للصلاة فيها للناس إلى يوم القيامة، وقد صلَّى في دار أبي طلحة وعتبان فلم يبح للناس أنْ يتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وإنما أدخله البخاري؛ من أجل أنه نسب المعرس إلى رسول الله ﷺ . (١)
وأبدى له ابن المنير مناسبة ذكرها هنا، وهي أنه لمَّا ذكر إحياء الموات والخلاف في إذن الإمام فيه نبه على أن البطحاء التي عرس فيها رسول الله ﷺ ، وأمر بالصلاة فيها، وأعلم أنها مباركة لا تدخل في الموات الذي يحيى ويملك؛ لما ثبت لها من خصوص التعريس فيها فصارت كأنها وقف على أن يقتدى فيها به، فلو ملكت بالإحياء لمنع مالكها الناس من التعريس بها (٢).
أحمد بن المقدام ثنا (الفضيل) (١) بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة (٢) وأسنده مسلم عن محمد بن رافع وإسحاق بن رافع كلاهما، عن عبد الرزاق به (٣).
إذا عرفت ذلك فقد تمسك بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول بقوله: "نقركم ما شئنا" والجمهور على المنع إلَّا إلى أجل معلوم، وهذا الكلام جرى جوابًا لما طلبوه حتى إذا أراد إخراجهم منها، فقالوا: نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة، وقد دل على ذلك قول ابن عمر:
عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج منها (٤).
فأفرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح على الإبقاء، وزعم النووي: أنَّ المساقاة جازت لرسول الله ﷺ خاصة في أول الإسلام، يعني: بغير أجل معلوم (٥).
وقد أسلفنا مقالة أبي ثور، وهو قول محمد بن الحسن.
وفي الموطأ: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله" (٦).
стр. 8824
وقال ابن بطال: اعتل من دفع المساقاة بأنها كانت من رسول الله ﷺ إلى غير أجل معلوم لهذا الحديث، وكل من أجاز المساقاة فإنما أجازها إلى أجل معلوم، إلَّا ما ذكره ابن المنذر عن بعضهم، أنَّه تأول الحديث على جوازها بغير أجل كما سلف، وأئمة الفتوى على خلافه، وأنها
لا تجوز إلَّا بأجل معلوم (١).
قال مالك: الأمر عندنا في النخل: أنها تساقى السنتين والثلاث والأربع والأقل والأكثر (٢)، وأجازها أصحاب مالك في عشر سنين فما دونها (٣).
وما سلف عن أبي ثور ومحمد بن الحسن يشبه قول ابن الماجشون فيمن اكترى دارًا مشاهرة أنه يلزمه شهر؛ لأنَّه ﵇ أقرَّ اليهود على أنَّ لهم النصف، ومقتضاه سنة واحدة حتى يتبين أكثر منها، ولا حجة لمن دفع المساقاة في قوله: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله" ولم يذكر أجلًا؛ لأنه كان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود من جواره؛ لأنه امتحن معهم في شأن القبلة، وكان مرتقبًا للوحي فيهم فقال لهم: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله" منتظرًا للقضاء فيهم فلم يوح إليه بشيء في ذلك حتى حضرته الوفاة فقال: "لا يبقين دينان بأرض العرب" (٤).
стр. 8825
فقوله: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله" لا يوجب فساد عقد ويوجب فساد عقد غيره بعده؛ لأنه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها، وكان بقاء حكمه موقوفًا على تقرير الله تعالى له، وكان استثناؤه "ما أقرَّكم الله" وزواله إذا نسخه من مقتضى العقد، فإذا اشترط ذلك في عقده لم يوجب فساده، وليس كذلك صورته من غيره؛ لأنَّ الأحكام قد تبينت وتقررت.
ومساقاته ﵇ على نصف الثمر تقتضي عموم الثمر، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال الشافعي: لا تجوز إلَّا في النخل والكرم خاصة، وجوَّزها القديم في سائر الأشجار المثمرة (١)، نعم يجوز على الأصح تبعًا لهما.
فإنْ قلت: لم ينص ابن عمر ولا غيره على مدة معلومة ممن روى هذِه القصة، فمن أين لكم اشتراط الأجل؟
стр. 8826
قلت: الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة، وإنما أجلى عمر من الحجاز أهل الكتاب؛ لأنَّه لم يكن لهم عهد من رسول الله ﷺ على بقائهم في الحجاز دائمًا؛ بل كان ذلك موقوفًا على مشيئته، ولما عهد عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت النوبة إلى عمر أخرجهم إلى تيماء وأريحاء بالشام، ولما قال بعضهم: تلك كانت هزيلة منه رُدَّ عليه.
