← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وكذا رواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون (١)، ورواه سعيد بن الصلت عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الزهري، عن طلحة، عن عمرو بن سهل، عن سعيد. ورواه سعيد بن عبد الرحمن عن الزهري، عن سعيد لم يذكر بينهما أحدًا، وكذا قال أبو جعفر الرازي، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد، وقال سعيد بن سليمان: عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد. وقال سعيد بن سليمان، مرة به وأبدل سعيدًا بطلحة، وزاد بعده عن سعيد. ورواه سفيان بن حسين، عن الزهري قال: ابن المسيب، عن سعيد بن زيد، وهو وهم. قال الدارقطني: وأحبها إليَّ من قال الزهري، عن طلحة، عن عبد الرحمن (٢). قال الخطابي: قوله: ("طوقه من سبع أرضين") له وجهان: أحدهما: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه. وروي معناه في بعض الأحاديث. والآخر: أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين كما في حديث ابن عمر (٣). وقال ابن بطال: قد جاء عن النبي ﷺ كيف صورة هذا التطويق، رواه الطبري، حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا حسين بن علي، عن زائدة،

стр. 9137

عن الربيع، (عن أيمن وابن أبي ثابت) (١)، حدثني يعلى بن مرة الثقفي سمعت النبي ﷺ يقول: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس". رواه الشعبي عن أيمن، عن يعلى، عن رسول الله ﷺ وقال فيه: "من سرق شبرًا من أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين". ورواه مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو يعفور، ثنا أيمن (عن) (٢) يعلى بن مرة (٣) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (٤). قلت: الصواب: أيمن عن يعلى، وظن ابن منده وأبو نعيم صحبة أيمن بن يعلى فوهما (٥). وقال ابن الجوزي: هذا من تطويق التكليف لا من التقليد.

стр. 9138

قال: وليس ذلك بممتنع فإنه صح عن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم يأتي على رقبته بعير أو شاة" (١) وأما الخسف أن تخسف به الأرض بعد موته أو في حشره. وقال المهلب: معنى الخسف به: أن يلج في سبع أرضين فتكون كلها على عنقه، فهذا تطويق له. وعبارة غيره: يتجلجل فيما بينها. أي: يهوي، كقوله في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. قال الخطابي: وفيه دليل أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سردابًا أو بئرًا سواء ضرَّ ذلك بأرضه أم لا (٢)؛ لأن حكم أسفلها تبع أعلاها كما قال ابن الجوزي. واختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدِنًا أو شبهه: فقيل: هو له. وقيل: بل للمسلمين. حكاهما القرطبي. قال: وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. واستدل الداودي على أن السبع الأرضين بعضها على بعض لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنه لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره.

стр. 9139

وقيل: بين كل أرض وأرض خمسمائة عام مثل ما بين كل سماء وسماء وغلظ كل سماء، كذلك قيل في خبر فيه معارضة السند (١)، قال: وقيل: معنى يطوَّق: يحتمل أن يقوم بها كما غصبها فهو يعذب ليقوم وهو لا يقوم (٢)، وهذا سلف وقيد الشيء: قدره.

стр. 9140

١٤ - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ (١) ٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح ٥/ ١٠٦] ٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. [٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح ٥/ ١٠٦] تقدير ذلك كما قال ابن التين: إذا أذن إنسان لآخر في شيء، فلما سقط حرف الجر تعدى الفعل فنصب مثل: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ثم ساق حديث جَبَلَةَ: كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. وحديث أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبِ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةِ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُل لَمْ يُدْعَ .. لحديث.

стр. 9141

وقد سلف بطوله في باب: ما قيل في اللحام والجزار من البيوع، وانفرد به مسلم من طريق جابر (١)، وأخرج الأول مسلم أيضًا والأربعة (٢). قال شعبة: لا أرى هذِه الكلمة إلا كلمة ابن عمر. يعني: الاستئذان، كذا في مسلم، وفي البخاري عن شعبة: الإذن من قول ابن عمر (٣). وذكر الحافظ الخطيب في كتابه "الفصل والوصل" أن قوله: (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) من قول ابن عمر وليس من قول رسول الله ﷺ ، بيَّن ذلك آدم بن أبي إياس وشبابة بن سوار عن شعبة، وقال عاصم بن علي عن شعبة: أرى الإذن من قول ابن عمر (٤). قلت: قد أخرجا من حديث جبلة بن سحيم: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه، وهذا ظاهر في رفعه. ولأحمد من حديث الحسن عن سعد مولى أبي بكر قال: قدمت بين يدي رسول الله ﷺ تمرًا، فجعلوا يقرنون فقال ﵇: "لا تقرنوا" (٥). ولابن شاهين في "ناسخه" من حديث عطاء الخراساني عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: "إني كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، وإن الله قد أوسع الخير فأقرنوا".

