١٦ - باب حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى المَاءِ
٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ". [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٥/ ٤٩]
الحلب (١): بفتح اللام، قاله: الخليل (٢)، وقال ابن فارس: الحلب: حلب اللبن، الاسم والمصدر صورة واحدة (٣).
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ حَقِّ الإبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ".
يعني: الحق المعهود والمتعارف بين العرب من التصدق باللبن علي المياه إذا كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل على الماء لتنال من رسلها وتشرب من لبنها، وهذا حق حلبها على الماء؛ لا أنه فرض لازم عليهم، وقد تأول بعض السلف في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، هو أن يعطى المساكين عند الجذاذ والحصاد ما تيسر من غير الزكاة، وهذا مذهب ابن عمر، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وجمهور الفقهاء على أن المراد
стр. 8927
بالآية الزكاة المفروضة، وهو تأويل ابن عباس وغيره، وقد سلف إيضاح ذلك في باب: إثم مانع الزكاة (١)، وهذا كما نهي عن جذاذ الليل؛ لأجل حضور المساكين، وأجازه مالك ليلًا، وأغرب الداودي فضبط تجلب بالجيم، وقال: أراد تجلب لموضع سقيها فيأتيه المصدق، ولو كان كما ذكره لكان أن تجلب إلى الماء ولم يقل: على الماء.
العَرَايَا فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرٌ مِثْلَهُ. [انظر:
٢١٩١ - مسلم: ١٥٤٠ - فتح: ٥/ ٥٠]
ذكر فيه حديث ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَال فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ".
وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: فِي العَبْدِ.
وحديث زيد بن ثابت: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
وحديث جابر في النهي عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا.
وحديث أبي هريرة: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. شَك دَاوُدُ فِي ذَلِكَ.
وحديث بشير بن يسار، عن رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أنه ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ بَيْع الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أصْحَابَ العَرَايَا فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ. وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرٌ مِثْلَهُ.
وقد سلفت هذِه الأحاديث مفرقة في مواطنها، وشيخ البخاري في الأخير: زكريا (خ. ت) بن يحيى هو: البلخي الحافظ، روى في العيد، عن زكري بن يحيى، وهو: الطائي الكوفي (١)، وفي طبقتهما آخر قاض
стр. 8930
شيخ مسلم (١)، ورابع -يعرف بخياط (س) السنة- شيخ النسائي (٢).
وأراد البخاري أن يستدل من حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت على تصحيح ما ترجم به، وذلك أنه ﷺ لما جعل لبائع أصول النخل الثمرة بعد أن تؤبر كان له أن يدخل في الحائط لسقيها وتعهدها حتى
стр. 8931
يجذها، ولم يجز لمشتري أصول النخل أن يمنعه الطريق والممر إليها، وكذلك يجوز لصاحب العرية أن يدخل في حائط المعرى لتعهد عريته وإصلاحها وسقيها، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، وأما من له طريق مملوكة في أرض غيره، فقال مالك: ليس للذي له الطريق أن يدخل فيها بماشيته وغنمه؛ لأنه يفسد زرع صاحبه.
وقال الكوفيون والشافعي: ليس لصاحب الأرض أن يزرع في موضع الطريق.
وفي قوله: "وله مال" أن العبد يملك لإضافة المال إليه بلام التمليك، وإن كان يحتمل الاختصاص والنسبة، لا جرم تردد قول الشافعي فيما إذا ملك مالًا، والأظهر أنه لا يملك وفاقًا لأبي حنيفة، ومعنى قوله: "إلا أن يشترط المبتاع" أنه لمن كان له قبل البيع.
وقوله: "يشترط" كذا وقع هنا بغير هاء، وذكره الإسماعيلي بهاء وبغير هاء، واستدل به من استثنى بعض الثمرة وبعض مال العبد وهي رواية أشهب، ومنعه مالك.