تنبيهات:
أحدها: احتج أصحاب مالك بقوله: "ما شئنا" أنه يجوز عقد الإجارة مشاهرة ومساناة كما نقله ابن التين عنهم قال: إلَّا أنَّه إذا دخل في السنة الثانية من المساقاة لزمه تمام السنة، لما في ترك ذلك بعد العمل من الضرر، ويجوز ذلك في الدور وغيرها، ولكل واحد من المتكاريين الخيار (١).
وقال عبد الملك: يلزمهما، وأخذ ما سمياه، فإنْ قالا: كل شهر.
لزمه شهر واحد، وكانا بالخيار فيما بعد، وإن سمَّيا كل سنة لزمهما سنة وكانا في الخيار فيما بعده (٢).
وابن القاسم يقول: هما بالخيار ولا يلزمهما شيء مما عقدا عليه (٣)، ومنع الشافعي هذا العقد وقال: لا يجوز إلَّا لأجل معلوم، وقد سلف (٤).
стр. 8827
ثانيها: قوله: (وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين) كذا في الأصول، وعند ابن السكن عن الفربري أيضًا.
وفي بعضها: لليهود ولرسوله وللمسلمين (١)، وصححه المهلب (٢).
وكذا روي عن الفربري، ومعنى هذا: ظهر عليهم في الرجاء؛ لأنَّه كان (أخذ) (٣) أعظمها حصنًا، فاستولى عليهم رعبا. ألا ترى أنهم لجئوا إلى مصالحته؛ لما رأوا من ظهوره، فتركوا الأرض وسلَّموها لحقن دِمائهم، فكان حكم ذلك الصلح وما انجلى عنه أهله بالرعب حكم الفيء لم يجر فيه خمس، وإنما استخلص منه رسول الله ﷺ لنفسه، وكان باقيه لنوائب المسلمين وما يحتاجون إليه (٤).
ثالثها: قال الطحاوي: إقطاع أرض المدينة لا أدري كيف يصح؟ لأنَّ أهل المدينة أسلموا راغبين في الدين، وكل من أسلم كذلك أحرز داره وملكه، إلَّا أنْ يكون على الوجه الذي جاء فيه الأثر عن
ابن عباس أنَّ الأنصار جعلت لرسول الله ﷺ ما لم يبلغه الماء من أرضيهم.
رابعها: معنى قوله: (لما ظهر على خيبر)، أي: على أكثرها قبل أن تسأله اليهود الصلح، فلمَّا صالحهم كانت الأرض لله ولرسوله ولم يكن
стр. 8828
لليهود فيها شيء، لخروجهم عنها بالصلح، والدليل على ذلك أنَّ عمر إنما أعطاهم قيمة الثمرة لا قيمة الأصول، فصح أنهم كانوا مساقين فيها بعد أن صولحوا على أنفسهم، ثم لما قسمت كانت لله ولرسوله الصلح وخمس العنوة، وللمسلمين أربعة أخماس العنوة.
وحديث نافع أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوَيةَ، ثُمَّ حُدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيءٍ مِنَ التِّبْنِ.
وحديث ابن عمر: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرى. ثُمّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ أَنْ يَكُونَ رسول الله ﷺ قدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها كلها مسلم (١) وقد سلف الكلام عليها، وتعليق الربيع بن نافع أسنده مسلم أيضًا فقال: حدثنا حسن الحلواني، ثنا أبو توبة. فذكره (٢). وقوله: (رافقًا) أي: ذا رفق، كقوله: ناصب: أي: ذو نصب، وقد يكون بمعنى: مرفق كما ذكره ابن التين.
стр. 8832
وفي الحديث: "من باع بالدراهم سلط الله عليه تالفًا" أي: متلفًا (١).
و (المحاقل): المزارع كما سلف. و (الربيع): الساقية. قاله الخطابي (٢). وقال ابن فارس: هو النهر (٣). وقال الجوهري: الجدول (٤)، وقيل: النهر الصغير، و (الأربعاء): جمع ربيع، وهو النهر الصغير.
