стр. 7841
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13252
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابن الملقن
Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7842
وقيل: في العشر الأوسط والآخر (١)، وقيل: في العشر الأواخر (٢)، وقيل: يختص بأوتار العشر الأواخر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: بل تطلب في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين وهو محكي عن علي وابن مسعود (٣)، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم (٤). وقيل: ليلة إحدى وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين ليلة يوم بدر، وقيل: ليلة خمس وعشرين وقيل: ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة. وادعى الروياني في "الحلية" أنه قول أكثر العلماء، وقيل: ليلة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة، وقيل: آخر ليلة من الشهر، حكى هذِه الأقوال أجمع القاضي عياض في "شرحه" (٥) وادعى الماوردي أنه لا خلاف أنها في العشر الأخير (٦).
стр. 7843
قال القاضي: ما في ليلة من ليالي العشر إلا وقد روي أنها هي، لكن ليالي الوتر أرجاها (١)، وفي "شرح الهداية" ذهب أبو حنيفة إلى أنها في رمضان تتقدم وتتأخر، وعندهما لا تتقدم ولا تتأخر لكن غير معينة (٢)، وقيل: هي عندهما في النصف الأخير من رمضان، وقال أبو بكر الرازي هي غير مخصوصة بشهر من الشهور، وبه قال الحنفيون، وفي قاضي خان (٣) المشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره وصح ذَلِكَ عن ابن مسعود (٤)، وقال ابن عباس: السورة ثلاثون كلمة فإذا وصلت إلى قوله ﴿هِىَ﴾ فهي سابعة وعشرون منها (٥).
وأجيب بأن قوله: ﴿لَيلَةُ اَلقَدرِ﴾ نص على عينها وهي الكلمة الخامسة، وهي كناية فإذا لم يدل الصريح فالكناية أولى، وقيل: إنها في ليلة النصف من شعبان، وقال ابن حزم: إن كان الشهر ناقصًا فهي أول العشر الأخر من غير شك، فهي إما في ليلة عشرين أو ثانية أو أربع أو ست أو ثمان وإن كان كاملًا فأول العشر الأواخر بلا شك (٦) إما ليلة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع في وترها. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر.
стр. 7844
تنبيهات وفوائد:
الأول: قوله في حديث ابن عمر: ("فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر من رمضان ") يريد في ذَلِكَ العام الذي تواطأت فيه الرؤيا على ذَلِكَ وهي ليلة ثلاث وعشرين: لأنه قال في حديث أبي سعيد: "التمسوها في العشر الأواخر في الوتر فمطرنا ليلة إحدى وعشرين". وكانت ليلة القدر في ذَلِكَ العام في غير السبع الأواخر ولا تتضاد الأخبار.
وفي حديث أبي سعيد زيادة معنى أنها تكون في الوتر، وحديث عبد الله بن أنيس السالف دال أنها ليلة ثلاث وعشرين أيضًا (١)، فقال رجل: هذا أول ثمان فقال: "بل أول سبع: لأن الشهر لا يتم" (٢)، فثبت بهذا أنها في السبع الأواخر، وأنه قصد ليلة ثلاثٍ وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصًا، فدل هذا أنها قد تكون في غيرها من السنين بخلاف ذَلِكَ.
ثانيها: من ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها في سائر السنة، فلا دليل له إلا الظن من دوران الزمان بالزيادة والنقصان في الأهلة، وذلك فاسد؛ لأنه محال أن يكون تعليقها بليلة في غير شهر رمضان، كما لم يعلق صيامه بأيام معلومة تدور في العام كله بالزيادة والنقصان فرب الأهلة، فيكون صوم رمضان في غيره، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر في غير رمضان، وفي القرآن ما يدل على أنها في رمضان خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية [الدخان: ٣].
فأخبر أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر، وهي
стр. 7845
الليلة التي أنزل الله فيها القرآن حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت بذلك أن تلك الليلة في شهر رمضان.
وقال الداودي: أراد به تحريض الناس على العمل في السنة كلها وهو من المعاريض: لأن قوله "في" يوجب البعض، فمعناه: أنها في السنة في العشر الأواخر، فسكت؛ ليجتهد في طلبها. قال: والذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أنها في وتر العشر الأواخر وأنها تنتقل.
