← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

للمظلوم: إن شئت أن تنتصف وإن شئت أن تعفو. وقال غيره: الآثار تدل على أنه لا قصاص في الآخرة في العرض والمال وغيره إلا بالحسنات والسيئات، فمن ظلم غيره وكانت له حسنات أخذ منها وزيد في حسنات المظلوم، فإن لم يكن للظالم حسنات أخذ من سيئات المظلوم وردت على الظالم (١). قلت: قد روى أبو الفضل في "ترغيبه" (٢) من حديث سعيد بن المسيب أنه ﵇ قال: "إذا فرغ الله من القضاء أقبل على البهائم حتى أنه ليجعل للجماء التي تنطحها القرناء قرنين تنطح بهما الأخرى". وقال ابن التين: القنطرة: كل شيء ينصب على عين أو وادٍ أو شيء له عين، ويحتمل أن يكون طرف الصراط، قاله الداودي. وقال الهروي: سمي البناء قنطرة؛ لتكاتف بعض البناء على بعض، والقناطر عند العرب: الملأ الكبير، وسماها القرطبي: الصراط الثاني (٣). والأول لأهل المحشر كلهم إلا من دخل الجنة بغير حساب أو تلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من الأكثر - ولا يخلص منه إلا المؤمنون حبسوا على صراط خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هذا أحد، وهو معنى قوله: "يخلص المؤمنون من النار"، أي: من الصراط المضروب على النار.

стр. 9102

قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا قال لهم رضوان: سلام عليكم. وذكر القرطبي حديثًا أن الجنة بعد الصراط، فلعله بعد الثاني، هذا بدليل حديث البخاري أو يكون ذلك في حق من يدخل النار ويخرج بالشفاعة، فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "أصحاب الجسر محبوسون بين الجنة والنار يسئلون عن فضول أموال كانت بأيديهم" (١)، ولا تعارض بين هذا وحديث الباب؛ لأن معناهما مختلف لاختلاف أحوال الناس، وكذا لا تعارض بين قوله: "لأحدهم أهدى بمنزله كان في الدنيا" وبين قول عبد الله بن سلام: إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة. فإن هذا يكون ممن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجمع، فإذا وصلت بهم الملائكة كان كل واحد أعرف بمنزله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٦] وقال أكثر المفسرين: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بها من أهل (الجمعة) (٢) إذا انصرفوا. وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه (٣). وفيه بعد.

стр. 9103

وقوله: ("يتقاصون") أي: يتتاركون؛ لأنه ليس موضع مقاصة ولا حساب؛ لكن يلقي الرب ﷻ في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، فيتتاركون أو يعوض الله بعضهم من بعض. قال صاحب "المطالع": قوله: ("نقوا وهذبوا") لكافتهم، وعند المستملي: حتى إذا نقصوا وهدأوا. والتنقية: إفراد الجيد من الرديء، وسيأتي له تكملة في الرقاق والحشر إن شاء الله تعالى.

стр. 9104

٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". [هود: ١٨]. [٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤ - مسلم: ٢٧٦٨ - فتح ٥/ ٩٦] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَيُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". الشرح: (النجوى): ما يكلمه به ولا يسمعه غيره. و (كنفه) ستره. و (الأشهاد): الأنبياء أو الملائكة أو الخلائق، أو الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون والأجساد.

стр. 9105

يؤيد الأول قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] الآية. و (الأشهاد): جمع شهيد كشريف وأشراف أو شاهد كصاحب وأصحاب. قال المهلب: فيه عظيم تفضل الله تعالى على عباده وستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يضع عليه كنفه وستره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، وأنهم الذين ينادى عليهم على رءوس الأشهاد باللعنة لهم. وسيأتي في كتاب: الأدب في باب: ستر المؤمن على نفسه (١) حديث الباب والاستقصاء فيه. وفي كتاب التوحيد في باب: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٢)، ويأتي أيضًا في: تفسير سورة هود (٣)، وهو حجة أيضًا لأهل السنة أن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصي كما زعمت الخوارج. والمراد بالظلم في الآية: الكفر والنفاق، كما ذكر في الحديث: وليس كل ظلم يدخل في معنى الآية ويستحق اللعنة؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب، واللعن: الإبعاد، فدلت هذِه الآية أن الكلام ليس على العموم وأنه يفتقر إلى ما يبين معناه.

