← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

[البقرة: ٢٥٩] و (نَنْشُزُهَا) ومنها ما يتغير صورته دون معناه ﴿كَالعِهْنِ المَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. وقرأ سعيد بن جبير: (كالصوف) ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] قرأ عليُّ: (وطلع) (١)، ومنها التقديم ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] قرأ أبو بكر وطلحة: (وجاءت سكرت الحق بالموت) (٢). ومنها: الزيادة والنقصان: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] (أنثى) في قراءة ابن مسعود. واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه الطبري (٣) وغيره وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم وهو حرف زيد، ونحا إليه القاضي أبو بكر. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله من القراءات بالأحرف التي أنزلها، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه، بل هي موجودة في قراءتنا اليوم وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيخلط حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عباده ورفقًا (٤).

стр. 9032

فائدة: معنى (لببته بردائه) جمعت عليه ثوبه الذي (لابسه) (١) وقبض عليه نحره. وقوله: ("أرسله") أي: أزل يدك من لبته. وفيه: انقياد هشام لعلمه أن عمر لم يرد إلا خيرًا. وفيه: ما كان عمر عليه من الصلابة، وكان هشام من أصلب الناس بعده، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم (٢). وقوله: ("فاقرؤوا منه ما تيسر") (٣) أي: تيسر لكم حفظه.

стр. 9033

٥ - باب إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخُصُومِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ. ٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ". [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح ٥/ ٧٤] ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمِ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ". وقد سلف هذا في باب: فضل العشاء (١)، والأثر أخرجه ابن سعد في "طبقاته" من طريق سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه أخته، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: اخرج إلى ابنة أبي قحافة، يعني: أم فروة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن ذلك (٢). قلت: وهو منقطع فيما بين سعيد وعمر (٣) (٤) فينظر في جزم البخاري

стр. 9034

به، وفيه: أن من ترك سنة من سنن رسول الله ﷺ المجتمع عليها في الإقامة أنه يعاقب في نفسه وماله؛ لأن حرق المنازل عقوبة في المال على عمل الأبدان، فإذا كانت العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن، فهي أحرى أن تقع في البدن. وفيه: أن العقوبات على أمور الدين التي لا حدود فيها موكولة إلى اجتهاد الإمام لقوله: ("لقد هممت")، فهذا نظر واجتهاد. وقد قيل: إنه كان في المنافقين وليس كذلك؛ لأنه ﵇ (لم) (١) يعن بإخراجهم إلى الصلاة ولا التفت إلى شيء من أمرهم. وقيل فيه: إنه في المؤمنين، وقد سلف القولان في بابه وسيكون لنا عودة إليه في الأحكام (٢) إن شاء الله.

стр. 9035

٦ - باب دَعْوَى الوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ ٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ". [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح ٥/ ٧٤] ذكر فيه حديث عائشة في الاختصام في ابن أمة زمعة بطوله. وقد سلف (١) وترجم له في: الوصايا: ما يجوز (للموصى) (٢) إليه من الدعوى (٣)، وهي هذِه الترجمة، وستأتي ضروب تأويله في باب: أمر الولد أيضًا. وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" يجوز رفع عبد ونصبه (٤).

стр. 9036

٧ - باب التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ وَقَيَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالفَرَائِضِ. ٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". قَالَ عِنْدِي: يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- قَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ". [انظر: ٤٦٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح ٥/ ٧٥] ثم ساق حديث أبي هريرة في ربط ثمامة في المسجد، وقد سلف في أبواب المساجد في موضعين منه (١)، ووقع في كتاب ابن بطال: أن البخاري ترجم له في كتاب: الصلاة، باب: الأسير والغريم يربط في المسجد (٢) وليس كذلك، بل ذكر فيه حديثًا آخر (٣)، نعم. ذكره عقبه في باب آخر. وفعل ابن عباس أخرجه ابن سعد من طريق الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني الكتاب والسنة (٤).

стр. 9037

وأهل العلم يوجبون التوثق بالسجن والضامن وما أشبهه، فمن وجب عليه حق لغيره فأبى أن يخرج منه وادعى تحرجًا لم يحضره في الوقت. وقد روي عن وكيع أن عليًّا كان يحبس في الدين (١). وروى معمر عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطى حقه وإلا أمر به إلى السجن (٢). وقال طاوس: إذا لم يقر الرجل بالحكم حبس (٣). وروى معمر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة (٤). وحديث ثمامة أصل في ذلك؛ لأنه كان قد حلَّ دمه بالكفر، والسنة في مثله أن يقتل أو يستعبد أو يفادى به أو يمن عليه، فحبسه الشارع حتى يرى فيه رأيه، وأي الوجوه أصلح للمسلمين في أمره. قال ابن التين: وربطه بسارية من سواري المسجد يحتمل أن يكون قبل نزول ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٧]. وفيه: رفقه بمن أحسن إسلامه وإطلاقه.

