← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

قال الداودي: ومنه سمي الجمال؛ لأنه يكون عن الشحم، وليس ببين لأنه قد يكون مع الهزال، واستدل به أصحاب مالك على سد الذرائع؛ لأن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى أكل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم، ولهذا قال الخطابي: في هذا الحديث إبطال الحيل والوسائل التي يتوسل بها إلى المحظورات؛ ليعلم أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه (١)، وهو حجة على ابن وهب وأبي حنيفة فيما مضى من إجازتهما بيع الزيت النجس. واعترض بعض الملاحدة على كون الشيء حرامًا ويحل بيعه بما إذا ورث أمة وطئها أبوه، فإنه يحرم على الابن وطؤها، ويحل بيعها إجماعًا وأكل ثمنها، وهذا تمويه؛ لأن الابن لا يحرم عليه منها غير الاستمتاع، وهي مباحة للغير بخلاف الشحم، فإن ما عدا الأكل تابع له بخلافها، وفي عموم تحريم الميتة بيع جثة الكافر. وقد روى ابن هشام (٢) وغيره: أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده لرسول الله ﷺ عشرة آلاف درهم، فلم يأخذها ودفعها إليهم وقال: "لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه" (٣).

стр. 8472

وقوله: (قاتل الله فلانًا) كلمة ليست على الحقيقة، وهي: كلمة تجري على ألسنتهم من غير قصد حقيقتها، وقالها زجرًا له، وعلم عمر أنه يكفيه ذلك فلم يأمره. وفيه: إقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود. وقوله: ("قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ") فسره أبو عبد الله في رواية أبي ذر باللعنة (١)، وهو قول ابن عباس (٢)، وقال الهروي: معناه: قتلهم الله (٣)، وحكي عن بعضهم: عاداهم. قال الداودي: صار عدو الله فوجب قتله وسبيل فَاَعلَ أن يكون من اثنين، ولا يكون من واحد مثل: سافرت و (طارقت) (٤).

стр. 8473

١٠٤ - باب بَيْعِ التَّصَاوِيرِ التِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ ٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. [٥٩٦٣، ٧٠٤٢ - مسلم: ٢١١٠ - فتح: ٤/ ٤١٦] ذكر فيه حديث عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. الشرح: هذِه الطريقة أعني: طريقة سعيد، أخرجها البخاري في كتاب اللباس عن عياش، عن عبد الأعلى، عن سعيد: سمعت النضر

стр. 8474

يحدث قتادة قال: كنت عند ابن عباس فذكره (١) وروي عن هشام فيه، فأدخل بين سعيد والنضر قتادة. قال الجياني: ليس بشيءٍ؛ لتصريح البخاري وغيره بسماع سعيد من النضر هذا الحديث وحده وعند مسلم أيضًا عن أبي غسان وأبي موسى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النضر مثله (٢). وسعيد بن أبي الحسن هو أخو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مات قبل الحسن، قال ابن سعد: مات سنة مائة (٣)، ومات الحسن: بعده بعشرٍ. وقال ابن قانع: بتسع، وليس لسعيد هذا في الصحيحين غيره، ولا للنضر عن ابن عباس فيهما غيره. وقد سلف في باب: آكل الربا حديث أبي جحيفة في لعن المصورين (٤)، وفي مسلم: "كلُّ مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم" (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما كُره هذا؛ لأجل أن الصور التي فيها الأرواح كانت معبودة في الجاهلية، فكرهت كل صورة وإن كانت لا روح لها ولا جسم؛ قطعًا للذريعة، حتى إذا تقررت الشريعة وزالت الجاهلية أرخص فيما كان رقمًا أو ما وضع موضع المهنة، وإذا نصب نصب العبادة كُره، قاله المهلب (٦).

стр. 8475

وقال النووي: كل ذلك حرام، وما لا روح فيه فليس بحرام، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي لا ظلَّ لها، وهو مذهب باطل. وقال الزهري: النهي عن الصورة عامٌّ. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب، وهو مذهب القاسم بن محمد. (١) قلت: وكأن البخاري فهم من قوله في الحديث: (إنما معيشتي من صنعة يدي)، وأجابه ابن عباس بإباحة صور الشجر وشبهه جواز البيع، فترجم عليه. واغتفر بعض العلماء تصوير اللعب للبنات؛ لأجل تدريبهن. قال القاضي عياض: أجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، إلا ما ورد في اللعب (النيات) (٢) لصغار البنات، والرخصة في ذلك، وكره مالك شرى الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بهن للبنات منسوخ (٣)، واستثنى بعض أصحاب مالك -كما حكاه القرطبي- من ذلك، ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص (٤)، وكانت الجاهلية تعمل أصنامًا من العجوة حتَّى إن بعضهم جاع فأكل صنمه.

стр. 8476

وقوله: ("ولَيْسَ بِنَافِخٍ") يؤخذ منه جواز التكليف بما لا يقدر عليه، وليس مقصود الحديث التكليف، وإنما القصد منه تعذيب المكلَّف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه وإظهار قبح فعله، كما نبه عليه القرطبي (١). قال القاضي عياض: ومذهب العلماء كافة في الشجر ونحوه لا يحرم، إلا ما روي عن مجاهد فإنه جعل الشجرة المثمرة من المكروه، ولم يقله غيره (٢). قال الطحاوي: ولما أبيحت التماثيل بعد قطع رءوسها الذي لو قطع من ذي الروح لم يبق، دلَّ ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه (٣)، وعلمنا أن الثياب المستثناة هي المبسوطة لا ما سواها من الثياب المعلقة والملبوسة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه (٤)، وسيكون لنا عودة إلى ذلك في الصور في كتاب: الزينة إن شاء الله تعالى. فائدة: قوله: (فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً) أي: ذعر وامتلأ خوفًا: قاله صاحب "المطالع". وقال صاحب "العين": يقال: ربا الرجل أصابه نفس في جوفه (٥)، وهو الربو والرَبوة والرِبوة أي: بفتح الراءِ وكسرها وهو نهيج ونفس متواتر. قال ابن التين: معناه انتفخ كأنه حجل من ذلك.

