← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

على الزبير دين عظيم، ذكرهما البخاري كما ستعلمه في موضعه (١). فما ثبت عن الشارع وأصحابه والسلف من استدانتهم الدين مع تكريرهم له إلى غيرهم الدليل الواضح على أن اختلاف الأمر في ذلك كان على قدر اختلاف حال المستدينين.

стр. 8962

١١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ دَيْنًا ٢٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا". [انظر: ٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩ - فتح ٥/ ٦١] ٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ". [٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩ - فتح ٥/ ٦١] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "منْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا". وحديثه أيضًا: "مَا مِنْ مُؤْمِنِ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فَأيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِني فَأنا وليه (١) ". هذا الحديث ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين كما سلف واضحًا في الحوالة (٢). قال الداودي: وقوله: ("اقرءوا إن شئتم") أحسبه من كلام

стр. 8963

أبي هريرة، واعترضه ابن التين فقال: ليس كما ظن؛ فقد روى جابر أن النبي ﷺ قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم " (١). قال: وقيل: معنى الآية أنه ﷺ كان إذا أمر بشيء أو نهى عنه كان أمره أولى بأن يتبع من النفس وإن كان هواها في غيره. و (الضياع) بفتح الضاد المعجمة: مصدر ضاع يضيع ضيعة وضياعًا، ثم جُعل اسمًا لكل ما هو مرصد أن يضيع من ولد أو عيال لا كافلَ لهم مثل قوله: ("ومن ترك كَلًّا") أي: عيالًا، فمن ترك شيئًا ضائعًا كالأطفال ونحوهم فليأتني ذلك الضائع. ("فأنا مولاه") أي: وليه، مثل قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾. وقوله: "أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢)، ورواه بعضهم بالكسر جمع ضائع كجائع وجياع (٣)، والأول أصح، وكذا قال ابن الجوزي (٤). وقوله: ("فلترثه عصبته") قال الداودي: هو هنا الورثة من كانوا ليس من يرث بالتعصيب وهو كما قال، فإن العاصب مخصوص بمن ليس له سهم مقدر من المجمع على توريثهم، فيرث كل المال عند

стр. 8964

الانفراد، وما فضل بعد الفروض. وقيل: العصبة: قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك من قولهم: عصب القوم بفلان، أي: أحاطوا به وهم كل من يلتقي مع الميت في أبٍ واحد. وعند ابن سحنون: الابن عصبة وهذا صحيح في الرجال، وأما المرأة فلا تسمى عصبة على الإطلاق، والواحد عاصب قياسًا، قاله الأزهري (١) وغيره.

стр. 8965

١٢ - باب مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ ٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ -أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ". [انظر: ٢٢٨٧ - مسلم: ١٥٦٤ - فتح ٥/ ٦١] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ". هذا الحديث تقدم في الحوالة (١) واضحًا، ومفهوم الحديث أن مطل غير الغني ليس بظلم ولا مطالبة عليه إذًا، وإذا سقطت المطالبة زالت الملازمة، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهو يوجب تأخيره فصار كالدين المؤجل، فيمنع من لزومه. وفيه: أن من وجب عليه زكاة ففرط فيها أنه يغرمها إذا بلغت المال خلافًا لأبي حنيفة (٢).

стр. 8966

١٣ - باب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ وَيُذْكَرُ (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ". قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ: يَقُولُ مَطَلْتَنِي. وَعُقُوبَتُهُ: الحَبْسُ. ٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ. فَقَالَ: "دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا". [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٦٢] ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ. فَقَالَ: "دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا". هذا قد سلف في باب: الحوالة (٢)، ولا شك أنه إذا مطله وهو غني، فقد ظلمه والظلم محرم وإن قل. وفسر الفقهاء الحديث كما فسره سفيان وهو كقوله: "إن لصاحب الحق مقالًا" أي: بصفة المطل، وقد جاء في التنزيل مصداقه، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وهذِه الآية نزلت في مانع الضيافة، فأبيح له أن يقول في المانع له أنه لئيم وأنه لم يقره، وشبه هذا، وقيل: نزلت في مطل الدين -وقيل: في المكره على الكفر؛ لأنه مظلوم- وعقوبته بالحبس إذا رجي له مال أو وفاء بما عليه، فإن ثبت إعساره وجب نظرته

стр. 8967

وحرم حبسه لزوال العلة الموجبة لحبسه وهي الوجدان. واختلف في ثابت العسرة وأطلق من السجن هل يلازمه غريمه؟ فقال مالك والشافعي: لا، حتى يثبت له مال آخر (١). وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكم الغرماء من لزومه (٢).

