← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

٢ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ". ٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ". [٢٣٥٤، ٦٩٦٢ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١] ٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلإِ". [انظر: ٢٣٥٣ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١] ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ". ثم ساق من حديثه أيضًا (١) بلفظ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الكَلأ". هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (٢)، وفي النهي عن بيع الماء حديث إياس بن عبدٍ المزني، صححه الترمذي (٣). وفي مسلم عن جابر: نهى عن بيع فضل الماء (٤)، زاد الحاكم

стр. 8857

صحيحًا، وأن يبيع الرجل أرضه وماءه (١). وفي أبي داود من حديث رجل من المهاجرين: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "الناس شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار" (٢)، وفي إسناده حبان (٣) بن زيد، وفيه جهالة.

стр. 8858

وفيه: [عن] (١) والد بهيسة: "لا يحل منع الماء والملح" (٢). وأخرج الأول ابن عدي من حديث ابن عباس، ورده بعبد الله بن خراش (٣)، وللحاكم وقال: صحيح الإسناد من حديث عائشة: "لا يمنع نقع البئر، وهو الرهو"، قال عبد الرحمن بن أبي الرحال، عن أبيه: الرهو: أن تكون البئر بين شركاء فيها الماء، فيكون للرجل فيها فضل فلا يمنع صاحبه (٤). وقال ابن بريدة: منع الماء بعد الري من الكبائر، ذكره يحيى في "خراجه" (٥) ولا خلاف بين العلماء أنَّ صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى؛ لأنه ﵇ إنما نهى عن منع فضل الماء، فأمَّا من لا يفضل له

стр. 8859

ماء فلا يدخل في هذا النهي؛ لأنَّ صاحب الشيء أولى به. وتأويل المنع عند مالك في "المدونة" وغيره معناه: في آبار الماشية في الصحراء يحفرها المرء ويقربها كلأ أي: مباح، فإذا منع الماء اختص بالكلأ فأمر أن لا يمنع فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ (١). والنهي فيه على التحريم عند مالك (٢) والأوزاعي، ونقله الخطابي (٣) وابن التين عن الشافعي، واستحبه بعضهم وحمله على الندب، والأصح عندنا أنَّه يجب بذله للماشية (٤) لا للزرع (٥) (٦). وعند المالكية إذا أجبر هل يأخذه بالقيمة أم لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل (الملكية) (٧)، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. قال القاضي في "إشرافه" في حافر البئر في الموات: لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوض، وقال قوم: يلزمه بالعوض.

стр. 8860

أمَّا حافرها في ملكه فله منع فضله، وكره مالك منع ما عمل من ذلك في الصحاري من غير أنْ يحرمه، قال: ويكون أحق بمائها حتى يروي ويكون للناس ما فضل إلَّا من مرَّ بهم لشفاههم ودوابهم، فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم (١). وقال الكوفيون: له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلَّا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم، وليس عليه سقي زرعهم (٢). وقال عيسى بن دينار في تفسير قوله ﵇: "لا يمنع نقع بئر" يقول: من كان له جار انقطع ماؤه، وله عليه زرع أو أصل فلم يجد ما يسقي به زرعه أو حائطه وله بئر فيها فضل عن سقي زرعه أو حائطه فلا يمنع جاره أنْ يسقي بفضل مائه، قلت: أفنحكم عليه بذلك؟ قال: لا، وكان يؤمر بذلك، فإن أبي منه لم يقض عليه (٣). وقال ابن القاسم: يقضي بذلك عليه لجاره بالثمن (٤). وقال مالك: بغير ثمن (٥). قال عيسى: فإن باعه فجاره أولى به (٦). وفيه من الفقه: سد الذرائع؛ لأنه إذا منعه منع الكلأ. وقال الكوفيون: لا تجوز إجارة المراعي ولا بيعها، ولا يملك

стр. 8861

الكلأ صاحب الأرض حتى يأخذه فيحوزه (١) وهو قول الشافعي (٢). وقال مالك: لا بأس أن يبيع مراعي أرضه سنة واحدة، ولا يبيعها سنتين ولا ثلاثا، ولا يبيعها حتى تطيب وتبلغ الخصب إلى أن يرعى (٣). وقال الثوري: لا بأس أن يحمي الكلأ للبيع والشجر للحطب أو البيع (٤). وقوله: (ليمنع به الكلأ)، هذِه اللام وإن سماها النحويون لام كي فهي لبيان العاقبة، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وفي حكم الكلأ حجة لمالك في القول بسد الذرائع (٥)، وخالفه الشافعي وجماعة (٦). والكلا: بالفتح مخفف من الكلأ المهموز، وهو اسم يقع على النبات كله أخضره ويابسه. قال في "المحكم": وهو اسم للنوع ولا واحد له (٧). وقال الداودي: هو الحشيش.