стр. 8477

فائدة أخرى: صح أن أشدَّ الناس يوم القيامة عذابًا المصور، ومقتضاه: أن لا يكون في النارِ أحد يزيد عذابه على عذابه، وظاهره مخالفة قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقوله ﵇: "أشد الناس عذابًا عالم لم ينفعه الله تعالى بعلمه" (١) وقوله: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام ضلالة" (٢) في إشباه لذلك ولا مخالفة؛ لأنَّ الناس الذين أضيف إليهم "أشد" لا يراد بهم كل نوع الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد المدعين للإلهية عذابًا. ومن يقتدى به في ضلالة كفره، أشد ممن يقتدى به في ضلالة بدعة، ومن صور صورًا ذات أرواح أشد عذابًا ممن يصور ما ليس بذي روح، فيجوز أن يعني بالمصورين: الذين يصورون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعل، وكما تفعل

стр. 8478

النصارى، فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة. ونبه على ذلك القرطبي (١). وقد يقال: أشد عذابًا بالنسبة إلى هذِه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صورها لتعبد أو لمضاهاة خلق الله فهو خارج عن الملة، فلذلك زيد في عذابه.

стр. 8479

١٠٥ - باب تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الخَمْرِ وَقَالَ جَابِرٌ ﵁: حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الخَمْرِ. ٢٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ". [انظر: ٤٥٩ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ٤/ ٤١٧] ثم ساق حديث عائشة: لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ آخر: خرج رسول الله ﷺ فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر (١). وسلف أيضًا في باب: المساجد (٢)، وقام الإجماع على تحريم بيعها لتحريم شربها والانتفاع بها. واختلف في تخليلها فعندنا لا يجوز، خلافًا لأبي حنيفة، فإن تخللت بنفسها طهرت، وعن مالك: لا يحل لمسلم أن يخللها ولكن يهريقها فإن صارت خلًّا بغير علاج فهي حلال. قال ابن بطال: وهي قياس قول الشافعي (٣).

стр. 8480

قلت: بل هو مذهبه. وعن مالك أنه إن خللها جاز أكلها وبيعها وبئس ما صنع، وعنه: إن خللها النصارى فلا بأس بأكلها، وكذا إن خللها مسلم واستغفر، وهو قول الليث. وأجاز الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة -كما مرَّ- وأصحابه تخليلها، ولا بأس أن يطرح فيها السمك والملح فتصير مرُّيا إذا تحولت عن حالة الخمر. حجة الشافعي قوله لأبي طلحة وقد قال: عندي خمر لأيتام أخللها؟ قال: "لا" (١) (٢) وروى الشافعي: أنه صبها حتى سال الوادي. وذكر الطحاوي احتمالات في النهي عن تخليلها وأمره بالإراقة أن يكون نهيًا عن تخليلها، ولا دلالة فيه بعد ذلك على حظر ذلك الخل الكائن منها، وأن يكون مراده: تحريم ذلك العين وإرادة التغليظ، وقطع العادة، لقرب عهدهم بشربها. وحجة الكوفي: ما روى أبو إدريس الخولاني أن أبا الدرداء كان يأكل المري الذي جعل فيه الخمر، ويقول: دبغته الشمس والملح (٣) -كما ستعلمه في موضعه- وكما لا يختلف حكم جلد الميتة في دبغه بعلاج آدمي وغيره كذلك استحالة الخمر خلًّا. (٤)

стр. 8481

١٠٦ - باب إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا ٢٢٢٧ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". [٢٢٧٠ - فتح: ٤/ ٤١٧] ذكر فيه حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ تعالى: ثَلَاَثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُل اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". هذا الحديث من أفراده، قال البيهقي: رواه النفيلي عن يحيى بن سليم فقال: (عن سعيد بن أبي سعيد) (١)، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢). وشيخ البخاري فيه بشر بن مرحوم، وهو بشر بن عُبَيْس بن مرحوم، فمرحوم جده مولى آل معاوية، مات سنة ثمان وثلاثين أو ثلاثين ومائتين، انفرد به البخاري عن الخمسة. قال البيهقي في "المعرفة": روينا في الحديث الثابت عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: "قال الله : ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته" (٣). إذا عرفت ذلك فالرب تعالى خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة كما نبه عليه ابن التين، وقد ذكر في الغادر

стр. 8482

أنه ينشر له لواء يوم القيامة (١)، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، وكذا المذكر والمؤنث. وقوله: ("بَاعَ حُرًّا") أي: عالمًا، فإن كان جاهلًا فلا يدخل في هذا. ومعنى: ("أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ") يريد نقض عهدًا عاهده عليه، قاله ابن بطال (٢). وقال ابن الجوزي: يعني: حلف بي؛ لأنه اجترأ على الله. وقوله: ("وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا" … إلى آخره) هو داخل في معنى "بَاعَ حُرًّا" لأنه استخدمه بغير عوض، وهذا عين الظلم، وإثمه أعظم الإثم ممن باع حرًّا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرمة والذمة، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه، وأن ينصحه ولا يسلمه، وليس في الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه إلى ذلك، ومن باع حرًّا فقد منعه التصرف فيما أباح الله تعالى له، وألزمه حال الذلة والصغار، فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده. قال ابن المنذر: وكل من لقيت من أهل العلم على أنه من باع حرًّا لا قطع عليه ويعاقب، ويروى عن ابن عباس قال: يرد البيع ويعاقبان. وروى خلاس، عن علي أنه قال: تقطع يده. والصواب قول الجماعة؛ لأنه ليس بسارق، ولا يجوز قطع غير السارق (٣).