قال الداودي: قد تبين أنَّ النهي عن الكراء بالربع مما يخرج منها؛ لأنه مجهول. قال: وذكر التبن والشعير معه فصار مجهولًا ومعلومًا فلا يجوز. وكأن الداودي حمل النهي على أنه جزء من الأرض، والصحيح أنَّ معناه: أنَّ ما جاءت به الساقية وهو الربيع، فهو خاص لرب الأرض، وفي بعض الروايات: على الربيع والأوسق، وهو نحو قول الداودي.
стр. 8833
وقوله: "أزرعوها" أي: امنحوها من يزرعها لنفسه، يقال: أزرعته أرضًا إذا جعلتها له مزرعة.
وأرعيته: جعلت له مرعى، وأسقيته بئرًا: جعلت له سقياها.
وحديث جابر: "فليزرعها أو ليمنحها فإن أبي فليمسك أرضه"، قد بينه بقوله: (كانوا يزرعونها بالثلث والربع والماذيانات)، فانتهى ابن عمر عن ذلك، وخشي أن يكون حدث ما لم يعلم.
واحتج من جوَّز المزارعة بحديث ابن عمر في معاملته ﵇ مع أهل خيبر بالشطر.
واحتج من منع بحديث رافع عن عمه، وبحديث جابر، وبترك ابن عمر إجارة الأرض من أجل ما جاء في ذلك، وقد سلف واضحًا.
وذكرنا ثم اختلاف العلماء في كرائها بالطعام، فعند الأئمة -خلافًا لمالك-: جوازه، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور، وروي عن النخعي وعكرمة وسعيد بن جبير (١).
стр. 8834
١٩ - باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ.
٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيْثُ وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ. [انظر: ٢٣٣٩ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٤٨ - فتح: ٥/ ٢٥]
ثم ساق حديث رافع بن خديج: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الارْضَ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ بِشَيءٍ يَسْتَثْييهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِع: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِع بن خديج: لَيْسَ بِهَا بًاسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: من ها هنا. وَقَالَ اللَّيْثُ: أُرَاهُ وَكَانَ الذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ.
انفرد البخاري بزيادة كلام الليث إلى آخره.
وأثر ابن عباس رواه وكيع في "مصنفه" عن سفيان، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
стр. 8835
إنَّ أمثل ما أنتم صانعون أنْ تستاجروا الأرض البيضاء بالذهب
والفضة (١).
وفي "مصنف ابن أبي شيبة": حُكي جواز ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وسالم، وعروة، والزهري، وإبراهيم، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وذكر حديث رافع مرفوعًا في جواز ذلك (٢).
وفي حديث سعيد (بن يزيد) (٣): وأمرنا النبي ﷺ أن نكريها بالذهب والورق (٤).
وعمَّا رافع ستعلمهما في غزاة بدر.
وأمَّا حكم الباب: وهو كراء الأرض بالذهب والفضة فإجماع إلَّا من شذَّ كما أسلفته، قال ابن المنذر: أجمع الصحابة على جوازه (٥)، وذهب ربيعة إلى أنَّ الأرض لا يجوز أنْ تكرى بغيره.
وقال طاوس: لا تكرى بالذهب ولا بالفضة، وتكرى بالثلث والربع.
стр. 8836
وقال الحسن البصري: لا يجوز أن تكرى الأرض بشيء لا بذهب ولا فضة (١) ولا غيرهما، حجته حديث رافع عن النهي عن كرائها مطلقًا، وقال: إذا استؤجرت وحرث فيها لعله أنْ يحترق زرعه فيردها وقد زادت بحرثه لها، فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر. وليس بشيء لأنَّ سائر البيوع لا تخلو من شيء من الغرر، والسلامة منها أكثر، ولو روعي في البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع، ولا وجه لأجل خشية ما يحدث، وقد ثبت عن رافع في هذا الباب أنَّ كراء الأرض بالنقدين جائز، وذلك مضاف إلى رسول الله ﷺ ، وهو خاص يقضي على العام، الذي فيه النهي عن كري الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة، والزائد من الأخبار أولى أنْ يؤخذ به، لئلا تتعارض الأخبار ويسقط شيء منها.
وقال الخطابي: لا خلاف في الصحة إذا كان نقدًا (٢).