стр. 9038

٨ - باب الرَّبْطِ وَالحَبْسِ فِي الحَرَمِ وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ (١) عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةٍ. وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ. ٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [انظر: ٤٦٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح ٥/ ٧٥] ثم ساق حديث أبي هريرة في ربط ثمامة بسارية من سواري المسجد، وقد سلف آنفًا. وأثر نافع سلف قريبًا، واشتراه نافع من مال المسلمين كما سيأتي. وأثر ابن الزبير أخرجه ابن سعد من طريق ضعيفة عن محمد بن

стр. 9039

عمر، ثنا ربيعة بن عثمان وغيره، عن سعد بن محمد بن جبير والحسين بن الحسن بن عطية العَوْفي، عن أبيه، عن جده فذكره (١). قال المهلب: اشتراء نافع الدار للسجن بمكة من مال المسلمين؛ لأن عمر كان يومئذٍ أمير المؤمنين، فاشترى نافع الدار من صفوان، وشرط عليه إن رضي عمر الابتياع فهي لعمر وإن لم يرض ذلك بالثمن المذكور، فالدار لنافع بأربعمائة، قال: وهذا بيع جائز فابتياع الدار يكون سجنًا بمكة يدل أن الحبس في الحرم والربط والأسر فيه جائز، بخلاف قول من قال من التابعين: إن من فرَّ إلى الحرم بحد أو جرم أنه لا يقاد منه في الحرم. واحتجوا بقوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأئمة الفتوى بالأمصار لا يمنع عندهم الحرم إقامة الحدود والقود فيه على من وجب عليه في غير الحرم، وكلهم يقول: إن من قَتَل في الحرم قُتل فيه. وقال الداودي: ما فعله نافع هو بيع العُربان المنهي عنه ويدخله شرطان في شرط وأكل المال بالباطل، وليس فيه أن عمر علم.

стр. 9040

٩ - باب المُلَازَمَةِ ٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "يَا كَعْبُ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا. [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح ٥/ ٧٦] ذكر فيه حديث كعب مع ابن أبي حدرد، وقد لازمه كعب … وقد سلف في الصلاة (١) وهو حجة للكوفيين في قولهم بالملازمة للغريم؛ لعدم إنكار الشارع الملازمة، وأشار عليه بالصلح، وسائر الفقهاء لا ينكرون على صاحب الدين أن يطلب دينه كيف أمكنه بإلحاح عليه أو ملازمته أو غير ذلك، وإنما اختلفوا في الغريم المعدم، هل يلازمه غريمه بعد ثبوت الأعذار وإطلاقه من السجن أم لا؟ وقد سلف ذلك في حديث: "مطل الغني ظلم" (٢).

стр. 9041

١٠ - باب التَّقَاضِي ٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا، ثُمَّ أَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ. [انظر: ٢٠٩١ مسلم: ٢٧٩٥ - فتح ٥/ ٧٧] ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ. وقد سلف قريبًا في باب: القين (١)، وشيخ البخاري فيه حدثنا إسحاق، ثنا وهب بن جرير بن حازم ذكر الكلاباذي أن إسحاق بن راهويه يروي عن وهب بن جرير. وفيه من الفقه: أن الرجل الفاضل إذا كان له دين عند الفاسق والكافر أنه لا بأس أن يطلبه ويشخص فيه بنفسه، ولا نقيصة عليه في ذلك؛ لأنه ﵇ قد نهى عن إضاعة المال.

стр. 9042

٤٥ كتاب في اللقطة

стр. 9043

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٥ - كتاب في اللقطة ١ - وإِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ ٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا" فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: "احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا". فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. [٢٤٣٧ - مسلم: ١٧٢٣ - فتح ٥/ ٧٨] كذا في الأصول وهو ما في كتاب ابن التين، وفي كتاب ابن بطال: كتاب اللقطة باب: إذا أخبر رب اللقطه بالعلامة دفع إليه (١)، وتابعه شيخنا علاء الدين.

