإجهاد للنفس مكروه؛ لقلة صبر البشر على التزامها، لاسيما في الصيام الذي هو إضعاف للجسم، وقد رخص الله تعالى فيه في السفر لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحلِّ والترحال، فكيف إذا انضاف ذَلِكَ إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين؛ حَتَّى تكون كلمة الله هي العليا!؟ (١) ألا ترى أنه ﵇ قال ذَلِكَ في الحديث عن داود (وكان لا يفر إذا لاقى) (٢): أي أنه أبقى لنفسه قوة؛ لئلا يضعف نفسه عند المدافعة واللقاء، وقد كره قوم من السلف صوم الدهر، روي ذَلِكَ عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي ذر، وسليمان، وعن مسروق، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد،

стр. 7714

وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله في صيام داود: "لا أفضل من ذَلِكَ" وغيره كما سلف، وقالوا: إنما نهى عن صوم الأبد لما في ذَلِكَ من الإضرار بالنفس، والحمل عليها في منعها من الغذاء الذي هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضيف، وقد أخبر الشارع بقوله: في صوم داود: "وكان لا يفر إذا لاقى" أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي أفضل من الصوم، وذلك بثبوته لحرب الأعداء عند التقاء الزحوف وتركه الفرار منهم؛ فكان إذا قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معاني الصيام، قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء الفرائض. وعمَّا هو أفضل من صومه ذَلِكَ من ثقل الأعمال وهو صحيح الجسم غير مكروه له صومه ذَلِكَ، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من الفرائض فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عنها عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه وإن كان غير آثم. وكان ابن مسعود يقل الصوم، فقيل له في ذَلِكَ قال: إني إذا صمت ضَعُفْتُ عن الصلاة وهي أحب إليَّ منه (١). وكان أبو طلحة لا يكافي يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي ما رأيته يفطر إلا يوم فطر وأضحى (٢).

стр. 7715

وصححه الحاكم (١)، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين (٢)، وسرده أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت الصديق، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين، وقالوا: من أفطر الأيام المنهي عن صومها فليس بداخل فيما نهي عنه من صوم الدهر، وحمل بعضهم النهي عنه لمن تضرر به، وأيده برواية أبي قلابة: أن امرأةً صامت حَتَّى ماتت؛ فقال ﵇: "لا صامت ولا أفطرت" (٣) ومن صام حَتَّى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذَلِكَ آثم. وفي "صحيح ابن حبان" من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" وضم أصابعه هكذا على تسعين (٤)

стр. 7716

قيل: هو مدح، وقيل: ذم كما أوضحته في "التحفة". وفي ابن ماجه بإسناد فيه ابن لهيعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: "صام نوح الدهر إلا يومين الأضحى والفطر" (١).

стр. 7717

فرع: قال القاضي والمتولي: صوم داود أفضل من صوم الدهر، وفي كلام غيرهما إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا بابن عمرو ومن في معناه تقديره لا أفضل من هذا في حقك، يؤيد هذا أنه لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، ولو كان ما قاله لابن عمرو أفضل في حق كل الناس لأرشد حمزة إليه وبينه له. وقال الغزالي في "الإحياء" بعد أن قرر استحباب صوم الدهر: ودونه مرتبة أخرى وهي صوم نصفه (١). كذا ذكر، وهو أشد على النفس، ومن لا يقدر على ذَلِكَ فليصم ثلاثة، وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومين، فإذا صام ثلاثة من أول الشهر، وثلاثة من وسطه، وثلاثة من آخره فهو ثلث واقع في الأوقات الفاضلة، فإن صام الاثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث.

стр. 7718

٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٩٦٨] ١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَطَاءً، أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رضى الله عنهما: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّى [وَلَا تَنَامُ]؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا". قَالَ إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇". قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: "كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". قَالَ مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ". مَرَّتَيْنِ. [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢١] رواه أبو جحيفة عن النبي ﷺ . هذا قد سلف مسندًا قريبًا (١). ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف، وفيه: "وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا". وفيه أبو العباس المكي الشاعر وهو السائب بن فروخ الأعمى والد العلاء. ثم ترجم له:

стр. 7719

٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا" فَقَالَ: "اقْرَإِ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ". قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "فِي ثَلَاثٍ". [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤] وفي سنده المغيرة، وهو ابن مقسِّم الكوفي، مات سنة ثلاث أو ست وثلاثين ومائة. و:

стр. 7720

٥٩ - باب صَوْمِ نبي الله دَاوُدَ ﵇ - ١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ المَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ: لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: "إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". قُلْتُ: فَإِنِّى أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤] ١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، [بْنُ عَبْدِ اللهِ] عَنْ خَالِدٍ [الحَذَّاءِ] عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو المَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِى وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: "أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "خَمْسًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "سَبْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "تِسْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "إِحْدَى عَشْرَةَ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا". [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤] وذكره من طريقين عنه، وفيه أبو قلابة واسمه عبد الله بن زيد، وأبو المليح واسمه عامر بن أسامة. وقوله: ("إنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت له العين") سلف بيانه قريبًا (١). وقوله: (نهتت) هو بالنون ثم هاء ثم مثناة فوق ثم أخرى مثلها،

стр. 7721

ومعناها: ضعفت، ولأبي الهيثم: نهكت، وليست هذِه الكلمة معروفة في كلامهم حَتَّى "الصحاح"، كذا بخط الدمياطي في الحاشية، وقال ابن التين: ضبط بكسر التاء في بعض الروايات وبالفتح في بعضها، وأعجم التاء ثلاثًا، ثم قال: ولم يذكره أحد من أهل اللغة وإنما ذكره الهروي، وابن فارس بتاء معجمة باثنتين. قال ابن فارس: النهيت دون الزئير (١). قال: وكذلك ذكر صاحب "الصحاح" (٢). قال الهروي: نهت ينهت أي: صوت، والنهيت: صوت يخرج من الصدر شبيه بالزجر، وقال في رواية أخرى: نهكت (٣)، ولا وجه له إلا أن يقرأ بضم النون، من نهكته الحمى إذا نقضته، وسلف عقب باب: ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه: "فإنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت عينك ونفهت نفسك". ونفهت: أعيت وملَّت، وكذا في كتاب مسلم (٤)، وذكره الهروي. وقال الداودي: قوله في داود ﵇ في "ولا يفر إذا لاقى" يريد أنه لم يتكلف من العمل ما يوهنه عن لقاء العدو. وقوله في الباب الأول: أسرد الصوم. أي: أديمه. وقوله: فإما أرسل إليَّ أو لقيته، الشك من عبد الله راويه، وسببه طول الزمن. وقوله: ("أما يكفيك من الشهر صوم ثلائة أيام") وسبق: "صم يومًا وأفطر يومين" (٥)، وفي أخرى: وذكر خمسًا وسبعًا وتسعًا، وإحدى

стр. 7722

عشرة. فإما أن يكون اختصر المحدث في بعضها، أو حفظ بعضًا ونسي بعضًا، أو حدث عبد الله ببعضه تارة وبكماله أخرى. وقوله في باب: صوم الدهر: بأبي أنت وأمي، أي: أفديك بهما، وهذا من جملة توقيره وحقيق فدائه بالأنفس. وقوله: ("إحدى عشرة") هو الصواب، ووقع في رواية أبي الحسن بحذف الهاء، والصواب إثباتها، وكذا هو عند أبي ذر. وللأصيلى: أحد عشر بغير ياء. ودخوله ﵇ على عبد الله، فيه زيارة المفضول وإكرامه، وإلقاء الوسادة له من باب التكريم، وتواضعه ﵇ وجلوسه بالأرض. والأدم: الجلود. قال الداودي: الأدم: الجلد، والذي ذكره أهل اللغة: أن الأدم، بفتح الألف والدال: جمع أديم، وهو جمع نادر في أحرف، ومنه: أفيق وأفق، وأديم وأدم، وأهيب وأهب، زاد الهروي قضيم وقضم. قال: وهي الجلود البيض، ولم يذكر أنه نادر مثل ما ذكره الخطابي (١)، والليف: جمع ليفة. وحق الأهل أن تبقى في نفسه قوة يمكنه معها الجماع، فإنه حق يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم، كما لها المطالبة بالنفقة عليها؛ فإن عجز عن واحد منهما طلقت عليه بعد الأجل في ذَلِكَ، هذا قول أبي ثور وحكاه عن بعض أهل الأثر، ذكره ابن المنذر (٢)، وجماعة الفقهاء على خلافه في الطلاق إذا عجز عن الوطء، وسيأتي الكلام في أحكام ذَلِكَ في موضعه من النكاح.