و (البادية) (١) وفي رواية: (البدو) وهما بغير همز؛ لأنَّه من: بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البادية فنزلها، والاسم البداوة بفتح الباء وكسرها هذا هو المشهور، وحكي بدأ بالهمز يبدؤ وهو قليل.
وفيه: من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها، ولا حرج على واصفه بالشر إن لزم طريقته.
وفيه: ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا؛ لأنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وقوله: ("دونك يا ابن آدم") فيه فضل القناعة والاقتصار على البلغة، وذم الشَّرَهِ والرغبة.
تقدَّما: الأول في الصلاة (١)، والثاني في البيع (٢). و (الموعد): بفتح الميم، أي: حسيب من يقول، وهناك يعلم صدقي ويجازيني.
وفيه: عمل الصحابة في الحرث والزرع بأيديهم وخدمة ذلك بأنفسهم، ألا ترى قول أبي هريرة: وإنَّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس السلق لرسول الله وأصحابه، ففي هذا أنَّ الامتهان في طلب المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة على أهل الفضل.
وفيه: إجابة المرأة الصالحة إلى الطعام.
وفيه: دليل على التهجير بالجمعة والمبادرة إليها عند أول الزوال.
وإنما كانوا يشتغلون بالغسل ومراعاة التهجير عن قائلتهم المعروفة في سائر الأيام، فلا يجدون السبيل إليها إلَّا بعد الصلاة، لا أنهم كانوا يصلونها قبل الزوال كما ظن بعضهم وخالف قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٣).
стр. 8841
٤٢
كتاب المساقاة
стр. 8842
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٢ - كتاب المساقاة
باب فِي الشُّرْبِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].
الأُجَاجُ: المُرُّ، المُزْنُ: السَّحَابُ. [فتح: ٥/ ٢٩]
الشرح:
(الشرب) بكسر الشين: النصيب والحظ من الماء، قاله ابن التين؛ قال: ومنْ ضبطه بضم الشين (١) أراد المصدر، وسبقه إلى ذلك أبو المعالي في "المنتهى" فقال: الشرب بالكسر: النصيب والحظ من
الماء، يقال: كم شرب أرضك، وفي المثل: آخرها شربًا أقلها شربًا (٢).
стр. 8843
وأصله في سقي الماء لأنَّ آخر الإبل ترد وقد نزف الحوض، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شربًا على الوجوه الثلاثة: يعني: الفتح، والضم، والكسر، قال: وسمعهم أيضًا يقولون: أعذب الله شربكم بالكسر، أي: ماءكم، وقيل: الشرب أيضًا وقت الشرب، وعن أبي عبيدة: الشرب بالفتح المصدر وبالضم والكسر (١) يقال: شرب يشرب شربًا.
بالحركات الثلاثة، وقرئ: (فشاربون شرب الهيم) بالوجوه الثلاث (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
قال قتادة: مخلوق من الماء (٣)، فإنْ قلت: قد رأينا مخلوقًا من الماء غير حي. قلت: أجاب عنه قطرب أنه لم يقل: لم يخلق من الماء إلَّا حيًّا، وقيل: معناه أنَّ كل حيوان أرضي لا يعيش إلَّا بالماء، وقال الربيع بن أنس: من الماء، أي: من النطفة (٤).
قال ابن بطال: أراد به حياة جميع الحيوان الذي يعيش في الماء. قال: ومن قرأ: ﴿حَيًّا﴾ (٥) يدخل فيه الحيوان والجماد؛ لأنَّ الزرع والشجر لهما موت، إذا جفت ويبست، وحياتها: خضرتها ونضرتها.
стр. 8844
والمزن: السحاب (١) كما سلف قاله مجاهد وقتادة (٢)، والقطعة منها: مزنة، ويقال للهلال: ابن مزنة. و (الأجاج): المرّ كذا فسره البخاري، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وفي بعض النسخ بدله: الملح، وقال ابن سيده: الأجاج: الملح، وقيل: الشديد المرارة، وقيل: الشديد الحرارة (٤)، وقال ابن فارس: هو الملح، ويقال: الحار (٥).
عدَّد الله تعالى على عباده نعمه في خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه وتنمو به ثمارهم، ولو شاء لجعله مالحًا فلا يشربون منه ولا ينتفعون به في زروعهم وثمارهم ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]
أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
وقال عبدان (١): أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن: أنَّ عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم ولا أنشد إلَّا أصحاب النبي ﷺ ، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة" فحفرتها، الحديث (٢).