وفي رواية ابن حبيب: وهذا إذا كان العبد جميعه للبائع وإن كان له بعضه فضربان أحدهما: أن يكون الباقي عبدًا أو حرًا فالأول إن باع نصيبه من شريكه لم يجز البيع على الإطلاق؛ لأن الإطلاق يقتضي
أن يكون له من مال العبد بقدر نصيبه، ولا يجوز انتزاعه إلا بإذن الشريك والإذن معدوم.
والثاني: يجوز بيعه مطلقًا، ولا يشترط كون المال للبائع؛ لأنه لا يملك انتزاع من فيه جزء من الجزية ويجوز بيعه بشرط تبقية المال في يد العبد.
стр. 8932
خاتمة
وقوله: (وعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: فِي العَبْدِ)، قال الداودي: حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر في الثمرة إنما رواه عن عمر وهو وهم من نافع؟ والصحيح ما رواه ابن شهاب عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ في العبد والثمرة، واعترض ابن التين فقال: لا أدري من أين أدخل الداودي الوهم على نافع وما المانع من أن يكون عمر قال ما تقدم من قوله ﵇!
ذكر فيه حديث جَابِر: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَرى بَعِيرَكَ؟ أتبيعُنِيهِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ.
وحديث عَائِشَةَ أَنَّه ﷺ اشْتَرى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
وقد سلفا. وقام الإجماع على أن استقراض (النقدين) (١) والمطعوم جائز (٢)، والشراء بالدين مباح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد اشترى الشارع الجمل من جابر في سفره ولم يقضه ثمنه إلا بالمدينة، وكذا شراؤه من اليهودي الطعام إلى أجل، فصار ذلك كله سنة متبعة لا محيص عنها.
فائدة:
قول البخاري في حديث جابر: (حدثنا محمد) هو ابن سلام البيكندي وليس محمد بن يوسف البيكندي كما ذكر بعضهم.
قال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن سلام، وفي نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم (٣): حدثنا محمد بن يوسف، ثنا جرير، فذكر حديث بريرة. قال أبو علي: هو ابن سلام إن شاء الله (٤).
стр. 8936
فائدة ثانية:
اعترض ابن المنير فقال: في الترجمة حيف؛ لأن مضمونها جواز الاستقراض والانتفاع بالدين لمن لا عنده وفاء، ويدخل في ذلك من لا قدرة له على الوفاء إذا لم يعلم البائع أو المقرض حاله، وهذا تدليس، والذي في الحديث غير هذا؛ لتحقيق قدرته ﵇ على الوفاء بما عقد عليه (١).
قلت: مع أنه قال: "لا أشتري ما ليس عندي ثمنه"، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وصححه (٢)، وعند الحاكم أيضًا عن عائشة أنها كانت تدان؛ فقيل لها: مالك والدين وليس عندك قضاء؟ قالت: إني سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون" فأنا ألتمس ذلك العون (٣).
стр. 8937
وعن ميمونة بنت الحارث (١) وابن جعفر مثله (٢).
وعن أبي أمامة مرفوعًا: "من تداين وفي نفسه وفاؤه، ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدينٍ وليس في نفسه وفاؤه، ثم مات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة" (٣).
وقد صح ما يقتضي التشديد فيه، فأخرج على شرط مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا:
стр. 8938
"الدين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يذل عبدًا وضعها في عنقه" (١).
وأخرج من حديث محمد بن جحش وقال: صحيح الإسناد أن النبي ﷺ قال: "سبحان الله! ما أنزل الله من التشديد"، فسئل عن ذلك التشديد قال: "الدَّيْن، والذي نفس محمد بيده (لو) (٢) قتل رجل في سبيل الله، ثم عاش وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى دينه" (٣).
وأخرج أيضًا من حديث عقبة بن عامر وقال: صحيح الإسناد مرفوعًا: "لا تخيفوا أنفسكم" قيل: يا رسول الله، وما يخيف أنفسنا؟ قال: "الدين" (٤).
стр. 8939
ومن حديث ثوبان وقال: على شرطهما مرفوعًا: "من مات وهو بريء من ثلاث: الكبر (١) والغلول، والدين دخل الجنة" (٢).