стр. 9044

وفي اللقطة لغات جمعها ابن مالك في بيت فقال: ولُقْطَةٌ لقَاطة ولُقَطَة … ولَقَطٌ ما لاقطٌ قد لقطه. والثلاث الأول، حكاهن ابن سيده (١). قال صاحب "الجامع": اللقطة: ما التقطه الإنسان فاحتاج إلى تعريفه محركة. وقيل: هو الرجل الذي يلتقط، واسم الموجود: لقطة، يعني: بالإسكان. وعن الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: الفتح: اسم المال. وعن الخليل كذلك كسائر ما جاء على هذا الوزن يكون اسم الفاعل كـ ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وسكون القاف: اسم المال الملقوط. قال الأزهري: هذا قياس اللغة إلا أن كلام العرب في اللغة على غير القياس؛ لأن الرواة أجمعوا على أن اللُقَطَة يعني -بالفتح-: اسم للشيء الملتقط (٢). والالتقاط: العثور على الشيء من غير قصد وطلب، وفي "أدب الكاتب" تسكينها من لحن العامة (٣)، ورد عليه بأن فعله بإسكان العين من صفة المفعول وبتحريكها للفاعل، وردَّ بأن اللغة موقوفة على السماع والمسموع بالفتح، كذا ضبطها ثعلب عن ابن الأعرابي وغيره، ونقله ابن درستويه عن عامة اللغويين (٤). وعبارة ابن التين هي بضم اللام وفتح القاف. وقال الداودي بسكونها ولم يزد عليه.

стр. 9045

ذكر البخاري في الباب حديث (١) شعبة عن سلمة -يعني: ابن كهيل- سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: وجدت صُرَّةً فيها مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثا، فَقَالَ: "احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا". فَاسْتَمْتَعْتُ بها، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣) (٤). والقائل (فلقيته بعد) هو شعبة يريد بذلك سلمة بن كهيل، وذلك أن أبا داود الطيالسي قال الذي هذا الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري، وساقه (٥). وفي لفظ ذكره بعد: ثم أتيته الرابعة (٦). قال ابن حزم: هو حديث ظاهره صحة السند إلا أن سلمة أخطأ فيه بلا شك (٧). قلت: سيأتي الكلام بعد. وقال الداودي: الشك من سلمة. قلت: لا، من أُبي كما سيأتي، وإنما قال له أولًا: ("عرفها حولًا") ثم أتاه

стр. 9046

فقال: ("عرفها") ثم أتاه في الآخر، فقال: ("عرفها حولًا"). وفي الباب عن جماعة من الصحابة: زيد بن خالد ساقه البخاري بعد من طرق كما ستعلمه في موضعها، يقول (يزيد) (١): إن لم تعرف استنفق بها صاحبها وكانت وديعة عندك. قال يحيى -يعني: ابن سعيد-: فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله ﷺ هو أم شيء من عنده؟ قال ابن حزم: قطع يحيى بن سعيد مرة أخرى أنه من قول (يزيد) (٢) ولم يشك ربيعة أنه من قول رسول الله ﷺ ، وكذا لم يشك بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﷺ (٣). وفي رواية ربيعة وعبد الله بن عمر أخرجه الترمذي وحسنه (٤)، والحاكم (٥) والدارقطني (٦)، وأبي ثعلبة الخشني أخرجه النسائي (٧)

стр. 9047

وابن الجارود. وعبد الله بن الشخير أخرجه (١) ( … ) (٢) وكذا الجارود (٣) ولفظهما: "ضالة المسلم حَرقُ النار"، وعياض بن حمار بالراء في آخره أخرجه أيضًا أبو داود (٤) وفيه: "فليُشْهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل"، وخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (٥). قال أبو إسحاق فيما حكاه أبو عبيد في كتاب القضاء قال: أجاز شريح شهادتي وحدي (٦)، (وكذا فعل أبو مجلز بزرارة بن أوفى) (٧). وجرير أخرجه أبو داود (٨) ولفظه: "لا يأوي الضالة إلا ضال" (٩). وأبي هريرة أخرجه الحاكم كما سلف والبزار (١٠).