стр. 8862

وقال ابن فارس: الكلأ: العشب (١)، والعشب: الكلأ أول الربيع، لا يقال حشيش حتى يهيج، وإنما الحشيش: النبات اليابس. وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا بيع الماء، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد رخص قوم في بيع الماء منهم: الحسن (٢)، ومذهبنا أنَّ من نبع في ملكه ماء صار مملوكًا له، وأبعد من قال: لا يملكه، بل يكون أخص به (٣)، أما إذا أخذه في إناء من المباح فيملكه على الصواب (٤)، ونقل بعضهم الإجماع عليه (٥)، ونهى عن بيع الماء عطاء، كما أسنده يحيى في "خراجه" قال: فذكرت ذلك لقتادة، فقال: إنما ذلك ماء نهر أو ماء بئر، وأمَّا من استسقى وباع فلا بأس به (٦). وزعم القرطبي أنَّ السابق إلى الفهم من قوله: نهى عن بيع الماء، أنه الذي يشرب، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل، وفيه بعد، قال: والأرجح إنْ شاء الله حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير قيمة، ويفرق بينه وبين الطعام بكثرته غالبًا، وعدم التشاح فيه، وقلة الطعام غالبًا ووجود المشاحة فيه (٧).

стр. 8863

٣ - باب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ ٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ". [انظر: ١٤٩٩ - مسلم: ١٧١٠ - فتح: ٥/ ٣٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: "المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ". سلف في الزكاة من طريق آخر إلى أبي هريرة به (١)، وعبيد الله المذكور في إسناده هو: ابن موسى العبسي مولاهم. وأبو حصين هو: عثمان بن عاصم الأسدي. زاد الإسماعيلي: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" زاد الخطيب: "والرجل جبار" وقال: إنها مدرجة (٢). واعترض ابن المنير. فقال: الحديث مطلق، والترجمة مقيدة بالملك، وإذا كان الحديث تحته صور: أحدها: الملك، وهو: أقعد الصور بسقوط الضمان، كان دخولها في الحديث محققًا، فاستقام الاستدلال (٣). قلت: وأسلفنا هناك أن الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والمعدن: ما يخرج منه تبر الذهب والفضة وغيرهما، ومعنى جبار البئر: إذا حفرها في موضع يسوغ له حفرها، وهو تأويل البخاري، وقيل: هو أن يستأجر من يحفر له بئرًا فتنهار عليه.

стр. 8864

والعجماء: الدابة التي لا تنطق. وفيه دليل على أبي حنيفة في قوله: إن المعدن: يسمى ركازًا (١). قال ابن بطال: اختلف العلماء في مسألة الباب، فقال مالك: من حفر بئرًا أو أوقف دابة في موضع يجوز له أن يصنع ذلك فيه، فسقط أحد في البئر أو ضربت الدابة أحدًا أنه لا ضمان عليه ولا دية، وإنما يضمن من ذلك ما حفره في طريق المسلمين، أو صنع من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه فيه (٢)، وهذا بمنزلة الإمام إذا حدَّ حدًّا فمات المحدود فلا شيء على الإمام؛ لأنه فعل ما يجوز له، إنما يلزمه الضمان إذا تعدى في الحفر، وبمثله كله قال الشافعي (٣). وقال أبو حنيفة: من حفر بئرًا أو أوقف دابة في موضع يجوز له ذلك، فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه له (٤). واختلفوا في رجل حفر في داره بئرًا لسارق يرصده، أو وضع حبالات له فعطب به السارق أو غيره، فقال مالك: هو ضامن (٥)، وقال الليث: لا ضمان عليه، وحجته هذا الحديث. وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد بذلك الفعل أن يهلك به أحدًا؛ لأنه متعد بهذا القصد، وقد يمكنه التحرز بغيره، وإن حفر الحفير في حائطه للسباع فسقط به إنسان فلا ضمان عليه عند مالك (٦)؛ لأنه فعل

стр. 8865

ما يجوز له ولا غنى به عنه، ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديًا، وسيكون لنا عودة إلى تفسير "العجماء جبار" في الديات (١) إن شاء الله تعالى (٢).

стр. 8866

٤ - باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ [مُسْلِم] هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي: "شُهُودَكَ". قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: "فَيَمِينَهُ". قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِذًا يَحْلِفَ. فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. [٢٤١٦ - ٢٤١٧، ٢٥١٥ - ٢٥١٦، ٢٦٦٦ - ٢٦٦٧، ٢٦٦٩ - ٢٦٧٠، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦ - ٢٦٧٧، ٤٥٤٩ - ٤٥٥٠، ٦٦٥٩ - ٦٦٦٠، ٦٦٧٦ - ٦٦٧٧، ٧١٨٣ - ٧١٨٤ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٣٣] ذكر فيه حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ .. الحديث. هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة أبواب: هنا عن عبدان عن أبي حمزة، والإشخاص (١)، والشهادات (٢) عن محمد -هو ابن سلام- عن أبي معاوية (٣)، وفي الإشخاص أيضًا: عن بشر بن خالد،