стр. 9106

وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] أن السؤال عن النعيم الحلال، إنما هو سؤال تقرير وتوقيف له على نعمه التي أنعم بها عليه، ألا ترى أنه تعالى يوقفه على ذنوبه التي عصاه فيها ثم يغفرها له، وإذا كان ذلك فسؤاله تعالى عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال تقرير، لا سؤال حساب وانتقام.

стр. 9107

٣ - باب لَا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ ٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". [٦٩٥١ - مسلم: ٢٥٨٠ - فتح ٥/ ٩٧] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. قال الترمذي: غريب (١). وأخرجه من حديث أبي هريرة وهو في مسلم أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٢). ولمسلم عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "المؤمن أخو المؤمن" الحديث (٣). وهو حديث شريف يحتوي على كثير من آداب الإسلام.

стр. 9108

ومعنى ("لا يسلمه"): لا يتركه مع من يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، ونصره فرض كما سيأتي. قال ابن التين: كونه لا يظلمه فرض عليه. ("ولا يسلمه") قال أبو عبد الملك: هو مستحب. وظاهر كلام الداودي أنه كظلمه، وهو يحتاج إلى تفصيل إما أن يفجأه عدو أو نحوه فيجب عليه نصره، وأما أن يعينه في أمر دنياه فمستحب. وقوله: ("المسلم أخو المسلم") هو من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والله تعالى حرم كثير الظلم وقليله. وقوله: ("ولا يسلمه") هو مثل قوله ﵇: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (١). وباقي الحديث حض على التعاون وحسن المعاشرة والألفة والستر على المؤمن وترك التسمع به والإشهار لذنوبه، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وفيه: أن المجازاة في الآخرة قد تكون من جنس الطاعة في الدنيا. وقال ابن المنذر: ويستحب لمن اطلع من أخيه على عورة أو زلة توجب حدًّا أو تعزيرًا أو يلحقه في ذلك عيب أو عار أن يستر عليه رجاء الثواب، ويجب لمن بُلِيَ بذلك أن يستتر بستر الله، فإن لم يفعل ذلك الذي أصاب الحد، وأبدى ذلك للإمام وأقر بالحد لم يكن آثمًا؛ لأنا لم نجد في الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن ذلك؛ بل الأخبار دالة على أن من أصاب حدًا أقيم عليه فهو كفارته (٢).

стр. 9109

قلت: والستر عليه لا يدفع الإنكار عليه خفية، وهذا في غير المجاهر بل الذي وقع ذلك فلتة أو زلة، أما المجاهر فخارج عنه ولا غيبة له لحديث: "أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس" (١) لكنه ضعيف. ومعنى (فرج كربة): غمة. وقولى: ("من كرب"). وفي رواية: "من كربات"، وعليها اقتصر ابن التين قال: وضبط بضم الراء، ويجوز فتحها وإسكانها.

стр. 9110

٤ - باب أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". [٢٤٤٤، ٦٩٥٢ - فتح ٥/ ٩٨] ٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ". [انظر: ٢٤٤٣ - فتح ٥/ ٩٨] ذكر فيه حديث أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". وفي رواية (١): قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، هذا نَنْصُره مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ بَدَيْهِ". النصرة عند العرب: الإعانة والتأييد، وقد فسر الشارع أن نصر الظالم منعه من الظلم؛ لأنه إذا تركه على ظلمه ولم يكفه عنه أداه إلى أن يقتص منه، فمنعك له ما يوجب عليه القصاص نصرة له، وهذا من باب الحكم للشيء، وتسميته بما يئول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، وسيأتي إيضاحه في الباب بعده. واعلم أن البخاري روى هذا الحديث عن شيخين أحدهما: عثمان بن أبي شيبة، والثاني: مسدد.

стр. 9111

وأبو بكر بن أبي شيبة رواه مطولًا، والبخاري رواه عن عثمان مختصرًا، ولفظ ابن أبي شيبة (١) قيل: يا رسول الله، هذا أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم وتحجزه". ثم إن البخاري بوب بلفظ: أَعِنْ. وأورد لفظ: "انصر" ولا شك أنه أعانه، وعثمان شيخ البخاري رواه كتبويبه، كما ساقه أبو نعيم، فيجوز أن يكون قصر به. وزعم المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر" أن أول من قال: أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مري بن أُدّ بقوله لسعيد بن زيد مناة لما أسر: يا أيها المرء الكريم المكسوم … انصر أخاك ظالمًا أو مظلوم وأنشد التاريخي للأسلع بن عبد الله النعامي: إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالمُ … على القوم لم أنصر أخي حين يُظْلَمُ