وأسنده الإسماعيلي بلفظه من حديث أحمد بن سنان والقاسم بن محمد: ثنا عبدان عبد الله بن عثمان به. وأبو نعيم من حديث القاسم المروزي، ثنا عبدان فذكره، ولعل المراد بالحفر الشراء. وفي الترمذي من حديث أبي عبد الرحمن السُلمي: لما حصر عثمان، الحديث: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلَّا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: حسن صحيح غريب (٣).
ثم رواه من حديث ثمامة بن حزن القشيري: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّباكم علي؟ فجيء بهما، كأنهما جملان أو كأنهما حماران، فقال: أنشدكم بالله والإِسلام، هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: "من يشتريها فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ ". فاشتريتها من صلب مالي .. الحديث. ثم قال: حسن، وقد رُوي من غير وجه عن عثمان (٤).
стр. 8848
ورواه النسائي من طرق أيضًا بلفظ: "من يشتري بئر رومة؟ " (١).
قال ابن بطال: ورواه معتمر، عن أبي نضرة عن أبي سعيد -مولى ابن أسد- عنه (٢).
وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يُشترى منها كل قربة بدرهم.
وزعم الإسماعيلي أنَّ البخاري بوَّب: دلوه فيها كدِلاء المسلمين (٣)، قال: ولم يذكر فيه حديثًا وكذا قاله ابن المنير (٤)، وقد علمت أنَّه مذكور هنا.
قال ابن التين: وفي رواية أخرى: "وله الجنة" وقد أسلفتها لك، ثم نقل عن الشيخ أبي الحسن: أنَّ أصل آبار الصدقة التي تبنى في الطريق للمشقة فكل بئر للصدقة، فإنما دلوه مع دلاء المسلمين.
وأمَّا ابن بطال فذكره في الباب قبله أيضًا.
وقال: بئر رومة كانت ليهودي، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب، فيأتي المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرًا فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال ﷺ من يشتريها ويبيحها للمسلمين،
стр. 8849
ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة فاشتراها عثمان.
قال: وهو حجة لمالك ومن وافقه أنه لا بأس ببيع الآبار والعيون في الحضر إذا احتفرها لنفسه لا للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ما حفر من الآبار في الصحراء من غير أنْ يحرِّمه (١). وقوله: "فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين" يعني: يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية، وظاهره أنَّ له الانتفاع إذا شرطه، قال: ولا شك أنَّه إذا جعلها للسقاة أنَّ له الشرب إن لم يشرطه، لدخوله في جملتهم، بخلاف العقار، فلابد في الانتفاع به من الشرط، أنْ يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، وإلَّا فلا ينتفع به؛ لأنه أخرجه لله فلا رجوع فيه، قال: والفرق بين البئر والعقار: أنَّ سائر الغلات تنقطع في أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشيء أهل الحاجة، وانفرد به وماء الآبار لا ينقطع أبدًا لأنها نابعة، فلا يحرم أحدًا من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها، وسيأتي ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه في الوقف في باب: هل ينتفع الواقف (بوقفه) (٢).
وحديث سهل بن سعد، روى (أبو حازم) (٣) هذا الحديث عن أبيه؛ فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ وإنما هو محفوظ من حديث الزهري (٤).
стр. 8850
(و) (١) عن (عمرو بن حرملة) (٢)، عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله ﷺ وأنا معه، وخالد عن شماله فقال لي: "الشربة لك وإن شئت آثرت خالدًا" فقال: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدًا ثم قال رسول الله ﷺ : "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه" ثم ذكر مثله في اللبن بزيادة: "وزدنا منه" (٣).
وروي من طريق إسماعيل بن جعفر: أخبرني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أتى رسول الله ﷺ بقدح من لبن وغلام عن يمينه والأشياخ أمامه وعن يساره … الحديث (٤).
والغلام هنا هو: ابن عباس كما سلف، والأشياخ: خالد بن الوليد أو منهم خالد.
وقال ابن بطال: يقال إنَّ الغلام هو الفضل بن العباس (٥)، وكذا حكاه ابن التين، وقال في باب: من رأى أنَّ صاحب الحوض أحق بمائه: هو عبد الله بن عباس، وقيل: الفضل.
