← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

٥ - باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ ٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ: "فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ". [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٨٥]. وقال الليث (١)، فذكر حديث الخشبة من حديث أبي هريرة ولم يذكر للسوط سندًا، وكأنه قاسه عليها. وحكم هذِه الخشبة حكم اللقطة كما صرح به ابن بطال (٢)، وإنما أخذها حطبًا لأهله؛ لأنه قوي عنده انقطاعها من صاحبها لغلبة العطب على صاحبها وانكسار سفينته. وروى ابن عبد الحكم عن مالك إذا ألقى البحر خشبة فترك أخذها أفضل، وفيه قول: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها. واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة على أقوال: رخصت طائفة في أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها وممن روي ذلك عنه عمر وعلي وابن عمر (٣) وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس (٤).

стр. 9067

قال ابن المنذر: روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به (١). وعن جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به (٢). وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن يستمتع بها (٣). وحديث الباب حجة لهذِه المقالة؛ لأنه ﵇ أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، وأقر الشارع ذلك ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغي. وفي "الهداية": وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان، فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح (٤). واحتج له ابن رشد بحديث التمرة الآتي ولم يذكر فيها تعريفًا، وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحب تعريف ذلك (٥) فإن كان يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة فلا خلاف في تعريفه سنة. وقيل: أيامًا وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف، فإنه يأكله الملتقط فقيرًا كان أو غنيًا، وهل يضمن؟ فيه روايتان أشهرهما: لا، فإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة، فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: نعم، وقيل: بالفرق أن يتصدق به

стр. 9068

أو يأكله، أعني: أنه يضمن في الأكل دونها. وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكبيرها حولًا إلا ما لا قيمة له. قال ابن المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال الذي لقطة الحبل والزمام ونحوه عرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. قال مالك: ومن وجد لقطة دينارًا أو درهمًا أو أقل من ذلك، فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل: القرص أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه (١)، ولا أرى أن يأكله ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج، وأما النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه يعرفه، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف، فإنهم قالوا: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفه حولًا، وما كان دونه عرفه بقدر ما يراه. وقال الثوري: يعرف الدرهم أربعة أيام. وقال أحمد: سنة. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرف جمعة أو نحوها (٢). وحجة هذِه المقالة إطلاق الحديث، فإنه لم يخص قليلها من كثيرها فيجب على ظاهر حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك. قال ابن المنذر: ولا نعلم شيئًا استثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة التي منعه من أكلها؛ خشية كونها من الصدقة (٣) فما له بقاء مما زاد على التمرة، وله قيمة يجب تعريفه.

стр. 9069

واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف، فقال مالك: يتصدق به أعجب إليَّ. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، فأتى صاحبه قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض (١). وفي قول الكوفيين ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم فسد. قالوا: يعرفه فإن خاف فساده تصدق به، فإن جاء ربه ضمنه وهو قول الشافعي (٢)، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه عليه أحد إلا بتمليكه إياه قل أو كثر.

стр. 9070

٦ - باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ ٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: "لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا". [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧١ - فتح ٥/ ٨٦] ٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُور. وَقَالَ زَائِدَة، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ طَلْحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَس وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ منَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيَهَا". [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧٠ - فتح ٥/ ٨٦] ذكر فيه حديثي أنس وأبي هريرة، وقد سلفا في البيوع في باب: ما يتنزه من الشبهات (١)، ولا شك أن ما لا بال له، ولا يتشاح الناس فيه، ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والحبة من الفضة ونحو ذلك يباح تناوله، ولا شيء في تعريفه. وقد قال سيد الأمة في التمرة الساقطة: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" فالصدقة محرمة عليه قليلها وكثيرها، فالشيء التافه الملتقط معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأن صاحبه لا يطلبه فلذلك استحل أكلها لولا شبهة الصدقة. وقد روى عبد الرزاق أن عليًا التقط حبًا أو حبة من رمان الأرض فأكلها (٢).

стр. 9071

وعن ابن عمر أنه وجد تمرة في الطريق فأخذها فأكل نصفها، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر (١). وفيه: إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط. وقيل: يضمنه وإن أكله محتاجًا إليه، ذكره ابن الجلاب. فائدة: قوله في حديث أنس: (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، (ثنا سفيان) هو الثوري، صرح به أبو نعيم وغيره. وقوله فيه: (وقال زائدة عن منصور، عن طلحة، عن أنس) هذا أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن زائدة، عن منصور به (٢) (٣).