стр. 9112

٥ - باب نَصْرِ المَظْلُومِ ٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ، سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِى، وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ٥/ ٩٩] ٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [انظر: ٤٨١ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح ٥/ ٩٩] ذكر فيه حديث البَرَاءِ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّباعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وإِجَابَةَ الدَّاعِي، وإِبْرَارَ المُقْسِمِ. وحديث أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. هذان الحديثان سلفا، الأول: في الجنائز، والثاني: في باب تشبيك الأصابع في المسجد. ونصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه. وأما عيادة المريض فهي سنة مرغب فيها مندوب إليها. واتباع الجنائز من فروض الكفايات لمن قام بها.

стр. 9113

وتشميت العاطس سنة (١). وقيل: فرض كفاية. حكاه ابن بطال (٢)، وبه قال ابن سراقة -من أصحابنا- في كتاب "الدرة" أنه واجب كرد السلام، وإجابة الداعي سنة أيضًا إلا إنه في الوليمة فرض عين، وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنة. وقال ابن بطال: هو في الوليمة آكد، وإبرار المقسم مندوب إليه إذا أقسم عليه في مباح يستطيع فعله، فإن أقسم على ما لا يجوز أو يشق على صاحبه لم يندب إلى الوفاء به، وسيأتي كلام الطبري في حديث البراء في إفشاء السلام من الاستئذان بعد تقصي القول في معانيه -إن شاء الله تعالى- وفي النكاح في إجابة دعوة الوليمة، وقد سلف جملة منه في الجنائز (٣).

стр. 9114

٦ - باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. [فتح: ٥/ ٩٩] الشرح: الانتصار من الظالم مباح بهذِه الآية. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت هذِه الآية في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته ويؤذيه بما فعل به (١). وقيل ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية [النساء: ١٤٨] يدعو على ظالمه أو يخبر بظلمه إياه أو يستنصر منه. وقيل: إنه الصديق شتمه رجل فسكت، ثم أعاد فردَّ عليه. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ﴾ الآية [الشورى: ٣٩] أي: بغي المشركين عليهم، في الذين انتصروا منهم بالسيف. أو إذا بغى عليهم باغ كره أن يستذلوا لئلا يجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا كما ذكر عن إبراهيم، وقد أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" عن قبيصة، ثنا سفيان، عن منصور عنه -كما ذكره البخاري، وفي رواية أخرى كما ذكرنا- ولفظه: قال منصور: سألته عن الآية قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيتجرأ الفساق عليهم، هذا يرد قول ابن التين: قول

стр. 9115

إبراهيم كانوا يكرهون أن يذلوا، زاد غيره: فيجترئ عليهم الفساق. وقد علمت أنه زادها لا غيره. وقيل: معنى الآية: إذا بُغي عليهم تناصروا وأزالوه، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] أي: استوفى حقه، فأباح الانتصار بهذِه الآيات. و (البغي): الظلم، فينتصر المظلوم ممن ظلمه، فيقتص منه جزاء سيئة سيئة مثلها، وقراءة العامة: (ظُلم) بضم الظاء، أي: فإنه يذكر ما فُعل به كما أسلفناه. قال الحسن: لا ينبغي أن يدعو عليه وليقل: اللهم أعني عليه (١). وقال قطرب: يريد المكره عليه فإنه موضوع عنه وإن كفر (٢). وقرئ بفتح الظاء، قال الضحاك: فإنه يجهر فيه اعتداء (٣). وقيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فقال سوءًا، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه ويكون استثناء ليس من الأول (٤). وأما قول إبراهيم: إنهم كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإنه ﵇ قد روي عنه هذا المعنى في استعاذته من غلبة الرجال ومن شماتة الأعداء (٥).