ثالثها: القزع -المذكور في حديث (١) أبي سعيد- قطع من سحاب دقاق، قاله في "العين" (٢)، والتحري: القصد، يقال: تحريت الشيء: إذا قصدته وتعمدته.
و (تواطت). قال ابن بطال: المحدثون يروونه كذلك، وإنما هو (توطأت) (٣) بالهمز من قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
ومن قوله: ﴿أشد وطأ﴾ ولكنه يجوز في كلام كثير من العرب حذف الهمزة، ومعنى تواطأت: اتفقت واجتمعت على شيء واحد. والتوطئة: التليين، يقال: وطأت لفلان هذا الأمر إذا سهلته ولينته (٤).
رابعها: قال الطبري: أجمع الجميع أنها في وتر العشر الأواخر ثم لا حدَّ في ذَلِكَ خاص لليلة بعينها لا يعدوها لغيرها؛ لأنه لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها سيد الأمة مع جِدِّه في أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها
стр. 7846
ليلة طلقة (١)، وأن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (٢)؛ ولأن في دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر تلك الليلة للعيون ما لا تظهر في سائر السنة، من سقوط الأشجار إلى الأرض ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها، إذ لو كان ذَلِكَ حقًّا لم يخف عن بصر من يقوم ليالي السنة كلها، كيف ليالي شهر رمضان:؟!
خامسها: خصت هذِه الليلة بأنها خير من ألف شهر بنص القرآن، ويستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم (٣)، وهي أفضل ليالي السنة وهي من خواص هذِه الأمة، وقد سلف من علامتها أنها طلقة، وأن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع فيها. وفيه حديث أخرجه البيهقي في "فضائل الأوقات" (٤)، ثم قال: وقد روي في حديثين ضعيفين في صفة الهواء ليلة القدر فقال في أحدهما: "إنها ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح شمسها في صبيحتها ضعيفة حمراء" (٥)
стр. 7847
стр. 7848
стр. 7849
سادسها: من أهم الدعاء في هذِه الليلة: "اللَّهُمَّ إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (١) فيستحب الإكثار منه.
قال البيهقي في "فضائل الأوقات": طلب العفو من الله مستحب في جميع الأوقات، وخاصة في هذِه الليلة، ثم روى بإسناده إلى أبي عمرو بن أبي جعفر قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل كثيرًا يقول في مجلسه، وفي غير المجلس: عفوك. ثم يقول: عفوك يا عفو، عفوك في المحيا عفوك، وفي القيامة عفوك، وفي مناقشة الحساب عفوك. قال أبو عمرو: فرئي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل
стр. 7850
له: ماذا انتفعت من أعمالك؟ قال: بقولي: عفوك عفوك (١).
سابعها: الحكمة في إخفائها أن يجتهد الناس في طلبها رجاء إصابتها كما في ساعة الإجابة يوم الجمعة (٢) وغيره، ويسن لمن رآها كتمها، صرح به الماوردي (٣)، والمعروف أنها ترى حقيقة، وقول المهلب إنه لا يمكن رؤيتها حقيقة، غلط جدًّا.
ثامنها: قال مالك: في قوله: "التمسوها في تاسعةٍ تبقى" هي ليلة إحدى وعشرين "وسابعة تبقى" ليلة ثلاث وعشرين، "وخامسة تبقى" ليلة خمس وعشرين، وإنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من
الليالي على ما ذكر في الحديث إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إذا كان كاملًا فإنها لا تكون إلا في شفع، فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة
أربع وعشرين على ما ذكره البخاري عن ابن عباس، فلا يصادف واحدة منهن وترًا (٤)، وهذا دال على الانتقال كما اخترناه من وترٍ إلى شفع وعكسه: لأنه ﵇ لم يأمر أمته بالتماسها في شهر كامل دون ناقص، بل أطلق طلبها في جميعه التي قدر بها الله تعالى على التمام مرة وعكسه، فثبت انتقالها في العشر الأواخر، قيل: وإنما خاطبهم
стр. 7851
بالبعض: لأنه ليس على تمام الشهر على يقين.
