وقوله: ("الأمهات"): جمع أمهة، والفرق بين أمهة وأم: أن أمهة إنما يقع غالبًا على من يعقل بخلاف أم.
قال ابن فارس: وجدت بخط سلمة: أمات للبهائم وأمهات للناس (١)، وخص الأمهات بالذكر كما تقدم؛ لأن حقهن مقدم على حق الأب، كذا قاله ابن الجوزي، أو لضعف الأم وقوة الأب وشدته
على الولد.
وقوله: ("ووأد البنات") هو: مصدر وأدت الوليدة ابنتها: تئدها إذا دفنتها حية، وأْدًا: بإسكان الهمزة وضبط عند ابن فارس بفتحها (٢) وهو من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]. قال أبو عبيد: كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد. ويقولون: القبر صهر ونعم الصهر (٣)، وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة، وبعضهم يفعله تخفيفًا للمؤنة. قلت: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ومنهم من خاف السبي والاسترقاق، وسميت موءودة لثقل ما عليها من التراب.
وقوله: ("ومنع وهات") أي: منع الواجب من الحقوق وأخذ ما لا يحل. وقيل: الأخذ مطلقًا.
وقال ابن بطال: أي يمنع الناس خيره ورفده ويأخذ منهم رفدهم (٤).
قال ابن التين: وضبط منع بغير ألف، وصوابه منعًا بالألف؛ لأنه مفعول حرم.
стр. 8997
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ما معنى منع وهات، قال: أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي وتمد يدك فتأخذ من الناس، وقد أسلفنا الكلام على: "قيل وقال" إلى آخر الحديث.
قال مالك في: "قيل وقال": هو الإكثار في الكلام والإرجاف نحو قول الناس: أعطى فلان كذا ومنع كذا، والخوض فيما لا يعني.
وقال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول (١)، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا، وقرأ ابن مسعود: (ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقَّ) [مريم: ٣٤] يعني: قول الحق (٢).
وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران (٣). وقيل: هما فعلان، وقال مالك في: "كثرة السؤال": لا أدري أهو ما أنهاكم عنه -فقد كره ﵇ المسائل وعابها- أم هو مسألة الناس أموالهم (٤).
стр. 8998
٢٠ - باب العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ -وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح ٥/ ٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" إلى أن قال: "وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
معنى كون العبد راع في مال سيده أنه يلزمه ما يلزم سائر الرعاة من حفظ ما استرعي عليه ولا يعمل في معظم الأمور إلا بإذن سيده وما كان من المعروف (المعتاد) (١) أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكِسْرة والقطعة فلا يحتاج فيه إلى إذن سيده، وقد سلف أن الخازن أحد المتصدقين، ولم يشترط إذن السيد إلا في الكثير لقوله: "يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا إلى الذي أمر له" (٢) فهذا يدل على العطاء الجزل؛ لأن اشتراط الكمال فيه دليل على الكثرة.
الشرح:
اختلف العلماء في إشخاص المدَّعَى عليه، فقال ابن القاسم -في معنى قول مالك- إن كان المدَّعَى عليه غائبًا إلى مثل ما يسافر الناس فيه ويقدمون، كتب إلى والي الموضع في أخذ المدعى عليه بالاستحلاف أو القدوم للخصومة، وإن كان غيبة بعيدة فيسمع من بينة المدعي ويقضى له. وقياس قول الشافعي -كما قال ابن بطال- أنه يجلب بدعوى المدعي. وقال الليث: لا يجلب المدعى عليه حتى تشهد بينة على الحق. قال الطحاوي: وليس عند أصحابنا المتقدمين فيه شيء، والقياس أنه لا يجلب ببينة ولا غيرها. قال غيره: إنما يريد أن يكتب إلى حاكم الجهة (١).
وفي الحديث الأخير: الإشخاص إذا قويت شبهة الدعوى والتوفيق والملازمة في الجواب عن الدعوى؛ لأن الجارية ادعت بإشارة، فأشخص اليهودي ووقف وألزم الجواب وشدد عليه فيه، واستدل على كذبه حتى أقر واعترف وإن كان الخصم في موضع يخاف فواته منه، فلا بأس بإشخاصه وملازمته وإن كان في موضع لا يخاف فواته فليس له إشخاصه إلا برفع من السلطان إلا أن يكون في شيء من أمور الدين، فإن من الإنكار على أهل الباطل أن يشخصوا ويرفعوا كما فعل ابن مسعود بالرجل، وكما فعل عمر بهشام بن حكيم حين تأول عليه أنه مخطئ.