стр. 9048

قال ابن حزم: فيها مجهولان (١)، وعمر أخرجه النسائي (٢)، وعليّ أخرجه أبو داود (٣)، ولابن حزم فيه: "عرفه -يعني: الدينار- ثلاثًا". فعرفه فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: "كله"، وضعفه. وفي آخره: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام لهذا الحديث. قال ابن حزم: لا ندري مِنْ كلام مَنْ هذِه الزيادة (٤). وجابر أخرجه أبو داود (٥)، ولابن ماجه أن المقداد دخل خربة، فخرج جرذ ومعه دينار، ثم آخر، حتى أخرج سبعة عشر دينارًا فأخبرت النبي ﷺ خبرها، فقال: "لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها" (٦) وسويد الجهني أخرجه ابن بنت منيع (٧). قال البغوي: لا أعلم لسويد غيره (٨). وصحابي آخر أخرجه النسائي (٩). ووالد حكيمة أخرجه ابن حزم بلفظ: "من التقط لقطة يسيرة درهمًا أو حبلًا أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام"، ثم قال: هذا لا شيء، إسرائيل ضعيف، وعمر مجهول، وحكيمة عن أبيها أنكر وأنكر ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (١٠).

стр. 9049

قلت: إسرائيل احتج به الشيخان ووثق، وعمر ليس بمجهول؛ بل ضعيف (١)، وحكيمة بنت غيلان الثقفي امرأة يعلى بن مرة ذكرها وأباها جماعة في الصحابة (٢). إذا تقرر ذلك فزعم بعضهم أن الاختلاف في حديث أبي بن كعب "عرفها ثلاثًا"، وفي أخرى: أو "حولًا واحدًا"، وفي أخرى: في سنة أو في ثلاث، وفي أخرى عامين أو ثلاثة يقتضي تعدد الواقعة الأولى لأعرابي أفتاه بما يجوز له بعد عام، والثانية لأُبي أفتاه بالكف عنها والتربص بحكم الورع ثلاثة أعوام، وقد يكون ذلك لحاجة الأول وغنى الثاني. وقد رجع أُبي إلى عام آخر وترك الشك.

стр. 9050

ثم هذا الحديث لم يقل بظاهره أحد من أئمة الفتوى كما قال ابن بطال (١) ثم المنذري أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام؛ لأن سويد بن غفلة قد وقف عليه أبي بن كعب مرة أخرى من لقيه بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا، وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال، ولا يحفظ عن أحد ذلك إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ذكرها عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال مجاهد: وجد سفيان بن عبد الله عبية فيها مال عظيم فجاء بها عمر، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه بها فجعلها عمر في بيت مال المسلمين (٢)، وأخرجه النسائي بنحوه كما أسلفناه، ويحتمل أن يكون الذي قال له عمر ذلك كان موسرًا على من يرى ذلك، وقد روي عن عمر أيضًا أن اللقطة تعرف سنة (٣) مثل قول الجماعة. وفي "الحاوي" عن شواذ من الفقهاء أنها تعرف ثلاثة أحوال (٤). ونقل ابن المنذر عن عمر: تعرف ثلاثة أشهر. قال: وروينا عنه: يذكرها ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة. وزعم ابن الجوزي أن رواية "ثلاثة أحوال" إما أن تكون غلطًا من بعض الرواة وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفًا غير جيد (٥) كما قال للمسيء صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (٦).

стр. 9051

وذكر ابن حزم عن عمر رواية: ثلاثة أشهر، وأخرى: أربعة. وعن الثوري: الدرهم يعرف أربعة أيام (١). وفي "الهداية": إن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وهذِه رواية عن أبي حنيفة، وقدر محمد بالحول. (بَيَّن تفصيل) (٢) بين القليل والكثير (٣)، وهو ظاهر المذهب كما قاله أبو إسحاق في "تنبيهه"، والمذهب الفرق، فالكبير يعرف سنة والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه. وممن روي عنه تعريف سنة علي (٤) وابن عباس (٥) وسعيد بن المسيب (٦) والشعبي (٧) وإليه ذهب مالك (٨) والكوفيون والشافعي (٩) وأحمد (١٠). ونقل الخطابي فيه إجماع العلماء واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهني (١١).

стр. 9052

وقد سلف في حديث زيد بن خالد تفسير العفاص والوكاء في باب: شرب الناس والدواب من الأنهار قريبًا (١). وأمر بحفظ هذِه الأشياء لوجوه من المصالح منها: أن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا فرغ من النفقة، فأمر بمعرفته وحفظه لذلك. ومنها: أنه إذا أمر بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى، ومنها: أن يتميز عن ماله فلا يختلط به. ومنها: أن صاحبها إذا جاء نعته، فربما غلب على ظنه صدقه، فيجوز له الدفع إليه. ومنها: أنه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكنه التعريف بها والإشهاد عليه، وأمره ﵇ بحفظ هذِه الأوصاف الثلاثة، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف تدفع إليه بغير بينة. وقال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها ولم يعتبر أصبغ العدد (٢)، وقول ابن القاسم أوضح. فإذا أتى بجميع الأوصاف هل يحلف مع ذلك أو لا؟ قولان: النفي لابن القاسم، وتحليفه لأشهب (٣). ولا يلزمه بينة عند مالك وأصحابه (٤) وأحمد وداود (٥) وهو قول البخاري، وبوب عليه بقوله. وإذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفع إليه. حجة الأولين إطلاق الحديث بتسليمها إليه، ولم يذكر إقامة البينة، ولو لم يجب الدفع لم يكن لمعرفة صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه؛ لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من