تاسعها: قول ابن عباس في حديثه السالف: "هي في سبع يمضين" أو "سبع يبقين" هو شك منه، أو من غيره في أي اللفظين قاله النبي ﷺ ، ودل قوله ﵇ في الحديث الآخر "في سابعة تبقى" أن الصحيح من لفظ الشك قوله: "في سبع بقين". على طريقة العرب في التأريخ إذا جاوزوا نصف الشهر، إنما يؤرخون بالباقي لا بالماضي؛ ولهذا المعنى عدُّوا "تاسعة تبقى" ليلة إحدى وعشرين، ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين، وعدوا "سابعة تبقى" ليلة ثلاث (١) وعشرين، ولم يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر. وإنما كان يكون ذَلِكَ لو قال ﵇ في تاسعة تمضي، ولما قال ﵇: "التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" وكان كلامًا مجملًا يحتمل معاني، وخشي ﵇ التباس معناه على أمته بيَّن الوجه المراد به، فقال: "في تاسعة تبقى، وفي سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى" ليزول الإشكال في ذَلِكَ.
عاشرها: معنى: (وكف): سال، قال صاحب "الأفعال": وكف المطر والدمع والبيت وكوفًا ووكيفًا ووكفانًا: سال (٢).
وقوله: ("أرى رؤياكم") هكذا يرويه المحدثون بتوحيد الرؤيا وهو جائز: لأن رؤيا: مصدر، وأفصح منه: رؤاكم جمع رؤيا؛ ليكون جمعًا في مقابلة جمع، وهو الأشبه بكلام الشارع.
الحادي عشر: حديث ابن عمر دال أن رؤياهم اختلفت، فقوله: "التمسوها في العشر" يجوز أن يكون أعلم أولا أنها بالعشر فأخبر
стр. 7852
بذلك، ثم في السبع فأخبر به، ويجوز أن يكون حض على العشر من به قوة، وعلى السبع من لم يقدر على العشر.
وقوله في حديث أبي سعيد الأول: (فخرج صبيحة عشرين فخطبنا).
وجهه -كما قال ابن التين- أنه أخرج قبته أو خرج هو من موضع إلى آخر، وأما هو فليس بوقت خروج من الاعتكاف، ولا يخرج من اعتكف وسط الشهر إلا بمغيب الشمس من ليلة إحدى عشرين.
قلت: في حديث أبي سعيد بيان ذَلِكَ ففي الصحيح: فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل ليلة إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه (١)، وفي أخرى -وهي أيضًا لمسلم-: اعتكف في قبة تركية على سدتها حصير. قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه (٢).
قال ابن عبد البر: والوجه في ذَلِكَ عندي أنه أراد أنه خطبهم غداة عشرين: ليعرفهم أنه اليوم الآخر من اعتكافه، وأن الليلة التي تلي تلك الصبيحة هي ليلة إحدى وعشرين وهي المطلوب فيها ليلة القدر (٣).
وقال المهلب: ليس بين الروايتين تعارض: لأن يوم عشرين معتكف فيه وبه تتم العشرة أيام؛ لأنه دخل في أول الليل فيخرج في أوله، فيكون معنى قوله: في ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج من صبيحتها. يريد الصبيحة التي تلي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التي بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العبارة في نسبة
стр. 7853
الصبيحة إلى الليلة التي قبلها لتقدم الليل على النهار فإن نسبة الشيء إلى ما بعده جائز.
الثاني عشر: قوله "ثم أنسيتها" أو "نسيتها": هو شك من المحدث أي الكلمتين قال، ومعنى (يجاور) في حديث عائشة: يعتكف.
وقوله: (وخطب الناس) فيه: أنه كان إذا أراد أن يؤكد أمرًا خطب، وجاز النسيان في هذا عليه: لأنه لم يؤمر بأن يبلغه أمته؛ لأنه معصوم من ضده. ومعنى (استهلت): أمطرت، يقال: استهلت السماء بالمطر، وهو شدة انصبابه، وقوله بعده: (فأمطرت) تأكيد، وسلف معنى: (وكف).