стр. 8968

١٤ - باب إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فِي البَيْعِ وَالقَرْضِ وَالوَدِيعَةِ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا أَفْلَسَ وَتَبَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ. ٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ-: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ". [مسلم: ١٥٥٩ - فتح ٥/ ٦٢] ثم ساق حديث أبي هريرة (١) من طريق يحيى بن سعيد: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ-: "منْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ".

стр. 8969

الشرح: أثر الحسن الذي يحضرني منه ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن حفص، عن الأشعث، عن الحسن قال: هو أسوة الغرماء (١)، وهذِه صفة من استسلم للفلس فكل ذلك ( … ) (٢) عندنا إذا حجر عليه نعم لو باع في ذمته صح وعند المالكية من أحاط به الدين منع من العتق والهبة دون البيع والشراء، واختلف في قضائه ورهنه، والمشهور جوازه والقياس منعه، وكذلك اختلف في إقراره، والمشهور إجازته خلافًا لابن نافع (٣)، ولا وجه له إلا أن يكون لمن اتهم عليه ففيه قولان، والشراء يمد ويقصر. قال ابن التين: ووقع ولا نراه مقصورًا وهي لغة فيه غير مشهورة. وأثر عثمان رواه أبو عبيد في "أمواله" عن إسماعيل بن جعفر، ثنا محمد بن أبي حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: أفلس مولى لأم حبيب فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى أن من كان اقتضى من حقه شيئًا قبل أن يتبين إفلاسه فهو له، ومن عرف متاعه بعينه فهو له. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم والأربعة (٤)، وهذا التردد في: (سمعت) أو (قال) هو من الراوي عن أبي هريرة وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وقال مرة أخرى عنه، عن النبي ﷺ

стр. 8970

أخرجه مسلم (١)، ورواه عراك بن مالك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ . وبشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، أخرجهما مسلم (٢). وفيه من اللطائف: رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض يحيى بن سعيد فمن بعده، ورواه مالك في "موطئه" عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رسول الله ﷺ مرسلًا (٣). وقال أبو داود: هو أصح ممن رواه عن مالك مسندًا (٤). وقال الدارقطني: لا يثبت عن الزهري مسندًا وإنما هو مرسل (٥). وقال أبو عمر: كذا هو مرسل في جميع الموطآت، وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك مرسلًا إلا عبد الرزاق؛ فإن رواه عن مالك عن الزهري، عن أبي بكر، عن أبي هريرة فأسنده (٦)، وقد اختلف فيه عن عبد الرزاق، قال (الدارقطني) (٧): وتابع عبد الرزاق على إسناده عن مالك: أحمد بن موسى، وأحمد بن أبي طيبة. واختلف أصحاب ابن شهاب عليه في إسناده وإرساله وهو محفوظ لأبي هريرة لا يرويه غيره (٨).

стр. 8971

وفي الباب عن الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود والنسائي وأعله الذهلي (١). وابن عمر ذكره الترمذي (٢). إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: ("عند رجل أو إنسان") الظاهر أنه شك من الراوي، ومعنى أفلس: صار مفلسًا، أي: صارت دراهمه فلوسًا، ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس، وهو في الشرع حجر الحاكم على المديون والمفلس المحجور عليه بالديون. ثانيها: فيه رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والأكثرين، وألحقوا الموت به -وخالف فيه مالك وأحمد فقالا: يكون فيه أسوة الغرماء (٣) - وخالف

стр. 8972

أبو حنيفة، فقال: لا يرجع فيهما بل يضارب مع الغرماء (١). وعزي إلى النخعي والحسن البصري. حجة الأكثرين في الفلس هذا الحديث، وفي الموت حديث في "سنن أبي داود" وابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضًا. وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، ولفظه: "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" (٢)، وحمل أبو حنيفة الحديث على الغصب والوديعة؛ لأنه لم يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض، وأول الحديث بتأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروى عن علي وابن مسعود وليس بثابت عنهما، ودفعوا الحديث بالقياس بأن يده قد زالت كيد الراهن، وحجة مالك ما رواه في "موطئه" عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء" (٣)، وقد سلف أنه أسند أيضًا ولا يصح كما سلف. قال ابن عبد البر: أجمع فقهاء الحجاز وأهل الأثر على القول بجملة حديث أبي هريرة وإن اختلفوا في أشياء من فروعه، ودفعه من