стр. 9142

ثم قال: الحديث الذي فيه النهي صحيح الإسناد، والذي فيه الإباحة ليس بذاك القوي؛ لأن في سنده اضطرابًا، وإن صح فيحتمل نسخه للنهي (١). وقال الحازمي -وقد ذكرهما-: الإسناد الأول أصح وأشهر من الثاني، غير أن الخطب في هذا الباب يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات والتكاليف، وإنما هو من قبيل المصالح الدنياوية فيكفي في ذلك الحديث الثاني، ثم يشيده إجماع الأمة على خلاف ذلك، ثم قيل: إن النهي كان حيث كان العيش زهيدًا والقوت متعذرًا؛ مراعاة لجانب الضعفاء والمساكين؛ حثًّا على الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب المعدلة حالة الاجتماع والاشتراك، فلما اتسع الحال قال: فشأنكم إذًا (٢). إذا تقرر ذلك، فالإذن لا يكون إلا فيما يملكه الذي أذن فيه كما أذن صاحب اللحم للرجل الذي جاء مع رسول الله ﷺ فجاز له الأكل من ذلك الطعام، وكما أجاز ﵇ القرآن في التمر -إذا أذن فيه أصحابه- الذي وضع بين أيديهم؛ لأنهم متساوون في الاشتراك في أكله، فهذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك من الاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام، ولا أنفس الذين بين أيديهم إلا ما وضع للناس، فسبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح وإن تفاضلوا في الأكل. وقوله: (نهى عن الإقران): كذا في البخاري، والمعروف خلافه.

стр. 9143

قال ابن التين: وقع رباعيًّا، والذي في اللغة: قرن ثلاثي. قال القرطبي: كذا لجميع رواة مسلم الإقران (١)، وليست معروفة، والصواب: القرآن ثلاثي. قال الفراء: لا يقال: أقرن. وقال غيره: إنما يقال: أقرن على الشيء إذا قوي عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين. قال: وقد جاء في "الصحاح": أقرن الدم العرق، واستقرن أي: كثر (٢)، فيحتمل أن الإقران في هذا الحديث على ذلك، ويكون معناه النهي عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القرآن المذكور في الرواية الأخرى (٣). ونقل المنذري عن أبي محمد المعافري أنه يقال: قرن بين الشيئين وأقرن: إذا جمع بينهما. والنهي عن القران وجهان ذكرهما أبو موسى في "مغيثه" أحدهما: ذهبت عائشة وجابر إلى أنه قبيح وفيه شره وهلع وهو يزري بصاحبه. الثاني: أن التمر كان من جهة ابن الزبير وكان ملكهم فيه سواء، فيصير الذي يقرن أكثر أكلًا من غيره، فأما إذا كان ملكًا له فله أن يأكل، كما روي أن سالمًا كان يأكل التمر كفًّا كفًّا. وقيل: إذا كان الطعام بحيث يكون شبعًا للجميع كان مباحًا له لو أكله، وجاز أن يأكل كما شاء (٤) (٥).

стр. 9144

وحمل أهل الظاهر النهي على التحريم مطلقًا، وهو منهم ذهول عن مساق الحديث ومعناه، وحمله جمهور العلماء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث، وقد اختلف العلماء فيما يملك من الطعام حين وضعه، فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم فيحرم أن يأكل أحد أكثر من الآخر، وإن قلنا إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه فهو سوء أدب وشَرَهٍ ودناءة وكان مكروهًا. وحمله ابن التين على ما إذا استوت أثمانهم فيه، مثل أن يتخارجوا في ثمنه أو يهبه لهم رجل أو يوصي لهم به، وأما إن أطعمهم هو فروى ابن نافع عن مالك: لا بأس به. وفي رواية ابن وهب: ليس بجميل أن يأكل تمرتين أو ثلاثًا في لقمة دونهم. وقال النووي: اختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب، والصواب التفصيل (١) -كما سبق- وستأتي له تكملة في كتاب: الأطعمة، إن شاء الله. وقوله في حديث أبي مسعود: (وأبصر في وجه رسول الله ﷺ الجوع) إنما ذلك ليعظم، وتتأسى أمته به. وفيه: أنهم كانوا يرصدون أحواله. وقوله: ("إن هذا تبعنا") كذا في الأصول. قال ابن التين: كذا وقع عند أبي ذر، ووقع عند أبي الحسن (اتبعنا) بالألف. قال الداودي: معنى اتَّبعنا: سار معنا، وتَبِعَهم: لحقهم. واحتج بقول الشاعر: مازلت أتبعهم حتى تبعتهم

стр. 9145

وقال ابن فارس: تبعت فلانًا: إذا تلوته، واتبعته: إذا لحقته (١)، وبنحوه ذكره الجوهري: تبعت القوم: إذا تلوتهم وقفوني فسرت معهم. وقال الأخفش: تبع وأتبع سواء مثل ردف وأردف (٢). قال ابن التين: والصواب: أن يُقرأ اتَّبعنا بتشديد التاء على بناء افتعل من تبع، فمعناه مثل معنى تبع. وعلى قول الداودي: إنه رباعي يتوهم أنه يناقض الحديث؛ لأنه قال في رواية في أوله: فتبعهم رجل. وقوله: (تبعهم): لحقهم. لم يقله أحد غير الفراء قال: تبعهم: لحقهم، وأتبعهم: ألحقهم، والشعر الذي ذكره ليس بشعر، وإنما هو مثل كما نص عليه الهروي، وهو صحيح؛ لأن معناه لا يستقيم على ما توهمه أبو جعفر؛ لأنه على قوله مازلت أسير معهم حتى لحقتهم، وهو كلام غير صحيح.