стр. 7723

٦٠ - باب صِيَامِ أَيَّامِ البِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ ١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِى ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. [انظر: ١١٧٨ - مسلم: ٧٢١ - فتح: ٤/ ٢٢٦] ساق فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. وسلف في باب الضحى في الحضر (١)، وأبو التياح اسمه: يزيد بن حميد. واعترض ابن بطال فقال: ليس في حديث أبي هريرة أن الثلاثة الاْيام التي أوصاه بها من كل شهر هي الأيام البيض كما ترجم له، وهي موجودة في حديث آخر من حديث عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن جرير بن عبد الله البجلي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" (٢).

стр. 7724

وروى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه قال: أمرني رسول الله ﷺ بالأيام البيض وقال: "هو صوم الشهور" (١)، وروي من حديث عمر وأبي ذر مرفوعًا قال لأعرابي ذكر له أنه صائم: "أين أنت عن الغرِّ البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة"، رواه ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن موسى بن طلحة، عن رجل من بني تميم يقال له: ابن الحوتكية، عن عمر وأبي ذر (٢). وممن كان يصوم أيام البيض من السلف عمر وابن مسعود وأبو ذر (٣) ومن التابعين الحسن والنخعي، وسئل الحسن البصري لم صام الناس الأيام البيض؟ وأعرابي يسمع، فقال الأعرابي: لأنه لا يكون الكسوف إلا فيها ويحب الله أن لا يكون في السماء آية إلا كانت في الأرض عبادة (٤). وكذا قال الطحاوي: إن

стр. 7725

الكسوف يكون فيها دون غيرها، وقد أمرنا بالتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والصيام وغير ذَلِكَ من فعل البر عند الكسوف وأمر بصيامها لذلك (١). وقال غيره: كأن البخاري أراد بالترجمة أحاديث ليست على شرطه، واعترض عليه أيضًا ابن التين وقال: لم يأت بحديث وإنما ذكرها لأجل حديث أبي ذر في الترمذي (٢)، وليس إسناده عنده بالقوي فأشار أن فيه حديثًا، وكذا ابن المنير، وقال: الأحوط للمتطوع أن يخصص الثلاث الذي في حديث أبي هريرة بهذِه الأيام؛ ليجمع بين ما صح وما نقل في الجملة وإن لم يبلغ مرتبة هذِه (٣) الصحة (٤) قلت: جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة ذَلِكَ مصرحًا به فلا حاجة إلى هذا التخرص. أخرج الإمام أبو محمد عبد الله بن عطاء الإبراهيمي من حديث يونس بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي صادق، عن أبي هريرة: أوصاني خليلي بثلاث: بالوتر قبل أن أنام، وأصلي الضحى ركعتين، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وهي البيض. وجاء فيه أحاديث أخر منها عن معاوية بن قرة، عن أبيه مرفوعًا: "صيام البيض صيام الدهر" أخرجه الدارمي في "مسنده" (٥). ومنها عن أبي ذر: أمرني النبي ﷺ بصيام ثلاثة أيام ثلاث عشرة

стр. 7726

وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه الترمذي محسنًا (١)، وفي لفظ: "من كان منكم صائمًا فليصم الثلاثة البيض" (٢). ومنها عن أبي هريرة مرفوعًا: "صم أيام الغر" وهو مؤكد لحديثه السالف، أخرجه يوسف بن حماد في "الصوم" له وابن حبان (٣). ومنها عن عمر: "فهلا البيض ثلاثًا"، واستشهد بأبي الدرداء وأبى ذر وعمار: أما سمعتم من النبي ﷺ يقول الحديث فقالوا: نعم (٤). ومنها عن عبد الملك بن قتادة، عن أبيه: أمرنا النبي ﷺ أن نصوم أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة قال: هي كهيئة الذكر، رواه النسائي (٥). ومنها له عن ابن عباس: كان ﵇ لا يفطر في أيام البيض في حضر (٦). وروينا في كتاب "الصيام" للقاضي يوسف من حديث الحارث عن علي مرفوعًا: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر،

стр. 7727

ويذهب وحر الصدور" (١)، وفي حديث الأعرابي عن رسول الله ﷺ مثله (٢)، وعن عثمان بن أبي العاصي مرفوعًا: "صيام حسن ثلاثة أيام من الشهر" أخرجه النسائي (٣). ومن الغرائب أنه ﵇ أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر لما قدم المدينة ثم نسخ برمضان (٤)، وحجة من اختار صيام الأيام البيض الآثار السالفة، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة على ظاهر رواية حديث أبي هريرة في الباب. وروى معمر، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير أن أعرابيًّا سمع رسول الله ﷺ قال: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرًا من وغر الصدور" (٥). قال مجاهد: وغر الصدر: غشه (٦).