стр. 8483

وقال ابن حزم: لا يجوز بيع الحر، وفيه خلاف قديمٌ وحديثٌ، نورد منه -إن شاء الله- ما تيسر ليعلم مدعي الإجماع فيما هو أخفي من هذا أنه غير جيد، ثم ذكر عن عبد الله بن بريدة أن رجلًا باع نفسه، فقضى عمر بن الخطاب بأنه عبد كما أقر على نفسه، وجعل ثمنه في سبيل الله (١). وعند ابن أبي شيبة، عن شريك، عن الشعبي، عن علي قال: إذا أقرَّ على نفسه بالعبودية فهو عبد (٢). ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا مغيرة بن مقسم، عن النخعي فيمن ساق إلى امرأته رجلًا (حرًا) (٣)، فقال إبراهيم: هو رهن بما جعل فيه حتى يفتك نفسه (٤). وعن زُرارة بن أوفى قاضي البصرة التابعي أنه باع حرًّا في دينٍ عليه، قال: وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الآثار (٥). قلت: قد أخرجتها وذكرتها في الشروح قال: وهذا قضاء عمر وعلي بحضرة الصحابة ولم يعترضْهم معترض. قال: وقد جاء أثر في أن الحرَّ يباع في دينه في صدر الإسلام، إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٦) [البقرة: ٢٨٠] روى [ابن] دينار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ باع حرًّا

стр. 8484

أفلس (١)، ورواه الدارقطني من حديث حجاج، عن ابن جريج، فقال: عن أبي سعيد أو أبي سعد (٢)، على الشك. ورواه البزار من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن سُرّق أنه اشترى من أعرابي بعيرين فباعهما، فقال ﷺ : "يا أعرابي، اذهب فبعه حتَّى تستوفي حقَّك" فأعتقه الأعرابي (٣). ورواه ابن سعد عن أبي الوليد الأزرقي، عن مسلم (٤)، وضعفه عبد الحق بأن قال: مسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفان (٥). وليس بجيد؛ لأن مسلمًا وثقه غير واحد، وصحح حديثه، وعبد الرحمن لا مدخل له في هذا، لا جرم أخرجه الحاكم من حديث بندار، ثنا

стр. 8485

عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ثنا زيد بن أسلم ثم قال: على شرط البخاري (١). قلت: قد يعارضه ما في "مراسيل أبي داود" عن الزهري: كان يكون على عهد رسول الله ﷺ ديون على رجال، ما علمنا حرًّا بيع في دين (٢). فائدة: أسلفنا أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، تقول: هو خصم، وهما خصم، وهم خصم، وهو قول ثعلب في "فصيحه" (٣). وقال الهروي: الخصم بالفتح: الجماعة من الخصوم، والخصم بكسر الخاء: الواحد. وقال الخطابي: الخصم هو المولع بالخصومة الماهر فيها (٤)، وعن يعقوب: يقال للخصم خصَم. وفي "الواعي": خصيم للمخاصم والمخاصَم. وقال الفراءُ: كلام العرب الفصحاء أن لا يثنوا الاسم إذا كان مصدرًا ولا يجمعونه، ومنهم من يثنيه ويجمعه، فالفصحاء يقولون: هذا خصم في جميع الحالات، والآخرون يقولون: هذان خصمان، وهم خصوم، وخصماء، وكذا ما أشبهه.

стр. 8486

١٠٧ - [باب أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ اليَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ (ودِمَنِهم) (١) حِينَ أَجْلَاهُمْ فِيهِ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (٢) [فتح: ٤/ ٤١٨] كذا في البخاري ها هنا من غير زيادة، وربما سقط في بعض النسخ (٣)، والحديث الذي أشار إليه خرجه في آخر الجهاد، في باب: إخراج اليهود من حديث الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤)، فذكره. وفيه: "فإني أريد أن أجليكم من هذِه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله". ولابن إسحاق: فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن ما حملت الإبل من أموالهم إلا (الحلقة) (٥)، فاحتملوا ذلك وخرجوا إلى خيبر وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فكانت له خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين، وهؤلاء اليهود الذين أجلاهم هم بنو النضير، وذلك أنهم أرادوا الغدر