стр. 9146

١٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ". [٤٥٢٣، ٧١٨٨ - مسلم: ٢٦٦٨ - فتح ٥/ ١٠٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ". الشرح: أسلفنا فيما مضى أن هذِه الآية نزلت في الأخنس بن شَريِق، وقال ابن عباس فيما حكاه ابن أبي حاتم في "تفسيره": لما أصيب أصحاب الرجيع: قال المنافقون: يا ويح هؤلاء لا هم قعدوا في أهليس ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت (١). وهذا الحديث أدخله العلماء في تفسير هذِه الآية. قال أهل اللغة: والألد: هو العسر الخصومة، الشديد الحرب مشتق من اللدتين وهما صفحتا العنق، أي في جانب أخذ من الخصومة غلب. وقيل: هو من لديدي الوادي، أي: جانباه، فصاحب الصفة يأخذ في جانب ويدع الاستقامة. وقيل: معناه إذا منع من جانب جاء من آخر، يزيد في الحجة، يقال: لددته ألده: إذا جادلته فغلبته.

стр. 9147

وقال ابن سيده: لَدِدْتُ لدًّا: صرت ألد. وَلَدَدْتُهُ أَلُدُّهُ: إذا خصمته، وقوله تعالى: ﴿قومًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قيل: معناه: خصماء، عوج عن الحق. وقيل: صُمٌّ عنه (١). وفي "الجامع": اللدد: مصدر الألد، ورجل ألد: إذا اشتد في الخصومة، والأنثى: لداء، وقد ذمه الله تعالى لمدافعته عن الحق ما يعلمه ويشهد به نفسه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وقد ترجم بهذِه الترجمة في كتاب: الأحكام. وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن ابن عباس: ألد الخصام. أي: ذو (ضلال) (٢) إذا كلمك وراجعك. وعن الحسن: كاذب القول. وعن مجاهد: ظالم لا يستقيم. وعن قتادة: شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل (٣). والخَصِم: المولع بالخصومة الماهر فيها. قال الزجاج: الخصام: جمع خصم. وقيل: هو مصدر خاصمته.

стр. 9148

١٦ - باب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهْوَ يَعْلَمُهُ ٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا". [٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥ - مسلم: ١٧١٣ - فتح ٧/ ١٠٥] ذكر فيه حديث أم سلمة أنه ﷺ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأقضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمِ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكهَا". اَلشرح: الحديث دال على أن [القوي على] (١) البيان البليغ في تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيانه فيقضي له على خصمه، وليس ذلك يحل ما حرم عليه لقوله: "فإنما هي قطعة من النار" أي: يوجبها في الآخرة إلا أن يقتص لصاحبها منه أو يعوضه الله منه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وسيأتي بسط ذلك وما ينتزع منه في كتاب الأحكام، إن شاء الله. ونذكر لك منه أمورًا منها قوله: ("فليأخذها"): خرج بلفظ الخبر، والمراد به النهي والتهديد والوعيد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]

стр. 9149

ومنها الحكم بالظاهر تشريعًا للأمة وهو كقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١)، وقوله في حديث المتلاعنين: "لولا الإيمان لكان لي ولها شأن" (٢). وحكم الحاكم لا يبيح محظورًا؛ خلافًا لأبي حنيفة إذا شهدا بزور أن فلانًا طلق زوجته أن للشاهد تزوجها، كما ستعلمه في موضعه. ومنها: أن كل مجتهد ليس مصيبًا وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد ووقع الاجتهاد موضعه، وقام الإجماع على أن حكم الحاكم في المال لا يبيح محظورًا، واختلفوا في النكاح والطلاق (٣). ومنها: حكمه بالاجتهاد وهو قول المحققين كما نقله القاضي (٤). ومنها: أنه روي في هذا: "إنما أحكم بما أسمع" و (إنما) للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع. وقد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، وروي عن شريح. وذهبت فرقة أخرى إلى أنه (يقضي) (٥) بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود، وبه قال أبو ثور والشافعي في أحد قوليه، والأصح عنده أنه يقضي بعلمه إلا في الحدود.

стр. 9150

وذهبت فرقة ثالثة إلى التفريق، فمنهم من قال يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال خاصة، وهو قول الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه أيضًا، ومنهم من قال: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره في الأموال خاصة؛ سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي في أحد قوليه. وذهب بعض أصحابهم إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصة ولم يشترط مجلس القضاء (١). واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأن ذلك ضروري في حقه (٢). ومنها: أن البينة مسموعة بعد اليمين وهو الذي فهمه البخاري وبوب له بَعْدُ: من أقام البينة بعد اليمين؛ وإن كان الإسماعيلي أنكر ذلك وقال: ليس في الخبر الذي ذكره دلالة على قبول البينة بعد يمين المسلم. ومنها: معنى ("أبلغ من بعض")، ولابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (٣). قال الزجاج: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه.