стр. 9116

وقوله: (فإذا قدروا عفوا)، فإن العفو أجمل وأفضل لما جاء في ثوابه وعظيم أجره، وقد أثنى الله على من فعل ذلك فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣] وهذِه السبيل امتثل الشارع في خاصة نفسه، فكان لا ينتقم لنفسه ولا يقتص ممن جفا عليه ولم يوقره، وقد جفا عليه كثير من الأعراب وقال له القائل (١): إنك ما عدلت منذ اليوم (٢). فآثر الأخذ بالعفو وليسن لأمته. وقال الداودي لما ذكر قول إبراهيم: سببه أنه قد تنتهك حرمته ويؤخذ ماله ويضيع حقه. قال: ولما ولي الحجاج العراق قال: لا يؤم مولى. فقال أهل مسجد ليحيى بن وثاب (خ م ت س ق) وكان يؤمهم: قد أمر الأمير أن لا يؤم مولى وأنت مولى. فقال: ليس عن مثلي نهى. وكان أحد القراء واحد العلماء فمضى إلى قرب قصر الحجاج فجلس يقرأ، فقال الحجاج ماله؟ قيل له: هو مولى وأنت نهيت لا يؤم مولى فقال: ليس عن مثل هذا نهيت، فرجع يحيى فصلى بهم صلاة يؤم ثم قال: إنما كرهت أن تذلوني، فهذا صار إليَّ فوالله الذي لا إله إلا هو لا أصلي بكم أبدًا (٣).

стр. 9117

٧ - باب عَفْوِ المَظْلُومِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٤] [فتح ٥/ ١٠٠] التفسير: معنى ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ [النساء: ١٤٩] بدلًا من السوء أو تخفوا السوء، وإن لم تبدوا خيرًا عفوًا عن السوء كان أولى، وإن كان ترك العفو جائزًا. وقال الثعلبي: الخير هنا: المال، وقيل: الحسنة. وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] يريد به القصاص في الجراح المتماثلة أو في الجراح. وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله قابله بمثله، ولا يقابل القذف بالقذف ولا الكذب بالكذب. وأصلح العمل، أي: بينه وبين أخيه فأجره على رب العفو. وسميت الثانية سيئة لازدواج الكلام، ليعلم أنه جزاء على الأول. وقوله: (﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾) [الشورى: ٤١] سلف تفسيرها في الباب قبله. قال قتادة: هذا في القصاص، وأما من ظلمك فلا يحل لك أن تظلمه (١).

стр. 9118

وروي عن الحسن قال: إذا لُعن لَعن، وإذا سُب دسَب ما لم يكن حدًّا أو كلمة لا تصلح (١). وقيل: المستحب العفو بدليل: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣]. والصحيح لا كراهة فيه وأنه مخير، نعم الأفضل العفو من غير كراهة في الآخَر، ومن كانت له زلة وعلم أنه لا يعود إلى ظلمه كان الصبر أولى، ومن كان متماديًا على جرأته فالصبر فيه ليس بمحمود. وقوله: (﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾) [الشورى: ٤٢] أي: بعداوتهم، أي: بالشرك المخالف لدينهم، ﴿وَيَبغُونَ﴾ [الشورى: ٤٢] يعملون المعاصي، أو نزلت في النفوس والأموال، أو ما ترجوه قريش من أن يكون بمكة غير الإسلام. ﴿عَزم الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] العزائم التي أمر الله بها أو عزائم الصواب التي وفق لها، نزلت مع ثلاث آيات قبلها في أبي بكر، شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم سكت عنه، وقد سلف. وما أسلفناه من أن العفو أولى وجهه ما جاء فيه من الترغيب. وروي عن أحمد بن حنبل قال: قد جعلت المعتصم بالله في حل من ضربي ومحنتي؛ لأنه حدثني هاشم بن القاسم عن ابن المبارك: حدثني من سمع الحسن البصري يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، ويصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وكان أحمد يقول: ما أحب أن يعذب الله بسببي أحدًا (٢).

стр. 9119

وقال ابن الأنباري: كان الحسن البصري يدعو ذات ليلة: اللهم اعف عمن ظلمني. وأكثر في ذلك فقال له رجل: يا أبا سعيد، لقد سمعتك الليلة تدعو لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون أنا فيمن ظلمك، فما دعاك إلى ذلك: قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾.

стр. 9120

٨ - باب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ ٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ". [مسلم: ٢٥٧٩ - فتح ٥/ ١٠٠] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ". وقد أخرجه مسلم أيضًا وأخرجاه من حديث جابر أيضًا بلفظ: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (١). وقال الترمذي في الأول حديث حسن غريب من حديث ابن عمر (٢). قلت: وروي، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" (٣). والظلم يشتمل على معصيتين أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الآمر بالعدل بالمخالفة، وهذِه أدهى؛ لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي لا ناصر له غير الله تعالى، وإنما ينشأ من ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لنظر في العواقب، نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 9121

وقال القزاز: الظلم هنا هو الشرك، أي: هو عليهم ظلام وعمى، ومن هذا زعم بعض اللغويين أن اشتقاق الظلم من الظلام كأن ما عليه في ظلام عن الحق، والذي عليه الأكثرون أنه وضع الشيء في غير موضعه. قال المهلب: وهذِه الظلمات لا نعرف كيف هي؟ إن كانت من عمى القلب أو هي ظلمات على البصر، والذي يدل عليه القرآن أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] فدلت هذِه الآية أنهم حين منعوا النور بقوا في ظلمة غشيت لأبصارهم، كما كانت أبصارهم في الدنيا عليها غشاوة من الكفر، وقال تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] [فأثاب] (١) المؤمنين بلزوم نور الإيمان لهم ولذذهم بالنظر إليه وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه تعالى، وهذا حديث مجمل بينه دليل القرآن.