стр. 8487

برسول الله ﷺ ، وأن يلقوا عليه حجرًا، فأوحى الله تعالى إليه بذلك فأمر بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاءوا، فلما سمع المنافقون بذلك بعثوا إلى بني النضير: اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم. فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب؛ فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم (١)، فأجابهم بما أسلفناه. فإن قلت: هذا معارض بحديث المقبري، عن أبي هريرة؛ لأنَّ فيه: أنه ﵇ أمرهم ببيع أرضيهم. وفي حديث ابن إسحاق: أنهم تركوا أرضهم بغير عوض، وحلت لرسول الله ﷺ ، فما وجه ذلك؟ فالجواب: أنه ﵇ إنما أمر ببيع أرضيهم -والله أعلم- قبل أن يكونوا له حربًا، فكانوا مالكين أرضيهم، وكانت بينهم وبين رسول الله ﷺ مسالمة وموافقة للجيرة، فكان يمسك عنهم لإمساكهم عنه، ولم يكن بينهم عهد، ثم أطلعه الله تعالى على ما يؤملون من الغدر به، وقد كان أمره لهم ببيع أرضيهم وإجلائهم قبل ذلك فلم يفعلوا؛ لأجل قول المنافقين لهم السالف:: اثبتوا، فإنا لن نسلمكم. فوثقوا بقولهم وثبتوا ولم يخرجوا، وعزموا على مقاتلته، فصاروا له حربًا، فحلت بذلك دماؤهم وأموالهم، فخرج إليهم ﵇ وأصحابه في السلاح وحاصروهم. فلمَّا يئسوا من عون المنافقين ألقى الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ الذي كان عرضه عليهم قبل ذلك، فلم يبح لهم بيع الأرض، وقاضاهم على أن يجليهم ويتحملوا بما استثقلت به الإبل،

стр. 8488

على أن يكف عن دمائهم وأموالهم، فجلوا عن ديارهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكانت أرضوهم وأموالهم مما لم يوجف عليها بقتال مما انجلى عنها أهلها بالرعب، فصارت خالصة لرسولِ الله ﷺ يضعها حيث شاء. قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها، قال: ونزلت في بني النضير سورة الحشر إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ (١) [الحشر: ٣] أي: بالقتل والسبي، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار. وقوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] يعني: الشام الذي جلا أكثرهم إليه؛ لأنه روى في الحديث أنه تجيء نار تحشر الناس إلى الشام (٢)، ولذلك قيل في الشام: إنها أرض المحشر (٣).

стр. 8489

١٠٨ - باب بَيْعِ العَبِيدِ وَالحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَكُونُ البَعِيرُ خَيْرًا مِنَ البَعِيرَيْنِ. وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ آتِيكَ بِالآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللهُ. وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَا رِبَا فِي الحَيَوَانِ: البَعِيرُ [بِالبَعِيرَيْنِ]، وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ [وَدِرْهَم بِدِرْهَمٍ (١)] نَسِيئَةً. ٢٢٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٤/ ٤١٩] ثم ساق حديث أنس: كَانَ فِي السَّبْي صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِي ﷺ . الشرح: أثر ابن عمر أخرجه مالك في "الموطأ" عن نافع عنه، أنه اشترى، فذكره (٢). وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي وهو في "مسنده": أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه سئل عن بعير ببعيرين، فقال: قد يكون إلى آخره (٣).

стр. 8490

والربذة (١): اسم مكان، وأثر رافع ذكره عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر، عن بديل العقيلي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أن رافع بن خديج، فذكره (٢). وأثر ابن المسيب رواه الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه، قال لا ربا في الحيوان، قد نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة (٣). وقال عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر، عن الزهري، سئل سعيد، فذكره (٤). وتعليق ابن سيرين وقع لأبي زيد، (ودرهم أو درهمين) وعند أبي ذر ولأبي الهيثم والحموي: (ودرهم بدرهم)، وهو خطأ. ورواه سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا يونس، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا بـ (الحيوان بالحيوان) يدًا بيد، والدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا، والحيوان نسيئة (٥). ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم بدرهمين نسيئة، قال: فإن كان أحد

стр. 8491

البعيرين نسيئة فهو مكروه (١). واعترض ابن بطال، فقال: أما قول ابن سيرين، فذكره. (ودرهم بدرهم نسيئة). وفي بعض النسخ: ودرهم بدرهمين نسيئة، وأن ذلك خطأ في النقل عن البخاري، والصحيح عن ابن سيرين ما رواه عبد الرازق، فذكره، لكن أسقط قتادة كما سقناه وساقه بلفظ: لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم الدرهم نسيئة والباقي مثله، وهذا مذهب مالك، وقد ذكره في "الموطأ" في مثله: الجمل بالجمل وزيادة دراهم، قال: والذي يجوز من ذلك أن يكون الجملان نقدًا، ولا يبالي تأخرت الدراهم أو تعجلت، لأن الجمل بالجمل قد حصل يدًا بيد، فبطل أن يتوهم فيه السلف على أنه بيع؛ لأن الدراهم ها هنا تبع للجمل وليس هي المقصد، وأما إذا كان أحد الجملين نسيئة فلا يجوز؛ لأنه عنده من باب الزيادة في السلف، كأنه أسلف جملًا في مثله واستزاد عليه الدراهم، ولو كانت الدراهم والجمل جميعًا إلى أجل لم يجز؛ لأنه أقرضه الجمل على أن يرده إليه بصفته ومعه دراهم، فهو سلف جرَّ منفعة وزيادة على ما أخذ المتسلف، فلا يجوز (٢). وحديث صفية لا تعلق له بما أورده، نعم رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنها وقعت في سهم دحية الكلبي، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس (٣).