стр. 9151

وقال غيره: البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ولهم عبارات أخر، قيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار. وذكر ابن رشيق في "عمدته" أنها قليل يفهم وكثير لا يسأم. وقيل: إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، أو معان كثيرة في ألفاظ قليلة، أو إصابة المعنى وحسن الإيجاز، أو سهولة اللفظ مع حسن البديهة، أو لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية أو الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ. وجعل ابن المقفع من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز، ولبعض الكلبيين: واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالًا. وقيل: أنها معرفة الفصل و (الوصل) (١) أو يكون أول الكلام يدل على آخره وعكسه. وأما اللحن، فقال أبو زيد: لحنت له بالقول ألحن لحنًا إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ويخفى على غيره، واللحن بالتحريك كما قال الخطابي: الفطنة، وقد لحن (٢) بالكسر يلحن لحنًا بسكون الحاء: الزيغ في الإعراب، والمصدر من الأول بفتح حائه وتسكن (٣). قال مالك بن أسماء الفزاري من أبيات: منطق صائب وتلحن أحيا … نًا وخير الحديث ما كان لحنًا

стр. 9152

وما ذكره الجاحظ في "تبيانه" من أن الجارية يستحسن منها اللحن، واستشهد بقول مالك (١)، فقد رُدَّ عليهِ. ومنها: وهو ينعطف على ما مضى- قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو طلاق وما أشبه ذلك، أن ذلك كله إن كان في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما علم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم بالظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا شيئًا من تمليك ولا تحليل ولا تحريم، وممن قال ذلك أبو يوسف، وخالفهم آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن، كما قال ﵇: "فمن قضيت له شيئًا" الحديث. وما كان من ذلك قضاء بطلاق أو نكاح بشهودٍ ظاهرهم العدالة وباطنهم الجرح، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا. واستدل بأنه ﵇ فرق بين المتلاعنين (٢)، ولو علم صدق المرأة لحد الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا، ولم يفرق بينهما، فلما خفي عليه الصادق منهما وجب حكم آخر، وهو حرمة الفرج على الزوج ظاهرًا وباطنًا، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن يكون كل قضاء ليس فيه تمليك أموال أنه على الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم، والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنه خلاف الأموال

стр. 9153

التي يقضى بها على حكم الظاهر، وهي في الباطن على خلاف ذلك، فيكون حديث الباب على القضاء في الأموال، وأن حديث المتلاعنين على القضاء بغير الأموال حتى تتفق معاني الأخبار، وقد حكم الشارع في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها وتحرم على المشتري، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما قال الصادق منهما ولم يقض بفسخ بيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا كان ذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجاب ابن رشد عن اللعان بأن الفرقة فيه إنما وقعت؛ عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب. ومنها: العمل بالظن حيث قال: فأحسب أنه (صادق) (١) وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم، ومنها مخرج الغالب حيث قال: ("من حق أخيه") فإنه خرج مخرج الغالب؛ لأن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم.

стр. 9154

١٧ - باب إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". [انظر: ٣٤ - مسلم: ٥٨ - فتح ٥/ ١٠٧] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف في الإيمان، وقال هنا: "وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ". والمراد: تعظيم ذنبه وقربه من النفاق لا حقيقة، فيخشى على مرتكبها ذلك أو أنه منافق في تلك الخصلة دون غيرها مما صح فيه اعتقاده. والفجور: الكذب والريبة، وذلك حرام، ألا ترى أنه ﵇ قد جعل ذلك خصلة من النفاق، وأطلق اسم النفاق على صاحب هذِه الخصال وعلى بعضها؛ لأنها تغلب على أحوال المرء وتستولي على أكثر الأفعال، فاستحق هذِه التسمية بما غلب عليه من قبيح أفعاله ومشابهته فيها المنافقين والكفار، فوصف بصفتهم تقبيحًا لحاله، ولا شيء أقبح على المرء من ملازمته أفعال الكفار ومجانبته أفعال المؤمنين، أعاذنا الله من ذلك.

стр. 9155

١٨ - باب قِصَاصِ المَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُقَاصُّهُ. وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. [النحل: ١٢٦]. ٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ: "لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ". [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح ٥/ ١٠٧] ٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِىِّ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ". [٦١٣٧ - مسلم: ١٧٢٧ - فتح ٧/ ١٠٥] ثم ساق حديث عائشة في قصة هند: "لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ". وحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لرسول الله ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثنا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرى فِيهِ؟ فَقَالَ لنَا: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْم، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الًضَّيْفِ". الشرح: أثر ابن سيرين قال به الحسن، وحديث عقبة رواه من حديث يزيد، عن أبي الخير، عنه، به. أخرجه الترمذي من حديث ابن لهيعة، عن يزيد، وحسنه. ولفظه: إنا نمر بقوم فلا هم (يضيفونا) (١) ولا هم

стр. 9156

يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم، فقال ﵇: "إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا" ثم قال: معناه أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترونه بالثمن؛ فقال ﵇: "إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا". قال: هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا. قال: وروي عن عمر أنه كان يأمر بنحو من هذا (١). واختلف العلماء في الذي يجحد وديعة غيره، ثم المودع يجد له مالًا هل يأخذه عوضًا من حقه أم لا؟ وفيه خلاف عن مالك أيضًا. فروى ابن القاسم عنه أنه لا يفعل واحتج بحديث: "أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (٢)، وروي عنه أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله إذا لم يكن فيه شيء من الزيادة، وهو قول الشافعي، واحتج بحديث هند، وعندنا أن من له حق على شخص وعجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه (٣). وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا لم يكن على الجاحد للمال دين، فله أن يأخذ مما يظفر له به من المال حقه، وإن كان على الجاحد للمال دين فليس له أن يأخذ إلا بمقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء (٤). وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن المكيل المكيل، ومن الموزون الموزون، ولا يأخذ غير ذلك. وحكي