стр. 9122

٩ - باب الاِتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ ٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ المَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ". [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح ٥/ ١٠٠] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَاب". هذا الحديث تقدم في الزكاة، ويريد به أنه لا يردها، ولو كانت من كافر لم ينجح بظلمه. وقد فسر ذلك عمر في حديث الحمى فقال: اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة (١). وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "دعوة المظلوم مجابة، وإن كان فاجرًا فجوره على نفسه" (٢). وقال عون بن عبد الله: أربع دعوات لا تُرد ولا يحجبن عن الله: دعوة والد راض، وإمام مقسط، ودعوة مظلوم، ودعوة رجل دعا لأخيه بظهر الغيب (٣).

стр. 9123

١٠ - باب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ ؟ ٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ، لأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِى لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ. [٦٥٣٤ - فتح ٥/ ١٠١] ذكر فيه حديث سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كانَ لَهُ عَمَل صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ نَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيُّ، لأَنَّهُ كَانَ ينْزِلُ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ. قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَني لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانَ. الشرح: قام الإجماع على أنه إذا بين ما ظلمه به فأبرأه فهو نافذ. واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة، ثم حلل بعضهم بعضا من كل ما جرى بينهما من ذلك، فقال قوم: إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة وإن لم يبين مقداره.

стр. 9124

وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ماله عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في مثله، وهذا الحديث حجة لهذا؛ لأن قوله ﵇: "أخذ منه بقدر مظلمته" يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه. وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا، وكان ابن يسار يحلل من العرض والمال. قال مالك: أما من المال فنعم، وأما من العرض فإنما السبيل على الذين يظلمون الناس. قال الداودي: أحسب مالكًا أراد إن أصاب من عرض رجل لم يجز لوارثه أن يحلله. قال ابن التين: وأراه خلافًا لقول مالك؛ لأنه قال: إن مات ولا وفاء عنده فالأفضل أن يحلله، وأما من ظلم أو اغتاب فلا، وذكر الآية. وكان بعضهم يحلل من ظلمه، ويتأول: (الحسنة بعشر أمثالها)، وكان القاسم يحلل من ظلمه. وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: يا أبا بكر، اجعلني في حل فقد اغتبتك. فقال: لا أحل ما حرم الله، ولكن ما كان من قبلي فأنت في حل (١). وقال الخطابي: إذا اغتاب رجل رجلًا فإن كان بلغ المقول فيه ذلك فلابد أن يستحله، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره، وأما التحلل في المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم، وقال بعض أهل العلم: إنما يصح ذلك في المنافع التي هي أعراض مثل أن يكون قد غصبه دارًا فسكنها أو دابة فركبها أو ثوبًا فلبسه أو تكون أعيانًا فتلفت، فإذا تحلل منها

стр. 9125

صح التحلل، وإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلا أن يهب أعيانها منه فتكون هبة مستأنفة (١). تنبيهات: أحدها: "مظلمة": بضم اللام وكسرها، قاله القزاز، وفي "أدب الكاتب" لابن قتيبة: بفتح اللام، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة: بفتح اللام وكسرها، قال: وضبط عن صاحب "الصحاح" ضمها، وهو كما قال خطأ. ثانيها: جاء في حديث آخر: "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس" (٢) وهو دال على البراءة قبل الوقوع، وهذا الحديث أخرجه البخاري في "الضعفاء"، وكذا ابن عدي من حديث العمي عن ثابت، عن أنس وهو علته (٣). ورواه البخاري في "الضعفاء" من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان مرفوعًا (٤)، وهذا مرسل، وكذا أخرجه أبو داود في "مراسيله"، ثم قال: إنه أصح من رواية العمي (٥).