стр. 8851
قال ابن عبد البر: وروى الحميدي عن سفيان، عن على بن زيد، عن ابن حرملة، عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد (فأتي رسول الله ﷺ ) (١) باناء فيه لبن .. الحديث (٢).
وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٣).
وقال الإسماعيلي بدل (فقال عمر): (فقال عبد الرحمن بن عوف: أعط أبا بكر، فأعطاه لأعرابي).
ولمسلم: عن عبد الله بن بسر قال: نزل بنا رسول الله ﷺ فقرب أبي إليه شرابًا فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه (٤).
وقال أبو عمر: رواه ابن مهدي، عن مالك عن ابن شهاب عنه بزيادة: "الأيمن فالأيمن" (٥). فمضت السنة قال: وفيه دلالة أنَّ من وجب له شيء من الأشياء لم يدفع عنه ولم يتسور عليه صغيرًا كان
أو كبيرًا إذا كان ممن يجوز إذنه.
وفيه أيضًا: أنَّ الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والإخوة لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أنَّ
стр. 8852
المطالبة بذلك غير واجبة لأحد.
قال: وقد روي أنه ﵇ قال: "جلساؤكم شركاؤكم في الهدية" (١) بإسناد فيه لين (٢)، وقال الخطابي: العادة من الملوك والرؤساء في الجاهلية أيضًا تقديم الأيمن في مناولة الطيب والتحف وغيرهما.
قال عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنا أمَّ عمرو … وكان الكأس مجراها اليمينا (٣).
ويشبه أن يكون المعنى فيه أن اليمين مفضلة على اليسار مقدمة عليها وقد أمرنا بالشرب بها والمعاطاة دون اليسار، وللعادة خشى عمر أن يناوله الأعرابي ويدع الصديق فاستحق الأعرابي دون الصديق ذلك لذلك كالشفعة للأقرب ونحوه.
وفي إعرابها وجهان: نصب النون بإضمار ناولوا الأيمن، ورفعها بالابتداء أي: الأيمن أولى.
فإذا قلت: استأذن الغلام ولم يستأذن الأعرابي.
قلت: كان من المشيخة أيضًا ولا علم له بالشرائع بعد، فلم يستأذنه استئلافًا وتشريفًا له ولم يجعل للغلام ذلك؛ لأنه من أقربائه، وسنه دون
стр. 8853
سن الأشياخ الذين كانوا على يساره، فاستأذن فيه أن يعطيهم؛ لئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبي ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن في الجلوس.
وهل تجري هذِه السنة في غير المشروب كالملبوس والمأكول وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلب وغيره: نعم.
وعن مالك أن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصح ذلك عنه (١)، قال عياض في بعض الروايات: عمك أو ابن عمك أتأذن لي (٢). وعند أصحابنا لا يجوز الإيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظ النفوس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول وكذا نظائره (٣).
وفيه: دلالة أن من قدم إليه شيء يأكله أو يشربه فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب.
وفيه: إجازة خلط اللبن بالماء لمن أراد شربه ولم يرد بيعه، وأن من سبق من مجلس العالم إلى مكان كان أولى به من غيره كائنًا من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه لأحد وإن كان أفضل منه. فلو كان من
стр. 8854
على اليمين كافرًا كان من أدب جليسه إيثاره على من كان على يساره.
فإن قلت ما وجه دخول حديث سهل هنا؟
قلت: بينه ابن المنير وقال: وجه دخوله أن الماء يملك ولهذا استأذن الشارع بعض الشركاء فيه، ورتب قسمته يمنة ويسرة ولو كان مباحًا لم يدخله ملك ولا ترتب قسمته.
والحديث الثاني مطابق لقوله "شيب بماء" والاستدلال به ضعيف.
ولعل هذا الترتيب؛ لأن اللبن هو الذي ملكه لا الماء (١).
قال الداودي: وإنما أتى هنا بهذا الباب لأن الأرض وما عليها من النبات إنما جعل لبني آدم يكفيهم أحياء وأمواتًا وجعل فيها معايش لهم.
قلت: وجميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيه متشاركون وحقوقهم فيه متساوية لا فضل لأحد منهم على صاحبه، وإنما جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين؛ لقلة التشاح فيهما ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معًا أنها تجري في ذلك على المكارمة، ولا يتقصى بعضهم على بعض؛ لأن ذلك إنما يوضع للناس قدر نهمتهم فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، (إلا) (٢) من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر أحد منهم بأكثر من نصيب صاحبه. ألا ترى أن مالكًا (٣) قال: لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه في ذلك؛ لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح من الماء واللبن (٤).