стр. 8973

أهل العراق أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، وأولوا الحديث على الودائع والأمانات، وروى قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي أنه قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها. وروى الثوري عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو والغرماء خاصة شرع سواء (١). وحكاه ابن التين عن ابن شبرمة وأسنده ابن أبي شيبة عن الشعبي (٢)، وقد أسلفنا عدم ثبوت ذلك. قال ابن المنذر: قضى عثمان وعلي أن صاحبها أحق بها ولا نعلم لهما مخالفًا من الصحابة (٣). قلت: وابن مسعود وأبو هريرة وتابعهم عروة بن الزبير، وأما أبو محمد بن حزم فقال: صحَّ عن عمر بن عبد العزيز: أن من اقتضى من ثمن سلعته شيئًا، ثم أفلس فهو أسوة الغرماء، قضى به رسول الله ﷺ ، وهو قول ابن شهاب ومالك: بعد الموت، وكذا قاله أحمد (٤). ورواه ابن ماجه أيضًا من طريق اليمان بن عدي الحمصي (٥)، وتكلم فيه أحمد بكلام فظيع. قلت: وتأويل الحديث على المودع والمقرض دون البائع فاسد؛ لأن المودع أحق بعين ماله سواء كان على صفته أو تغير عنها بخلاف البائع، فإنه إذا تغير ماله لا يرجع، وتفرقة مالك بين الفلس والموت بأن المفلس

стр. 8974

ذمته باقية بخلاف الموت. ونقل ابن التين عن الشافعي أنه ليس له المضاربة مع الغرماء وليس له إلا عين متاعه، وهو غريب عنه. ثالثها: مقتضى الحديث رجوعه أيضًا ولو قبض بعض الثمن؛ لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قولي الشافعي، وخالف في القديم فقال: يضارب بباقي الثمن فقط (١)، وفي الحديث السالف وقد علمت حاله، ورجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقيًا بعينه وأفلس بعد قبضه، كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المباع لبائع أو لمقرض، والفقهاء قاسوه عليه لجامع أنه مملوك تعذر تحصيله فأشبه البيع ولا حاجة إليه؛ لاندراجه تحته، وبهذا قال الشافعي وأبو محمد الأصيلي من المالكية، وخالف غيره، فقال: لا يكون القرض كالبيع. رابعها: فيه الحجر على المفلس، وبه قال الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعروة والأوزاعي، وخالف فيه أبو حنيفة (٢)، وهو قول إبراهيم والحسن بن أبي الحسن، ولابد في الحديث من إضمار أمور تحمل عليه، مثل كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره والثمن غير مقبوض ومال المفلس لا يفي بالديون أو كان مساويًا، وقلنا بالحجر عليه فيها، فلو مات أو كاتب العبد فلا رجوع، ولو زال من يد المشتري وعاد إليه

стр. 8975

فيجوز الرجوع على الأصح خلاف ما وقع في "الروضة" (١)، وللرجوع شروط محلها كتب الفروع وقد أوضحناها فيها. وصح من حديث كعب بن مالك أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. استدركه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وقال مرة: صحيح الإسناد (٢)، ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك أن معاذًا أغلق ماله في الدين، فكلم رسول الله ﷺ أن يكلم غرماءه، ففعل فلم يضعوا له شيئًا، فلو ترك لأحد بكلام لترك لمعاذ بكلام رسول الله ﷺ ، فدعا النبي ﷺ فلم يبرح حتى باع ماله وقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له (٣). وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فأكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه"؛ فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" (٤).

стр. 8976

وأثر أسيفع في "الموطأ" عن عمر: فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرمائه (١). واحتج المخالف بحديث جابر في دين أبيه السالف. وروي أن أسيد بن حضير كان عليه دين، فدعا عمر غرماءه فسلم إليهم أرضه أربع سنين بما لهم عليه (٢)، وبالحديث السالف "ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" وهي الحبس كما سلف. روى أبو بكر بن عياش عن أنس أنه ﵊ حبس في تهمة (٣).

стр. 8977

وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده أنه ﵇ حبس في تهمة (١). قال ابن الطلاع: وذكره في غير "المصنف" -أنه ﵇ حبس في تهمة ساعة من نهار، ثم خلى عنه (٢). وروى ابن حزم من حديث أبي مجلز أن غلامين من جهينة كان بينهما غلام فأعتقه أحدهما فحبسه رسول الله ﷺ حتى باع غنيمة له. وعن الحسن أن قومًا قتل بينهم قتيل، فبعث إليهم رسول الله ﷺ وحبسهم -قلت: والجواب عن ذلك: أما حديث جابر فالاستدلال أنه من العجائب؛ لأن الدين كان على أبيه لا عليه- وأما أثر عمر فرأى أن لا حجر عليه وحجر على الأسيفع، وحديث أنس رده ابن حزم بابن عياش (٣) قال: وهو ضعيف -قلت: لا بل ثقة- قال: وانفرد به أيضًا إبراهيم بن زكريا الواسطي ولا ندري من هو (٤). قلت: قد عُرف ووهاه ابن عدي والترمذي وابن حبان والحاكم (٥)، ولو أعله بانقطاع ما بينه وبين أنس كان أولى، فإن مولده سنة خمس