стр. 8492

وقال ابن التين: هو لا يشبه التبويب، لكنه أراد أنه ﵇ أعطاه غيرها، فصار رقيقًا برقيق، ولا يكرهه أحد، نعم وقع الخلاف في واحد باثنين إلى أجل من جنس واحد (١). واختلف أصحاب مالك في واحد باثنين، أحدهما تقدم والآخر إلى أجل. وقول رافع: (آتيك غدًا رهوًا). أي: سهلًا عفوًا، لا باحتباس ولا تشدد. قال صاحب "العين": الرهو: المشي في سكون (٢). وقال أبو عبيد: أي: آتيك عفوًا لا احتباس (٣) فيه. قال الهروي: ويقال: سيرا رهوًا. أي: ساكنًا، وقيل: معناه: ارتفاع النهار. وقال ابن عباس: الرهو: المنخفض من الأرض (٤)، وقيل: المرتفع. إذا تقرر ذلك، قال عبد الملك: الأبعرة صغار الإبل، فكأنه باع جملًا كبيرًا بأربعة أبعرة صغار إلى أجل، وجاز لاختلاف المنافع، وقيل: إن البعير يطلق على الحمار، حكاه ابن التين عن مجاهد،

стр. 8493

قال: وأثر ابن سيرين لا ربا في كذا، هو الربا بعينه، وسلف جر منفعة، إذا كان الجمل من جنس الجملين. وأما بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فقد اختلف العلماء فيه، فقالت طائفة: لا ربا فيه، وجائز بعضه ببعض نقدًا ونسيئة، اختلف أو لم يختلف، هذا مذهب علي وابن عمر وابن المسيب (١)، وهو قول الشافعي (٢) وأبي ثور، وقال مالك: لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة، وإن كانت من نعم واحد إذا اختلفت وبان اختلافها، وإن أشبه بعضها بعضًا واتفقت أجناسها فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل، ويؤخذ يدًا بيد (٣)، وهو قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد. وقال الثوري والكوفيون وأحمد (٤): لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اختلفت أجناسها أو لم تختلف، واحتجوا بحديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٥). صححه الترمذي وصحح سماع الحسن، سمرة كما قاله علي بن

стр. 8494

المديني (١) وغيره (٢)، وقال في "علله": سألت محمدًا عنه فقال: روى داود العطار، عن معمر هذا، وقال: عن ابن عباس، وقال الناس: عن عكرمة مرسل، وهن محمد هذا الحديث (٣)، ورواه إبراهيم بن طهمان، عن معمر، ذكره البيهقي (٤). قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم (٥). وقال الأثرم: عن أحمد أنه سئل عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فقال: يعجبني أن يتوقاه. فقيل له: فيه شيء يصح؟ قال: فيه الحسن عن سمرة، ولا يصح سماعه منه (٦). وساقه عبد الله بن أحمد، عن والده، ثم قال في آخره: ثم نسي الحسن فقال: إذا اختلف الصنفان فلا بأس (٧).

стр. 8495

وأما حديث: نهي عن بيع الشاة باللحم، فأخرجه الحاكم من هذا الوجه أيضًا، ثم قال: صحيح الإسناد، ورواته عن آخرهم ثقات. وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة (١) أي: في حديث العقيقة (٢)، وله شاهد مرسل في "الموطأ" عن زيد، عن ابن المسيب أنه ﷺ نهى عن بيع (الحيوان) (٣) (٤) بالحيوان، وفي "التمهيد" عن سهل بن سعد مرفوعًا مثله، ووهاه فقال: سنده موضوع (٥). واحتجوا أيضًا بحديث عكرمة، عن ابن عباس: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٦). قال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى أبو أحمد الزبيري، وعبد الملك بن عبد الرحمن الزيادي (٧)،

стр. 8496

عن الثوري، عن معمر كما سلف (١). قال البيهقي: فيه وفي ابن طهمان والعطار وكل ذلك وهم، والصحيح: عن معمر، عن يحيى، عن عكرمة، عن رسول الله ﷺ مرسل (٢). وذكره الإسماعيلي في حديث ابن أبي كثير أن ابن طهمان رواه عن يحيى مرسلًا. وقال ابن خزيمة: الصحيح عند أهل المعرفة بالحديث إرساله (٣)، وكذا ابن أبي حاتم لما سأل أباه عن حديث عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن معمر به مرفوعًا، قال: الصحيح عن عكرمة، عن رسول الله ﷺ مرسل (٤). وقال أحمد فيه فيما حكاه الأثرم: باطل ليس بشيء (٥)، وإنما هو مرسل، كذا رواه ابن المبارك وفي كتب معمر مرسل عن عكرمة. ونقل المنذري عن البخاري أن الثقات رووه عنه موقوفًا، وعكرمة عن رسول الله ﷺ مرسل (٦). قلت: ذكره الإسماعيلي من حديث ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري ويحيى بن أبي كثير، عن عكرمة فذكره. وأخرجه الطحاوي

стр. 8497

من حديث أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى بأسًا ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة (١). وحسنه الترمذي من حديث حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير (٢). وقال الأثرم: قيل لأحمد: حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر الحديث، فقال: حجاج زاد فيه شيئًا، وليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، لا يذكر فيه شيئًا، يقول: إنه ﵇ باع عبدًا بعبدين، ثم قال: ليس فيه شيء يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه (٣). وروى الترمذي في "علله" من حديث زياد بن جبير، عن ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان نسيئة، ثم قال: سألت محمدًا عنه فقال: إنما يرويه عن زياد، عن رسول الله في ﷺ ، مرسلًا (٤). ورواه الطحاوي من حديث مسلم بن إبراهيم، عن محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد عنه مرفوعًا (٥). وقال الأثرم: ورواه عن مسلم. قال أبو عبد الله محمد بن دينار: زعموا كان لا يحفظ منهم، كان يتحفظ لهم، فذكرت (٦) له حديث ابن عمر في الحيوان قال: ليس فيه ابن عمر، إنما هو زياد بن جبير، موقوف (٧).