стр. 8867

عن غندر، عن شعبة (١). وفي النذور: عن موسى (٢)، وفي التفسير: عن حجاج بن المنهال، كلاهما عن أبي عوانة أربعتهم عن الأعمش (٣)، وفي الشركة أيضًا: عن قتيبة، عن جرير، عن منصور (٤)، وفي النذور أيضًا: عن بندار عن ابن أبي عدي، عن شعبة (٥)، وفي الأحكام: عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق، عن سفيان (٦) كلاهما عن الأعمش ومنصور كلاهما، عن أبي وائل عنه به. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر وإسحاق وابن نمير ثلاثتهم عن وكيع (٧)، وعن ابن نمير، عن أبيه (٨) كلاهما عن الأعمش به. وعن

стр. 8868

إسحاق عن جرير (١). وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور (٢)، والترمذي في البيوع والتفسير (٣)، والنسائي في القضاء والتفسير (٤)، وابن ماجه في الأحكام (٥)، قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري عن أبي حمزة، عن الأعمش، يعني: عن عبدان، عن أبي حمزة به: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر في أرض، قال: ولا أعلم في جماعة من رواه عن الأعمش إلا قال: في أرض. وحكم الخصومة في البئر وفي الأرض واحد في هذا الخبر، وأورد لذكر البئر بابًا والخبر واحد، والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة، فإن أبا معاوية ووكيعًا وابن نمير وأبا أسامة وغيرهم ممن رواه وذكر قصة الأشعث بتمامها ذكر الأرض، فيحتمل أن تكون الأرض فيها بئر، فيصح اللفظان في التأويلين على هذا المعنى، ولكن كان ربما يقصد إلى ما تفرد به الواحد من لفظه فيفرد له بابًا إذا غمض ذلك، ولا وجه له وفيه نظر؛ لأن أبا عوانة رواه عن الأعمش في كتاب الإيمان والتفسير من الصحيح عن أبي وائل، عن عبد الله، وفيه قال: قال الأعمش: كانت لي بئر في أرض ابن عمٍّ لي (٦).

стр. 8869

وفي كتاب الأيمان كذلك: نزلت في وفي صاحب لي في بئر كانت بيننا عن شعبة عن سليمان ومنصور عن أبي وائل، وفي آخره قال سليمان عن الأشعث (١)، فذكره. وفي الأحكام من حديث سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل الحديث (٢). كذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث عليِّ بن مسهر، عن الأعمش. وقال الطرقي: رواه عن أبي وائل منصور والأعمش، فمنصور لم يرفع قول عبد الله إلى رسول الله ﷺ والأعمش يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ ، وكذا ذكره المزي في "أطرافه" (٣). وقد أسلفنا لك رواية منصور، عن أبي وائل مرفوعة من عند البخاري، قال الطرقي: رواه عبد الملك بن أعين، وجامع بن أبي راشد (٤)، ومسلم البطين (٥)، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا، وليس فيه ذكر الأشعث، ورواه كردوس التغلبي (٦)، عن الأشعث بن قيس، عن رسول الله ﷺ ، وليس فيه ذكر ابن مسعود (٧). قلت: وفي اليمين الفاجرة عن: ابن عمرو (خ م)، وأبي أمامة (م)

стр. 8870

و (إياس) (١) بن ثعلبة، ووائل بن حجر (م)، وعمران بن حصين (د)، وعدي بن عميرة (س)، وأبي موسى (أحمد)، ومعقل بن يسار، وأبي هريرة (أحمد) (٢). وفي "تفسير ابن جرير الطبري"، عن ابن جريج: اختصم الأشعث هو ورجل في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها لتعززه في الجاهلية، وفيه: فقام الأشعث يحلف فأنزل الله الآية فنكل الأشعث، فقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، وأعطاه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة؛ مخافة أن يبقى في يده شيء من

стр. 8871

حقه، فهي لعقب ذلك الرجل من بعده (١). وفي كتاب: "إدارة الأحكام" لأبي طاهر إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي، قال رسول الله ﷺ في قصة الكندي والحضرمي حين قال له المقضى عليه: قضيت عليَّ والحق لي، "إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر". وهذِه الرواية عزيزة تتبعناها فلم نجدها دهرًا فاستفدها. وذكر البخاري لسبب نزول هذا الآية عن عبد الله بن أبي أوفي أن رجلًا أقام سلعة في السوق فحلف: لقد أعطي بها ما لم يعطه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، وهو من أفراده، وقد سلف في أوائل البيوع (٢)، ويحتمل أن يكونا في وقت فنزلت فيهما. وحديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم". ذكره عقب هذا الباب، ثم قرأ هذِه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣) [آل عمران: ٧٧]. قال الدارقطني: ورواه كذلك جماعة، وخالفهم صالح بن أبي الأسود؛ فرواه عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي هريرة، والصحيح الأول (٤)، ولما رواه الإسماعيلي عن ابن خزيمة: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح، قال: تابعه عبد الرحمن بن يونس، فوصلوه عن ابن عيينة وجودوه، قال: وأرسله علي، وعبد الجبار بن العلاء، وغيرهما.