стр. 9157

عنه المنع المطلق. وقال زفر: له أن يأخذ العرض بالقيمة. وأولى الأقوال في ذلك قول من أجاز الانتصاف من حقه إذا وجد مال من ظلمه بدلالة الآية، ودلالة حديث هند، ألا ترى أنه أجاز لها أن تطعم عياله من ماله بالمعروف عوض ما قصر فيه من طعامهم، فدخل في معنى ذلك كل من وجب عليه حق لم يوفه أو جحده أنه يجوز له الاقتصاص منه. وليس حديث "أدِّ الأمانة" مخالف لهذا المعنى؛ لأن من أخذ حقه فلا يسمى خائنًا، فمعناه الخصوص، فكأنه قال: أدها إن لم يكن غاصبًا لمالكَ ولا جاحدًا له، وأما من غصبك حقك وجحدك فليس يدخل فيمن أُمِرَ بأداء الأمانة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولدلالة حديث هند، وهذا التأويل ينفي التضاد ودليل القرآن. وتبويب البخاري دال عليه، وإذا سرق من غريمه فأراد قطع يده فادعى أنه اقتص من حقه لم يقطع كما قال الخطابي؛ للشبهة فيه إذا قامت له بينة بما ادعاه من الحق وإلا قطع (١). وفي "الهداية" من له على آخر دراهم فسرق مثلها لم يقطع؛ لأنه استيفاء لحقه، والحال والمؤجل فيه سواء؛ لأن التأخير لتأخر المطالبة، وكذا لو سرق زيادة على حقه؛ لأنه بمقدار حقه يصير شريكًا فيه، وإن سرق عروضًا قطع؛ لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه إلا بالتراضي، وعن أبي يوسف لا يقطع؛ لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء قضاء من حقه أو رهنًا بحقه (٢).

стр. 9158

قال الخبازي (١) في "حواشيه": أراد ببعض العلماء الشافعي في أخذه العروض، وقوله: أو رهنًا عند بشر المريسي. وأما حديث عقبة، فقال أكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم أنه كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله ﵇: "جائزته يوم وليلة" (٢)، والجائزة تفضل وليست بواجبة (٣). وقال ابن التين: قيل: نسخها: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: وقيل: كان ذلك في أهل العمود والمواطن التي لا أسواق فيها. وسيأتي مذاهب العلماء في الضيافة في باب: إكرام الضيف من كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. قال الخطابي: وهؤلاء المبعوثون في حديث عقبة إنما يأخذون ممن نزلوا بهم بحق الضيافة على معنى أنهم أبناء سبيل، وحق الضيافة من المعروف الذي يكره تركه ولا يجبر عليها أحد ويقبض من ماله إلا عند الضرورة ولو كانوا عمالًا كان على المبعوث إليهم طعامهم وما يصلحهم، وإنما كان يلزم ذلك لمن كان ﵇ يبعثهم في زمانه وليس إذ ذاك للمسلمين بيت مال، وأما اليوم فيعطَون أرزاقهم، فليس لهم حق في أموال المسلمين، وإلى نحو منه ذهب أبو يوسف فيما كان شرط من أمر الضيافة على أهل نجران، فزعم أنها كانت خاصًّا

стр. 9159

بأيامه ليس لأحد بعده، وقد كان عمر حين ضرب الجزية على نصارى الشام جعل عليهم الضيافة لمن نزل بهم، فإذا كانت الضيافة مشروطة على قوم من أهل الذمة مع الجزية فمنعوها كان للضيف أن يأخذ حقه من عرض أموالهم (١). تنبيهات: أحدها: لما ذكر ابن التين عن الداودي أن المراد بحديث: "لا تخن من خانك" لا تأخذ أكثر من حقك، قال: وهذا أحد قولي مالك؛ لأنه ائتمنه، فإن لم يكن ائتمنه واختفي فله الأخذ، وأما من ائتمنه ففي "المدونة": لا يأخذ، واحتج بهذا الحديث (٢)، والآخر أنه يأخذ قدر حقه ويحلف ما دفعت لي شيئًا. يعني: يجب عليَّ رده عليك. وقيل: ينوي إلا ولي عليك مثله، وكأنه كالمكره على اليمين. وقيل: يحرك لسانه بما تقدم. وقيل: واسع أن لا يحركه. وقيل: إن أمن أن يحلف جاز له أن يأخذ، ويجزئ الحلِف بقوله: مالك عندي حق. قال: وهذا إذا كان الظالم لا دين عليه، فإن كان عليه دين؛ فقيل: يأخذ قدر ما يقع له في المخاصمة. وقيل: يأخذ جميع ماله؛ لأنه لم يفلس بعد، قاله محمد بن عبد الحكم. ثانيها: معنى (ممسك) وفي نسخة: (مسيك) (٣) في حديث هند هو بكسر الميم وتشديد السين: بخيل شديد التمسك بما في يديه.