وقول ابن عباس: (التمسوها في أربع وعشرين) (١)، روى أنس أنه ﵇ كان يتحرى ليلة ثلاث وعشرين، وليلة أربع وعشرين.
قال ابن حبيب: يتحرى أن يتم الشهر أو ينقص، فيتحراها في ليلة من السبع البواقي، فإن كان تامًّا (٢) فهي ليلة أربع وعشرين، أو ناقصًا فثلاث، قاله الداودي. ولعل ابن عباس إنما قصد في الأربع احتياطًا كما في حديث أنس فنسي الناقل ذكر ليلة ثلاث وعشرين (٣).
стр. 7854
٤ - باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ (١)
٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ". [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩]
ذكر فيه حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ليُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ
стр. 7855
القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَان؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ".
وقد سلف أن هذا الحديث من أفراد البخاري وفي لفظ له: "فالتمسوها في السبع والتسع والخمس" (١) ومعنى تلاحيا: تماديا (٢) أو تسابا.
قال ابن فارس: اللحا: الملاحاة، وهي المسارعة (٣)، وقال الهروي: هما كالسباب.
ومعنى "فرفعت": أي رفع تعينها بدليل قوله: "فالتمسوها" فرفع علمها عنه بسبب تلاحيهما، فحرموا بركة تعينها، وهو دال على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين وتحرم أجرًا عظيمًا: لأن الله لم يرد التفرق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة: لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقد يذنب القوم فتتعدى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وقد روي وجه آخر في رفع معرفتها من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر" (٤).
стр. 7856
ويجوز أن يكون هذا مرة، والملاحاة أخرى، وقد يتذكر الرؤيا من يوقظ من نومه. والغوابر: البواقي في آخر الشهر، ومنه ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الغَابِرِينَ (١٧١)﴾ [الشعراء: ١٧١] يعني: الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة، وقد تجعله العرب بمعنى الماضي أحيانًا، وهو من الأضداد.
ومعنى قوله: "وعسى أن يكون خيرًا لكم" يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذِه الجهة، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها، قاله ابن حبيب وغيره.
стр. 7857
٥ - باب العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: وجد وشد المئزر (١)، وفي آخر: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره (٢)، وفي إسناده: أبو يعفور -وهو الصغير- وهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٣).
وروى ابن أبي عاصم من حديث علي: كان ﷺ إذا دخل العشر أيقظ أهله ورفع المئزر (٤). يعني: اعتزل النساء، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسن لأمته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كله، لئلا تفوت إذ قد يمكن أن يكون الشهر ناقصًا، وأن يكون
стр. 7858
كاملًا، فمن أحيا ليالي العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلها مثل هذِه الليلة، وأوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلها في طلبها، فذلك يسير في جنب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذِه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليالٍ؛ ليدركها أهل الضعف، وأهل الفتور في العمل منا، منة ورحمة.
قال سفيان الثوري: معنى شد المئزر هنا لم يقرب النساء (١)، وهو من ألطف الكنايات. قلت: قد أسلفنا في قوله: (أيقظ أهله) من الفقه: أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر ويحملهم عليها، وقد روى ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس: أنه ﵇ كان يرش على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين (٢).
والمئزر والإزار: ما يأتزر به الرجل من أسفله، وهو يذكر ويؤنث وهو هنا كناية عن الجد والتشمير في العبادة.
ونقل القرطبي عن بعض أئمتهم أنه عبارة عن الاعتكاف ثم استبعده؛ لقوله: أيقظ أهله، فإنه يدل على أنه كان معهم في البيت وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له في بيته في المسجد (٣).
стр. 7859
قلت: ويحتمل أمره به أن يوقظ المعتكفة معه في المسجد، أو إذا دخل البيت لحاجته.
وقوله: (وأحيا ليله): يعني: باجتهاده في العشر الأخير من رمضان: لاحتمال أن يكون الشهر إما ناقصًا وإما تامًّا، فإذا أحيا لياليه كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، وقيل: لأن العشر آخر العمل فينبغي أن يحرص على تجويد الخاتمة (١).
стр. 7860
كتاب الاعتكاف
стр. 7861
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الاعتكاف
١ - باب الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالاِعْتِكَافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية.