وأما الملازمة فأوجبها من لم ير السجن على مدعي العدم حتى يثبت عدمه، وهم الكوفيون (٢)، وأما مالك وأصحابه فيرون أنه يسجن حتى
стр. 9004
يثبت العدم. وفرق الكوفيون بين الذي يكون أصله من معاوضة فيجب سجن من ادعى العدم، فإنه قد حصل بيده العوض ويدعي العدم، وأما إن كانت معاملة بغير معاوضة كالهبة وشبهها فلا يسجن؛ لأن أصل الناس عندهم على الفقر حتى يثبت الغنى. وإذا وجدت المعاوضة، فقد صح عنده ما ينفي الفقر.
والأصح عندنا أنه إن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البينة، وإلا كالصداق فيصدق يمينه؛ لأن الأصل العدم، ولم يفرق مالك بين شيء من ذلك وهم عنده على الغنى حتى يثبت العدم؛ فلذلك يلزمه السجن (١).
تنبيهات:
أحدها: في حديث أبي هريرة أنه لا قصاص بين المسلم والذمي؛ لأنه ﵇ لم يقد اليهودي من المسلم في اللطمة، وقد ترجم في الديات باب: إذا لطم المسلم يهوديًّا عند الغضب (٢).
وفي "جامع سفيان" عن عمرو بن دينار: أن اللاطم هو الصديق يعني: الأول؛ لأن الثاني من الأنصار.
وفي تفسير ابن إسحاق أن اليهودي اسمه فنحاص، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وفيه: تأدبه مع موسى عليهما الصلاة والسلام.
وإقراره لموسى بما خصه الله تعالى من الفضيلة به، فإن قلت: حديث الباب: "لا تخيروني على موسى ولا تخيروا بين الأنبياء"، وكذا
стр. 9005
حديث: "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (١)، يعارض حديث: "أنا أول من تنشق عنه الأرض"، وحديث: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢) قلت: لا، فعنه خمسة أجوبة:
أحدها: أنه نهى قبل أن يعلم أنه أفضلهم، فلما علم قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر".
ثانيها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما في الحديث مِنْ لطم المسلم اليهودي.
ثالثها: قاله تواضعًا ونفي الكبر والعجب كما قال الصديق: وليتكم ولست بخيركم (٣).
رابعها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإنه كفر.
خامسها: أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوة لا في ذوات الأنبياء، وعموم رسالتهم وزيادة خصائصهم، وقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقال ابن التين: معنى: "لا تخيروا بين الأنبياء" معناه: من غير علم وإلا فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآية.
стр. 9006
وأغرب ابن قتيبة فأجاب: بأنه أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذٍ وله لواء الحمد والحوض (١).
فإن قلت: كيف خص يونس؟ قلت: لأنه دون غيره من الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى، فهذا كنت لا أحب أن أفضل على يونس فكيف بمن فوقه، وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أراد به يونس أنه لم يكن له صبر غيره من الأنبياء، وفي هذِه الآية ما يدل على أنه أفضل منه حيث قال: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. ذكره ابن بطال، قال: ويجوز أن يريد: لا تفضلوني عليه في العمل، فلعله أفضل عملًا مني ولا في البلوى والامتحان، فإنه أعظم محنة مني، وليس ما أعطى الله نبينا محمدًا من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له، وكذا أمته أسهل الأمم محنة، بعثه الله إليها بالحنيفية السمحة، ووضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل في فرائضهم، وهي مع هذا خير أمة أخرجت للناس تفضلًا منه، ثم قال: هذا تأويل ابن قتيبة، واختاره المهلب.
وقوله: ("أو حوسب بصعقة الطور") فيه: دليل على أن المحن في الدنيا والهموم والآلام يرجى أن يخفف الله بها يوم القيامة كثيرًا عن أهلها، وأما كفارة الذنوب بها فمنصوص عليه بقوله: "حتى الشوكة
يشاكها" (٢).
стр. 9007
وفيه: رد قول سعيد بن جبير الذي ذكره البخاري في تفسير القرآن أن الكرسي العلم (١)؛ لأن العلم ليس له جانب ولا قائمة يقع اليد عليها؛ لأن اليد لا تقع إلا على ما له جسم والعلم ليس بجسم (٢). وسيأتي زيادة إيضاح له في الديات إن شاء الله تعالى.
ثانيها: قال الداودي في حديث عبد الله: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٣)، وفي حديث آخر: "نزل على سبعة" وليس بالبين بل هما سواء لقوله: "كلاكما محسن".