стр. 9126

وظن ابن عبد البر أنه صحابي (١)، وتبعه الذهبي، وليس كذلك، فإنه من الأمم قبلنا كما وقع في رواية البخاري في "الضعفاء" وغيره (٢). ثالثها: قوله: ("فليتحلله") يقال: تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل. ومعنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة، ويجعل على الظالم عقوبة سبابه بدل حقه. وقال في الحديث السالف: "يتقاصون مظالم كانت بينهم" (٣) وهي مواقف ومظالم.

стр. 9127

١١ - باب إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ (١) فَلَا رُجُوعَ فِيهِ ٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح ٥/ ١٠٢] ذكر فيه حديث عائشة في هذِه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]، قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرِ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأنِي فِي حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِي ذَلِكَ. قوله في الترجمة: (فلا رجوع فيه) يريد كما قال ابن التين: ليس للمرأة رجوع فيما مضى، ولها عند مالك أن ترجع فيما يستقبل. وقال الداودي: ليس الاسم بموافق للحديث؛ لأن هذا فيما يأتي وليس بظلم. والنشوز من الزوج: أن يسيء عشرتها ويمنعها النفقة. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة. ففعل فأنزل الله: "أَن يَصَّالحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" (٢) [النساء: ١٢٨]، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (٣)، فلم يكن

стр. 9128

لسودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، كذا قاله ابن بطال (١). وروى الشافعي عن ابن [عيينة] (٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا إما كبرًا وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني [واقسم لي] (٣) ما بدا لك فأنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية (٤) [النساء: ١٢٨]. وفي "الموطأ" عن ابن شهاب، عن رافع أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة حتى كبرت، فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فطلقها، ثم راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، ثم رضيت باستقرارها على الأثرة ولم ير رافع عليه إثمًا (٥). ولأبي داود نزولها في سودة أيضًا وأشباهها فوهبت يومها لعائشة، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٦). وذكر ابن أبي حاتم أنها نزلت بسبب أبي السنابل بن بعكك وامرأته (٧). وفي "تفسير مقاتل" أنها نزلت في خويلة بنت معمر بن مسلمة حين أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها.

стр. 9129

وفي كتاب عبد الرزاق خولة. وقيل إن زوجها سعد بن الربيع. وفي "تفسير الثعلبي": هي عمرة بنت محمد بن مسلمة. واعلم أن ما قدمناه من اعتراض الداودي على الترجمة خالفه ابن المنير فقال: [ما] (١) الترجمة في الظاهر مطابقة؛ لأنها تتناول إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه، وأما البخاري فتلطف في الاستدلال وكأنه يقول: إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى، ولهذا اختلف العلماء في إسقاط الحق قبل وجوبه هل ينفذ أم لا؟ وما اختُلف في نفوذه بعد الوجوب (٢). ثم اعلم أيضًا أن البخاري ذكر حديث الباب في باب: المرأة تهب (يومها) (٣) من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك (٤)؟ زاد مسلم: قالت عائشة: وكانت سودة أول امرأة تزوجها من بعدي (٥). وفيه إشكال؛ لأنه تزوجها قبلها إلا أن يكون عقد (٦) عليها قبل عائشة ولم يدخل بها إلا بعدها نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 9130

وقول البخاري: (كيف يقسم ذلك) يريد أن يكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة، فإن كان يوم سودة ثالثًا ليوم عائشة أو رابعًا أو خامسًا استحقت عائشة على حسب القسمة التي كانت لسودة، ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم ولا يكون تاليًا ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة، وعندنا أنها إن وهبت لمعينة بات عندها ليلتيهما، وقيل: يواليهما أَوْ لَهُنَّ سوى. أَوْ لَهُ فَلَه التخصيص على الأصح. وقيل: يسوي، وأجراه الشارع مجرى الحقوق الواجبة، ولم يجره على أصل المسألة من الحكم فيما جعله الله له من ذلك، قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فأجراه مجرى الحقوق وتفضلًا منه ﵇ ليكون أبلغ في رضاهن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية، أي: لا يحزنَّ إذا كان هذا منزلًا عليك من الله ويرضين بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء. قال قتادة في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ إنه شيء خص الله به نبيه وليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما بدا له بغير طلاق وإذا شاء راجعها. قال غيره: وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، وكان ممن أرجأ سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء.