٢٠٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. [مسلم: ١١٧١ - فتح: ٤/ ٢٧١]
٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. [مسلم: ١١٧٢ - فتح: ٤/ ٢٧١]
٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهَادِ، عَن
стр. 7862
مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ -وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ- قَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٧١]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عُمَرَ: كَانَ النبي ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
ثانيها: حديث عَائِشَةَ مثله حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه.
ثالثها: حديث أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ.
الحديث بطوله، وقد سلف (١).
وحديث عائشة وابن عمر أخرجهما مسلم أيضًا (٢). قال الداودي: وحديث اعتكافه العشر الأوسط قبل بنائه بعائشة.
стр. 7863
والاعتكاف في اللغة: اللزوم على الشيء والمقام عليه، ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يقيمون، يقال: عكف يعكف: إذا أقام.
وفي الشرع: إقامة مخصوصة. قال عطاء: قال يعلى بن أمية: إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف. قال عطاء: وهو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف وإلا فلا (١).
والمباشرة في الآية: الجماع عند الأكثرين، وقيل: المقدمات، وقام الإجماع على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لهذِه الآية (٢)، ولا عبرة بمخالفة ابن لبابة المالكي (٣) فيه لشذوذه.
وقوله: (في المساجد كلها) أشار به إلى الرد على من يقول باختصاصه ببعض المساجد.
стр. 7864
стр. 7865
قلت: وروى الحارث، عن علي: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة (١)، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي؛ لأن الآية نزلت على رسول الله ﷺ وهو معتكف في مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي.
وذهب طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة، روي عن علي وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري، وهو قول مالك في "المدونة" قال: أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع (٢). قال: وأقل الاعتكاف عشرة أيام (٣)،
стр. 7866
وروى عنه ابن القاسم لا بأس به يومًا ويومين، وقد روي أن أقله يوم وليلة (١)، وقال في "المدونة": لا أرى أن يعتكف أقل من عشرة أيام فإن نذر دونها لزمه (٢)، وعندنا يصح اعتكاف قدر يسمى عكوفًا، وضابطه مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة. ومن أصحابنا من اكتفي بالمرور بلا لبث.
وقالت طائفة: الاعتكاف في كل مسجد، روي ذَلِكَ عن النخعي وأبي سلمة والشعبي (٣)، وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي في الجديد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والجمهور (٤)، والبخاري حيث استدل بالآية وعمومها في سائر المساجد، وهو قول مالك في "الموطأ" قال: لا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، فإن كان مسجدًا لا يجمع فيه ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فعم المساجد كلها ولم يخص منها شيئًا (٥)، ونحوه قول الشافعي: المسجد الجامع أحب إليَّ وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة (٦).
قلت: علل بأمور كثيرة: الجماعة واستغنائه عن الخروج إلى الجمعة
стр. 7867
وللإجماع عليه (١) إذ قال الزهري: لا يصح الاعتكاف في غيره (٢)، وبه قال الحكم وحماد (٣)، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه (٤) (٥)، وقال الجوني من أصحابنا: الجماعة إذا كانت في بعض مساجد العشائر أكثر من جماعة الجامع فالمسجد أولى منه. وعند أبي يوسف أن الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة والنفل يجوز أداؤه في غيره.
فرع: قد يتعين الجامع في صورة وهي: ما إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها فإن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح، قاله القاضي الحسين.
فرع: يصح في سطح المسجد ورحبته.
стр. 7868
فائدة:
قوله: (وكان المسجد على عريش) قال صاحب "العين": العريش: شبه الهودج، وعرش البيت: سقفه (١). وقال الداودي: كان الجريد قد بسط فوق الجذوع بلا طين فكان المطر يسقط منه داخل المسجد، وكان ﵇ لما بنى مسجده أخرج قبور المشركين وقطع النخل التي كانت فيه، فجعل منها سواري وجذوعًا، وألقى الجريد عليها، فقيل له بعد ذَلِكَ: يا رسول الله ألا تبنيه؟ قال: "عريش كعريش موسى! " (٢).