وقوله: "لا تختلفوا" أي: في القرآن، والاختلاف فيه كفر إذا نفي إنزاله إذا كان يقرأ على خلاف ذلك، ولا تمييز بين القراءتين؛ لأنهما كلاهما كلامه قديم غير مخلوق، وإنما التفضيل في الثواب.
قال: وقوله: (استب رجلان) ليس بمحفوظ والمحفوظ حديث أبي سعيد إلا قوله: "أكان ممن صعق … " إلى آخره. ومعنى (يصعقون): يخرون صراعًا بصوت يسمعونه يوجب فيهم ذلك. و (الصعق): الغشيان أو الموت، وقيل: الإغماء من الفزع.
وقوله: ("فإذا موسى باطش جانب العرش") أي: قابض عليه بيده.
وقوله: ("أو كان ممن استثنى") يريد قوله: إلا من شاء الله، أي: لا يصعق.
وقال الداودي: معنى ("أو كان ممن استثنى الله")، أي: كان لي
стр. 9008
ثانيًا (١) في الإفاقة، وحمل بعض الناس أن الصعقة في الموقف، ومن استثنى هم الشهداء وهو بعيد أن يصعق الرسل في الموقف، والله تعالى أمنهم فيه حيث قال: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ويستحيل أن يصعق الأنبياء ولا يصعق الشهداء.
وقال عبد الملك في قوله: "أو كان ممن استثنى الله" إشكال ولا يدرى ممن قال الله أم لا؛ لأن هذا هو الصعق الأول وهو الذي استثنى الله فيه، وأما صعق البعث فلا استثناء فيه والنبي ﷺ أخبر أنه صعق البعث.
وقوله: صعق البعث غير بين؛ لأن النفخة الثانية لا تسمى صعقة وإنما تسمى صعقة الأولى.
стр. 9009
وقوله: ("فلا أدري كان فيمن صعق أو حوسب بصعقته الأولى")، أنكره الداودي كما سلف، واستدل بهذا الحديث. قال: فأخبر فيه أن الصعقة قبل انشقاق الأرض عنه وهي النفخة الأولى في الصور، فيصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله وهو جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، وزاد كعب: حملة العرش (١).
ورواه أنس مرفوعًا: "ثم يموت الثلاثة الأول، ثم ملك الموت بعدهم وملك الموت يقبضهم، ثم يميته الله" (٢) فكيف يصعق موسى بتلك الصعقة وقد مات قبل ذلك؟ قال: واعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض وأنه لم يعلم حين أفاق هل أفاق قبل موسى أو كان له ثانيًا؟ قال: وإن كان المحفوظ أم جوزي بصعقة طور سيناء يريد فلم يصعق، وعوفي لأجلها.
وروى أنس مرفوعًا: "آخرهم موتًا جبريل" وقال سعيد بن جبير: إلا من شاء الله، الشهداء مقلدين بالسيوف (٣) حول العرش، والصعق والصعقة: الهلاك والموت، يقال منه: صعق الإنسان -بفتح الصاد وضمها- وأنكر بعضهم الضم.
وقال ابن عباس فيما حكاه ابن جرير: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: ترابًا، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
стр. 9010
مغشيًّا عليه. وفي رواية: "فلم يزل صعقًا ما شاء الله" (١). وهو في حديث أبي سعيد بالموت أشبه كما قال ابن الجوزي، ويؤيده قول قتادة وابن جريج فيما حكاه ابن جرير: صعقًا: ميتًا (٢). وقال الأزهري: في قوله: ﴿فَلَمَّآ أفَاقَ﴾ دليل على الغشي؛ لأنه يقال للذي غشي عليه والذي يذهب عقله: قد أفاق، وفي الميت: بعث ونشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٥٦]. وكذا قاله ابن سيده (٤) وغيره. قال القزاز: ولا يقال: صعق، ولا: وهو مصعوق.
وقوله: ("فأكون أول من يفيق")، وفي لفظ: "أول من تنشق عنه الأرض" هو مشكل، كما قال القرطبي بالمعلوم من الأحاديث الدالة على أن موسى قد توفي وأنه ﵇ رآه في قبره.
ووجه الإشكال أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذِه الدار، وأما من مات فيستحيل أن يموت ثانيًا، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة الصعق؛ لأن الأنبياء أحياء لم يموتوا ولا يموتون، ولا يصح استثناءهم من الموتى، وقد قال بعضهم: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء وهو باطل (٥).