وقد أسلفنا حديث أبي هريرة مرفوعًا: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى دينه". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٣).
стр. 8940
٢ - باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا
٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ". [فتح ٥/ ٥٣]
ذكر فيه حديث أبي الغيث -واسمه سالم (١) - عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاها اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أخذها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أتلَفَهُ اللهُ".
هذا الحديث شريف. ومعناه: الحض على ترك استئكال أموال الناس، والتنزه عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة، وقد حرم الله تعالى في كتابه أكل أموال الناس بالباطل وخطب به ﵇ في حجة الوداع، فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (٢)، يعني: من بعضكم على بعض.
وفيه: أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون من جنس الذنوب؛ لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.
стр. 8941
قال الداودي: وفيه: أن من عليه دين لا يعتق ولا يتصدق، وإن فعل ردَّ.
قلت: هو مذهب مالك (١).
وفيه: أن من كان عليه دين يريد قضاءه، فإن الله معه حتى يقضيه (٢).
قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَوْ كَانَ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاث وَعِنْدِي مِنْهُ شَيء، إِلَّا شَيءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ".
رَوَا صَالِح وَعُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
حديث أبي ذر سلف في الزكاة (١)، والآية المذكورة أصل في أداء الأمانات وحفظها، ألا ترى أنه ﵇ لم يحب أن يبقى عنده من مثل أحد ذهبًا فوق ثلاث إلا دينارًا يرصده لدين، ونزلت في عثمان بن طلحة الحجبي العبدري سادن الكعبة حين أخذ عليّ منه المفتاح يوم الفتح، ذكره ابن سعد (٢) وغيره (٣). وقال ابن زيد: هم الولاة أمروا بأداء الأمانات إلى من ولوا أمرهم (٤). وقيل: نزلت في السلطان يعظ النساء (٥)، والحديث دال على ما دلت عليه الآية من تأكيد أمر الدين والحض على أدائه.
قال ابن عباس: الآية عامة. وقال شريح لأحد الخصمين: أعط حقه، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال شريح: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] إنما هذا في الربا خاصة، وربط المِدْيان إلى سارية (٦). ومذهب الفقهاء أن الآية عامة في الربا وغيره، واحتج سيبويه بأن
стр. 8944
القراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] بمعنى: حضر ووقع.
قال: ولو كان كما قال شريح لكان: ذا عسرة. وقيل: يحتمل أن يكون شريح فعل ذلك بمن تبين لَدَدُهُ، وحبس سحنون رجلًا التوى بدين، فكان يخرجه في كل جمعة يومًا إلى صحن المسجد فيضربه،
فكان ذلك حتى مات في السجن، ذكره الداودي.
ومعنى "أرصده": أهيئه، من أرصد يرصد، وضبط في بعض الأمهات بفتح الهمزة من رصد. وقال الأصمعي والكسائي رصدته: ترقبته، وأرصدته: أعددت له (١).
وفيه: الاستدانة بيسير الدين اقتداءً بالشارع في إرصاده دينارًا لِدَيْنِه، ولو كان عليه مائة دينار أو أكثر لم يرصد لأدائها دينارًا؛ لأنه كان أحسن الناس قضاء. وبان بهذا الحديث أنه ينبغي للمؤمن أن لا يستغرق في كثير الدين خشية الاهتمام به والعجز عن أدائه، وقد استعاذ الشارع من ضلع الدين (٢)(٣)، واستعاذ من المأثم والمغرم وقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" (٤).
وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة. قال: وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها، فيقال له يوم القيامة: أدّ أمانتك، فيقول: من أين
стр. 8945
وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول له: نحن نريكها؛ فتمثل له في قعر جهنم، فيقال: انزل فأخرجها، فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت، فهوت وهوى في إثرها أبد الأبد قال: والأمانة في كل شيء حتى في الصلاة والصيام والوضوء والغسل من الجنابة والأمانة في الكيل والوزن (١).
وقال الربيع: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٢).