стр. 9160

وفعيل: من أبنية المبالغة كشريب وسكير وخمير. وقولها: (من الذي له) أي: من ماله الذي في يدي أو بيدي. قال الخطابي: وفيه: أن من له حقٌّ على رجل، وفي يده مال له استوفاه، وإن كان من غير حقه؛ لأن معلومًا أن بيت الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه عياله على مر الأيام حتى يستغني به عما سواه (١). قال ابن التين: وهذا غير ظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تحت يدها ما تريد أو تبيع منه ما تشتري ما تحتاج إليه. قال الشيخ أبو إسحاق في "زاهيه": من أصحابنا من منع من ذلك أن يأخذه أو يبيعه بمثل ما له عليه؛ لأنه لم يوكل في ذلك، وبه أقول. قال الخطابي: وفيه جواز الحكم على الغائب. قلت: فيه نظر فإنه كان بالمدينة (٢)، قال: وفيه حكم الحاكم بعلمه (٣). وفيه: أن السارق إذا سرق من غريمه لا يقطع. وقوله: ("بالمعروف")، أي: بقدر حاله وما يجب عليه. ثالثها: قد أسلفنا نسخ حديث عقبة وقيل: إنه المراد بقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وحق الضيف معروف لا يمنعه إلا عند الضرورة.

стр. 9161

واختلف هل يؤخذ من مانعه قيمته إذا كان المضطر غير حاضر، ذكره ابن التين، قال: وأما من بعثهم الإمام، فيجب على المبعوث إليهم طعامهم إلا أن يكون هناك بيت مال يحمل كلَّهم، وكان المسلمون يومئذٍ لا بيت مال لهم. وقولهم: (لم يقرونا) أي: يضيفونا من قريت الضيف إذا جمعته إليك، وليس قولهم هذا غيبة كما سلف. وقيل: حق الضيف أن يأخذ ضيافته.

стр. 9162

١٩ - باب مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. ٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ ﵃ قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. [٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ٩/ ١٠٩] حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ قَالَ حِينَ تَوَفى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. وهذا الحديث ذكره مسلم والأربعة (١) مطولًا ومختصرًا وليس فيها جلوسه ﵇ في السقيفة، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي أيضًا. وقوله: (حدثني ابن وهب، حدثني مالك، وأخبرني يونس) قيل: إن ابن وهب أول من فرق بين أخبرني وحدثني (٢) (٣).

стр. 9163

والسقائف صفف لها سقف، والسقيفة: فعيلة بمعنى مفعولة. قال ابن التين: ولما كان لأهل الموضع أن يرتفقوا بسقائفهم وأفنيتهم؛ لأنه لو لم يجز ذلك لم يجلس رسول الله ﷺ هناك، ثم اقتدى به أصحابه. وقال ابن بطال: السقائف والحوانيت قد علم الناس ما وضعت له ومن اتخذها مجلسًا، فذلك مباح له إذا التزم ما في ذلك من غض البصر ورد السلام وهداية الضال وجميع شروطه (١).

стр. 9164

٢٠ - باب لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ ٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. [٥٦٢٧، ٥٦٢٨ - مسلم: ١٦٠٩ - فتح ٥/ ١١٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. قال ابن عبد البر: كذا روى هذا الحديث رواة "الموطأ" عن مالك، ورواه خالد بن مخلد عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به، ويحتمل أن يكون عنده بهما جميعًا، ورواه أكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن الأعرج كما رواه مالك إلا معمر بن راشد، فإن عنده عن ابن شهاب إسنادين أحدهما كما سلف، والثاني عن ابن المسيب بدل الأعرج. قال الرازيان: وَهِمَ معمرٌ فيه؛ إنما هو الزهري عن الأعرج (١). وبهذا الإسناد كان هذا الحديث عن عقيل. ورواه محمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ولم يتابع على ذلك عن ابن شهاب، ورواه هشام بن

стр. 9165

يوسف الصنعاني، عن معمر ومالك عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فوهِم فيه، وليس بصحيح فيه عن مالك ولا عن معمر ذكرُ أبي سلمة- فيما ذكره الدارقطني (١). وقد روى بشر بن عمر عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. والصواب: مالك، عن الزهري، عن الأعرج كما سلف (٢). ولما سئل أبو حاتم عن حديث ابن الطباع، عن وهيب وابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة. الحديث من غير ذكر ابن سيرين، قال: إن كان حديث ابن الطباع محفوظًا فهو غريب، وأحسب غير ابن الطباع رواه في حماد ولم يذكر ابن سيرين (٣). وروى أسد بن موسى، حدثنا قيس بن الربيع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "من ابتنى فليدعم جذوعه على حائط جاره" (٤). ولابن ماجه: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبَهُ في حائط جاره" (٥).