стр. 8872

وذكر الواحدي أن الكلبي قال: إن ناسًا من علماء اليهود أولي فاقة اقتحموا إلى كعب بن الأشرف فسألهم كيف تعلمون هذا الرجل يعني: رسول الله ﷺ في كتابكم؟ قالوا: وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله. فقال كعب بن الأشرف: لقد حرمكم الله خيرًا كثيرًا. فقالوا: (رويد) (١) فإنه شبه علينا، وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح كعب فمارهم وأنفق عليهم، فأنزل الله هذِه الآية. وقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وغيرهم من رءوس اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد، وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، (وجعلوا) (٢) أنه من عند الله لئلَّا تفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم (٣) إذا تقرر ذلك، فالوعيد المذكور يخشى إنفاذه على كل يمين غموس يقتطع بها مال أحدٍ بغير حقٍّ. وفيه: الترجمة. وفيه: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وفيه: جواز تولي الخصوم بعضهم بعضًا مما عرف من أحوالهم؛ لقوله: إذن يحلف ويذهب بحقي؛ لأنه كان معروفًا بقلة التقوى. وقد قيل: إنه كان يهوديًّا، فإن كان كذلك فليس بين المسلم والذمي قصاصٌ ولا حدٌّ، وإن كان غير ذمي فلأنه كان معروفًا بالمجاهرة بالباطل، والدليل على هذا نزول الآية بصدقه لقول رسول الله ﷺ

стр. 8873

وليس لمعلوم بالأحوال الدنية من الحرمة ما لصالح المسلمين. فائدة: قال ابن الطلاع في "الأقضية": الرجل الكندي هو خال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأم أبي سلمة: تماضر، واسم الحضرمي: جرير بن معدان، ويعرف بالجفشيش بالجيم والحاء والخاء، وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: هو الجفشيش، واسمه: معدان بن الأسود بن معدي كرب الكندي، فعلى هذا يصح قوله: ابن عم لي. وقال ابن الأثير: الحفشيش: اسم أبيه النعمان كندي، ويقال: حضرمي يكنى أبا الخير، له وفادة مع الأشعث في وفد كندة سنة عشر (١). قلت: قد جاء في رواية في البخاري: أنه كان يهوديًّا (٢). والرجل الحضرمي اسمه ربيعة بن عَيْدان بفتح العين المهملة وسكون المثناة تحت، ويقال: بكسر العين المهملة وبباء موحدة بدلها، له صحبه وشهد فتح مصر.

стр. 8874

٥ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ ٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. [٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٢٧١٢، ٧٤٤٦ - مسلم: ١٠٨ - فتح: ٥/ ٣٤]. ذكر فيه حديث أبي هريرة وقد أسلفناه في الباب (١) قبله واضحًا، وهو وعيد للمسلمين أيضًا، فهو تحت المشيئة، إن شاء عما عنه بفضله، وإن شاء أنقذه بعدله ولا خلود؛ فإنه قد رفع عن أهل التوحيد. وقوله: "منع فضل" يدل أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فهذا أخذ صاحب البئر حاجته خلَّاها لابن السبيل ولم يجز له منعه، وابن السبيل: المسافر، فإذا كان الماء مما يحل منعه منع إلا بالثمن، إلا أن لا يكون معهم، وإن منعوه إلى أن يبلغوا ماءً غيره فلا، فإن منعوهم جاهدوهم، وأما بئر المواشي والسقاة التي لا يحل منع مائها فلا يمنعون، فإن منعوا قوتلوا وكان هدرًا وإن أصيب طالب الماء كانت ديته على صاحب الماء، مع العقوبة والسجن، كذا قاله الداودي، وصوب ابن التين أنها على العاقلة إن ماتوا عطشًا كما نصَّ

стр. 8875

عليه في "المدونة" (١)، وإن أصيب أحد من المسافرين أخذ به جميع مانعي الماء وقتلوا به. وقوله: ("ورجل بايع إماما") هو في معنى قوله ﵇: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها" الحديث. والرب تعالى لا يقبل في كل الأعمال إلا ما أريد به وجهه وإلَّا فهو وبال على صاحبه، وهو من أعظم الذنوب. وقوله: ("بعد العصر") يدل أنه وقت تعظم فيه المعاصي؛ لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الرب تعالى فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي، ويكون آخر عمله المرفوع والخواتم هي المرجوة، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]: إنها العصر؛ ولأنه كان وقت اجتماع الناس، وذكره فيما سيأتي قريبًا (٢) بزيادة: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ (٣) [البقرة: ١٧٤] يعني وقتًا دون وقت، وليس على الاستمرار والخلود، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 8876

٦ - باب سَكْرِ الأَنْهَارِ ٢٣٥٩، ٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِى يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "أسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاء إِلَى جَارِكَ". فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [قَالَ مُحَّمدُ بْن العَبَّاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَيْسَ أَحَد يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، إِلَّا اللَّيثُ فَقَطْ]. [٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥ - مسلم: ٢٣٥٧ - فتح: ٥/ ٣٤] هو بفتح السين وإسكان الكاف: حبس الماء، قاله ابن التين، وكذا قال ابن السكيت: سكرت النهر أسكره سكرًا: سددته (١). قال صاحب العين: والسكر: اسم ذلك السِّداد، أن يجعل سد (العين) (٢) ونحوه (٣). ومنه قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]. وقال ابن دريد: أصله من سكرت الريح: سكن هبوبها (٤).