стр. 8978

وتسعين. قال ابن حزم: وحديث بهز ضعيف وما كان لرسول الله ﷺ سجن قط، قلت: وكذا حبس ثمامة في المسجد. قال: وروينا من طريق عبد بن سلام، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن علي بن حسين قال: قال علي: حبس الرجل في السجن بعدما يعرف بما عليه من الدين ظلم. وروي عن عبيد الله بن أبي جعفر في الفلس قال: لا يحبس ولكن يرسل يسعى في دينه، وهو قول الليث، وبه يقول داود وأصحابه (١)، قلت: الوهبي (٢) (الأربعة) اتهمه أحمد في ابن إسحاق، ومحمد بن علي ولد بعد أبوه. وذكر ابن بطال عن وكيع بن الجراح أن عليًّا كان يحبس في الدين. وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: كان شريح إذا لم يعط الرجل حق الرجل أمر به إلى السجن (٣). وذكر ابن الطلاع في "أحكامه" ثبت عن عمر أنه كان له سجن (٤) ولعثمان، وسجن علي بالكوفة. وبنى علي بعد نافع مخيسًا، وهما سجنان له وقال: بنيت بعد نافع مخيسًا … حصنًا حصينًا وأمينًا كيسًا (٥)

стр. 8979

وفي "النوادر": كان يحبس فيه المديونين (١)، وحديث هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده في أبي داود: أتيت رسول الله ﷺ بغريم لي، فقال لي: "الزمه"، ثم قال: "يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك … " الحديث (٢) لا يدل على نفي الحبس؛ لأن الملازمة مثله. خامسها: الأحاديث المذكورة في الفلس تدل على أن جميع ما عليه من الدين تدخل فيه المحاصة ما حلَّ منها وما لم يحل، وهو قول الجمهور، كما نقله عنهم القرطبي (٣)، وللشافعي قولان أظهرهما أن المؤجل لا يحل به (٤)؛ لأن الأجل حق مقصود له، فلا يفوت، ووجه الأول القياس على الموت والجديد فرق بأن ذمة الميت خربت بخلافه، والخلاف مبني على أن حجر الفلس حجر سفه فيحل أو مرض فلا، ومن فروع مذهبنا: لو جن وعليه دين فالمشهور أنه يحل. وصحح ابن يونس في "تنبيهه" المنع، وانتصر القرطبي لمذهبه وقاسه على الموت (٥)، وقد عرفت الفرق. ويحكى عن الحسن أنه قال: لا يحل الدين بالموت (٦)؛ وهو محجوج بالأدلة.

стр. 8980

سادسها: المؤجر كالبائع على الأصح عندنا، وهو قول المالكية (١)، وقد سلف حكم القرض. قال ابن التين: واختلف في المحال عليه إذا أفلس، فقال محمد: يكون المحال أحق بالسلعة. وذكر عن أصبغ أنه لا يكون أحق بها، وأما من وجد عين ماله من العواري والودائع واللقطات، فلا خلاف أنه أحق بها وجدها عند مفلس أو غيره. قال الخطابي: فتأويل الحديث على ذلك غير بين إذ الإجماع أغنى عنه، وما ذكره إذا قامت البينة على عينه، واختلف إذا لم تقم بينة على عينه، هل يقبل قوله (٢)؟ وقال ابن المنير: إدخال البخاري القرض والوديعة مع الدين إما لأن الحديث مطلق وإما لأنه وارد في البيع، والحكم في القرض والوديعة أولى، أما الوديعة فملك ربها لم تنتقل، وأما القرض فانتقال ملكه عنه معروف وهو أضعف من تمليك المعاوضة، فإذا بطل التفليس ملك المعاوضة القوي بشرطه فالضعيف أولى (٣). فرع: توقف مالك في إبقاء كسوة زوجته، وقال سحنون: لا يترك لها كسوة، وفي رواية ابن نافع عن مالك لا يترك إلا ما يواريه، وبه قال ابن كنانة (٤)، واختلف في بيع كتب العلم على قولين، وهذا ينبني على كراهة بيع كتب الفقه أو جوازه.