стр. 9053

أجل ذلك. حجة النافي أنه مدع، وقد قال ﷺ : "البينة على المدعي" (١) وأجاب الأولون: بأن ذلك إذا لم يكن فيه ذكر صفة وكان يدعيه لنفسه، واختلفوا إذا جاء يصفها ودفعها إليه، ثم جاء آخر فأقام بينة أنها له، فقال ابن القاسم: لا يضمن الملتقط شيئًا (٢)؛ لأنه فعل ما وجب عليه وهو أمين، فتقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعيا شيئًا وأقاما بينة. وقال أشهب: إذا أقام الثاني البينة حكم له بها على الذي أخذها بالعلامة (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أقام الثاني البينة فعلى الملتقط الضمان، وقول ابن القاسم أولى كما قال ابن بطال؛ لأن الضمان لا يلزم فيما سبيله الأمانة، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الثاني إذا أتي بعلامتها بلا بينة أنه لا شيء عليه (٤). وقوله: "فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها". تمسك به جماعة وقالوا: يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولًا أن يستمتع بها، وقد أخذها علي وهو يجوز له أخذ النفل دون الفرض. وأبي بن كعب وهو من مياسير المدينة. وقال أبو حنيفة: إن كان غنيًا لم يجز له الانتفاع بها، وله أن يستمتع بها إن كان فقيرًا، ولا يتصدق بها على غني ويتصدق بها على فقير، فإن جاء صاحبها وأمضى الصدقة، وإلا فله أن يضمنه إياها؛ لما روى الطحاوي أن ابن مسعود اشترى خادمًا بتسعمائة درهم، فطلب صاحبها فلم يجده، فعرفها حولًا فلم يجده، فجمع المساكين وجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها فإن أبي

стр. 9054

ذلك فمني وعليَّ الثمن ثم هكذا يفعل بالضال (١). فرع: إذا ذكر بعض الصفات؟ فقيل: لا يدفع بصفة واحدة، وقيل: يدفع بصفة الوعاء والوكاء، وقيل: حتى يصف ما وعى العفاص واشتمل عليه الوكاء، ذكره ابن التين. فرع: إذا جاء رب اللقطة بعد الحول لزم الملتقط ردها له أو بدلًا بإجماع أئمة الفتوى، وليس قوله: فشأنك بها بمبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها لما ثبت عنه في الحديث، "فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه"؛ لأنها وديعة عند ملتقطها. وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم أنها لا تؤدى إليه بعد الحول استدلالًا بقوله ﵇: "فشأنك بها" وهو يدل على ملكها. قال: وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن إذا قال: فأدها إليه. قال: ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط إن لم تكن ضالة من الحيوان أن يدفعها للسلطان، فإن كان الملتقط غير مأمون فهل للسلطان أخذها منه أو لا؟ قال ابن بطال: وخرق الإجماع رجل ينسب إلى العلم يعرف بداود بن علي، فقال: .. ، فذكر ما أسلفناه عنه، ولا سلف له في ذلك إلا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة، التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه. أعاذنا الله من اتباع الهوى والابتداع في دينه بما لم يأذن به تعالى (٢).

стр. 9055

ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار أنه ليس له أن يتملكها قبل السنة، ثم نقل عن داود أنه يأكلها ويضمنها إذا جاء ربها. واختلف الجمهور ما يفعل بعد السنة، قال مالك في "المدونة": أحب إليَّ أن يتصدق بها ويخير إذا جاء صاحبها في غرامتها (١). وعنه: يخير بين ثلاثة أشياء: الصدقة بشرط الضمان، أو تركها أمانة في يده، أو تملكها وتكون في ذمته على كراهية في ذلك. وقال الشافعي: ليس له أن يتصدق بها (٢). حجة الجمهور قوله ﷺ : "عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه" (٣). فرع: نقل ابن التين عن أبي الحسن الجزري ابتداء الحول من يوم التعريف لا من يوم الوجود لقوله: "عرفها حولًا" وقال بعده: "من يوم أخذها". فرع: لو ضاعت قبل الحول فلا ضمان. وقال أبو حنيفة: إن كان حين أخذها أشهد عليها ليردها لم يضمن، وإلا ضمن لحديث عياض بن حمار (٤): "وليشهد ذا عدل أو ذوي عدل" (٥). واختلف أيضًا في ضياعها بعد الحول من غير تفريط، والجمهور على عدم الضمان. ونقل ابن التين عن أصحابنا: إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها. وقال بعضهم: لا ضمان.