فائدة: في إسناد حديث أبي ذر أبو شهاب (خ. م. د. س. ق) واسمه عبد ربه بن نافع الحناط (٣).
стр. 8946
وقوله: ("إن الأكثرين هم الأقلون") أي: في الحسنات والحظ.
وقوله: ("إلا من قال بالمال هكذا وهكذا") يعني: أنفقه في وجهه.
وقوله: ("وقليل ما هم") أي: قليل فاعله من أهل الأموال، وفيه: ذم الغنى، بينه قوله: "والله ما الفقر أخشى عليكم … " الحديث (١).
وقوله: ("من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة") أي: وإن قدر دخوله النار بإصرارٍ على الكبائر.
وقوله: "من أمتك" فيه تفضيلها.
стр. 8947
٤ - باب اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: "دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ". وَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: "اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٥٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف في الوكالة (١). ثم ترجم عليه باب: هل يعطى أكبر من سنه، وباب: حسن القضاء، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في استقراض الحيوان ولا بأس بإعادته، أجازه الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث (٢)،
ولا يحل عندنا وعند مالك وأهل المدينة استقراض الإماء (٣)؛ لأن ذلك ذريعة إلى استحلال الفروج.
ومنع ذلك الكوفيون -أعني: استقراض الحيوان- وقالوا: لا يجوز استقراضه؛ لأن وجود مثله متعذر غير موقوف عليه (٤). وقالوا: يحتمل أن يكون حديث أبي هريرة قبل تحريم الربا ثم حرم الربا بعد ذلك وحرم كل قرض جرَّ منفعة، وردت الأشياء المستقرضة إلى مثالها فلم يجز القرض إلا فيما له مثل.
стр. 8948
وحجة المجيز: محال أن يستقرض الشارع شيئًا لا يقدر على أداء مثله، ولا يوصف ذلك بصفة، ولو لم يكن إلى رد مثله سبيل لم يقترضه إذ كان أبعد الخلق من الظلم.
واحتج من فرق بينه وبين الإماء بأنه يتخذ ذريعة إلى استباحة الأبضاع بذلك، والشرع قد احتاط فيه.
وقال الأولون: رد الزيادة من غير شرط من باب المعروف، وهو قول ابن عمر وابن المسيب والنخعي والشعبي وعطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة (١).
وقد اختلف أصحاب مالك فيه، فقال ابن حبيب: لا بأس أن يرد أفضل مما استقرض في العدد والجودة؛ لأن الآثار جاءت بأنه ﷺ رد أكثر عددًا في طعام وإبل، وأجاز أشهب أن يزيده في العدد إذا طابت نفسه.
وقال ابن نافع: لا بأس أن يعطي أكثر عددًا إذا لم يكن له عادة.
وقال مالك: لا يجوز أن يكون زيادة في العدد، وإنما يصلح أن يكون في الجودة.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني أن يعطيه أكثر في العدد ولا في الذهب والورق إلا اليسير مثل: الرجحان في الوزن والكيل، ولو زاده بعد ذلك لم يكن به بأس، وهو قول مالك وإنما لم يجز أن يشترط أن يأخذ
أفضل؛ لأنه يخرج من باب المعروف ويصير ربا، ولا خلاف بين العلماء أن اشتراط الزيادة في ذلك ربا لا يحل (٢).
стр. 8949
والحاصل من الخلاف السالف عند المالكية ثلاثة أقوال في زيادة العدد، المشهور: منعه.
ثالثها: يغتفر القليل، والقليل إردبان في مائة.
وفيه: للغريم التجاوزُ عن إغلاظ الطالب.
وقوله: (أوفيتني أوفاك الله). يقال: أوفى ووفى.
وذكر في آخر باب: حسن القضاء حديث جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، قال مسعر: أراه ضحًى، فقال: صلى ركعتين وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني (١). وهو وافٍ بما ترجم له.