стр. 8877

قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رسول الله ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ التِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ … الحديث". قَالَ الزُّبَيْرُ: والله إِنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبَّاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَيْسَ أَحَدٌ يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، إِلَّا اللَّيْثُ فَقَطْ.

стр. 8878

٧ - باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ ٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا زُبَيْرُ، اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ". فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ الجَدْرَ، ثُمَّ أَمْسِكْ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. [انظر: ٢٣٥٩ - فتح: ٥/ ٣٨] حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنا عَبْدُ اللهِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا زُبَيْرُ، اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ". فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابن عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ … الحديث". قَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.

стр. 8879

٨ - باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الكَعْبَيْنِ ٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مَخْلَدٌ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ .. الحديث. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكِ … ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ". وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الكَعْبَيْنِ. الشرح: حديث ابن الزبير هذا يأتي في التفسير أيضًا (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). وقوله: إن الليث تفرد بذكر عبد الله، فيه نظر فقد ذكر الدارقطني أن ابن أخي الزهري رواه كذلك أيضًا عن الزهري، قال ذلك ضرار بن صرد عن الدراوردي عنه، قال: وكذلك قال ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري. ورواه شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن أبي عتيق، وابن جريج، ومعمر، وعمر بن (سعد) (٣)، عن الزهري، عن عروة، عن الزبير، لم يذكروا عبد الله. وكذلك قال شبيب بن سعيد عن يونس، وتابعه أحمد بن صالح وحرملة عن ابن وهب، عن يونس: وهو المحفوظ عن الزهري (٤).

стр. 8880

وروى أبو بكر بن المقرئ في "معجمه" الحديث من طريق الليث عن الزهري، عن عروة: أن حميدًا رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة فذكره (١)، قال أبو موسى: هذا حديث صحيح له طرق لا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلا في هذِه الطريق، قال: وحميد بضمِّ الحاء وآخره دال. ورواه ابن عيينة في "تفسيره" عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة عنها أنها قالت: كان بين الزبير وبين رجل خصومة، فجاء رسول الله ﷺ فقضى للزبير، فقال رجلٌ: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت الآية (٢). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اختلف في اسم الأنصاري المذكور: هل هو حاطب بن أبي بلتعة، أو ثعلبة بن حاطب، أو حميد؟ والأول واهٍ؛ لأنَّه ليس أنصاريًّا، وقد ثبت في البخاري: أنه كان بدريًّا (٣)، وحكى الأول المهدوي ومكي في تفسيرهما (٤).

стр. 8881

قال الثعلبي (١): فلما خرجا مرَّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا ثعلبة؟ فقال: قضى لابن عمته، وَلَوى شدقه، ففطن إليه يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا مرة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة منه فقال: اقتلوا أنفسكم. فقتلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في ربنا، حتَّى رضي عنا. ونقل عن مجاهد والشعبي: أنها نزلت في بشر المنافق والذين اختصموا إلى عمر بن الخطاب (٢). وحكى الثاني الواحدي في "أسباب نزوله" (٣)، وهو الذي سأل المال وامتنع من أداء زكاته (٤).

стр. 8882

وذكر ابن بشكوال: أنه ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وقال: قاله شيخنا أبو الحسن بن مغيث (١). قلت: ثابت ليس بدريًّا، وقد سلف أن المخاصم بدريٌّ. قال الزجاج: كان منافقًا، يعني: أنه كان من قبيلة الأنصار لا من الأنصار المسلمين فلا تخالف. وقال ابن التين: قائل هذا الكلام رجل جاهل أو منافق. وقيل: كان بدريًّا، ذكره الداودي، وهو غريب، فذا في البخاري كما أسلفناه، ثم قال: فإن كان فيه أنزلت فيحتمل أن يكون معنى الآية: إن كان منه ذلك بعد هذا إلا أن النفاق منتف عن أهل بدر؛ لشهوده ﵇ لهم بالجنة. وقال في الصلح: قد ذكر أن الرجل بدري فإن يكن أنزلت فيه فمعناه لا يكون مستكمل الإيمان؛ لشهوده- ﵇ لأهل بدر بالجنة، أو يريد من فعله بعد نزولها.