стр. 9056

٢ - باب ضَالَّةِ الإِبِلِ ٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ". ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني بطوله، وقد أخرجه مسلم (١) والأربعة (٢).

стр. 9057

٣ - باب ضَالَّةِ الغَنَمِ ٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً". يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ -قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ أَمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ؟ - ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: "دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا". [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٣] ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني ثم ترجم عليه أيضًا:

стр. 9058

٤ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا ٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٤]. واختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ على قولين: أحدهما: لا يأخذها ولا يعرفها، قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه ﵇ عن ضالة الإبل (١). الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون (٢)؛ لأن تركها سبب لضياعها. وفيها قول ثالث: إن وجدها في القرى عرفها وفي الصحراء لا يقربها، والأصح عندنا أنه إن وجده بمفازة فللقاضي التقاطه للحفظ، وكذا لغيره، ويحرم التقاطه للتملك وإن وجده بقرية فيجوز للتملك. وأمر عمر بتعريف البعير؛ ليدل على جواز ذلك، وإنما النهي عن أخذها لمن يأكلها، وهو قول عمر بن الخطاب: لا يأوي الضالة إلا ضال (٣).

стр. 9059

وقد أسلفناه حديثًا من طريق جرير (١). وباع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها (٢) ورأى ذلك أقرب إلى جمعها عليهم؛ لفساد الزمان، وترك عمر لضوال الإبل أشبه لمعنى قوله: "معها حذاؤها وسقاؤها" الحديث، وذلك أقرب إلى جمعها على صاحبها مع جور الأئمة؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يخاصم فيها الإمام الجائر ولا يجد من يحكم له عليه، ويستطيع أن يخاصم فيها الرعية فيقضي عليه السلطان. وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهي عن أخذها. قال ابن المنذر: وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي، وبعض أصحاب مالك (٣). وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة وإلا فكالبعير. وقيل: إن كان لها قرون تمتنع بها فكالبعير وإلا فكالشاة، حكاه ابن التين. وقال القرطبي: عندنا في البقر والغنم قولان، ورأى مالك إلحاقها بالغنم، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع (٤)، وكأن هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال، ومثله جار في الإبل، والأولى إلحاقها بها. واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم الجواز (٤)، ومنعه أشهب وابن كنانة.

стр. 9060

وقال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد، وكل ما يستقل بنفسه ويذهب، هو داخل في اسم الضالة، وقد شدد الشارع في أخذ كل ما رجا أن يصل إليه صاحبه، فمن أخذ شيئًا من ذلك في غير الفيافي فهو كاللقطة، ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه، ثم أرسله فهو له ضامن إلا أن يأخذ غير مجمع على أخذه مثل أن يمر رجل من آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا، فيأخذه وينادي عليه من أمامه: ألكم هذا: فيقال: لا ثم يخليه في مكانه فلا شيء عليه، فهذا قول مالك، قال غيره: فأما إذا وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل وتلف ضمنه لصاحبه. وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالًا، ثم أرسله فتلف فعليه الضمان (١). وقال ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاء والظباء لا يجوز عندنا التقاطه إلا أن يأخذها الإمام للحفظ. قال: وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطها. أما ضالة الغنم -وهو الباب الثاني-. فقال ابن المنذر: روينا عن عائشة أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها. وقال الليث: الأحب أن تعرف ضالة الغنم إلا أن تحرزها لصاحبها. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أكلها فعليه الضمان إذا جاء صاحبها وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون. وقال مالك: من وجد شاة في أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير في