стр. 8981

فرع: للغرماء دفع ثمنها من مال المفلس، وفي دفعه من عندهم أجازه عبد الملك ومنعه ابن كنانة، وقال أشهب: ليس له أخذها بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يحطونها من المفلس من دينهم، ذكره ابن التين.

стр. 8982

١٥ - باب مَنْ أَخَّرَ الغَرِيمَ إِلَى الغَدِ أَوْ نَحْوِهِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَطْلًا (١) وَقَالَ جَابِرٌ: اشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فِي دَيْنِ أَبِي فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ الحَائِطَ وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، قَالَ: "سَأَغْدُو عَلَيْكَ غَدًا". فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَقَضَيْتُهُمْ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٥]

стр. 8983

١٦ - باب مَنْ بَاعَ مَالَ المُفْلِسِ أَوِ المُعْدِمِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ، أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ ٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ ". فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٥/ ٦٥] ذكر فيه حديث جابر في بيع المدبر، وقد سلف في باب: بيع المدبر (١)، ولا يفهم من الحديث معنى قوله في الترجمة: فقسمه بين الغرماء؛ لأن الذي باع عليه رسول الله ﷺ مدبره لم يكن له مال غيره، وذكره في الأحكام (٢)، ولم يذكر فيه أنه كان عليه دين، وإنما باع عليه مدبرًا لم يكن له مال غيره؛ لأن من سننه أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرًا فيتعرض لفتنة الفقر، ولذلك قال ﵇: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول" (٣) وعوله لنفسه أوكد من الصدقة. وأما قسمة مال المفلس بين الغرماء فهو أصل مجمع عليه إذا قام عليه غرماؤه، وحال الحاكم بينه وبين ماله ووقفه لهم، ولا يخرج هذا المعنى من حديث جابر أصلًا، قاله ابن بطال (٤).

стр. 8984

وقال ابن المنير: احتمل عند البخاري دفع الثمن إليه أن يكون باعه عليه؛ لأنه لم يكن يملك سواه فلما أجحف بنفسه تولى بيعه بنفسه لأجل تعلق حق التدبير، والحقوق إذا بطلت احتيج في فسخها إلى الحكم، فعلى هذا التأويل يكون دفع الثمن إليه حتى ينفقه على نفسه، واحتمل عنده أن يكون باعه عليه؛ لأنه مديان؛ ومال المديان يقسم بين الغرماء ويكون سلمه إليه ليقسمه بين غرمائه، ولهذا ترجم على التقديرين (١). قلت: الحديث صريح في الثاني، وقد قال ﵇ في رواية: "اقض دينك" (٢)، وبيعه هو مذهب الشافعي وأحمد، وعند مالك: يرده الدين الذي قبله (٣).

стр. 8985

١٧ - باب إِذَا أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَوْ أَجَّلَهُ فِي البَيْعِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي القَرْضِ إِلَى أَجَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ إِلَى أَجَلِهِ فِي القَرْضِ. ٢٤٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٦٦] وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سألَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. الشرح: تعليق ابن عمر أسنده ابن أبي شيبة عن وكيع ثنا حماد بن سلمة: سمعت شيخا يقال له: المغيرة قال لابن عمر: إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي، قال: لا بأس ما لم تشترط. قال وكيع: وحدثنا هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة، عن عطاء بن يعقوب قال: استسلف مني ابن عمر ألف درهم فقضاني دراهم أجود من دراهمي، وقال: ما كان فيها من فضل فهو نائل مني إليك

стр. 8986

أتقبله؟ قلت: نعم (١)، وأثر عطاء وعمرو (٢). قال ابن التين: قال به أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: له أن يأخذ بالقرض قبل حلول أجله. وعند ابن عمر: يعطي أفضل من دراهمه، وهو قولنا وقول مالك. وحديث الخشبة سلف غير مرة (٣)، وقد اختلف العلماء فيما إذا أقرض إلى أجل، فهل له المطالبة به قبله؟ فقال مالك وأصحابه: من أقرض رجلًا دنانير أو دراهم أو شيئًا مما يُكَال أو يوزن أو غير ذلك حالًّا ثم طاع له فأخره به إلى أجل، ثم أراد الانصراف عن ذلك وأخذه قبل الأجل لم يكن ذلك له؛ لأن هذا مما يتقرب به إلى الله وهو من باب الحِسْبَة (٤). وقال أبو حنيفة: سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل له أن يأخذه متى أحب، وكذلك العارية؛ لأنه من باب العدة والهبة غير مقبوضة، وهو قول الحارث العكلي وأصحابه وإبراهيم النخعي. قال ابن أبي شيبة: وبه نأخذ (٥). ولا يجوز عندهم تأخير القرض البتة، ويجوز تأخير المغصوب وقيم المتلفات. وقال الشافعي: إذا أخره بدين حال فله أن يرجع فيه متى شاء، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره، وكذلك العارية وغيرها؛ لأن ذلك عندهم من باب العدة والهبة غير المقبوضة وهبة ما لم يخلق، وهذا كله لازم عند مالك في