стр. 8498

وقال ابن مسعود: السلف في كل شيء إلى أجل مسمى لا بأس به، ما خلا الحيوان (١). وقال سعيد بن جبير: كان يكره السلم في الحيوان نسيئة (٢)، وقيل: هو مذهب ابن عباس (٣) وعمار، وأجازوا التفاضل فيه يدًا بيد، ومعنى النهي عندهم في ذلك: عدم وجوده، وأنه غير موقوف عليه. قال الطحاوي: وقد كان قبل نسخ الربا يجوز بيع الحيوان نسيئة. (وروى ابن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم بن كثير، عن جبير، عن عمرو بن حريش) (٤) قال: قلت لعبد الله بن عمرو: إنه ليس بأرضنا ذهب ولا فضة، وإنما نبيع البعير بالبعيرين، والبقرة بالبقرتين، والشاة بالشاتين، فقال: إن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فجعل يأخذ البعير

стр. 8499

بالبعيرين إلى إبل الصدقة، ثم نسخ ذلك بأحاديث المنع (١)، وثبت أن القرض الذي هو بدل من مال لا يجب فيه حيوان في الذمم، وقد روي ذلك عن نفر من المتقدمين، ولما ذكر ابن أبي حاتم حديث ابن عمرو هذا قال: اختلف على ابن إسحاق في إسناده، والحديث مشهور (٢). ولما ذكره البيهقي قال: له شاهد صحيح عن ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، الحديث (٣). وفيه: البعير بالبعيرين وبالأبعرة. وسأل عثمان السجستاني يحيى بن معين عن سند هذا الحديث، فقال: سند صحيح مشهور (٤)، وهذا المذهب أراده البخاري، ووجه إدخاله حديث صفية في هذا الباب أن صفية صارت إلى دحية الكلبي بأمره ﷺ ، فأخبر رسول الله ﷺ أنها سيدة قريظة، ولا تصلح إلَّا له، فأمر، فأتى بها، فلما راها قال له: "دعها وخذ غيرها" فكان تركه لها عند رسول الله ﷺ وأخذه جارية من السبي غير معينة بيعًا لها بجارية نسيئة، حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ تتعين له، وليس ذلك يدًا بيد. وحجة مالك: أن الحيوان إذا اختلفت منافعه، صار كجنسين من سائر الأشياء، يجوز فيه التفاضل والأجل؛ لاختلاف الأغراض فيه؛ لأن غرض الناس من الحيوان والعبيد المنافع، ولا ربا عندهم في الحيوان والعروض إذا أحدث فيها النسيئة، إلَّا من باب الزيادة في السلف، وإذا كان التفاضل في الجهة الواحدة خرج أن يتوهم فيه

стр. 8500

الزيادة في السلف، وليس العبد الكاتب والصانع عندهم مثل العبد الذي هو مثله في الصورة، إذا لم يكن كاتبا ولا صانعًا، وأما إذا اتفقت منافعها، فلا يجوز عنده صنف منه بصنف مثله أكثر منه إلى أجل؛ لأن ذلك يدخل في معنى قرض جرَّ منفعة؛ لأنه أعطى شيئًا له منفعة بشيء أكثر منه مثل تلك المنفعة؛ لأنه إنما طلب زيادة الشيء؛ لاختلاف منافعه، فلم يجز ذلك (١). وتأول مالك فيما روى عن علي أنه باع جملًا له يدعى بعصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل (٢). وبما روي عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة، أن منافعها كانت مختلفة، وليس في الحديث عنهم أن منافعها كانت متفقة، فلا حجة للمخالف فيه. وروى وكيع بن الجراح في "مصنفه": حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الأعلى، قال: شهدت شريحًا رد السلم في الحيوان، وحدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى سمعت سويد بن غفلة يكره السلم في الحيوان، وحدثنا النضر بن أبي مريم أن الضحاك رخص فيه ثم رجع عنه (٣). احتج الشافعي بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح (٤) (٥)، ورواه الشافعي، عن الثقة، عن سفيان بن سعيد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي هريرة: كان لرجل على رسول الله ﷺ سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه" فلم يجدوا إلا سنًا فوق سنه، فقال: "أعطوه،

стр. 8501

فإن خيركم أحسنكم قضاءً" (١) وللبخاري: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا" (٢) وسيأتي. وفي أفراد مسلم من حديث أبي رافع قال: استسلف رسول الله ﷺ بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا، فقال: "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء" وفي لفظ: "فإن خير عباد الله أحسنهم قضاء" (٣) ولم يخرج البخاري عن أبي رافع في كتابه إلا حديثًا واحدًا في الشفعة، يأتي (٤). قال الشافعي: هذا الحديث الثابت عن رسول ﷺ أنه ﵇ ضمن بعيرًا بالصفة ما دل على أنه يجوز أن يضمن الحيوان كله بصفة في السلف وغيره، وفيه دليل أنه لا بأس أن يقضي أفضل مما عليه متطوعًا (٥). قال البيهقي: واحتج الشافعي بأمر الدية، فقال: قد قضى رسول الله ﷺ بالدية مائة من الإبل، ولم أعلم المسلمين اختلفوا بأسنان معروفة في مضي ثلاث سنين، وأنه افتدى كل من لم يطلب عنه نفسًا من سبي هوازن بإبل سماها ست أو خمس إلى أجل (٦).