стр. 9061

أكلها وتركها ولا ضمان عليه. حجة مالك أن الشارع أذن في أكل الشاة وأقام الذي وجدها مقام ربها، فقال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" فإذا أكلها بإذن الشارع لم يجز أن يغرم في حال ثانٍ إلا بحجة من كتاب الله أو سنة أو إجماع. قالوا: وهذا أصل في كل ما يؤخذ من الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، فلمن وجده أكله إذا لم يمكنه تعريفه ولا يضمنه؛ لأنه في معنى الشاة، والشاة في حكم المباح الذي لا قيمة له، ألا ترى أنه ﵇ وجه تمرة، فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (١) فإنما نبه أنه يجوز أكلها من ملك الغير لو لم تكن من الصدقة؛ لأنها في معنى التافه، فكذلك الشاة في الفلاة لا قيمة لها. واحتج الطحاوي للكوفيين، فقال: ليس قوله: "هي لأخيك" إلى آخره في معنى التمليك عملًا بقوله: "أو للذئب" لانتفاء الملك منه، إنما يأكلها على ملك صاحبها وينزل على آخر قصتها، فكذلك الواجد إن أكلها أكلها على ملك صاحبها فإن جاء ضمنها له. وقد روى ابن وهب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال: "طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب فاحبس على أخيك ضالته" (٢). فهذا دليل أن الشاة على ملك صاحبها، وأجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنها

стр. 9062

ملك صاحبها في الفلوات وغيرها ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وبين قوله في اللقطة: "فشأنك بها"، بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنه لم يشرك معه في التمليك ذئبًا ولا غيره. تنبيهات (١): أحدها: الضالة المراد هنا بها: ما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء. وقيل: هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره. يقال: ضلَّ الشيء إذا ضاع وضل عن الطريق إذا جار، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع ويجمع على ضوال. ثانيها: روى القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرًا ضالًا بالحرة، فقال له عمر: عرفه فعرفه ثلاث مرات، ثم جاء إلى عمر، فقال: قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: ألق خطامه ثم أرسله حيث وجدته (٢). وروى همام، عن نافع وابن سيرين أن رجلًا سأل ابن عمر، فقال: إني قد أصبت ناقة، فقال: عرفها، فقال: عرفتها فلم تعرف، فقال: ادفعها إلى الوالي (٣).

стр. 9063

وقال مالك: سمعت ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان عمر إبلًا مؤبلة تناكح لا يمسها أحد حتى إذا كان زمن عثمان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (١). وأما حديث زيد، فقيل: إن فيه إشارة أنه يجوز أخذها إذا خيف عليها، وأن أخذها لصاحبها وحفظها عليه أولى من تركها، والمعني فيه إنما هو لمن يأخذها ليأكلها وهو معنى الحديث السالف: "لا يأوي الضالة إلا ضال" (٢). كذا كان في أول الإسلام واستمر زمن أبي بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان وعلي وكثر الفساد رأيا التقاطها، وهذا كله منهم وفاء بمقصود الحديث في التقاط الإبل، فإن مقصوده أنها إذا أمن عليها الهلاك وبقيت حيث تتمكن مما يعيشها فلا يتعرض لها أحد، فلو تعذر شيء من ذلك وخيف عليها الهلاك التقطت لتحفظ؛ لأنها مال مسلم. ثالثها: إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله وجاء صاحبه أخذه بزيادتها المتصلة، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة. رابعها: إذا عرفها سنة لم يملكها حتى يحتازه بلفظة كـ: تملكت، وقيل: تكفي النية، وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرض به لرواية مسلم: "فإن جاء صاحبها فأعطها وإلا فهي لك" (٣). وقيل: لا تملك ما لم تتصرف تخريجًا من الفرض. وقيل: تحصل بالنية والتصرف،

стр. 9064

وقيل: تحصل بمجرد التصرف، وقيل: تحصل بالنية واللفظ والتصرف، فهذِه سبعة أوجه لأصحابنا. خامسها: إذا تملك ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه ولا مطالبة في الآخرة، فإن تلفت بعد التملك وجاء مالكها لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور كما سبق مخالفة لداود، والنص يدفعه حيث قال: "فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه" (١). سادسها: قوله: "إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب". (أو): فيه للتقسيم والتنويع، ويفيد هذا أن الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك؛ جاز لملتقطها أكلها ولا ضمان عليه، إذ سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه. وكذا الملتقط وهو مذهب مالك وأصحابه (٢)، وضمنه الشافعي (٣) وأبو حنيفة تمسكًا ببقاء ملك ربها عليها. قال ابن التين: ومشهور مذهب مالك أنه إذا وجدها بفلاة لا يعرفها ويأكلها ولا ضمان عليه، وعنه أيضًا: أنه يعرفها لربها قال: وهو قول أبي حنيفة والشافعي. سابعها: قوله في ضالة الإبل: (فتمعر وجه رسول الله ﷺ ). في بعض النسخ: (فتغير)، وهو معناه، أي: تغير لون وجهه غضبًا، وسيأتي تبويب البخاري عليه: الغضب والشدة لأمر الله (٤).