стр. 9166

وله من حديث عكرمة بن سلمة بن ربيعة أن أخوين من بني المغيرة لقيا مجمع بن جارية الأنصاري (١) ورجالًا كثيرًا، فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبًا في جداره" (٢). قال أبو عمر: قيل: إن حديث مجمع هذا مرسل، وإنما يروى عن عمر، عن رسول الله ﷺ ، وربما رواه عن أبي هريرة (٣). إذا تقرر ذلك، فـ"خشبة" روي بالإفراد والجمع و (أكتافكم) بالتاء، وصُحِّفَ بالنون. قال عبد الغني: كل الناس يقولونه "خشبَهُ" بالجمع إلا الطحاوي (٤)، ويؤيده حديث مجمع، وإنما وقع الاعتناء بذلك؛ لأن أمر الواحدة أخف في محل التسامح بخلاف الكثير، فإن الضرر يحصك ولا تحصل المسامحة. وقوله: (مالي أراكم عنها معرضين) يعني: عن المقالة التي قالها، أنكر عليهم لما رأى من إعراضهم واستثقالهم لما سمعوه. قال ابن عبد البر: يقول ابن عيينة في هذا الحديث: "إذا استأذن"

стр. 9167

وكذلك في رواية ابن أبي حفصة (و) (١) عقيل عن سليمان بن كثير: "إذا سأل أحدكم جاره" و"من سأله جاره أن يضع خشبه في جداره فلا يمنعه" (٢)، وهكذا روى هؤلاء هذا الحديث على سؤال الجار جاره واستئذانه إياه أن يجعل خشبه على جداره، ولم يذكر معمر ويونس في هذا الحديث السؤال والمعنى فيه واحد، وروى هذا الحديث عن مالك الليثُ، فقال فيه: "من سأله جاره .. " (٣). واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث هل هو على وجه الندب أو الإيجاب؟ فقالت طائفة بالثاني إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، وهو قول الشافعي في القديم، وإن أطلقه عنه ابن بطال وأحمد وإسحاق وداود وأبي ثور وجماعة من أصحاب الحديث وابن حبيب من المالكية، وهو مذهب عمر بن الخطاب. وحكى عن مالك ذلك المطلب -قاض- أنه كان بالمدينة يقضي به، وقاله أبو هريرة في زمن الأعرج والتابعين (٤). وقالت طائفة بالأول لا يغرز الخشب في حائط أحد إلا بإذنه، والحديث محمول على الندب، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي في الجديد (٥)، والحجة لهم قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم

стр. 9168

حرام" (١) وأنه لا يجوز لأحد أن يجبر أحدًا على أن يفعل في ملكه ما يضر به، وقد قال ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٢)، فعلمنا أن حديث أبي هريرة للندب وحسن المجاورة لا للوجوب، وهي كقوله ﵇: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٣)، ولقوله: "ما آمن من بات شبعان وجاره طاوٍ" (٤). قالوا: ولو كان الحديث معناه الوجوب ما جهل الصحابة تأويله ولا كانوا معرضين عن أبي هريرة حين حدثهم به، وإنما جاز لهم ذلك لتقرير العمل، والأحكام عندهم بخلافه، ولا يجوز عليهم جهل الفرائض، فدل ذلك أن معناه على الندب، وفي هذا دليل أن تأويل الأحاديث على ما بلغناها عنه الصحابة لا على ظاهرها. قال المهلب: ولو بلغ من اجتهاد حاكم أن يحكم فيه لنفذ حكمه بما خص رسول الله ﷺ أمته من ذلك، كما حكم عمر على ابن مسلمة في تحويل الساقية إلى جنبه. وسئل ابن القاسم عن رجل كانت له خشبة في حائط أدخلها بإذنه، ثم إن الذي له الحائط وقع بينه وبين الذي له الخشب شحناء، فقال له: أخرج خشبك من حائطي، فقال مالك: ليس لنا أن نخرجه على وجه

стр. 9169

الضرر، ولكن ننظر في ذلك، فإن احتاج الرجل إلى حائطه ليهدمه فهو أولى به. وروى ابن عبد الحكم أنه قال: وإن أراد بيع داره، فقال: انزع خشبك فليس له ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقلع الخشب أبدًا وإن احتاج صاحب الجدار إلى جداره (١). وفي رواية عن ابن عبد الحكم، عن مالك، قال: ليس يقضى على رجل أن يغرز خشبة في (جداره لجاره) (٢)، وإنما نرى أن ذلك كان من رسول الله ﷺ على الوصاة بالجار (٣)، وأكثر علماء السلف على الأول أنه على الندب، وحملوه على معنى قوله ﵇: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" (٤). قلت: وأجيب بجواب آخر وهو أن الهاء في "جداره" يرجع إلى الغارز؛ لأن الجدار إذا كان بين اثنين وهو لأحدهما فأراد صاحبه أن يضع عليه الجذوع ويبني ربما منعه جاره؛ لئلا يشرف عليه، فأخبر الشارع أنه لا يمنعه ذلك. قال ابن التين: وعورض هذا بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وذلك ممنوع عند أكثر الأصوليين، ولا نسلم له.