فرع: الجديد من قولي الشافعي: أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة، ووافقنا مالك وأحمد، والقديم وفاقًا لأبي حنيفة: نعم، وبه قال النخعي والثوري وابن علية (٣). وعلى هذا ففي صحة اعتكاف الرجل في مسجد بيته وجهان: أصحهما المنع (٤).
فرع: للمعتكف قراءة القرآن والحديث والعلم، وأمور الدين، وسماع العلم، خلافًا لمالك (٥)، وعن ابن القاسم: لا يجوز له عيادة المريض ولا مدارسة العلم، ولا الصلاة على الجنازة (٦) خلافًا لابن
وهب (٧).
стр. 7869
فرع: لا بأس بتطييبه. قال الشافعي في "الأم": ولا بأس بأن يقص فيه: لأنه وعظ وتذكير (١).
فرع: في "شرح الهداية": أنه يكره التعليم في المسجد بأجر، وكذا كتابة المصحف بأجر، وقيل: إن كان الخياط يحفظ المسجد فلا بأس أن يخيط فيه.
فائدة: قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلا بالنذر (٢).
فرع: من نوى اعتكاف مدة، وشرع فيها فله الخروج منها خلافًا لمالك (٣)، وادعى ابن عبد البر (٤) عدم اختلاف الفقهاء في ذَلِكَ وأن القضاء لازم عند جميع العلماء فإن لم يشرع فالقضاء مستحب. ومن العلماء من أوجبه إن لم يدخل فيه، واحتج بحديث عائشة: كان يعتكف العشر الأواخر .. الحديث.
وفيه: فأتى معتكفه (فلما اعتكف أفطر عشرًا) (٥) من شوال، (٦) وهو قول غريب.
قال الترمذي: لما قطع اعتكافه من أجل أزواجه قضاه على مذهب من يرى قضاء التطوع إذا قطعه (٧). قلت: لكنه لم يشرع فيه.
стр. 7870
٢ - باب الحَائِضُ تُرَجِّلُ المُعْتَكِفَ
٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي، أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَىَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٢]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ رسول الله ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِر فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومعناه: يميل فيدخل رأسه وكتفيه إلى الحجرة فترجله أي: تسرحه بدهن، وما قاله الداودي -ولم يقيده غيره-: لئلا يخرج من المسجد ما وجد المقام فيه؛ لأن الحائض لا تدخله، وترجم عليه بعد في آخره باب: المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل، وذكره بلفظ: أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهو في حجرتها يناولها رأسه (٢). وهو دال على جواز ترجيل رأس المعتكف، وفي معناه: الحلق وأن اليدين من المرأة ليسا بعورة ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه، ويشهد له أن المرأة تنهى عن لبس القفازين في الإحرام وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها، وهكذا حكمها في الصلاة، وأن الحائض طاهر إلا موضع النجاسة منها.
فرع: الجوار والاعتكاف سواء عند مالك، حكمهما واحد إلا من جاور نهارًا بمكة وانقلب ليلًا إلى أهله فلا صوم فيه، وله أن يطأ أهله،
стр. 7871
قال: وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله تعالى كالرباط والصيام (١)، وقال عمرو بن دينار: الجوار والاعتكاف واحد (٢)، وقال عطاء: هما مختلفان، كانت بيوت رسول الله ﷺ في المسجد، فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه، وإلجوار بخلاف ذَلِكَ، إن شاء جاور بباب المسجد، أو في جوفه لمن شاء (٣)، وقال مجاهد: الحرم كله مسجد يعتكف في أيه شاء، وإن شاء في منزله، إلا أنه لا يصلي إلا في جماعة (٤).
فرع:
استدل به على أن من حلف لا يدخل دارًا فأدخل بعض بدنه لا يحنث، واختلف فيمن حلف لا يدخل دارًا فأدخل إحدى رجليه، قال ابن القاسم: إن منع الباب أن ينغلق حنث (٥)، وقال ابن حبيب:
إن اعتمد على الداخلة حنث.
стр. 7872
٣ - باب لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ
٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٣]
ذكر فيه عن الزهري (١)، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَى رَأسَهُ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وقال: لحاجة الإنسان (٢).