стр. 8987

تأجيل القرض، وفي عارية المنفعة للسكنى وغيرها (١)، ويحمل ذلك على العرف فيما يستعار الشيء لمثله من العمل والسكنى، وكل ذلك عنده من أعمال البر التي أوجبها على نفسه فيلزمه الوفاء بها. وحديث أبي هريرة يشهد لقول مالك؛ لأن القرض فيه إلى أجل مسمى ولا يجوز فيه تَعَدِّيهِ والاقتضاء قبله، ولو جاز ذلك لكان ضرب الأجل وتركه سواء، ولم يكن لضرب الأجل معنى وبطل معنى قوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] وإنما فائدتها معرفة الآجال، وأما إذا أجله في البيع فلا خلاف بين العلماء في جواز الآجال فيه؛ لأنه من باب المعاوضات ولا يأخذه قبل محله.

стр. 8988

١٨ - باب الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ ٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، فَقَالَ: "صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ، عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ". فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَاءَ ﷺ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَكَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَتَّى اسْتَوْفَى، وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٧] ٢٤٠٦ - وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، فَأَزْحَفَ الجَمَلُ، فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ، فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ: "بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ". فَلَمَّا دَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قَالَ ﷺ : "فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ ". قُلْتُ: ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: "ائْتِ أَهْلَكَ". فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِ الجَمَلِ فَلَامَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الجَمَلِ، وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الجَمَلِ وَالجَمَلَ وَسَهْمِي مَعَ القَوْمِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم:٧١٥ - فتح ٥/ ٦٧] ذكر حديث جابر في قضاء دين والده. وقد سلف (١)، وموضع الشاهد منه: (فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا). وقوله: ("عذق ابن زيد" (٢)): نوع من التمر وهو بفتح العين وبكسرها، حكاهما ابن التين عن النسخ، وهو بالفتح: النخلة،

стр. 8989

وبالكسر: الكباسة كما سلف. وبخط الدمياطي المعروف: عذق زيد. وقوله: ("واللين على حدة") اللين: جمع لينة وهي: النخلة، قاله ابن عباس (١)، والنخل كله ما خلا البرني (٢) و ("العجوة") يسميها أهل المدينة الألوان، وهي أجود التمر، وأصل لينة: لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ذكره ابن فارس (٣)، وقيل: اللين: الدقل. و (الناضح): الذي يسقى عليه النخل. (فأزحف) (٤) أي: أعيا وكَلَّ، يقال: أزحفه السير فزحف وهو أن يجر فرسنه من الإعياء. قال ابن التين: وصوابه: فزحف ثلاثي، قال: إلا أنه ضبط بضم الهمزة وكسر الحاء في أكثر النسخ وفي بعضها بفتحهما والأول أبين. وقوله: (وبقي التمر كما هو لم يمس منه شيء)، كذا هنا. وفي رواية أخرى: بقي منه بقية، وفي أخرى: بقي منه أوسق. قال ابن التين: وكله من رواة الحديث، وفي رواية أخرى: بقي منه سبعة عشر وسقًا (٥)، وفي رواية: كان الدين لواحد (٦)، وفي أخرى: شفع إليهم فأبوا (٧)، فدل أنهم جماعة. وقوله: (فوكزه) أي: ضربه بالعصا من خلفه ليسرع في مشيه، كذا هو بالواو.

стр. 8990

وذكره ابن التين بالراء (١) بدل الواو، وقال: يقال: ركزت الرمح ركزًا أي: ضربه بالرمح من خلفه، ثم قال: ورواه الخطابي بالواو فوكزه وهو: الضرب بالعصا ويكون بجمع الكف، كقوله تعالى: ﴿فَوكًزَهُ مُوسَى﴾ (٢) [القصص: ١٥] وقال غيره: (الوكز): الدفع، وكذا عند أبي ذر. قال الخطابي: وفيه: الشفاعة في وضع الشطر، والذي في الحديث بعضًا من دينه (٣).