стр. 9170

ومعنى (لأرمين بها بين أكتافكم) أي: أذيعها فيكم. وقال الخطابي: إن لم تقبلوه وتتلقوه بأيديكم راضين جعلته على رقابكم كارهين (١). وغرزت الخشبة أغرزها -بالكسر-: أدخلتها الجدار. واعلم أن ما قدمناه عن الشافعي من حمل الحديث على الوجوب في القديم رأيته في البويطي أيضًا، حيث قال في باب اختلاف مالك والشافعي. قال مالك: للجار أن يغرز خشبه في جداره. وقال الشافعي: ليس له أن يمنعه (٢). هذا لفظه، ورجحه البيهقي حيث قال: لم نجد له في السنة معارضًا، ولا تصح معارضته بالعمومات، وقد نص عليه في القديم والجديد ولا عذر لأحد في مخالفته (٣). واختار الروياني التفصيل بين أن يظهر تعنت فاعله أم لا، ثم للإجبار شروط أن لا يحتاج مالك الجدار إليه لوضع جذوعه، وأن تكون خفيفة لا تضر، وأن لا يمكن الجدار أن يسقف إلا بالوضع، وأن تكون الأرض له، كما أوضحتها في كتب الفروع (٤).

стр. 9171

٢١ - باب صَبِّ الخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ ٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣]. [٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ٥/ ١١٢] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. هذا الحديث ذكره فيما يأتي بألفاظ أخر منها، فقال أبو طلحة: فاخرج فانظر لنا ما هذا الصوت فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي ألا إن الخمر قد حُرِّمت، ومنها: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، وفي لفظ: وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذِه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت؛ ويأتي في التفسير أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأشربة (١).

стр. 9172

إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: سميت الخمر لمخامرتها العقل، أي: مخالطتها له أو لتغطيتها إياه، تذكر وتؤنث (١). وجزم ابن التين بالتأنيث. قال ابن سيده: هي ما أسكر من عصير العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد تذكر، والجمع: خمور (٢). وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في "ناسخه": سميت؛ لأنها صعد صفوها ورسبت كدرتها (٣). وقال ابن الأعرابي: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها (٤). وجعلها أبو حنيفة الدينوري (٥) من الحبوب وهو تسمح؛ لأن

стр. 9173

حقيقتها من العنب (١)، ولها عدة أسماء نحو المائتين عددتها على حروف المعجم في "لغات المنهاج" فراجعها منه. ثانيها: (الفضيخ) بفاء مفتوحة، ثم ضاد وخاء معجمتين. قال أبو حنيفة عن الأعراب: هو ما اعتصر من العنب اعتصارًا فهو الفضيخ؛ لأنه يفتضخ، وكذلك فضيخ البسر. قال ابن سيده: وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ (٢) -يعني: المشدوخ- زاد الجوهري: من غير أن تمسه النار (٣). وقال ابن فارس: يشدخ وينبذ (٤)، وفي "مجمع الغرائب": ويروى عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوح. وقال بعضهم: هو شراب يتخذ من البسر المشدوخ، فهو فضيخ أو فضوح؛ لأنه من البسر المشدوخ. أي: لأنه يسكر صاحبه فيفضحه (٥). وقال الداودي: يهشم البسر ويجعل معه الماء، وقاله الليث، وسيأتي إيضاحه في الأشربة أيضًا. ثالثها: كان تحريم الخمر في السنة الثالثة (٦) من بعد غزوة أحد، قاله ابن سعد.

стр. 9174

وقوله: (فأمر مناديًا ينادي) وفي رواية: (وأتاهم آت)، يعني: أن الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الآمر يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله، قاله الداودي. والظاهر كما قال ابن التين أنهما مختلفان، وفيه الإشهار بالنداء. والسكك: الطرق، جمع سكة. وقوله: (كنت ساقي القوم) لأنه ربيب أبي طلحة، والذين سقاهم أبو طلحة وأبو عبيدة وأبي بن كعب وغيرهم كما سلف. وقوله: (اخرج فأهرقها) قال ابن التين: الهاء زائدة ليست أصلية؛ لأن فاءه راء، وإنما دخلت الهاء لأنها دخلت في مستقبله وثبتت فيه بخلاف غيره لإبدالها هاء، وكذا أرقتُ الماء فأنا أهريقه، بدلت من الهمزة لقرب الهاء منها، والأمر من المستقبل. وقوله: (فهرقتها) بدلت أيضًا من الهمزة، وليست من أصل الفعل. أعني: الهمزة والهاء. رابعها: كان هذا في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، وأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق، نبه عليه ابن التين، وعلَّلَهُ بخوف أذى المسلمين. قال: وقد منع سحنون أن يصب ماء من بئر وقعت فيه فأرة في الطريق، وأيضًا فكان صبها في الطريق أشهر؛ لبيان تحريمها وإظهاره، وكذا قال المهلب: إنما جاز هرقها في الطرق للسمعة بذلك، والتشنيع والإيثار لله في رفضها، والإعلان بنبذها، ولولاه ما حسن هرقها في الطرق من أجل أذى الناس في ممشاهم، ونحن

стр. 9175

نمنع من إراقة الماء الطاهر في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم، فكيف الخمر (١)! واستُدل لابن حزم على طهارتها بهذا الحديث؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافيًا فما يصيب قدمه لا ينجس به. خامسها: فيه: قبول خبر الواحد. سادسها: حرمة إمساكها، ونقل النووي اتفاق الجمهور عليه (٢). سابعها: قول من قال: (قتل قوم وهي في بطونهم) صدر عن غلبة خوف وشفقة أو عن غفلة عن المعنى؛ لأن الخمر كانت مباحة أولًا، ومن فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع.
следующие страницы →