стр. 8950
٥ - باب حُسْنِ التَّقَاضِي
٢٣٩١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تقول؟ قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَأَتَجَوَّزُ عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ. فَغُفِرَ لَهُ". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٢٠٧٧ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح ٥/ ٥٨]
ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ، فقَالَ: كُنْتُ أُبَايعُ النَّاسَ، فَأتَجَوَّزُ عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ. فَغُفِرَ لَهُ". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ رسول الله ﷺ .
وفي نسخة: "فأتجوز عن المعسر وأخفف على الموسر" وقد سلف في باب: من أنظر موسرًا (١)، وفيه ترغيب عظيم في حسن التقاضي، وأن ذلك مما يدخل الله به الجنة، وهذا المعنى نظير: "خيركم قضاء" فجاء الترغيب في كلا الوجهين في حسن التقاضي لرب الدين، وفي حسن القضاء للذي عليه الدين، كل قد رغب في الأخذ بأرفع الأحوال، وترك المشاحة في القضاء والاقتضاء واستعمال مكارم الأخلاق في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وقد جاء هذا كله في الحديث السالف في أول البيوع "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (٢).
٨ - باب إِذَا قَضَى دُونَ حَقِّهِ أَوْ حَلَّلَهُ فَهْوَ جَائِزٌ
٢٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي، وَقَالَ: "سَنَغْدُو عَلَيْكَ". فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٥٩]
ذكر فيه حديث ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وهو عبد الله الرحمن بن عبد الله بن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (١) - أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي، وَقَالَ: "سَنَغْدُو عَلَيْكَ". فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا.
وترجم عليه فيما سيأتي باب: من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مَطْلًا. وذكره معلقًا بلفظ: وقال جابر: اشتد الغرماء (٢).
وقوله في الترجمة: (أو حلله) صوابه إسقاط الألف كما هو ثابت بخط الدمياطي، وذكر الآخر نسخة.
وكذا ترجم عليه أبو نعيم والإسماعيلي؛ لأنه لا يجوز أن يقضي رب الدين دون حقه وتسقط مطالبته بباقيه إلا إن تحلل منه، كذا قال
стр. 8954
ابن بطال (١)، وأما ابن المنير فصوبه، والمقصود: أو حلله من جميعه، وأخذ البخاري هذا من جواز قضاء البعض والتحلل من البعض (٢).
قلت: عرض ذلك ﵇ فأبوا، ولا خلاف بين العلماء أنه لو حلله من جميع الدين وأبرأ ذمته أنه جائز، فكذلك إذا حلله من بعضه، وأما تأخير الغريم الواحد إلى الغد فهو مرتبط بالعذر، وأما من قدر على الأداء فلا مطل؛ لأنه ظلم، وإنما أخر جابر غرماءه رجاء بركته ﵇؛ لأنه كان وعده أن يمشي معه على التمر ويبارك فيها؛ فحقق الله رجاءه وظهرت بركة نبيه وذلك من أعلام نبوته.
وفيه: مشي الإمام في حوائج الناس واستشفاعه في الديون وقد ترجم لذلك (٣).
وقوله: (فسألهم أن يقبلوا)، وذكره بعده في باب الشفاعة في وضع الدين كذلك، وذكر بعد أيضًا على الأثر في باب: إذا قاصَّ أو جازف، أن الدين كان ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود؛ وفيه: فكلم جابر رسول الله ليشفع إليه فكلمه فأبى اليهودي (٤)، وإنما شفع لقوله: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" (٥).
قال الحسن: مصداقه قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ أي: من
стр. 8955
يشفع أثيب وإن لم يشفَّع (١)، وإنما سألهم في قبول تمر الحائط؛ لأنه كان أقل من حقوقهم بالأمر البين فسلموا من المزابنة.
وفيه: تأخير الغريم ما لا مضرة فيه على الطالب.
وفيه: ظهور بركته ﵇ كما سلف، وتكثير القليل، وأجاز قوم تكثير القليل ولم يجيزوا في الكرامة إيجاد معدوم، ولا فرق بينهما في التحقيق.
وقوله: (فقال: "أخبر ذلك ابن الخطاب") (٢)، أي: ليزداد يقينًا.