стр. 9072

٧ - باب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ؟ وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "لا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". وَقَالَ خَالِد: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ". ٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا رَوْحٌ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ به. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٥/ ٨٧] ٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ". فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ". فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ". قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح ٥/ ٨٧]. وقال أحمد بن سعيد، ثنا روح، ثنا زكريا، ثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة به (١). ثم ساق حديث أبي هريرة في ذلك مطولًا.

стр. 9073

والتعليق الأول سبق مسندًا في الحج (١) وكذا الثاني عن ابن المثنى ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد به (٢)، والثالث أسنده النسائي (٣). قال أبو مسعود: وقال لي ابن منده: رواه -يعني: البخاري- في موضع آخر من الصحيح عن رجل آخر عن أبي عاصم، عن زكرياء قال أبو مسعود: ولم أره في كتاب البخاري من حديث أبي عاصم أصلًا (٤). واختلف في أحمد بن سعيد هذا، فذكر ابن طاهر أنه أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي (٥)، ورواه أبو نعيم من جهة خلف بن سالم، عن روح، ثنا زكريا، وقال آخره: ذكره البخاري، عن أحمد بن سعيد وهو الدارمي -فيما أرى- عن روح. واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكم لقطتها حكم لقطة سائر البلدان. قال ابن المنذر: رويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب (٦)، وبه قال مالك (٧) وأبو حنيفة وأحمد (٨). وقالت طائفة: إن لقطتها لا تحل البتة، وليس لواجدها إلا إنشادها، هذا قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد، قال ابن مهدي: معنى قوله: "إلا لمنشد لا تحل لقطتها" كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد؟

стр. 9074

فقال: "إلا لمنشد" وهو يريد المعنى الأول (١) كما يقول الرجل: والله لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد. قوله: "إلا لمنشد" يعني: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها لكي يردها على صاحبها (٢). ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل (٣). قال الطحاوي: وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا ووصف مكة قال: "ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها". ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ولا يرفع لقطتها إلا منشد" (٤). وفيها قول رابع- يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه ﵇ سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: "أيها الناشد غيرك الواجد" (٥). قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي (٦). قال ابن بطال: ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله:

стр. 9075

"لا تحل لقطتها إلا لمنشد" معني تختص به مكة دون غيرها كما تختص سائرِ ما ذكر في الحديث؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد الحول الانتفاع بها، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص مكة، ومخالفة لقطتها غيرها من البلدان، كما خالفتها في كل ما ذكر في الحديث، من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار بعد رسول الله ﷺ ، إلى غير ذلك مما خصت به، من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ولا جرى فيهم الرق كغيرهم. ومن الحجة أيضًا لذلك: أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة بعد الحول؛ حفظًا لها على ربها وحرزًا لها؛ لأنه لا يقدر على إيصالها إليه، ويخشى تلفها فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته. ولقطة مكة يمكن إيصالها إلى ربها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب، وإن كان غريبًا لا يقيم بها. فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك؛ لأنها تقصد في كل عام من أقطار الأرض، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدًا أوشك أن يجدها باغيها ويصل إليها ربها، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد (١). قال الطحاوي: رواية ابن عباس وأبي هريرة السالفتين تمنع أخذها إلا للإنشاد بها، وقد أباح الحديث أخذ لقطة الحرم لتعرف؛ فاحتمل أن يكون ذلك أن تنشد ثم ترد مكانها، واحتمل أن يكون لغيرها. وسئلت عائشة عن ضالة الحرم بعد تعريفها، فقالت لملتقطتها: استنفقي بها (٢)، رواه عنها معاذة.

стр. 9076

وأما النهي عن لقطة الحاج؛ فلأن الحاج يجمع أهل البلدان، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فإذا أخذها لا يقدر على صاحبها بخلاف غيرها. فائدة: قوله: (فقام أبو شاه) (١). قال القاضي عياض: مصروفًا ضبطه -يعني: بعضهم-، وقرأته أنا معرفة ونكرة، وكذا هو في "المطالع". وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبة. وقال النووي: هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف (٢) لا خلاف في ذلك.