стр. 9131

واختلفوا في كم يقسم لكل واحدة من نسائه، فقيل: يوم. قال ابن القاسم: لم أسمع مالكًا يقول إلا يومًا لهذِه ويومًا لهذِه (١). وقيل: ليلة. وهو أفضل، ويجوز ثلاثًا ولا زيادة، وهو مذهبنا. قال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم إذ لا حجة مع من تخطى سنة رسول الله ﷺ إلى غيرها، ألا ترى قوله في الحديث أن سودة وهبت يومها لعائشة ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة أيام لجاز خمسة وشهرًا ثم تخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، ولا يجوز معارضة السنة، وكان مالك يقول: لا بأس أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة، ولا يقيم عند الحرة إلا يومًا من غير أن يكون مضارًا، وكذلك قال الشافعي: يأتي الإماء ما شاء أكثر مما يأتي الحرائر الأيام والليالي، فهذا صار إلى الحرائر عدل بينهن (٢)، وهذا موضعه كتاب النكاح، لكنا تعجلناه. وفي الحديث أيضًا جواز هبة بعض الزوجات يومها لبعضهن، ولا يكون ذلك إلا برضا الزوج، والتسوية بينهن كان غير واجب عليه (٣) على أحد الوجهين عندنا، وإنما كان يفعله تفضلًا. قال الداودي: وإذا رضيت بترك القسم والإنفاق عليها ثم سألته العدل فلها ذلك. وفي "المدونة": النفقة تلزمها إذا تركها؛ لأن المغيرة لا تملكها بخلاف النفقة.

стр. 9132

١٢ - باب إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ ٢٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ ". فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح ٥/ ١٠٢] ذكر فيه حديث سهل بن سعد السالف: أَنَّه ﵇ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ. وفي آخره: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدهِ. قال المهلب: لو حلل الغلام من نصيبه الأشياخ وأذن في إعطائه لهم: لكان ما حلل منه غير معلوم؛ لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا يشربون ولا مقدار ما كان يشرب هو، ولا شك أن سبيل ما يوضع للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة التشاح، وقد طابت نفوس أصحاب رسول الله ﷺ في سبي هوازن جملة. وقبل ذلك التطييب، ولم يعرف مقدار ما كان بيد كل واحد منهم، وسيأتي في كتاب: الهبات، في باب: الهبة المقسومة الخلاف في ذلك واضحًا، والمعروف من مذهب مالك أن هبة المجهول جائزة مثل أن يهب رجل نصيبه من ميراث رجل أو من دار لا يعرف مقداره، وكذلك كل ما لا يؤخذ عليه عوض فهبته عنده جائزة. ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور جواز هبة المشاع، ويأتي فيها القبض كما يجوز فيها البيع، وسواء أكان المشاع مما يقسم كالدور والأرض أو مما لا يقسم كالعبيد والثياب

стр. 9133

والجواهر، وسواء كان مما يقبض بالتخلية أو مما يقبض بالتحويل. وقال أبو حنيفة: إن كان المشاع مما يقسم لم يجز هبة شيء منه مشاعًا، وإن كان مما لا يقسم يجوز هبته (١). فائدة: معنى: (تلَّه): دفعه إليه بعنف وقوة. قاله الخطابي (٢). وقال غيره: تله: وضعه في يده، وأنكر مقالته هذِه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتَلَهُ للجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه ولكن برفق لا بعنف. قال ابن التين: ومن قال: الغلام ابن عباس يؤخذ منه أن الصبي يسمى غلامًا، ومن قال: إنه الفضل، أخذ منه أن البالغ يسمى غلامًا. فائدة ثانية: حديث هذا الباب مثل حديث أبي هريرة السالف في باب: من كانت له مظلمة فحللها له هل يبين مظلمته (٣)، إلا أن تلك كبائر وواجبات، وهذا ضرب من الاستحباب وليس فيه بيان لما بوب عليه، كما نبه عليه ابن التين (٤).

стр. 9134

١٣ - باب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". [٣١٩٨ - مسلم: ١٦١٠ - فتح ٥/ ١٠٣] ٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". [٣١٩٥ - مسلم: ١٦١٢ - فتح ٥/ ١٠٣] ٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ". قال الفِرَبْريُّ: قَالَ أَبُو جَعْرِ بنُ أَبي حَاتم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ هَذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ. [٣١٩٦ - فتح ٥/ ١٠٣] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ النبي ﷺ : "مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". ثانيها: حديث أبي سَلَمَةَ حدثهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَة، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".