فائدة:
قد أسلفت أن ابن كعب بن مالك هو عبد الرحمن (خ. م. د. س) بن عبد الله بن كعب بن مالك وهو ما رأيته بخط الدمياطي والإسماعيلي لما ساقه من حديث ابن شهاب قال: عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك أن جابرًا فذكره، ثم قال: كذا قال: عن كعب بن مالك، وذكر الحميدي أن البخاري خرجه من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر (٣)، وكذا ذكره خلف وأبو مسعود والطرقي، وصوب المزي عبد الله ولم يستدل (٤).
стр. 8956
واعلم أن البخاري أيضًا ذكر حديث جابر هذا في الصلح وترجم عليه الصلح بين الغرماء، وفيه: فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا فلم يروا أن فيه وفاء (١)، ورأيت بخط الدمياطي على ترجمة الباب: قيل ترجمة هذا الباب لا يصح استنباطها؛ لأن بيع التمر بالتمر مجازفة حرام لا يجوز لعدم المماثلة، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة إذا علم أنه أقل من دينه، وقد جاء في الصلح صريحًا فذكر ما أوردناه، وهذا هو قول المهلب كما ستعلمه على الأثر.
стр. 8957
٩ - باب إِذَا قَاصَّ أَوْ جَازَفَهُ فِي الدَّيْنِ تَمْرًا بِتَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (١)
٢٣٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَلَّمَ اليَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ، فَمَشَى فِيهَا ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: "جُدَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ". فَجَدَّهُ بَعْدَ مَا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالفَضْلِ، فَقَالَ: "أَخْبِرْ ذَلِكَ ابْنَ الخَطَّابِ". فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٠]
ثم ذكر حديث جابر بطوله.
قال المهلب: لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرًا مجازفة في دينه؛ لأن ذلك من الغرر والمجهول، وذلك حرام فيما أمر فيه بالمماثلة، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم ذلك وتجاوز له (٢)، وهذا المعنى بين في حديث جابر؛ لأنه ﵇ حين كلم اليهودي أن يأخذ تمر النخل بالذي على أبي جابر، وأبى اليهودي من ذلك، ثبت أن تمر النخل لا يفي بالدين، وأنه أقل مما
стр. 8958
كان يلزمه غرمه، وقد جاء هذا منصوصًا في الصلح (١)، فساقه كما أسلفناه، وقد يجوز في باب حسن القضاء أن يزيده من صنفه، وإنما تحرم الزيادة بالشرط. وقال في باب: الشفاعة في وضع الدين:
فأزحف الجمل (٢)، يقال: أزحف البعير إذا أعيا فجر فِرْسِنَه وزحف أيضًا (٣).
стр. 8959
١٠ - باب مَنِ اسْتَعَاذَ مِنَ الدَّيْنِ
٢٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ". فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ". [انظر: ٨٣٢ - مسلم: ٥٨٩ - فتح ٥/ ٦٠]
ذكر حديث عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَم وَالمَغْرَمِ". فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ من المغرم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالً: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ".
فيه: الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافًا لأبي حنيفة (١)، واستعاذته من الدين الذي لا يطيق قضاءه، وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي (٢). (والمأثم): كل إثم، وخص المغرم لما يخشى فيه من
الإثم مما ذكره من الكذب وإخلاف الوعد، وهما خصلتان من النفاق وما يبقى أيضًا من ذلك.
و (المغرم): ما يلزم الإنسان نفسه ويلزمه غيره وليس بواجبٍ عليه وهو الغرم، و (المغرم): المثقل دينًا، ومنه: ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦] وسمي الغريم لإلحاحه؛ لأن الغريم: الملازم.
стр. 8960
وفيه: قطع الذرائع؛ لأن استعاذته من الدين ذريعة إلى ما أسلفناه من الكذب والخلف في الوعد مع ما يقع للمديان تحته من الذلة وما لصاحب الدين عليه من المقال.