стр. 7728

وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن: علي، ومعاذ، وأبو ذر، وأبو هريرة (١)، وكان بعض السلف يختار الثلاثة من أول الشهر وهو الحسن البصري. وكان بعضهم يختار الاثنين والخميس وهي أم سلمة أم المؤمنين وقالت: إنه أمرها بذلك (٢)، وكان بعضهم يختار السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الذي يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن الشهر الذي يليه كذلك، وهي عائشة أم المؤمنين، وهو في الترمذي محسنًا (٣). ومنهم من كان يصوم آخر الشهر وهو النخعي، ويقول: هو كفارة لما مضى. فأما الذين اختاروا صوم الاثنين والخميس؛ فلحديث أم سلمة (٤) وأخبار أخر رويت عن رسول الله ﷺ ، وأن الأعمال تعرض على الله

стр. 7729

فيهما فأحبوا أن تعرض أعمالهم عليه وهم صيام (١). وأما مختار عائشة؛ فلئلا يكون من أيام السنة إلا قد صامته، وأما مختار الحسن؛ فلما رواه سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثًا (٢)، وصوب الطبري تصحيح كل الأخبار.

стр. 7730

ولكن لما صحَّ عنه أنه اختار لمن أراد صوم الثلاثة أيام من كل شهر الأيام البيض، فالصواب اختيار ما اختار، وإن كان غير محظور عليه أن يجعل صوم ذَلِكَ ما شاء من أيام الشهر؛ إذ كان ذلك نفلًا لا فرضًا. فإن قلت: قد أسلفت أنه كان يصوم الاثنين، والخميس، والثلاثة من غرة الشهر، قلت: نعم، ولا يدل على أن الذي اختار للأعرابي من أيام البيض كما اختار وأن ذَلِكَ من فعله دليل على أن أمره له ليس بواجب وإنما هو ندب وأن لمن أراد من أمته صوم ثلاثة أيام من كل شهر يختار ما أحب من أيام الشهر؛ فيجعل صومه فيما اختار من ذَلِكَ كما كان ﵇ يفعله، فيصوم مرة الأيام البيض، ومرة غرة الهلال، ومرة الاثنين والخميس؛ إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم يعلمهم أنه له خاص دونهم. وفي النسائي بإسناد صحيح من حديث جرير مرفوعًا: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، الأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة " (١). قال القرطبي: كذا رُوِّيناه عن متقني شيوخنا برفع (أيام) و (صبيحة) على إضمار المبتدأ كأنه قال: أيام البيض عائدًا على ثلاثة أيام، و (صبيحة) ترفع على البدل من (أيام)، ومن خفض فيها فعلى البدل

стр. 7731

من الأيام المذكورة (١). وذكر الجواليقي فيما تخطئ فيه العامة من ذَلِكَ قولهم: الأيام البيض، يجعلون البيض وصفًا للأيام، والأيام كلها بيض وهو غلط، والصواب أن يقال: أيام البيض، أي: أيام الليالي البيض؛ لأن البيض صفة لها دون الأيام، ثم هذا الحديث مقيد لمطلق الثلاثة الأيام التي صومها كصوم الدهر، ويحتمل أن يكون ﵇ عينها؛ لأنها وسط الشهر وأعدله كما قال: "خير الأمور أوساطها" (٢). واختلف في: أي أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعة من الصحابة والتابعين منهم عمر، وابن مسعود، وأبو ذر: صوم الأيام البيض أفضل، وقد سلف ذَلِكَ مبسوطًا. وفي حديث ابن عمر: كان ﵇ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين والخميس الذي بعده والخميس الذي يليه (٣)، وفي حديث عائشة عند مسلم: كان لا يبالي

стр. 7732

من أي الشهر صام (١). وحاصله ثلاثة أيام من كل شهر حيث صامها في أي وقت أوقعها كما قالت عائشة، واختلاف الأحاديث يدل على أنه لم يرتب على زمن بعينه من الشهر. ومن الغريب إبدال الخامس عشر بالثاني عشر مع أن الاحتياط صومه معه. فصل: قوله: (أوصاني خليلي) فيه: جواز قول الصاحب لرسول الله ﷺ ، ذلك ولا يقول: أنا خليله لقوله: "لو كنت متخذًا خليلا لتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن إخوة الإسلام" وقد تقدم (٢). وقوله: "وأن أُوتر قبل أن أنام" قال الداودي: فيه جواز النفل بعد الوتر وتعجيل الوتر قبل القيام لما يخشى من غلبة النوم (٣) (٤).