стр. 9135

ثالثها: حديث ابن عمر قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: هذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانِي فِي كِتَابِ ابن المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ. الشرح: حديث سعيد بن زيد أخرجه مسلم أيضًا، وكذا حديث عائشة وحديث ابن عمر من أفراده، وخرجه في بدء الخلق أيضًا، وانفرد به مسلم من حديث أبي هريرة (١). قال الدارقطني في حديث سعيد بن زيد: تابع شعيبًا -يعني: شيخ شيخ البخاري- مالك … وعدَّد جماعات (٢). ورواه يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الراوي، عن سعيد بن زيد قوله. ورواه ابن عيينة عن الزهري، عن طلحة، عن سعيد نفسه (٣)، ولم يذكر عبد الرحمن. وكذا رواه ابن خزيمة عن محمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن طلحة. قال ابن خزيمة: إن كان ابن إسحاق سمع هذا الخبر من الزهري ففيه دلالة واضحة على صحة رواية ابن عيينة، وأن طلحة سمع من سعيد بن زيد.

стр. 9136

وكذا رواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون (١)، ورواه سعيد بن الصلت عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الزهري، عن طلحة، عن عمرو بن سهل، عن سعيد. ورواه سعيد بن عبد الرحمن عن الزهري، عن سعيد لم يذكر بينهما أحدًا، وكذا قال أبو جعفر الرازي، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد، وقال سعيد بن سليمان: عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد. وقال سعيد بن سليمان، مرة به وأبدل سعيدًا بطلحة، وزاد بعده عن سعيد. ورواه سفيان بن حسين، عن الزهري قال: ابن المسيب، عن سعيد بن زيد، وهو وهم. قال الدارقطني: وأحبها إليَّ من قال الزهري، عن طلحة، عن عبد الرحمن (٢). قال الخطابي: قوله: ("طوقه من سبع أرضين") له وجهان: أحدهما: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه. وروي معناه في بعض الأحاديث. والآخر: أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين كما في حديث ابن عمر (٣). وقال ابن بطال: قد جاء عن النبي ﷺ كيف صورة هذا التطويق، رواه الطبري، حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا حسين بن علي، عن زائدة،

стр. 9137

عن الربيع، (عن أيمن وابن أبي ثابت) (١)، حدثني يعلى بن مرة الثقفي سمعت النبي ﷺ يقول: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس". رواه الشعبي عن أيمن، عن يعلى، عن رسول الله ﷺ وقال فيه: "من سرق شبرًا من أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين". ورواه مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو يعفور، ثنا أيمن (عن) (٢) يعلى بن مرة (٣) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (٤). قلت: الصواب: أيمن عن يعلى، وظن ابن منده وأبو نعيم صحبة أيمن بن يعلى فوهما (٥). وقال ابن الجوزي: هذا من تطويق التكليف لا من التقليد.

стр. 9138

قال: وليس ذلك بممتنع فإنه صح عن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم يأتي على رقبته بعير أو شاة" (١) وأما الخسف أن تخسف به الأرض بعد موته أو في حشره. وقال المهلب: معنى الخسف به: أن يلج في سبع أرضين فتكون كلها على عنقه، فهذا تطويق له. وعبارة غيره: يتجلجل فيما بينها. أي: يهوي، كقوله في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. قال الخطابي: وفيه دليل أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سردابًا أو بئرًا سواء ضرَّ ذلك بأرضه أم لا (٢)؛ لأن حكم أسفلها تبع أعلاها كما قال ابن الجوزي. واختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدِنًا أو شبهه: فقيل: هو له. وقيل: بل للمسلمين. حكاهما القرطبي. قال: وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. واستدل الداودي على أن السبع الأرضين بعضها على بعض لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنه لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره.

стр. 9139

وقيل: بين كل أرض وأرض خمسمائة عام مثل ما بين كل سماء وسماء وغلظ كل سماء، كذلك قيل في خبر فيه معارضة السند (١)، قال: وقيل: معنى يطوَّق: يحتمل أن يقوم بها كما غصبها فهو يعذب ليقوم وهو لا يقوم (٢)، وهذا سلف وقيد الشيء: قدره.

стр. 9140

١٤ - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ (١) ٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح ٥/ ١٠٦] ٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. [٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح ٥/ ١٠٦] تقدير ذلك كما قال ابن التين: إذا أذن إنسان لآخر في شيء، فلما سقط حرف الجر تعدى الفعل فنصب مثل: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ثم ساق حديث جَبَلَةَ: كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. وحديث أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبِ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةِ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُل لَمْ يُدْعَ .. لحديث.
следующие страницы →