ويحتمل كما قال القاضي: أن يكون المراد بهذِه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرض (٦)، ويحتمل كما قال النووي:
стр. 9011
أنه ﵇ قال هذا قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وإن كان نبينا أول من تنشق عنه الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة وهي -والله أعلم- زمرة الأنبياء (١).
فإن قلت: إذا جعلت له تلك عوضًا من الصعقة فيكون حيًّا حالة الصعق وحينئذ لم يصعق.
فالجواب: أن الموت ليس بعدم، إنما هو انتقال من دار إلى دار، بيانه أن الشهداء بعد قتلهم ودفنهم أحياء عند ربهم، وإذا كان هذا للشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق وأولى مع أنه قد صحَّ عنه ﵇ أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه اجتمع بهم ليلة الإسراء ببيت المقدس والسماء خصوصًا موسى (٢)، فتحصل من جملة هذا القطع، بأنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم موجودون أحياءً ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته، فإذا تقرر أنهم أحياء فيما بين السموات والأرض، وإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي، فإذا نفخ ثانيًا، فمن مات حَيي ومن غشي عليه أفاق، ويحصل من هذا أن نبينا تحقق أنه أول من يُفِيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى، فإنه حصل له فيه تردد، هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها؟ وعلى أي الحالتين فهي فضيلة عظيمة لموسى ليست لغيره.
стр. 9012
قلت: وقد يقال: إن نبينا لما يرفع بصره حين الإفاقة يكون إلى جهة من جهات العرش، ثم يرفع ثانيًا إلى جهة أخرى منه فيجد موسى وبه يلتئم: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" وإن قدر الله الوصول إلى كتاب: الحشر نزيد ذلك إيضاحًا مع أن هذا كاف.
فائدة:
روينا من طريق علي بن معبد في كتاب "الطاعة" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الصور وأعطاه إسرافيل" قلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: "عظيم والذي نفسي بيده إن عظم داره كعرض السماء والأرض، فينفغ فيه ثلاث نفخات أول نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام، يقول له في الأولى: انفخ نفخة الفزع ويأمره فيمدها يطولها". وذكر الحديث بطوله.
وأخرجه الطبري لكن فيه رجل وهو مجهول (١) ثم قال: وهذا القول
стр. 9013
الذي روي عن النبي ﷺ في ذلك، أعني: المستثنى في الفزع الشهداء
وفي الصعق جبريل وملك الموت وحملة العرش أولى بالصيحة.
ثالثها: روى ابن حبان في "صحيحه" عن عبد الله: أقرأني رسول الله ﷺ سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلست إلى رهط، فقلت لرجل: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ أحرفًا لا أقرأ بها … الحديث (١).
وفي "مبهمات الخطيب الحافظ": أقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين (إلى) (٢) ﴿حم (١)﴾ يعني: الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا (تكن) (٣) ثلاثين آية سميت ثلاثين فخرجت إلى المسجد، فإذا رجل يقرأ على غير ما أقرأ، فأتينا رسول الله ﷺ وعنده رجل، فقال الرجل الذي عنده: ليقرأ كل منكما ما سمع .. الحديث. قال الخطيب: القائل: ليقرأ كل رجل منكما، هو علي (٤).
وفي حديث أبي بن كعب في "صحيح ابن حبان": قرأ رجل آية وقرأتها على غير قراءته، فقلت: من أقرأك هذِه؟ قال: رسول الله. فانطلقت، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم"، فقال الرجل: أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم، إن جبريل وميكائيل أتياني فجلس جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقلت:
زدني، فقال: اقرأه على حرفين. فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف وقال: كل كاف شاف" (٥).
стр. 9014
وفي لفظ: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (١).
وللترمذي: "يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٢).
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف: حليمًا عليمًا غفورًا رحيمًا".
ثم قال: قال أبو حاتم: آخر الحديث عند قوله: "حليمًا عليمًا" والباقي قول: محمد بن عمرو، أدرجه في الخبر والخبر إلى سبعة أحرف فقط (٣).
ولأحمد من حديث زِرِّ عن حذيفة مرفوعًا: "لقيت جبريل عند أحجار (المراء) (٤) فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٥).
وفي لفظ من حديث ربعي عنه: "فمن قرأ من أمتك على حرف واحد، فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه" (٦).
стр. 9015
وفي لفظ: "إن من أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرف، فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه" (١).
وله من حديث أم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: "نزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزأك" (٢). ومن حديث الحسن بن سمرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف" (٣).