стр. 9077

٨ - باب لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ بإِذْنه ٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ". [مسلم: ١٧٢٦ - فتح ٥/ ٨٨] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). ويحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٢) وقال أيضًا: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (٣). وإن اختص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد

стр. 9078

طعام غيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه. وذهب بعض المحدثين إلى أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه؛ لأن ذلك حق جعله الشارع، يريد حديث أبي داود من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب ولا يحمل" (١). وفي الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه ﵇ سئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" (٢)، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده سئل رسول الله عن الثمر المعلق فذكر مثله (٣)، ثم حسنه ورده القرطبي، فقال: لا حجة فيه لأوجه: أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.

стр. 9079

ثانيها: أن حديث النهي أصح. ثالثها: أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها. رابعها: أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام (١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمي ولا أخذ شيء من ماله بغير إذنه، يشبه الشارع اللبن في الضرع بالطعام المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها أرانا به قياس الأمور إذا تشابهت معانيها، فوجب امتثال ذلك واستعماله؛ خلافًا لقول من أبطل القياس (٢) ولا يتشاغل به. ومعنى قوله: "أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته" أن يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه، وهذا في معنى قوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٣). وأكثر العلماء على إجازة أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح في مثله. وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله. و (المشربة) بضم الراء وفتحها وهي الموضع المصون لما يخزن فيه كالغرفة يخزن الرجل فيها متاعه فشبه ضروع الغنم بها. وقال ابن قتيبة: كالصفة بين يدي الغرفة. والخزانة: -بكسر الخاء المعجمة-: الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء، أي: يغيب، وسمي الوعاء خزانة؛ لأنه يخزن فيه.

стр. 9080

وقوله: (فينتثل) هو بمثناة ثم نون ثم مثناة فوق ثم مثلثة، وبخط الدمياطي بالقاف بدلها ثم لام، أي: ينتثر، يقال: نثلت الشيء بمعنى: نثرته مرة واحدة، يقال: نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها، ولما حكى النووي المقالة السالفة عن بعض المحدثين عزاها لبعض السلف أيضًا، وحكاها في أنه لا يلزمه البدل ثم ضعفه. فإن قلت: كيف شرب الصديق من غنم الراعي حين الهجرة وأعطاه الشارع أيضًا كما سيأتي؟ قلت: ذاك من باب الإدلال على صاحبها لمعرفته إياه، أو أنه كان يعلم أنه أذن للراعى أنه يسقي منه من مرَّ به، أو أنه كان عرفه أنه أباح ذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له (١). وقال ابن أبي صفرة: حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن التشاح لما عَلم ﵇ من تغير الأحوال بعده، أو أن هذا الحديث محمول على التسور والاختلاس. وحديث الهجرة لم يتسور الشارع ولا الصديق، وإنما سأل الصديق الراعي هل أنت حالب لنا؟ والراعي في المال له عادة العرب، فلذلك أجاز ﵇ شرب ما حلبه. وكذلك عادة العرب في الحلب على الماء، ولابن السبيل مباحة، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي استُرعي، كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات والكف، وقال ﵇: "إنها أحد المتصدقين" (٢). وقال أشهب: خرجنا مرابطين للإسكندرية فمررنا بجنان الليث بن

стр. 9081

سعد فأكلنا من التمر، فلما رجعت دعتني نفسي أن أستحل ذلك من الليث، فدخلت إليه فأخبرته بذلك، فقال: يا ابن أخي لقد نسكت نسكًا أعجميًّا، أما سمعت الله يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك (١). وروى ابن وهب، عن مالك في الرجل يدخل الحائط فيجد التمر ساقطًا، قال: لا يأكل منه إلا أن يعلم أن صاحب الحائط طيب النفس به أو يكون محتاجًا إلى ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس. ومن فوائده: إباحة خزن الطعام واحتكاره؛ خلافًا لغلاة المتزهدة حيث يقولون: لا يجوز الادخار مطلقًا. وأن اللبن يسمى طعامًا فيحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن يكون له نية تخرج اللبن. وأن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن تكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع؛ لأن الحديث أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال أو الطعام أو غيره شيئًا يجب فيه القطع، قطع بلا خلاف إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة والفواكه. وبيع الشاة اللبون بالطعام عملًا بقوله: "فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم"، فجعل اللبن طعامًا، وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدًا أو إلى أجل، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدًا بيد ما لم يكن في

стр. 9082

ضرعها لبن، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدًا بيد باللبن من أجل المزابنة، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وفي غير الأجل (١). وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدًا بيد ولا إلى أجل. خاتمة: قال الداودي: إنما شرب الشارع والصديق؛ لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا إليه، وهذا قد أسلفته، قال: وإنما أتى بهذا الحديث والآتي لما في الأموال من الحقوق غير الزكاة.