فإن قلت: فالأحاديث التي سقتها في باب: من اشترى بالدين قريبًا، وكذا حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر مرفوعًا: "إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيه ما يكره الله". وكان عبد الله بن جعفر يقول لجاره: اذهب فخذ لي بدين فأنا أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي (١).
قلت: لا تنافي بينهما؛ فأحاديث النهي لمن استدان فيما يكره الرب ﷻ ولا يريد قضاءه والإباحة فيما يرضيه ويريد قضاءه، وعنده في الأغلب ما يؤديه منه، فالله تعالى في عونه على قضائه.
والمغرم الذي استعاذ منه؛ إما لكونه فيما يكره الرب ولا يجد سبيلًا إلى قضائه، وإما فيما لا يكرهه ولكن لا سبيل إلى قضائه فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له، أو له يُسره ونوى ترك قضائه وجحده فهو عاص لربه ظالم لنفسه. فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء مخلفون، وفي حديثهم كاذبون لوعودهم، وقد صحت الأخبار عنه أنه استدان في بعض الأحوال كما أسلفناه،
فكان معلومًا بذلك أن الحالة التي كره فيها غير الحال التي رخص لنفسه فيها.
وقد استدان السلف: استدان عمر وهو خليفة وقال لما طعن: انظروا كم عليَّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا وأكثر، وكان
стр. 8961
على الزبير دين عظيم، ذكرهما البخاري كما ستعلمه في موضعه (١). فما ثبت عن الشارع وأصحابه والسلف من استدانتهم الدين مع تكريرهم له إلى غيرهم الدليل الواضح على أن اختلاف الأمر في ذلك كان على قدر اختلاف حال المستدينين.
أبي هريرة، واعترضه ابن التين فقال: ليس كما ظن؛ فقد روى جابر أن
النبي ﷺ قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم " (١). قال: وقيل: معنى
الآية أنه ﷺ كان إذا أمر بشيء أو نهى عنه كان أمره أولى بأن يتبع من
النفس وإن كان هواها في غيره.
و (الضياع) بفتح الضاد المعجمة: مصدر ضاع يضيع ضيعة وضياعًا، ثم جُعل اسمًا لكل ما هو مرصد أن يضيع من ولد أو عيال لا كافلَ لهم مثل قوله: ("ومن ترك كَلًّا") أي: عيالًا، فمن ترك شيئًا ضائعًا كالأطفال ونحوهم فليأتني ذلك الضائع. ("فأنا مولاه") أي: وليه، مثل قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.
وقوله: "أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢)، ورواه بعضهم بالكسر جمع ضائع كجائع وجياع (٣)، والأول أصح، وكذا قال ابن الجوزي (٤).
وقوله: ("فلترثه عصبته") قال الداودي: هو هنا الورثة من كانوا ليس من يرث بالتعصيب وهو كما قال، فإن العاصب مخصوص بمن ليس له سهم مقدر من المجمع على توريثهم، فيرث كل المال عند
стр. 8964
الانفراد، وما فضل بعد الفروض. وقيل: العصبة: قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك من قولهم: عصب القوم بفلان، أي: أحاطوا به وهم كل من يلتقي مع الميت في أبٍ واحد. وعند ابن سحنون: الابن عصبة
وهذا صحيح في الرجال، وأما المرأة فلا تسمى عصبة على الإطلاق، والواحد عاصب قياسًا، قاله الأزهري (١) وغيره.
стр. 8965
١٢ - باب مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ
٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ -أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ". [انظر: ٢٢٨٧ - مسلم: ١٥٦٤ - فتح ٥/ ٦١]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ".
هذا الحديث تقدم في الحوالة (١) واضحًا، ومفهوم الحديث أن مطل غير الغني ليس بظلم ولا مطالبة عليه إذًا، وإذا سقطت المطالبة زالت الملازمة، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهو يوجب تأخيره فصار كالدين المؤجل، فيمنع من لزومه.
وفيه: أن من وجب عليه زكاة ففرط فيها أنه يغرمها إذا بلغت المال خلافًا لأبي حنيفة (٢).