стр. 8883

قال: وروي أنها نزلت في رجل منافق خاصم إلى رسول الله ﷺ رجلًا، فقال له: رد قضاءنا إلى عمر، فقال الآخر: أجل يا رسول الله. فقال: "افعلا". فذهبا إلى عمر فحكيا له، فقال: امكثا حتى أقضي بينكما، فاشتمل على سيف فخرج وعلا به القائل وفر الآخر، فقال النبي ﷺ : "هناك عمر ضرب ضربة فرق بها بين الحق والباطل" فسمي من يومئذ الفاروق (١). وفي رواية أخرى: "ما كان لابن الخطاب أن يقتل نفسًا بغير حقٍّ" أو قال: "بغير نفس" فنزلت. ثانيها: قول البخاري عن عروة: (خاصم الزبير رجل من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ .. ) الحديث، قال الإسماعيلي: كذا جاء به البخاري مرسلًا. وقوله: (حدثنا محمد)، قال أبو نعيم، والجياني: هو ابن سلام (٢). ومخلد هو: ابن يزيد، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة. وقوله في بعض الروايات: (فلما أحفظه الأنصاري) (٣)، يشبه كما قال الخطابي أن يكون من كلام ابن شهاب دون نفس الحديث، وقد كان من عادته أن يصل بعض الكلام بالحديث إذا رواه، ولذلك قال له موسى بن عقبة: من قولك أو من قول رسول الله ﷺ ؟ ومعنى أحفظه: أغضبه (٤).

стр. 8884

ثالثها: الشراج: بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء، قيل: هو واحد، وقيل: جمع، مثل: رهن ورهان، وهو: مجرى الماء من الحرة إلى السهل. قال الداودي: وهي نهر عند الحرة بالمدينة (١). وقال أبو المعالي (٢) في "المنتهى": الشرج: مسيل الماء من الحزن إلى السهل، والجمع: شراج وشروج وشُرج. وقيل: الشرج جمع شراج، والشراج جمع شرح، ثم قالوا: شرح. وقال ابن سيده: ويجمع على أشراج (٣) وفي رواية للبخاري: (شريج الحرة). وقال أبو عبيد: الشرج: نهر صغير، قال: والشروج والشراج: مسايل الماء من (انحدار) (٤) إلى سهوله، واحدها شرح (٥). وقال غيره: شرح. وقال أبو حنيفة: تسمى الحواجز التي بين الديار التي تمسك الماء: الجدور، واحدها جدر.

стр. 8885

وقال ابن التين: الشراج والشرج مجرى الماء من الحرة إلى السهولة، قال: وقيل: شجار جمع شجر، كبحر وبحار. رابعها: الحرَّة من الأرضين: الصلبة الغليظة التي لبستها كلها حجارة سود نخرة كلها، والجمع حرات وحرار (١)، قال سيبويه: وزعم يونس أنهم يقولون حَرَّةٌ، وإحَرُّونَ يعنون (الحراء) (٢) كأنه جمع إحرَّه، ولكن لا يُتكلم بها (٣). وفي "مثلث ابن السيد": ويجمع أيضًا على حرون (٤). فائدة: بالمدينة حرتان: حرة واقم وليلى، زاد ابن عديس في "المثنى والمثلث": حرة الحوض بين المدينة والعقيق، وحرة قباء في قبلة المدينة. زاد يا قوت: وحرة الوبرة -بالتحريك- على أميال من المدينة، وحرة النار قرب المدينة (٥). وقوله: ("اسق يا زبير") قال ابن التين: يقرأ بفتح الهمزة (٦) رباعي، وبكسرها من الثلاثي. ومعنى (تلون وجه رسول الله ﷺ ): تغير. قال ابن فارس: تلون: اختلفت أخلاقه (٧).

стр. 8886

خامسها: قوله: (أن كان ابن عمتك؟) هو بفتح الهمزة من أن مفعول من أجله، معناه: من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم: ١٤] لأن أم الزبير: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ . قوله: (إنه ابن عمتك)، يجوز فتح الهمزة وكسرها. و (الجدر): بفتح الجيم (١) وكسرها، ورواه بعضهم بضمها، حكاه أبو موسى المديني، ثم دال مهملة، وحكي إعجامها: الحائط، وقيل: أصل الجدار، وقيل: أصل الشجر، وقيل: المسناة، وقيل: جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل. قال الخطابي: هكذا الرواية الجدر، والمتقنون من أهل الرواية يقولون: يعني: بالذال المعجمة، وهو مبلغ تمام الشرب، ومنه جذر الحساب (٢)، وهو أصله تقول: عشرة في عشرة بمائة وعبارة ابن التين: الجدر أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالإسكان، وهو كذلك عند أهل اللغة. وقول الزهري بعد ذلك: (وكان ذلك إلى الكعبين)، قال الداودي: ليس بمحفوظ، والمحفوظ أنه قال له أول مرة: "أمسك إلى الكعبين" فلما أغضبه قال: "احبس حتى يرجع إلى الجدر" وقوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي: فيما اختلفوا فيه، ومنه: تشاجر القوم، وأصله من الشجر؛ لاختلاف أغصانه، ومنه: شجره