ومن حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة مرفوعًا: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" (٤). ورواه أبو عبيد في "القراءات" تأليفه أيضًا، وعند البخاري في: فضائل القرآن حديث عمر وابن عباس ستعرفهما (٥).
رابعها: حديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٦).
стр. 9016
وفي لفظ: "فلم يزل به حتى أقر" (١)، قال الترمذي: والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا قود إلا بالسيف (٢).
خامسها: قام الإجماع على أن القتل صنفان: عمد وخطأ، واختلفوا هل بينهما وسط أم لا؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، قالوا: وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل وإلى الأحوال التي كانت من أجلها الضرب، فقال أبو حنيفة: كل ما عدا الحديد من القصب أو النار أو ما يشبه ذلك فهو شبه العمد. وقال صاحباه: شبه العمد ما لا يقتل مثله (٣) وقال الشافعي: هو ما كان عمدًا في الضرب خطأ في القتل أو ما كان ضربًا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل.
والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعًا، والعمد ما كان عمدًا فيهما جميعًا، وعمدة من نفي شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد، أعني: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده، وعمدة من أثبته أن النيات لا يطلع عليها إلا الله وإنما الحكم لما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبًا كان حكمه حكم العامد.
سادسها: قال الطحاوي: يحتمل أن النبي ﷺ رأى أن اليهودي يجب قتله لله بذلك، فإن كان دم اليهودي قد وجب لله كما يجب دم قاطع الطريق لله، فكان له أن يقتله كيف يرى بسيفٍ أو بغيره، والمثلة
стр. 9017
حينئذٍ مباحة كما فعل الشارع بالعرنيين (١)، ثم نسخت بعد ذلك المثلة ونهي عنها، أو يحتمل أن يكون رأى ما فعل باليهودي واجبًا لأولياء الجارية، فقتله لهم فاحتمل أن يكون قتله كما فعل؛ لأن ذلك هو الذي وجب عليه؛ لأنه وجب عليه سفك الدم بأي طريق شاءه الولي، فاختاروا الرضخ، ففعل ذلك به. وقد روي عنه ﷺ أنه قتل ذلك اليهودي بخلاف ما قتل به الجارية (٢)، ففي مسلم من حديث أنس أنه أمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات (٣). والرجم قد يصيب الرأس وغيره.
سابعها: اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب الشافعي ومالك والليث إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من يحضره جازت وصيته. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إذا سُئل المريض عن شيء فأومأ برأسه أو بيده، فليس بشيء حتى يتكلم. قال أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه ولم يدم به ذلك فلا تجوز إشارته (٤).
قلت: الحديث حجة عليه لا جرم. قال الطحاوي: جعل الشارع إشارتها بمنزلة دعواها بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة من الزمان، فدل على أن من اعتقل لسانه بمنزلة الأخرس في جواز إقراره
стр. 9018
بالإيماء والإشارة (١).
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ صلى قاعدًا وأشار إليهم فقعدوا، واحتج الشافعي بأن أمامة بنت أبي العاصى أصمتت، فقيل لها: لفلان كذا فأشارت أي: نعم فنفذت وصيتها.
قال المهلب: أصل الإشارة في كتاب الله ﴿فَأَشَارَت إِليهِ﴾ يعني: سلوه، وقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]
وقال الإسماعيلي: من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام، لكن يقع موقع الدلالة على ما يراد لا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره، ولو كان كذلك لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء، وهذِه القضية أشارت إشارة وهي تعقل إشارة لم نفض البحث عن صحتها، فلما بحث عنها اعترف. كأنه ردَّ بهذا تبويب البخاري في باب: إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جاز، من كتاب: الوصايا وستعلمه فيه (٢) وفي: الديات (٣) إن شاء الله تعالى.
ثامنها: معنى رضَّ: دق (٤). وقوله: (فأومأت) كذا في الأصول مصلحًا. وذكره ابن التين: فأومت وقال: صوابه فأومأت.
وفيه: القود بالمثقل خلافًا لأبي حنيفة وهو نص في موضع الخلاف (٥).
стр. 9019
وفيه: قتل الرجل بالمرأة، ولا ترداد بينهما عند مالك. وقال قوم: يرد أولياء المرأة نصف دية الرجل (١).
وفيه: (قتل المسلم بالكافر) (٢). واختلف عند المالكية إذا جرحه هل له الدية أو يقتص كالقتل أو يجتهد السلطان أقوال، وكذلك إذا قطع كافر طرف مسلم (٣).