стр. 8991

١٩ - باب مَا يُنْهَى (من) (١) إِضَاعَةِ المَالِ وَقَوْلِ اللهِ : ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. وَقَالَ تَعَالى: ﴿أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥] وَالحَجْرِ فِي ذَلِكَ، وَمَا يُنْهَى (عَنِ) (٢) الخِدَاعِ. ٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي البُيُوعِ. فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. [انظر: ٢١١٧ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح ٥/ ٦٨] ٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ -مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ". [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ - فتح ٥/ ٦٨] ثم ساق حديث ابن عمر: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي البُيُوعِ. فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. وحديث المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ".

стр. 8992

الشرح: الآية الأولى وقع في بعض النسخ، و"شرح ابن بطال" (١): (إن الله لَا يُحِبُّ الفَسَادَ) و ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾. وفي كتاب ابن التين: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] والتلاوة ما قدمناه وأصلحته. قال مقاتل: نزلت الآية الأولى في الأخنس بن شَرِيق وكان يأتي النبي ﷺ فيخبره أنه يحبه ويحلف له على ذلك، فكان النبي ﷺ يعجبه ذلك في المجلس وفي قلبه غير ذلك، فأخبر الله نبيه بأنه إذا توارى عنَك -وكان رجلًا جريئًا على القتل- يسعى في الأرض بالمعاصي ليفسد فيها، يعني: في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قال: يعني: الجهال بموضع الحق في الأموال، يعني: لا تعطوا نساءكم ولا أولادكم أموالكم فإنهم سفهاء، وهو فيهم أكثر، وأصله: الخفة، يقال: ثوب سفيه إذا كان خفيفًا فإذا أعطيتموهم فوق حاجتهم أفسدوه. جعل الله شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذِه الآية محكمة غير منسوخة كما سيأتي. وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. قال زيد بن أسلم: كان ما نهي عنه حذف الدراهم أي: كسرها (٢). وحديث ابن عمر سلف، مع الخلف في بيان الرجل (٣) وبوب عليه

стр. 8993

باب: الحجر (١)، وليس فيه ذلك، بل فيه أنه مطلق لقوله: "إذا بايعت فقل: لا خلابة". وحديث المغيرة سلف في الزكاة في باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] القطعة الثانية منه (٢). واختلف العلماء في إضاعة المال، فقال سعيد بن جبير: إضاعة المال أن يرزقك الله رزقًا فتنفقه فيما حرم الله عليك (٣)، وكذلك قال مالك (٤)، وقيل: إضاعته السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه ﵇ ردَّ تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل له ويؤجر فيه، لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه أوكد عليه من أجره في غيره. واختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فقال جمهور العلماء: يجب الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو كبيرًا؛ روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقالت طائفة: لا يحجر على الحر البالغ، هذا قول النخعي وابن سيرين وبه قال أبو حنيفة وزفر. قال أبو حنيفة: فإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ماله جاز ذلك كله، واحتج بحديث الذي يخدع في البيوع فقال له ﵇: "إذا بايعت فقل: لا خلابة".

стр. 8994

قال: ففي هذا الحديث وقوف النبي ﷺ على أنه كان يغبن في البيوع، فلم يمنعه من التصرف ولا حَجَرَ عليه (١). وحجة الجماعة الآية التي ذكرها البخاري وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] فنهى عن دفع الأموال إلى السفهاء، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فجعل شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذِه الآية محكمة غير منسوخة، ومن كان مبذرًا لماله فهو غير رشيد. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ [الشعراء: ١٢٨] فخبر أن أنبياء منعوا قومهم من إضاعة الأموال والعبث، والأنبياء لا تأمر إلا بأمر الله. واحتجوا بحديث المغيرة: "إن الله كره لكم قيل وقال وإضاعة المال" (٢) وما كره الله لنا فمحرم علينا فعله، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. فالمبذر لماله داخل في النهي ممنوع منه. واحتج الطحاوي على أبي حنيفة، فقال: لما قال له ﵇: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" أي: لا شيء عليَّ من خلابتك إياي، جعل بيوعه معتبرة، فإن كان فيها خلابة لم يجز وليس في هذا الحديث دفع الحجر إنما فيه اعتبار عقود المحجور عليه (٣).