стр. 9083

٩ - باب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ؛ لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ ٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح: ٥/ ٩١] ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني أيضًا. وفيه: "ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". وقد أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن الذي وجدها يلزمه ردها إليه لقوله: "فأدها إليه". وقد أسلفنا أن بعض من ينسب إلى العلم وحقه منه أن يوسم منه مخالفة الأئمة خالف إجماعهم في اتباع هذا الحديث، وخالف قوله: ("فأدها إليه") وقال: لا يؤدي إليه شيئًا بعد الحول؛ استدلالًا منه بما سلف من قوله: ("فشأنك بها")؛ لأن هذا إطلاق منه على ملكها ولا يلزمه تأديتها، وهذا قول يؤدي إلى تناقض السنن، وقد جلَّ الشارع أن تتناقض سننه. وقوله: ("فأدها إليه") فيه بيان وتفسير لقوله: ("فشأنك بها") ولو كان المراد بقوله: "فشأنك بها" انطلاق يده عليها وسقوط ضمانها عنه لبطلت فائدة قولِه: ("فأدها إليه") واستعمال الحديثين لفائدتين أولى

стр. 9084

من إسقاط إحداهما، هذِه طريقة العلماء في التأليف بين الآثار والقضاء بالمجمل على المفسر. واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها. فروي عن علي وابن عباس (١) أنه يتصدق بها ولا يأكلها وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي، وإليه ذهب الثوري (٢)، وقال أبو حنيفة: لا يأكلها الغني، والفقير يأكلها بشرط الضمان (٣). وروى ابن القاسم عن مالك أنه استحب له أن يتصدق بها، وقد أسلفنا هذا عنه (٤). وروى ابن وهب عنه: إن شاء أمسكها وإن شاء استنفقها، وإن شاء تصدق بها فإن جاء صاحبها أداها إليه. وروي مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وهو قول عطاء (٥)، وبه قال الشافعي (٦) وأحمد وإسحاق. وقوله: ("ثم استنفق بها") حجة لمن قال: يصنع بها ما شاء من صدقة بها أو أكل أو غيره لعمومه، ولم يخص وجهًا يستنفقها فيه من غيره، وأيضًا فإنه لما قال: "استنفق بها" لم يفرق بين الغني والفقير دلَّ على رد قول أبي حنيفة. تنبيهان: الأول: إنما لم يذكر البخاري في هذا الباب رواية سليمان بن بلال

стр. 9085

عن يحيى بن سعيد: "وكانت وديعة عنده"، وذكرها في باب: ضالة الغنم (١)؛ لأنه قد بين سليمان في الحديث: أن يحيى بن سعيد قال عن يزيد مولى المنبعث: لا أدري أفي حديث رسول الله ﷺ هو أم شيء من عنده؟ فاستراب البخاري بهذا الشك، وترجم بالمعنى ولم يذكره في الحديث؛ لأنه استغنى بقوله: "فأدها إليه" عن قوله: "وكانت وديعة عنده". ثانيهما: ترجمة البخاري السالفة إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها، اعترض عليها ابن التين، فقال: ليس هو بقول مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار. واحتج البخاري بقوله: "فشأنك بها" أي: خذها بشرط الضمان إن جاء صاحبها بدليل رواية الباب، وحينئذٍ فلا تنافي بينهما، وتأويل ذلك مناف، فما سمعنا به هو الصواب. فائدة: في الحديث: (حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه)، الظاهر أنه من الراوي. والوجنة: مثلثة الواو، ووجنة: بفتح الجيم وكسرها، قاله كراع. زاد غيره: أجنة (٢) بضم الألف: وهي أعلى الخد والعظم المشرف عليه، والجمع: وجنات (٣).

стр. 9086

١٠ - باب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ؟ ٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا. فَقَالَ لِي: أَلْقِهِ. قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ. فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضى الله عنه، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: "اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا". [انظر: ٢٤٢٦ - مسلم: ١٧٢٣ - فتح ٥/ ٩١] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بهذا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. ذكر فيه حديث أبي بن كعب السالف أول الباب (١) بزيادة. واختلف العلماء في اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت طائفة أخذها ورأوا تركها أفضل، روي ذلك عن ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وهو قول عطاء. وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها والآبق (٤)، فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن،