والمراد بالحاجة: البول والغائط. وكذا فسره الزهري وهو راوي الحديث (٣)، وهو إجماع (٤)، ورواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: إلا لحاجة الإنسان (٥). قال أبو داود: لم يتابع أحد مالكًا في هذا الحديث على ذكر عمرة (٦). واضطرب فيه أصحاب الزهري فقالت طائفة: عنه، عن عروة، عن عائشة. وكذا رواه ابن مهدي، عن مالك.
стр. 7873
وقالت طائفة: عن عروة وعمرة جميعًا عن عائشة. وكذا رواه ابن وهب، عن مالك، وأكثر الرواة عن مالك، عن عروة، عن عمرة فخطئوه في ذكر عمرة (١).
قال ابن بطال: ولهذه العلة -والله أعلم- لم يدخل البخاري حديث مالك وإن كان فيه زيادة تفسير؛ (لكونه) (٢) ترجم للحديث بتلك الزيادة إذ كان ذَلِكَ عنده معنى الحديث، ثم الحديث دال على أن المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصلاة، والتلاوة، والذكر، ولا يخرج إلا لما إليه حاجة، وفي معنى الترجيل: كل ما فيه صلاح بدنه من الغذاء وغيره، ولا شك أن المعتكف ألزم نفسه المقام للطاعة
فلا يشتغل بما يلهي عنها، ولا يخرج إلا لضرورة كالمرض البين والحيض في النساء، وهو في معنى خروجه للحاجة.
واختلفوا في خروجه لما سوى ذَلِكَ، فروي عن النخعي، والحسن البصري، وابن جبير أن له أن يشهد الجمعة ويعود المرضى ويتبع الجنائز (٣). وذكر ابن الجهم، عن مالك: يخرج للجمعة ويتم اعتكافه في الجامع. وقال عبد الملك: إن خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه، ومنعت طائفة خروجه لعيادة المريض والجنائز، وهو قول عطاء وعروة والزهري (٤) ومالك وأبي حنيفة، والشافعي وأبي ثور.
стр. 7874
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يخرج المعتكف إلا إلى الجمعة والبول والغائط خاصة. وقال مالك: إن خرج المعتكف لعذر ضرورة مثل موت أبويه وابنه ولا يكون له من يقوم به فإنه يبتدئ اعتكافه، والذين منعوا خروجه لغير الحاجة أسعد باتباع الحديث (١).
وفيه كما قال ابن المنذر: دلالة على امتناع العشاء في بيته والخروج من موضعه إلا للحاجة. قال: واختلفوا في ذَلِكَ، فكان الحسن وقتادة يقولان: له أن يشرط العشاء في منزله. وبه قال أحمد، وقال أحمد: إن كان المعتكف في بيته فلا شيء عليه (٢). وقال أبو مجلز: ليس له ذَلِكَ (٣). وهو يشبه مذاهب المدنيين وبه نقول؛ لأنه موافق للسنة، وعن مالك في الرجل يأتيه الطعام من منزله ليأكله في المسجد فقال: أرجو أن يكون خفيفًا (٤).
وفيه: دلالة غير ما سلف على إباحة غسل المعتكف رأسه: لأنه في معنى الترجيل (٥).
стр. 7875
٤ - باب غَسْلِ المُعْتَكِفِ
٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٣٠٠ - مسلم: ٢٩٣ - فتح: ٤/ ٢٧٤]
٢٠٣١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ -وَهْوَ مُعْتَكِفٌ- فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. وَكَانَ يُخْرِجُ رَأسَهُ مِنَ المَسْجِدِ -وَهْوَ مُعْتَكِفٌ- فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
فيه: دلالة واضحة لما ترجم له، فغسل رأسه جائز كترجيله وغسل جسده في معناه، ولا نعلم في ذَلِكَ خلافًا، وروى ابن وهب عن مالك قال: لا بأس أن يخرج إلى غسل الجمعة إلى موضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحرِّ يصيبه.
وقولها: (كان يباشرني وأنا حائض): تريد: غير معتكف: لأن المعتكف لا يجوز له المباشرة للآية، وإنما ذكرت المباشرة هنا لتدل على جواز غسلها رأسه وهي حائض، وتدل على طهارة بدن الحائض ولا يجتنب منها إلا موضع الدم، وقال الداودي: يريد أنها تشد إزارها في فور حيضتها.