стр. 7733

٦١ - باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ ١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ -هُوَ: ابْنُ الحَارِثِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ" "أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّى صَائِمٌ". ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَةً. قَالَ: "مَا هِىَ؟ ". قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ". فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا. وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠ - مسلم: ٢٤٨١ - فتح: ٤/ ٢٢٨] ذكر فيه حديث أَنَسٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فقَالَ: "أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّى صَائِمٌ". ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ .. الحديث، وفي آخره: وقال: ابن أَبِي مَرْيَمَ، أنَا يَحْيَى بن أيوب، نا حُمَيْدٌ: سمعت أَنَسًا، عَنِ رسول الله ﷺ . وفي بعض النسخ: حَدَّثَنَا ابن أبي مريم، وهو من أفراده، وهو من رواية الآباء عن الأبناء فإن فيه: وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة وفيه تصنيف للحافظ أبي بكر الخطيب (١)، وفي رواية محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حميد:

стр. 7734

ثلاثة وعشرون ومائة. ذكرها الخطيب في الكتاب المذكور، وعند ابن اللباد أن المجتمعين من ولد أنس وولد ولده عشرون ومائة. وفيه زيارة سيدنا رسول الله ﷺ لأم سليم؛ لأنها خالته من الرضاعة، كذا قال ابن التين. وقال ابن عبد البر: إحدى خالاته من النسب؛ لأن أم عبد الله سلمى بنت عمرو بن زيد بن أسد بن حراش ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم، وأنكره الدمياطي وقال: إنها خئولة بعيدة لا تثبت حرمة، ولا تمنع نكاحًا. وفي الصحيح: أنه ﵇ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا على أم سليم فقيل له في ذَلِكَ، فقال: "أرحمها؛ قتل أخوها حرام معي" (١) فبين تخصيصها بذلك ولو كان ثم علة أخرى لذكرها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وهذِه العلة مشتركة بينها وبين أختها أم حرام، وليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها فلعله كان ذَلِكَ مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، لكن العصمة قائمة به فلا حاجة إلى ذَلِكَ ولا حاجة إلى دعوى أن قتل حرام كان يوم بئر معونة في صفر سنة أربع (٢)، ونزول الحجاب سنة خمس، فلعل دخوله عليها كان قبل ذَلِكَ؛ لما قلناه.

стр. 7735

وفيه أيضًا: رجوع الطعام إلى أهله إذا لم يقبله من قدم إليه إذا لم يكن في ذَلِكَ سوء أدب على باذله ومهديه، ولا نقيصة عليه، ولا يكون عودًا في الهبة. وقولها: (إن لي خويصة) هو بتشديد (الياء) (١) تصغير خاصة مثل دابة ودويبة. وفيه حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغي له أن يفطر بغير عذر ولا سبب يوجب الإفطار، وليس هذا الحديث بمعارض لإفطار أبي الدرداء حين زاره سلمان وامتنع منه إن لم يأكل معه، وهذِه علة للفطر؛ لأن للضيف حقًّا كما قال ﵇ (٢). وفيه: أن الصائم إذا دعي إلى طعام فليدع لأهله بالبركة ويؤنسهم بذلك ويسرهم. وفيه: الإخبار عن نعم الله على الإنسان، والإعلام بمواهبه، وأن لا تجحد نعمه، وبذلك أمر الجليل في كتابه حيث قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١].

стр. 7736

وفيه: أن تصغير اسم الرجل على معنى التعطف له والترحم عليه والمودة له، لا ينقصه ولا يحطه. وفيه: رد الهدية كما سلف ويخص الطعام من ذَلِكَ؛ لأنه إذا لم يعلم الناس حاجة فحينئذٍ يحمد رده، وإذا علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله لأهله كما فعل ﵇ بأم سليم في غير هذا الحديث حين بعث هو وأبو طلحة أنسًا إليها؛ لتعد الطعام لرسول الله ﷺ وأصحابه. وفيه: التلطف بقولها: خادمك أنس. وفيه: سؤال خير الدنيا والآخرة حيث قال: فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به. وفيه: الدعاء بكثرة الولد والمال. وفيه: أن المال خير للمريد الكفاف،. وفيه: التصغير بمعنى الاختصاص، وقد سلف وفيه: التأريخ بولاية الأمراء لقوله: (مقدم حجاج البصرة) وكانت ولاية الحجاج سنة خمس وسبعين (١)، وولد لأنس بعد ذَلِكَ وعاش ممن ولد له قبل قدومه وبعده، ومات سنة ثلاث وتسعين وهو آخر من توفي من الصحابة بالبصرة. وقوله: (بضع وعشرون ومائة)، قيل: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى التسع، وقيل: ما دون الخمسة، وقد سلف ذَلِكَ. وقول ابن اللباد: وظاهر ما في البخاري (لصلبي) خلافه.