стр. 9087

وكره أحمد أخذها أيضًا (١) وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من تركها، هذا قول سعيد بن المسيب (٢). وقال أبو حنيفة: تركها سبب لإضاعتها (٣)، وبه قال الشافعي، وعن مالك: إن كان شيء له بال فأخذه وتعريفه أحب إليَّ (٤). حجة الأول الحديث السالف: "ضالة المؤمن حرق النار" (٥)، و"لا يأوي الضالة إلا ضال" (٦). حجة الثاني: أمر الشارع بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها: وذلك دليل على أن الفضل في أخذها وتعريفها؛ لأن تركها عون على ضياعها، ومن الحق النصيحة للمسلم وأن يحوطه في ماله بما أمكنه. وتأولوا ما سلف أن المراد به: من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار، ويدل على ذلك رواية زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" (٧). وروى الجارود قال: أتينا على رسول الله ﷺ ونحن على إبل عجاف، فقلنا: يا رسول الله، إنا نمر بالجرف فنجد إبلًا فنركبها، فقال: "ضالة المؤمن حرق النار" وكان سؤالهم عن أخذها إنما هو لأن يركبوها، فأجاب بذلك، أي: ضالة المسلم حكمها أن تحفظ

стр. 9088

على صاحبها حتى تؤدي إليه، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا لغيره. فائدة: قول سويد: (كنت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان في غزاة فوجدت سوطًا فقال لي: ألقه) قال الداودي: قول سويد صواب، وقد أدرك الجاهلية والإسلام. وقيل: له صحبة وصحب عليًّا وابن مسعود، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة (١). وسلمان باهلي كان عمر يوليه على الجيوش، وزيد بن صوحان كان عمر يرحِّل رحله بيده إكرامًا له لفضله. قطعت رجله يوم الجمل وهو مع علي. قال الشيخ أبو إسحاق في "زاهيه": خالف سعيد بن المسيب أهل مكة والمدينة وقال: تؤخذ اللقطة وتعرف؛ لأنه مال يجمع على ربه، وأحسب أنه أراد أن حرمته كحرمة اللقيط، وبه قال الحسن بن صالح.

стр. 9089

١١ - باب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ ٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ- ﵁، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا". وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا". وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". [انظر ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٩٣] ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أيضًا، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً" .. الحديث. ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط -إن لم يكن من ضالة الحيوان- أن يدفعها إلى السلطان، وإنما معنى هذِه الترجمة: أن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره لقوله: "عرفها" إلا أنهم اختلفوا في الملتقط إذا كان غير مأمون عليها، على قولين: أحدهما: أنه يعرفها وليس للسلطان أخذها منه. والثاني: أن له أخذها منه ودفعها إلى ثقة يعرفها، والقولان للشافعي أيضًا (١). وأما حكم الضوال فإنها تحتاج إلى حرز ومؤنة، وهذا لا يكون إلا بحكم حاكم، ولهذا كانت ترفع ضوال الإبل إلى عمر وعثمان وسائر الخلفاء بعدهما.

стр. 9090

واختلفوا إذا التقط لقطة فضاعت عنده، فقال أبو حنيفة وزفر: إن أشهد أنه أخذها ليعرفها لم يضمنها إن هلكت وإلا ضمنها (١) وقد سلف. واحتج بحديث عياض السالف فيه الإشهاد. وقال مالك (٢) وأبو يوسف ومحمد (٣) والشافعي: لا ضمان عليه إلا أن يفرط، وحجتهم إجماع العلماء أن المغصوبات لو أشهد الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاد ذلك في حكم الأمانات، فلذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها في حكم المغصوبات، ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا ما يضمن به الأمانات من التعدي والتضييع. وأما حديث عياض فمعناه أن الملتقط إذا لم يعرف اللقطة ولم ينشدها وكتمها، ثم قامت عليه بينة أنه وجد لقطة وضمها إلى ماله، ثم ادعى تلفها أنه لا يصدق ويضمن؛ لأنه بفعله ذلك خارج عن الأمانة، إلا أن تقوم البينة على تلفها، وأما إذا عرفها في المحافل وإن لم يشهد فلا ضمان عليه. وقوله: "وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" فإنه يريد انطلاق يد الملتقط عليها بعد الحول ثم يضمنها لصاحبها إن جاء بإجماع.