стр. 8995

قال غيره: ويحتمل أن يكون الرجل يغبن بما لا تنفك التجارة منه، فجعل له رسول الله ﷺ الخيار ثلاثًا ليستدرك الغبن في مدة الخيار ولو أوجبت الضرورة الحجر عليه لفعل. ألا ترى أنه قد شعر لما يمكر به فسأله رسول الله ﷺ وليس من شكى مثل هذا مضيعًا لماله وإنما هو حريص على ضبطه والنظر فيه، فخصه ﵇ أن جعل له إذا بايع أن يقول: لا خلابة أي: لا تخدعوني فإن خديعتي لا تحل. قال الطحاوي: ولم أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال: لا حجر كما قال أبو حنيفة إلا عن النخعي وابن سيرين (١). وأما عقوق الأمهات اقتصاره عليه لا أن عقوق الآباء غير محرم ولكنه دلَّ بأحدهما عن الآخر. واختلف العلماء في تقديم حق الأبوين فوقف مالك في ذلك، وذُكر عنه أن رجلًا قال له: أبي في بلاد السودان وكتب إليَّ أبي: أن اقْدم؛ وأمي تمنعني، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك. وذكر أن الليث أمره بطاعة الأم؛ لأن لها ثلثي البر (٢). وقال الخطابي: برُّها مقدم في باب النهي وبر الأب مقدم في الطاعة وحسن البياعة لرأيه والنفوذ لأمره (٣)، وأصل العقوق القطع من قولهم: عقَّ الشيء: قطعه فكأن العاق لأمه قطع ما بينه وبينها من أصل الرحم. وقيل: أصل العق: الشق، يقال: شق ثوبه وعقه.

стр. 8996

وقوله: ("الأمهات"): جمع أمهة، والفرق بين أمهة وأم: أن أمهة إنما يقع غالبًا على من يعقل بخلاف أم. قال ابن فارس: وجدت بخط سلمة: أمات للبهائم وأمهات للناس (١)، وخص الأمهات بالذكر كما تقدم؛ لأن حقهن مقدم على حق الأب، كذا قاله ابن الجوزي، أو لضعف الأم وقوة الأب وشدته على الولد. وقوله: ("ووأد البنات") هو: مصدر وأدت الوليدة ابنتها: تئدها إذا دفنتها حية، وأْدًا: بإسكان الهمزة وضبط عند ابن فارس بفتحها (٢) وهو من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]. قال أبو عبيد: كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد. ويقولون: القبر صهر ونعم الصهر (٣)، وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة، وبعضهم يفعله تخفيفًا للمؤنة. قلت: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ومنهم من خاف السبي والاسترقاق، وسميت موءودة لثقل ما عليها من التراب. وقوله: ("ومنع وهات") أي: منع الواجب من الحقوق وأخذ ما لا يحل. وقيل: الأخذ مطلقًا. وقال ابن بطال: أي يمنع الناس خيره ورفده ويأخذ منهم رفدهم (٤). قال ابن التين: وضبط منع بغير ألف، وصوابه منعًا بالألف؛ لأنه مفعول حرم.

стр. 8997

وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ما معنى منع وهات، قال: أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي وتمد يدك فتأخذ من الناس، وقد أسلفنا الكلام على: "قيل وقال" إلى آخر الحديث. قال مالك في: "قيل وقال": هو الإكثار في الكلام والإرجاف نحو قول الناس: أعطى فلان كذا ومنع كذا، والخوض فيما لا يعني. وقال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول (١)، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا، وقرأ ابن مسعود: (ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقَّ) [مريم: ٣٤] يعني: قول الحق (٢). وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران (٣). وقيل: هما فعلان، وقال مالك في: "كثرة السؤال": لا أدري أهو ما أنهاكم عنه -فقد كره ﵇ المسائل وعابها- أم هو مسألة الناس أموالهم (٤).

стр. 8998

٢٠ - باب العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ -وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح ٥/ ٦٩] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" إلى أن قال: "وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". معنى كون العبد راع في مال سيده أنه يلزمه ما يلزم سائر الرعاة من حفظ ما استرعي عليه ولا يعمل في معظم الأمور إلا بإذن سيده وما كان من المعروف (المعتاد) (١) أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكِسْرة والقطعة فلا يحتاج فيه إلى إذن سيده، وقد سلف أن الخازن أحد المتصدقين، ولم يشترط إذن السيد إلا في الكثير لقوله: "يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا إلى الذي أمر له" (٢) فهذا يدل على العطاء الجزل؛ لأن اشتراط الكمال فيه دليل على الكثرة.

стр. 8999

٤٤ كتاب الخصومات

стр. 9000

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤ - كتاب الخصومات ١ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الإِشْخَاصِ وَالخُصُومَةِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَاليَهُودِ (١) ٢٤١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ: أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ". قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ قَالَ: "لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". [٢٤٧٦، ٥٠٦٢ - فتح ٥/ ٧٠] ٢٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ. فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ. فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ
следующие страницы →