стр. 8502

قال البيهقي: هذا فيما رواه أهل المغازي، وفيما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١)، قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد بن على، عن علي بن أبي طالب، فذكر قصة العصيفير. وعن مالك، عن رافع، أن ابن عمر، فذكر أثره السالف أول الباب. وأخبرنا الثقة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة ولم يشعر -أو قال: لم يسمع بأنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال ﵇: "بعه" فاشتراه بعبدين أسودين (٢)، وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم الجزري، أخبره أن زياد بن أبي مريم مولى عثمان بن عفان، أخبره أن رسول الله ﷺ بعث مصدقًا فجاء بظهر مسنات، فلما رآه قال: "هلكت وأهلكت" فقال: يا رسول الله إني كنت أبيع البكرين والثلاث بالبعير المسن يدًا بيد، وعلمت من حاجة رسول الله ﷺ إلى الظهر فقال: "فذاك إذن" وفي رواية ابن عباس "بيع البعير بالبعيرين" (٣) وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا بالسلف في الحيوان، وذكر أيضًا قول ابن شهاب في بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل لا بأس به. وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهي في الحيوان عن ثلاث: المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة. قال: والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح: ما في ظهور الجمال، وحبل الحبلة: بيع لأهل الجاهلية.

стр. 8503

وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: وأبيع البعير بالبعيرين يدًا بيدٍ زيادة ورق، والورق نسيئة (١)، قال الشافعي: وبهذا كله أقول، وخالفنا بعض الناس فقال: لا يجوز أن يكون الحيوان نسيئة أبدًا، فناقضتهم بالدية والكتابة عن الوصفاء بصفة، وبإصداق العبيد والإبل بصفة، قال: وإنما كرهنا السلم في الحيوان؛ لأن ابن مسعود كرهه، قال الشافعي: هو منقطع عنه (٢). قال أحمد: (٣) يرويه عنه إبراهيم النخعي (٤). قلت: رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أن زيد بن ثابت أسلم إلى عتريس (٥) بن عرقوب في قلائص، قال: فسألت ابن مسعود فكره السلم في الحيوان (٦). قال الشافعي: ويزعم الشعبي الذي هو أكبر من الذي روى عنه كراهيته أنه إنما أسلف له في لقاح فحل إبل بعينه، وهذا مكروه عندنا، وعند كل أحد، هذا بيع الملاقيح والمضامين أو هما، وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب، عن أبي البحتري: أن بني عم لعثمان بن عفان أتوا واديًا فصنعوا شيئًا في إبل رجل، قطعوا به لبن إبله، وقتلوا فصالها، فأتى عثمان وعنده ابن مسعود فرضي بحكم ابن مسعود، فحكم أن يعطي بواديه إبلًا مثل إبله، وفصالًا مثل فصاله، فأنفذ ذلك عثمان.

стр. 8504

ويروى عن ابن مسعود أنه قضى في حيوان مثله دينًا؛ لأنه إذا قضى به بالمدينة ويعطيه بواديه كان دينًا، نريد أن يروي عن عثمان أنه يقول بقوله، وأنتم تروون عن المسعودى، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُسلم لابن مسعود وصفاء أحدهم أبو زيادة أو أبو زائدة مولانا. وتروون عن ابن عباس أنه أجاز السلم في الحيوان، وعن رجل آخر من الصحابة (١). قال البيهقي: روى أبو حسان الأعرج قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن السلم في الحيوان، فقالا: إذا سمى الأسنان والآجال فلا بأس. وقال أبو نضرة: سألت ابن عمر عن السلف في الوصفاء فقال: لا بأس به. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن أبي نضرة قال: قلت لابن عمر: إن أمراءنا ينهوننا (٢) عنه -يعني: السلم- في الحيوان وفي الوصفاء. قال: فأطع أمراءك إن كانوا ينهون (٣) عنه. وأمراؤهم يومئذ مثل الحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الرحمن بن سمرة، (٤) قال: وروي عن عمر أنه كرهه، وكذلك عن حذيفة، والحديث عنهما منقطع، وعن ابن عباس وابن عمر موصول بقولنا: قال الشافعي في القديم: وقد يكون ابن مسعود كرهه تنزهًا عن التجارة فيه، لا على تحريمه (٥).

стр. 8505

١٠٩ - باب بَيْعِ الرَّقِيقِ ٢٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا، فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ: "أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِىَ خَارِجَةٌ". [٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩ - مسلم: ١٤٣٨ - فتح: ٤/ ٤٢٠]. ذكر فيه حديث الزهرى أَخْبَرَنِي ابن مُحَيْرِيزٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا، فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيْفَ تَرى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ: "أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَة كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا وهِيَ خَارِجَة". هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (١) وقال: ابن محيريز هو عبد الله بن محيريز أبو محيريز الجمحي. قلت: وجده جنادة بن وهب بن لُوذان بن سعد بن جمح، مات (٢) بالشام في خلافة عمر بن عبد العزيز (٣).