стр. 8887

بالرمح، أي: جعله فيه بمنزلة الغصن في الشجر. "واستوعى": استوفى واستكمل، من الوعاء، وأبعد من قال: أمره ثانيًا أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري، حكاه ابن الصباغ، والأشبه: أنه أمره أن يستوفي حقه ويستقصي فيه تغليظًا على الأنصاري بعد أن سهل عليه. وقوله: يأمره بالمعروف فيه إشارة إلى العادة التي كانت جرت بينهم مقدار الشرب، والشريعة إذا صادفت شيئًا معهودًا فلم تغيره فقد قررته ووجب حمل الناس عليه. سادسها: قال العلماء فيما حكاه النووي عنهم: لو صدر مثل الكلام السالف: (أن كان ابن عمتك)، اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه، وإنما تركه الشارع؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين والذين في قلوبهم مرض (١). سابعها: فيه: أن أصل مياه الأودية، والسيول التي لا تملك منافعها، ولم تستنبط بعمل فيها من الحفر ونحوه مباح، وأن من سبق إليه وأحرزه كان أحق به. وفيه: أن أهل الشرب الأعلى يقدم على من هو أسفل. وفيه: دليل أن ليس للأعلى إذا أخذ حاجته أن يحبسه عن الأسفل. وقد ذهب بعضهم إلى أنه نسخ حكمه الأول بحكمه الثاني، وقد كان له في الأصل أن يحكم بأيهما شاء إلا أنه قدم الأخف؛ مسامحةً وإيثارًا

стр. 8888

لحكم حسن الجوار، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه نسخ الأول بالآخر، حين رآه أصلح، وفي الزجر أبلغ، وقيل: إنما كان القول الأول منه على وجه المشورة للزبير على سبيل المسامحة لجاره ببعض حقه، لا على وجه الحكم منه عليه، فلما خالفه الأنصاري استقضى للزبير حقه وأمره باستيفائه منه. وفيه: دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير، كما له أن يقيمه، وقد قيل: إن عقوبته وقعت في ماله، وكانت العقوبات قد تقع في الأموال. وفيه: الإشارة بالصلح والأمر به، قاله المهلب (١)، وقال ابن التين: مذهب الجمهور: أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة، ومنع ذلك مالك، وعن الشافعي في ذلك خلاف، والصحيح جوازه. وفيه: أن للحاكم أن يستوفي لكلِّ واحدٍ من المتخاصمين حقه، إذا لم ير قبولًا منهما للصلح ولا رضي بما أشار به، كما فعل ﵇. وفيه: توبيخ من جفا على الإمام والحاكم، ومعاقبته؛ لأنه عاقبه عليه بما قال: بأن استوفى للزبير حقه، ووبخه تعالى في كتابه بأن نفي عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية. وفيه: أنه لا يلزم الصلح إلا لمن التزمه. ثامنها: إنما حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان؛ لأنه مفارق غيره من البشر؛ إذ العصمة قائمة في حقِّه في حال الرضى والسخط. أن لا يقول إلا حقًّا.

стр. 8889

تاسعها: اختلف أصحاب مالك في صحة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل. قال ابن حبيب: يُدْخِل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به حتى إذا بلغ الماء من قائمة الحائط إلى الكعبين القائم فيه أغلق مغلق (الماء) (١) وصرف مقدار ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط وهكذا فسر لي مطرف وابن الماجشون، وقاله ابن وهب (٢)، وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئًا في حائطه. قال: والأول أحب إلى، وهم أعلم بذلك لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية، وبها جرى العمل فيها. وحكى عن ابن القاسم أيضًا. وقال ابن كنانة: يمسك من أعلى الشجر إلى الكعبين، وفي الزرع إلى شراك النعلين، والجماعة على أن الحكم الآن أن يمسك إلى الكعبين (٣)، قاله ابن التين. قال ابن حبيب: وما كان من الخلج والسواقي التي يجتمع أهل القرى على إنشائها وإجراء الماء فيها لمنافعهم، يقل الماء فيها ونضب عنها في أوقات نضوبه فالأعلى والأسفل فيها بالسواء، يقسم على قدر حقوقهم فيها استوت حاجاتهم أو اختلفت، قاله ابن القاسم وغيره (٤).

стр. 8890

وقال الطبري: الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض بقدر ما يكفيها، ورأى أن الجواب للزبير قصة عين. وقال القرطبي في حديث الباب: أن الأولى بالماء البخاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمر عليه. وفيه: الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم وأن لا يكلفوا النص على الدعاوى ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته. وفيه: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح (١).

стр. 8891

٩ - باب فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ ٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ٥/ ٤٠] ٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَالَ: "دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟! فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ:- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا". [انظر: ٧٤٥ - فتح ٥/ ٤١] ٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ -قَالَ: فَقَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ-: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ". [٣٣١٨، ٣٤٨٢ - مسلم: ٢٢٤٢ - فتح: ٥/ ٤١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: عن أبي هريرة أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَش .. " الحديث. ثانيها: حديث أسماء بنت أبي بكر في الكسوف، وذكر الهرة.