стр. 9091

١٢ - باب (١) ٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي البَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. [٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧ - مسلم: ٢٠٠٩ - فتح ٥/ ٩٣] ذكر فيه حديث أبي بكر في الهجرة قَالَ: انْطَلَقْتُ، فَإِذا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ فَعَرَفتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ الحديث بطوله، وقد أسلفناه في باب: لا يحتلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه، وذكرنا الجواب عن شربه، وشرب الصديق من اللبن فراجعه. قال ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصديق لشرب اللبن من ذلك الراعي، فقال لي: يحتمل أن يكون الشارع قد كان أذن له في الحرب، وكانت أموال المشركين له حلالًا. فعرضته على المهلب، فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأن الحرب والجهاد إنما

стр. 9092

فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن قال: وإنما شرباه بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الزمن من المكارمات، وبما استفهم به الصديق الراعي من أنه حالب أو غير حالب، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه، ولحلب على ما أراد الراعي أو كره، ولساق الغنم غنيمة، وقتل الراعي إن شاء أو أخذه أسيرًا. يبين أن ذلك كان على وجه العادة عندهم ما رواه الثوري عن أبي عبيدة قال: مر رجل من أهل الشام بامرأة من كلب، فقال لها: هل من لبن يباع؟ فقالت: إنك للئيم، أو حديث عهد بقوم لئام هل يبيع الرِّسْل كريم أو يمنعه إلا اللئيم؟ إنا لندع الكوم لأضيافنا، تكوس، إذا عكف الزمن الضروس ونُغْلِي اللحم غريضًا ونُهِينه نضيجًا. قال أبو علي: (الرسل) اللبن، و (تكوس): تمشي على ثلاث، و (نغلي) من الغلاء (١). قال المهلب: وقد قال أخي أبو عبد الله: إنه لا معارضة بينهما؛ لأن هذا (قوله) (٢) ﵇ لما علم أنه سيكون من التشاح وقلة المواساة، والحديث معناه: لا يهجمن أحدكم على ماشية غيره، فيحتلبها بغير إذنه أو غير إذن راعيها الذي له حكم العادات فيما استرعى فيه من المعروف، وكان بين الحديثين فرق يمنع من التعارض. وفي حديث أبي بكر من الأدب والتنظف ما صنعه بنفض يد الراعي وبنفض الضرع، وخدمته لرسول الله ﷺ وإلطافه به ما يجب أن يمتثل في كل عالم وإمام (٣)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا في باب: اللبن من

стр. 9093

كتاب: الأشربة (١). وقوله: (هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنِ): هو بفتح اللام والباء. قال القاضي: وروي بضم اللام وتشديد الباء (٢). و (الكثبة): بالضم، قال ابن فارس: هي القطعة من اللبن ومن التمر، سميت بذلك لاجتماعها (٣)، وكذا قال الهروي: إنها القليل من اللبن ومن غيره، وكل ما جمعت من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلًا فهو كثبة، وقد كثبته أكثبه: إذا جمعته (٤). وقوله: (فَمِها خِرقة)، كذا هو (فمها) بالميم وهي لغة غير مشهورة يشهد لها قوله: يصبح ظمآن وفي البحر فمه. وصوابه بالمثناة تحت بدل الميم وهو الأشهر (٥).

стр. 9094

٤٦ كتاب المظالم

стр. 9095

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٦ - كِتَابُ المظَالِم والغَصْبِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٧] ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رَافِعِي رُؤوسِهِم، المُقْنِعُ والمُقْمِحُ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿مُهطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: مُدِيمِين النَّظَرَ. وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يَعْنِي: جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ. الشرح: قوله: (ويقال: (مسرعين)) هو قول قتادة (١).

стр. 9096

وقال ابن التين: وهو المعروف في اللغة. قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعًا، يعني: الإسراع كما قال قتادة يعني: مع إدامة النظر كقول مجاهد. وقال أحمد بن يحيى: المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع لا يقلع بصره (١). وقيل: (مُهْطِعِينَ): مسرعين في خوف، وما فسره في (مُقْنِعِي) بمعنى: رافعي هو قول أكثر أهل اللغة والتفسير. يقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأه ذلًا وخضوعًا. وقيل: في الآية القولان، وقيل: يجوز أن يريدهما أن يرفع رأسه يديم النظر ثم يطأطئه ذلًّا وخضوعًا، وقيل: أقنع رأسه: إذا نصبه لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا وجعل طرفه موازيًا لما بين يديه، وكذلك الإقناع في الصلاة. وقال ابن فارس: الإقناع: الإقبال بالوجه على الشيء (٢)، ومنه المقنع: الرافع رأسه مع غض بصره، وهذا تفسير المقمح. وقيل: المقمح: الذي حدب ذقنه إلى صدره ورفع رأسه. وأصل أقنع: إذا رفع، ومنه: المقنعة لأنها تجعل في الأعلى، ومنه: قَنِعَ بالكسر: رفع رأسه عن السؤال. ويروى أنهم لا يزالون يرفعون رءوسهم ينظرون ما يأتي من عند الله. وقيل: مقنعي: ناكسى بلغة قريش، الطرف: البصر، وبه سميت العين؛ لأنه بها يكون. وقوله: (﴿وَأَفئدَتُهُم هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يعني: جُوفًا لا عقول لهم) أي: من الخوف.