стр. 8506

وللنسائي: سأل رجل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: إن امرأتي ترضع وأنا أكره أن تحمل، فقال: ما قدر في الرحم سيكون (١). وفي الباب عن جابر (د. ت) (٢) وغيره، كما سيأتي في بابه. وروى حديث الباب موسى بن عقبة، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد، فقال: أصبنا سبيًا من سبي هوازن، وذلك يوم حنين سنة ثمانٍ. ووهم ابن عقبة في ذلك (٣) ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ليس من كل الماء يكون الولد" (٤) ورواه مسلم من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي الوداك بلفظ: سئل رسول الله ﷺ عن العزل (٥). لم يذكر سبي حنين ولا غيره، وكذا ما ذكره أبو عمر (٦) من رواية موسى بن عقبة، عن ابن محيريز ذكره مسلم (٧)، ولم يذكر فيه سبي

стр. 8507

أوطاس ولا غيره، وإنما ذكر مسلم يوم أوطاس من حديث أبي علقمة، عن أبي سعيد في قصة تحرج أصحابه من وطء السبايا من أجل أزواجهن (١)، وهي قصة أخرى في زمن آخر غير زمان بني المصطلق التي في الخامسة، والصحيح في الأول رواية من روى بني المصطلق. وقوله: "فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ". فيه: دلالة على عدم جواز بيع أمهات الأولاد؛ لأن العمل منهن يمنع الفداء والثمن، وهو حجة على داود وغيره ممن يجوز (٢) بيعهن، وسيأتي بسطه في موضعه. وفي لفظ: (وأحببنا الفداء). وقوله: ("أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ ") على التعجب منه يقول: وقد فعلتم؟! وقوله: ("لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا"). قال الداودي: هو أقرب إلى النهي. وقال المبرد: لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى (لا) الثانية: طرحها. و (النَسَمَة): النفس وكل ذات روح، والنسم: الأرواح. أي: ليس ذو نسمة، ويراد بها الذكر والأنثى. قال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة. وقوله: ("إِلَّا وهِيَ خَارِجَةٌ") أي: جف القلم بكل ما يكون. وفيه: دلالة على أن الولد يكون مع العزل؛ ولهذا صحح أصحابنا أنه لو قال: وطئت وعزلت، لحقه على الأصح (٣).

стр. 8508

وما ترجم له من بيع الرقيق ظاهر كبيع سائر المباحات، وهي داخلة في عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. تنبيهات: أحدها: قد أسلفنا أن الحديث حجة على داود في إجازته بيع أمهات الأولاد، ووجهه أنه لولا أن الحمل يبطل الثمن لم يقرهم على هذا الاعتقاد، وتكلف الحيلة له، ولقال لهم: وأي حاجة إلى العزل، والبيع يجوز، وانفصل المحتج لداود بأنه قال: ظاهره أنهم كانوا يريدون الفداء، فإذا حملن تعذر ذلك حتى (١) يضعن، وإلا صار أولادهم في أيدي الكفار، ولعل العرب الذين كان ذلك السبي منهم إذا حملن من المسلمين لا يفدونهم، أو يفدونهم بقليل الثمن، فعن هذا سألوا، لا على أن الإيلاد يمنع بيعهن. ثانيها: وطء المسبية والالتذاذ بها موقوف على القسمة والاستبراء، فكيف أرادوا وطأهن؟ ولعلهم إنما سألوا ذلك؛ لاشتداد العزبة، وظنوا أن وطأهن دون الفرج مباح إذا اجتنبوا موضع الولد، فأعلم أن الماء ربما سبق إلى الفرج، فيكون منه الولد وإن عزل، ليبين لهم حكم العزل، وإذا حمل على ذلك لم يدل على منع بيعهن. ثالثها: كان ذلك في غزوة بني المصطلق -كما مرَّ- وكانت سنة ست، أو خمس، أو أربع (٢)، واختلف: هل كانوا أهل كتاب أم لا؟ على قولين، قال أبو محمد الأصيلي: كانوا عبدة أوثان، وإنما جاز

стр. 8509

وطؤهن قبل نزول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال الداودي: كانوا أهل كتاب، فلم يحتج فيهن إلى ذكر الإسلام. قال ابن التين: والظاهر الأول؛ لقوله في بعض طرقه: فأصبنا سبيا من سبي العرب. ثم نقل عن الشيخ أبي محمد أنه كان أسر من بني المصطلق أكثر من سبعمائة، ومنهم جويرية بنت الحارث أعتقها وتزوجها. فلعله لما دخل بها سألته في الأسرى، فوهبهم لها. رابعها: حكم العَزْلِ عندنا: إن كانت أمة جاز قطعًا على ما ادعاه الرافعي، وإن كان حكى في "البحر" وجها، وأما الزوجة فالأصح جوازه بكره (١)، ومنهم من جوزه عند إذنها، ومنعه عند عدمه. وذكر بعض العلماء أربعة أقوال فيه: الجواز كمذهبنا، والمنع، ومذهب مالك جوازه في التسري، وفي الحرة موقوف على إذنها، وسيد الأمة. (خامسها) (٢): يجوز برضا الموطوءة كيف كانت، حكاها كذلك ابن التين. حجة من أجاز حديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلم ينهنا. وحجة من منع أنه ﵇ لما سئل عنه قال: "ذلك الوأد الخفي" (٣).

стр. 8510

١١٠ - باب بَيْعِ المُدَبَّرِ ٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ المُدَبَّرَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢٠] ٢٢٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: بَاعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢١] ٢٢٣٢ و ٢٢٣٣ - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رضى الله عنهما أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ. قَالَ: "اجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا" بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [انظر: ٢١٥٣ و ٢١٥٤ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢١] ٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ [عَلَيْهَا]، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". [انظر: ٢١٥٢ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٤٢١] ذكر فيه حديثي جابر قال: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ المُدَبَّرَ، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأمة إذا زنت وقد سلف (١). ثم ساقه من حديث أبي هريرة وحده وقد سلف أيضًا في باب بيع العبد الزاني.
следующие страницы →