стр. 8892

ثالثها: حديث ابن عمر في الهرة أيضًا. الشرح: حديث أبي هريرة سبق في الطهارة مختصرًا في باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (١). وسقي الماء من أعظم القربات، قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلب فما ظنكم بمن سقى مؤمنًا موحدًا وأحياه بذلك. قال ابن التين: وقد روي عنه مرفوعًا أنه دخل على رجل في السياق (٢) فقال له: "ماذا ترى؟ " فقال: أرى ملكين يستأخران وأسودان يدنوان وأرى الشر ينمى والخير يضمحل فأغثني منك بدعوة يا نبي الله. فقال: "اللهم أشكر له اليسير واعفُ عنه الكثير". ثم قال له: "ماذا ترى؟ " فقال: أرى المبكين يدنوان والأسودان يستأخران وأرى الخير ينمى والشر يضمحل. قال: "فما وجدت أفضل عملك؟ " قال: سقي الماء. وفي حديث: سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء" (٣). قال الذي "الروضة" وجاءت أحاديث كثيرة بالحث على الصدقة بالماء (٤)، وقد احتج بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على المشركين لعموم قوله آخر الحديث: "في كل كبد رطبة أجر".

стр. 8893

وفيه: أن المجازاة على الخير والشر قد يكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال ﵇: "من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم" (١). وقوله: (يلهث). قال صاحب "الأفعال": لهث الكلب -بفتح الهاء وكسرها-: إذا دلع لسانه عطشًا، ولهث الإنسان إذا اشتد عطشه (٢)، وقال صاحب "المطالع": (لِهُث) (٣) [لهثًا] (٤) إذا خرج لسانُه من العطش أو الحر، واللُّهاث -بضم اللام- حرُّ العطش، وقال ابن التين: يلهث أي يخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيى، وقيل معناه يبحث بيديه ورجليه في الأرض، وفي "المنتهى" هو ارتفاع النفس. يلهث لهثًا ولهاثًا، ولهث يلهث لهثًا ولهاثًا إذا عطش، واللهَثَان بالتحريك العطش. وقوله: ("من العطش") كذا رأيناه في الأصول وذكره ابن التين: العطاش، ثم قال: وصوابه العطش قال: وكذا عند أبي ذر، وإنما العطاش داء يصيب الصبي فيشرب فلا يروى، وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث منه داء فيكون العطاش اسمًا للداء كالزكام. وقوله ("يأكل الثرى") مقصور يكتب بالياء إذا كان من الندى يقال: كان مطر التقى منه الثريان: أي: الباطن والظاهر، أي: ترشح الأرض لكثرة المطر حتى يلتقي هو وندى الأرض.

стр. 8894

وقوله: ("بلغ هذا مثل الذي بلغ بي") قال ابن التين: ضبط بنصب لام مثل على تقدير أن الكلب بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وقوله: ("في كل كبد رطبة أجر") قال الداودي: يعني: كبد كل حي من ذوات الأنفس. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث من أحاديث بني إسرائيل، فأما الإسلام فقد أمر الشارع بقتل الكلاب، والحديث خصوص لبعض البهائم، والخنزير والسبع وسائر الوحوش لها كبد رطبة لا يستعمل هذا الحديث فيها؛ لأنها تقوى على الضرر، ولا يستعمل الحديث إلا فيما لا يضر من البهائم. و (الكبد) مؤنثة، ولذلك قال: "رطبة". وفيها لغتان: كَبِد وكِبِد ذكره ابن التين (١)، وأهمل ثالثة كِبْد بالتخفيف حكاها في "المنتهى" كما في فخذ، وقال أبو حاتم: كما نقله في "المخصص": الكبد يذكر، والجمع أكباد وأكبد وكبود (٢). وقوله: ("ثم رقي فسقى الكلب") كذا هو في الأصول بالياء، وقال ابن التين: كذا وقع: رقى، وصوابه: رقي، أي: صعد. قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وأما رقى -بفتح القاف- فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وذكر أن لغة طيء: رقى بمعنى صعد، ويفعلون كذلك في

стр. 8895

كل ما كان من الأفعال معتل اللام نحو: عمي ورقي يفتحون العين منه، وقوله في حديث أسماء: "دنت منِّي النار" أي: مثلت له في القبلة. وقوله: "حبستها حتَّى ماتت جوعًا" فيه: أنه ليس على الشخص إطعام ما يعيش بصيده، والممنوع حبسها وتركها من غير طعام. "وخشاش الأرض" بتثليث الخاء: الدَّواب، واقتصر ابن فارس على الفتح (١)، وأبو عبيد على الكسر. قال: إلا الطير الصغير فإنه ثبت بالفتح، قال في "الغريب المصنف": وهي شرار الطير، وحكى صاحب "المطالع": الضم أيضًا، وتبعه القرطبي، وهي: الهوام (٢). وقال الجوهري: هي بالكسر الحشرات وقد تفتح (٣). قلت: والرجل الخشاش: الصغير الرأس، بالفتح والكسر، والخشاش: الحية الصغيرة، قال الداودي: وذكر البخاري قصة الهرة؛ لذكر الكبد، وعندي: إنما ذكرها لقوله: "ولا سقتها" ففي سقي الماء فضل كما سلف، وظاهر الحديث: يدلُّ على تملك الهر، وفيه خلاف، وهو الأصح؛ لأنه أضافها للمرأة بلا لام التي هي ظاهرة في الملك.
следующие страницы →