стр. 7876
٥ - باب الاِعْتِكَافِ لَيْلًا
٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". [٢٠٤٢، ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٧٤]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بَنَذْرِكَ".
وترجم عليه في أواخر الباب باب: من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا، وزاد فيه: فاعتكف ليلة (١). وترجم عليه أيضًا عقيبه باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢). وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وفي رواية له: يومًا بدل (ليلة) (٤).
قال ابن حبان في "صحيحه": ألفاظ أخبار هذا الحديث مصرحة بأن عمر نذر اعتكاف ليلة إلا بهذا -يعني: رواية مسلم- فإن صحت هذِه اللفظة، فيشبه أن يكون (أراد) (٥) باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم حَتَّى لا يكون بين الخبرين تضاد (٦)، والعرب تعبر بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقد روى عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن عمر قال لرسول الله ﷺ بالجعرانة:
стр. 7877
إني نذرت أن أعتكف يومًا وليلة. فاقتصر بعضهم على البعض، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع، وفي رواية لأبي داود والنسائي: "فاعتكف وصم" (١).
قال ابن حزم: لا يصح: لأن في سندهما عبد الله بن بديل (٢) وهو مجهول (٣). قلت: لا، فقد علق له البخاري (٤)، ووثق (٥)، نعم تفرد بزيادة الصوم، كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه (٦)، ونقل
стр. 7878
الدارقطني، عن النيسابوري أنه حديث منكر: لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه -يعني: الصوم- منهم: ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة وغيرهم (١).
ثم قال ابن حزم: ولا نعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلًا، وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديثًا مسندًا إلا ثلاثة ليس هذا منها فسقط الخبر؛ لبطلان سنده (٢).
стр. 7879
قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث فما هذا الكلام!
إذا تقرر ذَلِكَ، فمن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه سواها خلافًا لمالك؛ حيث قال: يلزمه يوم معها. وقال سحنون: لا شيء عليه؛ لأنه لا صيام في الليل قال: ومن نذر اعتكاف يوم يلزمه يوم وليلة، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يجزه، وإن أضاف إليه الليلة المستقبلة (١).
وقوله ﷺ : ("أوف بنذرك") محمول على الاستحباب بدليل أن الإسلام يهدم ما قبله (٢)، وقد حمله الطبري على الوجوب، وسيأتي الخلاف فيه في الأيمان والنذور (٣). والبخاري ذهب إلى وجوب الوفاء به، كما بوب عليه هناك وقاس اليمين على النذر، وهو قول أبي ثور والطبري، واختلف أصحابنا في صحة نذره في حال شركه، والأصح عدم صحته.
وفيه: دليل على تأكيد الوفاء بالوعد، ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج من الجاهلية إلى الإسلام، كمان كان عند الفقهاء ما كان في الجاهلية من أيمان وطلاق وعقد فإن الإسلام يهدمها ويسقط حرمتها، قاله ابن بطال (٤).
стр. 7880
قال الخطابي: وفيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق الإسلام كان معمولًا به (١)، وهو ظاهر تبويب البخاري، ومن حلف في كفره ثم أسلم فحنث كَفَّر، وإليه ذهب الشافعي، وعن أشهب نحوه، ومذهب مالك: لا شيء عليه.
وفيه: دلالة على جواز الاعتكاف بغير صوم وهو مذهب الشافعي، والحسن، وأبي ثور، وروي عن علي أيضًا وابن مسعود، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد وإسحاق (٢)، وقال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: لا اعتكاف إلا بصوم. وقاله ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة، والزهري. وقيل: إنه مذهب علي، والشعبي، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وابن المسيب، ونافع، والثوري، والليث، والحسن بن حي، والشافعي في القديم، وقول لأحمد، ورواه عطاء ومقسم وأبو فاختة عن ابن عباس (٣)، والحديث دال للأول: إذ الليل ليس قابلًا للصوم وإن كان يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة مع يومها.
ومعنى قوله: (في الجاهلية) أي: في زمنها. قال الخطابي: وقد يستدل به أن الكافر إذا أسلم وهو جنب لزمه أن يغتسل (٤).