٣ - باب ومَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ
وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ وَالقِيَامِ بِشَأْنِهِ، فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي البَيْعِ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مَالَهُ.
٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". فَكَانَ يَقُولُهُ. [انظر: ٢١١٧ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح ٥/ ٧٢]
٢٤١٥ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٥/ ٧٢]
ثم ساق حديث ابن عُمَرَ (١).
وحديث جابر في بيع المدبر، وفي آخره: فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ.
الشرح:
هذان الحديثان سلفا (٢).
والتعليق الأول: هو حديث جابر الذي أسنده بعد.
وهذا التعليق ذكر بغير صيغة جزم، وهو صحيح لا كما قاله
стр. 9022
ابن الصلاح (١) ومن تبعه، وكلام مالك هذا ذكره ابن وهب في "موطئه" إلى قوله: (لم يجز عتقه)، وما بعده من كلام البخاري، وليس في أكثر الأصول ذكر (باب) إثر ذلك.
وقوله: (ومن باع على الضعيف .. ) إلى آخره. المراد به حديث جابر المذكور.
وقوله: (ونهى عن إضاعة المال) قد سلف من حديث المغيرة قريبًا (٢)، وهذِه الترجمة وسياقه فيها حديث المدبر، وحديث الذي يخدع في البيوع من محاسن البخاري اللطيفة كما نبه عليه ابن المنير؛ لأن العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل ترد عقوده، فاختار البخاري ردها واستدل بحديث المدبر، وذكر قول مالك في رد عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله، ويلزم مالكًا رد أفعال سفيه الحال؛ لأن الحجر في السفيه والمديان مطرد، ثم فهم البخاري أنه يرد عليه حديث الذي يخدع في البيوع، فإنه ﷺ اطلع على أنه يخدع، وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة، فنبه على أن الذي ترد أفعاله هو الظاهر السفه البين الإضاعة كإضاعة صاحب المدبر.
والتفصيل بين الظاهر السفه والخفي السفه أحد أقوال مالك، وأن المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، ثم فهم البخاري أنه يرد عليه
стр. 9023
كون النبي ﷺ أعطى صاحب المدبر ثمنه، فلو كان مَنْعُهُ لأجل السفه لما سلم إليه الثمن، فنبه على أنه إنما أعطاه بعد أن علمه طريق الرشد وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه وما كان السفه حينئذٍ فسقًا، وإنما نشأ من الغفلة وعدم البصيرة بمواقع المصالح، فلما بينها له كفاه ذلك، ولو ظهر له بعد ذلك من حاله أنه لم يتنبه ولم يرشد لمنعه التصرف مطلقًا وحجر عليه حجرًا مطردًا (١)، والأقوال الثلاثة التي أشرنا إليها.
أحدها: قول مالك وأصحابه غير ابن القاسم: أن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يديه وهو قول الشافعي (٢).
ثانيها: لابن القاسم أن أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام.
ثالثها: لأصبغ إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه، فلا ترد عليه أفعاله حتى يحجر عليه الإمام.
واحتج سُحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعاله مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد، واحتج غيره بأن الشارع أجاز بيع الذي كان يخدع في البيوع، ولم يذكر في الحديث أنه فسخ ما تقدم من بيوعه.
وحجة ابن القاسم حديث جابر أنه ﵇ ردَّ عتق الذي أعتق عبده ولم
стр. 9024
يكن حجر عليه قبل ذلك، ولما تنوع حكم الشارع في السفيهين نظر بعض الفقهاء في ذلك فاستعمل الحديثين جميعًا، فقال: ما كان من السفه اليسير والخداع الذي لا يكاد يسلم منه مع تنبه المخدوع إليه والشكوى به، فإنه لا يوجب الضرب على اليد، ولا رد ما دفع له قبل ذلك من البيع، ولا انتزاع ماله كما لم يرد ﷺ بيع الذي قال له: "لا خلابة" ولا انتزاع ماله وما كان من البيع فاحشًا في السفه، فإنه يرد كما رد الشارع تدبير العبد المذكور؛ لأنه لم يكن أبقى لنفسه سيدُه مالًا يعيش به، فرد عتقه وصرف إليه ماله الذي فوته بالعتق؛ ليقوم به على نفسه ويؤدي منه دينه، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الإمام في ذلك وما يراه.
وقد سلف الكلام فيمن باع وغبن في حديث ابن عمر فراجعه.