стр. 9097

وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم فلا تنفصل ولا تعود. تنبيه: قوله تعالى: ﴿إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] فهذا إعلام أن القلوب فارقت الأفئدة. وقيل: خالية من الخير. وقيل: تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر به فكأنها تهوي، وأنذر: خَوِّف. وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآية. قال مجاهد: هم قريش أقسموا أنهم لا يموتون (١). وقال الداودي: يريد إنكارهم البعث. وقيل: مَا لَهم من زَوَال عن العذاب ﴿مَكرُهُمْ﴾: الشرك أو بالعتو والتجبر. ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] يحفظه ليجازيهم عليه أو يعلمه، فلا يخفي عليه. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ [إبراهيم: ٤٦] الآية: أي: ما كان مكرهم ليزول منه أمر رسول الله ﷺ ونبوته احتقارًا لمكرهم. وقرأ الكسائي "لَتَزُولُ" بفتح اللام الأولى ورفع الثانية (٢) أي: إن كان مكرهم لو بلغ إلى الجبال ولم يبلغوا هذا ما قدروا على إزالة الإسلام حين دعوا لله ولدًا. قال الداودي: المعنى: وإن كان مكرهم ليكاد تزول منه الجبال، أي: تعظيمًا لمكرهم، وقرئ: (كاد) بالدال بدل النون (٣).

стр. 9098

وقال علي: إن نمروذًا لما طلعت به النسور بعد أن علق لها اللحم في الرماح استعلى، قيل له: أين تريد أيها الفاسق فأهبط وهو قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠] الآية (١)، و (الجبال): جبال الأرض أو الإسلام والقرآن؛ لأنه في ثبوته كالجبال.

стр. 9099

١ - باب قِصَاصِ المَظَالِمِ ٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ. [٦٥٣٥ - فتح ٥/ ٩٦] حَدّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمدٍ ﷺ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ بِهِ فِي الدُّنْيَا". وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، ثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ. الشرح: يريد البخاري بهذا التعليق بيان سماع قتادة لهذا الحديث من أبي المتوكل. ورواه أبو نعيم الحافظ، عن أبي علي محمد بن أحمد، ثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون، ثنا يونس بن محمد المروزي، ثنا شيبان، عن قتادة، ثنا أبو المتوكل فذكره وهو من أفراد البخاري، ومعاذ (ع) المذكور سكن اليمن مات سنة مائتين، ووالده هو هشام

стр. 9100

(ع) الدستوائي مات بعد الخمسين سنة إحدى أو ثلاث أو أربع (١). وقيل: في زمن أبي جعفر. وأبو المتوكل (ع) (٢) اسمه علي بن دُؤاد الناجي، أما أبو الصديق الناجي فاسمه: بكر بن عمرو. وقيل: ابن قيس، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك. وهذِه المقاصة كما قال ابن بطال: هي لقوم دون قوم وهم قوم لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم إذ لو استغرقتها كانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: خلصوا من النار، فمعنى الحديث -والله أعلم- على الخصوص لمن يكون له تبعات يسيرة؛ إذ المقاصة أصلها في كلام العرب مقاصصة وهي مفاعلة وهي لا تكون غالبًا إلا من اثنين كالمشاتمة والمقاتلة، وكأن كل واحد منهم له على أخيه مظلمة وعليه له مظلمة، ولم يكن في شيء منها ما يستحق عليه النار، فيتقاصون بالحسنات والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته فيدخلون الجنة، ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل واحد منهم من الحسنات؛ فلهذا يتقاصون بعد خلاصهم من النار -والله أعلم- لأن أحدًا لا يدخل الجنة ولأحدٍ عليه تباعة وإن قلت. فإذا نقوا وهذبوا دخلوا الجنة. وإنما عرفوا منازلهم بها لتكرر عرضها عليهم بالغداة والعشي، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة. وقال المهلب: هذِه المقاصة إنما تكون في المظالم في الأبدان من اللطمة وشبهها، مما يمكن فيه أداء القصاص بحضور بدنه، فيقال