стр. 7737

وقوله: (مقدم الحجاج) تريد إلى مقدمه فكأنما عدت من دفن قبل قدومه، ويحتمل أن يكون عُدَّ في البخاري من مات له قبل مقدمه، وعد غيره من اجتمع له أحياء من ولده وولد ولده (١).

стр. 7738

٦٢ - باب الصوم من آخر الشهر ١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضى الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّهُ سَأَلَهُ -أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ- فَقَالَ: "يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ ". قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِى رَمَضَانَ -قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ". لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ثَابِثٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ". [مسلم: ١١٦١ - فتح: ٤/ ٢٣٠] ذكر فيه حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ -أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ- فَقَالَ: "يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ ". قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ - قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ". لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: -وهو شيخ البخاري- أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ، وَقَالَ ثَابِثٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ". قال أبو عبد الله: وشعبان أصح. هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟ " يعني: شعبان. من طريقين عن مطرِّف، وهو الصواب (١). وقوله: (وقال ثابت) أخرجه مسلم عن هداب بن خالد، ثنا حماد بن

стр. 7739

سلمة، عن ثابت (١)، وجه كونه صوابًا أن رمضان يتعين صوم جميعه. وذكر الحميدي في "جمعه" مقالة البخاري السالفة (٢). وقال الخطابي: ذكر رمضان فيه وهم (٣). و (سرر الشهر) بفتح السين وضمها، وعن الفراء: أنه أجود -أعني: الفتح- وسراره بالفتح والكسر، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو قول أبي عبيد- لأنه آخر الشهر يستتر الهلال (٤)، وبه قال عبد الملك بن حبيب: لثمان وعشرين ولتسع وعشرين، فإن كان تامًّا فليلة ثلاثين، وأنكره (٥) غيره وقال: لم يأت في صوم آخر الشهر حض. ثاتيها: أنه وسطه، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، كأنه يريد الأيام الغر من وسطه. ثالثها: وهو قول الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: سرة الشهر أوله، وعن الأوزاعي أنه آخره، حكاهما الخطابي (٦)، وحكاهما البيهقي عنه، وقال: الصحيح آخره (٧)، ولم يعرف الأزهري سرة. وهو ثابت في مسلم من حديث عمران. وحديث البخاري دال للأول. وادعى ابن التين: أنه المشهور عند أهل اللغة. وحمل الحديث الخطابي على أن الرجل كان أوجبه على نفسه نذرًا فأمره بالوفاء، أو كان اعتاده فأمره بالمحافظة عليه.

стр. 7740

قال: وإنما تأولناه للنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين (١). وقال ابن التين عقبه: قال غيره: وجهه لمن يتحراه من رمضان، وحمل هذا على صومه تطوعًا لغير التحري. وفيه: دليل على ابن سلمة في منعه صومه تطوعًا، وعلى أصحاب داود حين منعوا صومه أصلًا. وقيل: يحتمل أن يكون جرى هذا جوابًا من رسول الله ﷺ لكلام تقدمه لم ينقل إلينا وقيل: أمره به ليودعه. وقوله: "يا أبا فلان" فيه: جواز الكنية. وقوله: "فإذا أفطرت" وقع في مسلم زيادة: "رمضان" (٢). أي: منه حذفت، وهي مراده كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥] أي: من قومه، وقد جاء إثباتها في الدارمي (٣). وأمره بصوم يومين حض على ملازمة عادة الخير؛ لكي لا تقطع، ولئلا يمضي على المكلف مثل شعبان ولم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه أمره بتداركه؛ ليحصل له أجره من الجنس الذي فوته على نفسه، ويظهر كما قال القرطبي: أنه لمزية شعبان، فلا يبعد أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره، ويشهد له كثرة صومه فيه أكثر من صيامه في غيره (٤). وقال الطبري: من اختار صيامها من آخر الشهر فلكفارة ذنبه.
следующие страницы →