وقوله: (فاشتراه نعيم بن النحام) صوابه: حذف (ابن)، وإنما هو: نعيم النحام، ووقع في "شرح ابن بطال" أيضًا: ابن النحام، وقد عرفت صوابه (١).
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ .. " الحديث.
وقد سلف في باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها (١) وهو هنا أتم.
وشيخ البخاري فيه حدثنا محمد وهو: ابن سلام، كما صرح به أبو نعيم وخلف.
ثانيها:
حديث كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، إلى آخره، وقد سلف في: أبواب المساجد (٢).
و (سجف الحجرة) بفتح السين وكسرها. ومعنى: (حتى كشف سجف حجرته): أرسله. وقال الذي رواية: أمر بهما رسول الله ﷺ . ولعله عند وقوفه عند كشف السجف.
وقوله هنا: (تقاضاه في المسجد)، وكذا سلف هناك، وقال في رواية أخرى: لقيه، فإما أن تكون إحداهما وهمًا أو لقيه، ثم سارا إلى المسجد، قاله ابن التين.
ثالثها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عن مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا،
стр. 9027
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُم لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بهِ النبي ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ سورة الفرقان عَلَى غَيْرِ مَا أًقْرَأتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: "أَرْسِلْهُ". ثُم قَالَ لَهُ: "اقْرَأْ". فَقَرَأَ، قَالَ: "هَكَذَا أنزِلَتْ". ثُم قَالَ لِي: "اقْرَأْ". فَقَرَأْتُ فَقَالَ: "هَكَذَا أنزِلَتْ، إِنَّ القُرْانَ أنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ". وتقدم عليه أنه لا يجوز من كلام الخصوم بعضهم لبعض إلا ما يجوز من كلام غيرهم مما لا يوجب أدبًا ولا حدًا.
ورواه في: فضائل القرآن من حديث عقيل عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر به (١).
قال الدارقطني: رواه عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور، عن عمر. ورواه مالك بإسقاط المسور، وكلها صحاح عن الزهري، ورواه يحيى بن بكير، عن مالك، فقال: عن هشام وهم، والصحيح ابن شهاب (٢).
ومعنى الترجمة من حديث ابن مسعود قول الأشعث: إذًا والله يحلف فيذهب بحقي، فمثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه، كما عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث، وقلة مراقبته لله. فحينئذٍ يسمح الحكم للقائل لخصمه ذلك، وأما إن قال ذلك في رجل صالح أو من لا يعرف له فسق؛ فيجب أن ينكر عليه ويؤخذ له بالحق، ولا يبيح له النيل من عرضه.
وحديث عمر مع هشام في تولي الخصوم بعضهم بعضًا سديد في
стр. 9028
هذا الباب؛ لأن فيه امتدادًا باليد فهو أقوى من القول، وإنما جاز له ذلك. والله أعلم؛ لأنه أنكر عليه في أمر الدين.
وفي حديث كعب جواز ارتفاع الأصوات بين الخصوم؛ لما في خلائق الناس من ذلك، ولو قصر الناس عن أخلاقهم لكان ذلك من المشقة عليهم بل يسمح لهم فيما جبلهم الله عليه؛ لأن الشارع سمعهما ولم ينههما عن رفع أصواتهما.
وفيه: أن الحكم إذا سمع قول الخصوم واستعجم عليه أمرهما أشار عليهما بالصلح وأمرهما به، وإذا رأى مديانًا غير مستطيع بدينه ولا مَلِيء به وثبتت عسرته أنه لا بأس للحكم أن يأمر صاحب الدين بالوضيعة؛ لقطع الخصام لما في تماديه من قطع ذات البين وفساد النيات. قال ابن التين: واختلف الناس في حديث عمر مع هشام قديمًا وحديثًا، ولم يعين أحد الخلاف الذي وقع بينهما.
واختلف في معنى الحرف على عشرة أقوال:
فقال الخليل: هو هنا القراءة، وقال أبو عبيد وأبو العباس أحمد بن
يحيى هي سبع لغات من لغات العرب قريش ونزار (١) وغير ذلك.
وقيل: كلها لمضر لا لغيرها وهي مفترقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة (٢).
وقيل: تصح في الكلمة الواحدة، ومنهم من جعلها في صورة التلاوة كالإدغام وغيره مما يأتي.
стр. 9029
وقيل: سبعة أنحاء: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. وقيل: أحكام وأمثال وقصص إلى غير ذلك، وفيه نظر؛ لأن الشارع أجاز القراءة بكل حرف منها وإبدال حرف بحرف آخر منها، وتقرر الإجماع على أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥].