стр. 9065

وقوله: "مالك ولها .. " إلى آخره أخذ به الثلاثة وخالف أبو حنيفة فمكن منها (١).

стр. 9066

٥ - باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ ٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ: "فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ". [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٨٥]. وقال الليث (١)، فذكر حديث الخشبة من حديث أبي هريرة ولم يذكر للسوط سندًا، وكأنه قاسه عليها. وحكم هذِه الخشبة حكم اللقطة كما صرح به ابن بطال (٢)، وإنما أخذها حطبًا لأهله؛ لأنه قوي عنده انقطاعها من صاحبها لغلبة العطب على صاحبها وانكسار سفينته. وروى ابن عبد الحكم عن مالك إذا ألقى البحر خشبة فترك أخذها أفضل، وفيه قول: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها. واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة على أقوال: رخصت طائفة في أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها وممن روي ذلك عنه عمر وعلي وابن عمر (٣) وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس (٤).

стр. 9067

قال ابن المنذر: روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به (١). وعن جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به (٢). وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن يستمتع بها (٣). وحديث الباب حجة لهذِه المقالة؛ لأنه ﵇ أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، وأقر الشارع ذلك ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغي. وفي "الهداية": وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان، فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح (٤). واحتج له ابن رشد بحديث التمرة الآتي ولم يذكر فيها تعريفًا، وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحب تعريف ذلك (٥) فإن كان يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة فلا خلاف في تعريفه سنة. وقيل: أيامًا وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف، فإنه يأكله الملتقط فقيرًا كان أو غنيًا، وهل يضمن؟ فيه روايتان أشهرهما: لا، فإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة، فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: نعم، وقيل: بالفرق أن يتصدق به

стр. 9068

أو يأكله، أعني: أنه يضمن في الأكل دونها. وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكبيرها حولًا إلا ما لا قيمة له. قال ابن المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال الذي لقطة الحبل والزمام ونحوه عرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. قال مالك: ومن وجد لقطة دينارًا أو درهمًا أو أقل من ذلك، فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل: القرص أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه (١)، ولا أرى أن يأكله ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج، وأما النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه يعرفه، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف، فإنهم قالوا: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفه حولًا، وما كان دونه عرفه بقدر ما يراه. وقال الثوري: يعرف الدرهم أربعة أيام. وقال أحمد: سنة. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرف جمعة أو نحوها (٢). وحجة هذِه المقالة إطلاق الحديث، فإنه لم يخص قليلها من كثيرها فيجب على ظاهر حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك. قال ابن المنذر: ولا نعلم شيئًا استثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة التي منعه من أكلها؛ خشية كونها من الصدقة (٣) فما له بقاء مما زاد على التمرة، وله قيمة يجب تعريفه.

стр. 9069

واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف، فقال مالك: يتصدق به أعجب إليَّ. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، فأتى صاحبه قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض (١). وفي قول الكوفيين ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم فسد. قالوا: يعرفه فإن خاف فساده تصدق به، فإن جاء ربه ضمنه وهو قول الشافعي (٢)، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه عليه أحد إلا بتمليكه إياه قل أو كثر.

стр. 9070

٦ - باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ ٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: "لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا". [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧١ - فتح ٥/ ٨٦] ٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُور. وَقَالَ زَائِدَة، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ طَلْحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَس وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ منَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيَهَا". [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧٠ - فتح ٥/ ٨٦] ذكر فيه حديثي أنس وأبي هريرة، وقد سلفا في البيوع في باب: ما يتنزه من الشبهات (١)، ولا شك أن ما لا بال له، ولا يتشاح الناس فيه، ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والحبة من الفضة ونحو ذلك يباح تناوله، ولا شيء في تعريفه. وقد قال سيد الأمة في التمرة الساقطة: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" فالصدقة محرمة عليه قليلها وكثيرها، فالشيء التافه الملتقط معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأن صاحبه لا يطلبه فلذلك استحل أكلها لولا شبهة الصدقة. وقد روى عبد الرزاق أن عليًا التقط حبًا أو حبة من رمان الأرض فأكلها (٢).
следующие страницы →