стр. 9101

للمظلوم: إن شئت أن تنتصف وإن شئت أن تعفو. وقال غيره: الآثار تدل على أنه لا قصاص في الآخرة في العرض والمال وغيره إلا بالحسنات والسيئات، فمن ظلم غيره وكانت له حسنات أخذ منها وزيد في حسنات المظلوم، فإن لم يكن للظالم حسنات أخذ من سيئات المظلوم وردت على الظالم (١). قلت: قد روى أبو الفضل في "ترغيبه" (٢) من حديث سعيد بن المسيب أنه ﵇ قال: "إذا فرغ الله من القضاء أقبل على البهائم حتى أنه ليجعل للجماء التي تنطحها القرناء قرنين تنطح بهما الأخرى". وقال ابن التين: القنطرة: كل شيء ينصب على عين أو وادٍ أو شيء له عين، ويحتمل أن يكون طرف الصراط، قاله الداودي. وقال الهروي: سمي البناء قنطرة؛ لتكاتف بعض البناء على بعض، والقناطر عند العرب: الملأ الكبير، وسماها القرطبي: الصراط الثاني (٣). والأول لأهل المحشر كلهم إلا من دخل الجنة بغير حساب أو تلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من الأكثر - ولا يخلص منه إلا المؤمنون حبسوا على صراط خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هذا أحد، وهو معنى قوله: "يخلص المؤمنون من النار"، أي: من الصراط المضروب على النار.

стр. 9102

قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا قال لهم رضوان: سلام عليكم. وذكر القرطبي حديثًا أن الجنة بعد الصراط، فلعله بعد الثاني، هذا بدليل حديث البخاري أو يكون ذلك في حق من يدخل النار ويخرج بالشفاعة، فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "أصحاب الجسر محبوسون بين الجنة والنار يسئلون عن فضول أموال كانت بأيديهم" (١)، ولا تعارض بين هذا وحديث الباب؛ لأن معناهما مختلف لاختلاف أحوال الناس، وكذا لا تعارض بين قوله: "لأحدهم أهدى بمنزله كان في الدنيا" وبين قول عبد الله بن سلام: إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة. فإن هذا يكون ممن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجمع، فإذا وصلت بهم الملائكة كان كل واحد أعرف بمنزله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٦] وقال أكثر المفسرين: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بها من أهل (الجمعة) (٢) إذا انصرفوا. وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه (٣). وفيه بعد.

стр. 9103

وقوله: ("يتقاصون") أي: يتتاركون؛ لأنه ليس موضع مقاصة ولا حساب؛ لكن يلقي الرب ﷻ في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، فيتتاركون أو يعوض الله بعضهم من بعض. قال صاحب "المطالع": قوله: ("نقوا وهذبوا") لكافتهم، وعند المستملي: حتى إذا نقصوا وهدأوا. والتنقية: إفراد الجيد من الرديء، وسيأتي له تكملة في الرقاق والحشر إن شاء الله تعالى.

стр. 9104

٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". [هود: ١٨]. [٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤ - مسلم: ٢٧٦٨ - فتح ٥/ ٩٦] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَيُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". الشرح: (النجوى): ما يكلمه به ولا يسمعه غيره. و (كنفه) ستره. و (الأشهاد): الأنبياء أو الملائكة أو الخلائق، أو الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون والأجساد.

стр. 9105

يؤيد الأول قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] الآية. و (الأشهاد): جمع شهيد كشريف وأشراف أو شاهد كصاحب وأصحاب. قال المهلب: فيه عظيم تفضل الله تعالى على عباده وستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يضع عليه كنفه وستره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، وأنهم الذين ينادى عليهم على رءوس الأشهاد باللعنة لهم. وسيأتي في كتاب: الأدب في باب: ستر المؤمن على نفسه (١) حديث الباب والاستقصاء فيه. وفي كتاب التوحيد في باب: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٢)، ويأتي أيضًا في: تفسير سورة هود (٣)، وهو حجة أيضًا لأهل السنة أن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصي كما زعمت الخوارج. والمراد بالظلم في الآية: الكفر والنفاق، كما ذكر في الحديث: وليس كل ظلم يدخل في معنى الآية ويستحق اللعنة؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب، واللعن: الإبعاد، فدلت هذِه الآية أن الكلام ليس على العموم وأنه يفتقر إلى ما يبين معناه.
следующие страницы →