وقيل: الحرف هنا الإعراب؛ لأنه يقع في آخر الكلمة. وذكر عن مالك أن المراد به إبدال خواتم الآي فيجعل مكان (غفور رحيم) (سميع بصير) ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه.
وقيل: الحروف: الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة؛ فيقرأ على سبعة أوجه نحو: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (١) [المائدة: ٦٠] و ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (٢) [يوسف: ١٢] قرئا على سبعة أوجه.
وقال أكثر العلماء (٣): أي: سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة
стр. 9030
نحو: أقبل وتعال وهلم. وعن مالك: إجازة القراءة بما ذكر عن عمر: (فامضوا إلى ذكر الله) (١) قيل: أراد أنه لا بأس بقراءته على المنبر كما فعل عمر ليبين ﴿فَاسْعَوْا﴾ أن لا يراد به الجري. وقيل: المراد بها: الإمالة والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار (٢)
وعاشرها لبعض المتأخرين قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءات فوجدتها سبعة منها يتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و (أطهرَ) (٣) ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و (بعد) (٤) ومنها ما يتغير بالحروف واختلافها بالإعراب ولا تتغير صورته نحو: ﴿نُنشِزُهَا﴾ (٥)
стр. 9031
[البقرة: ٢٥٩] و (نَنْشُزُهَا) ومنها ما يتغير صورته دون معناه ﴿كَالعِهْنِ المَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
وقرأ سعيد بن جبير: (كالصوف) ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] قرأ عليُّ: (وطلع) (١)، ومنها التقديم ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] قرأ أبو بكر وطلحة: (وجاءت سكرت الحق بالموت) (٢). ومنها: الزيادة والنقصان: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] (أنثى) في قراءة ابن مسعود.
واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه الطبري (٣) وغيره وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم وهو حرف زيد، ونحا إليه القاضي أبو بكر.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله من القراءات بالأحرف التي أنزلها، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه، بل هي موجودة في قراءتنا اليوم وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيخلط حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عباده ورفقًا (٤).
стр. 9032
فائدة:
معنى (لببته بردائه) جمعت عليه ثوبه الذي (لابسه) (١) وقبض عليه نحره.
وقوله: ("أرسله") أي: أزل يدك من لبته.
وفيه: انقياد هشام لعلمه أن عمر لم يرد إلا خيرًا.
وفيه: ما كان عمر عليه من الصلابة، وكان هشام من أصلب الناس بعده، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم (٢).
وقوله: ("فاقرؤوا منه ما تيسر") (٣) أي: تيسر لكم حفظه.
стр. 9033
٥ - باب إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخُصُومِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ.
٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ". [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح ٥/ ٧٤]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمِ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ".
وقد سلف هذا في باب: فضل العشاء (١)، والأثر أخرجه ابن سعد في "طبقاته" من طريق سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه أخته، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: اخرج إلى ابنة أبي قحافة، يعني: أم فروة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن ذلك (٢).
قلت: وهو منقطع فيما بين سعيد وعمر (٣)(٤) فينظر في جزم البخاري
стр. 9034
به، وفيه: أن من ترك سنة من سنن رسول الله ﷺ المجتمع عليها في الإقامة أنه يعاقب في نفسه وماله؛ لأن حرق المنازل عقوبة في المال على عمل الأبدان، فإذا كانت العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن، فهي أحرى أن تقع في البدن.
وفيه: أن العقوبات على أمور الدين التي لا حدود فيها موكولة إلى اجتهاد الإمام لقوله: ("لقد هممت")، فهذا نظر واجتهاد. وقد قيل: إنه كان في المنافقين وليس كذلك؛ لأنه ﵇ (لم) (١) يعن بإخراجهم إلى الصلاة ولا التفت إلى شيء من أمرهم. وقيل فيه: إنه في المؤمنين، وقد سلف القولان في بابه وسيكون لنا عودة إليه في الأحكام (٢) إن شاء الله.
стр. 9035
٦ - باب دَعْوَى الوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ". [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح ٥/ ٧٤]
ذكر فيه حديث عائشة في الاختصام في ابن أمة زمعة بطوله.
وقد سلف (١) وترجم له في: الوصايا: ما يجوز (للموصى) (٢) إليه من الدعوى (٣)، وهي هذِه الترجمة، وستأتي ضروب تأويله في باب: أمر الولد أيضًا.
وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" يجوز رفع عبد ونصبه (٤).