стр. 8855
فائدة:
الداجن: الشاة المقيمة في الدار لا تخرج إلى المرعى. من الشاء، وكذلك الوحش والطير وغير ذلك إذا ألفت البيت. وشيب: خلط وإذا خلط أطفأ ما فيه من حرارة (١).
стр. 8856
٢ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ".
٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ". [٢٣٥٤، ٦٩٦٢ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١]
٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلإِ". [انظر: ٢٣٥٣ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١]
ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ".
ثم ساق من حديثه أيضًا (١) بلفظ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الكَلأ".
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (٢)، وفي النهي عن بيع الماء حديث إياس بن عبدٍ المزني، صححه الترمذي (٣).
وفي مسلم عن جابر: نهى عن بيع فضل الماء (٤)، زاد الحاكم
стр. 8857
صحيحًا، وأن يبيع الرجل أرضه وماءه (١).
وفي أبي داود من حديث رجل من المهاجرين: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "الناس شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار" (٢)، وفي إسناده حبان (٣) بن زيد، وفيه جهالة.
стр. 8858
وفيه: [عن] (١) والد بهيسة: "لا يحل منع الماء والملح" (٢).
وأخرج الأول ابن عدي من حديث ابن عباس، ورده بعبد الله بن خراش (٣)، وللحاكم وقال: صحيح الإسناد من حديث عائشة: "لا يمنع نقع البئر، وهو الرهو"، قال عبد الرحمن بن أبي الرحال، عن أبيه: الرهو: أن تكون البئر بين شركاء فيها الماء، فيكون للرجل فيها فضل فلا يمنع صاحبه (٤).
وقال ابن بريدة: منع الماء بعد الري من الكبائر، ذكره يحيى في "خراجه" (٥) ولا خلاف بين العلماء أنَّ صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى؛ لأنه ﵇ إنما نهى عن منع فضل الماء، فأمَّا من لا يفضل له
стр. 8859
ماء فلا يدخل في هذا النهي؛ لأنَّ صاحب الشيء أولى به.
وتأويل المنع عند مالك في "المدونة" وغيره معناه: في آبار الماشية في الصحراء يحفرها المرء ويقربها كلأ أي: مباح، فإذا منع الماء اختص بالكلأ فأمر أن لا يمنع فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ (١).
والنهي فيه على التحريم عند مالك (٢) والأوزاعي، ونقله الخطابي (٣) وابن التين عن الشافعي، واستحبه بعضهم وحمله على الندب، والأصح عندنا أنَّه يجب بذله للماشية (٤) لا للزرع (٥)(٦).
وعند المالكية إذا أجبر هل يأخذه بالقيمة أم لا؟
قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل (الملكية) (٧)، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه.
قال القاضي في "إشرافه" في حافر البئر في الموات: لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوض، وقال قوم: يلزمه بالعوض.
стр. 8860
أمَّا حافرها في ملكه فله منع فضله، وكره مالك منع ما عمل من ذلك في الصحاري من غير أنْ يحرمه، قال: ويكون أحق بمائها حتى يروي ويكون للناس ما فضل إلَّا من مرَّ بهم لشفاههم ودوابهم، فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم (١).
وقال الكوفيون: له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلَّا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم، وليس عليه سقي زرعهم (٢).
وقال عيسى بن دينار في تفسير قوله ﵇: "لا يمنع نقع بئر" يقول: من كان له جار انقطع ماؤه، وله عليه زرع أو أصل فلم يجد ما يسقي به زرعه أو حائطه وله بئر فيها فضل عن سقي زرعه أو حائطه فلا يمنع جاره أنْ يسقي بفضل مائه، قلت: أفنحكم عليه بذلك؟ قال: لا، وكان يؤمر
بذلك، فإن أبي منه لم يقض عليه (٣).
وقال ابن القاسم: يقضي بذلك عليه لجاره بالثمن (٤).
وقال مالك: بغير ثمن (٥).
قال عيسى: فإن باعه فجاره أولى به (٦).
وفيه من الفقه:
سد الذرائع؛ لأنه إذا منعه منع الكلأ.
وقال الكوفيون: لا تجوز إجارة المراعي ولا بيعها، ولا يملك