٢١ - باب صَبِّ الخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣]. [٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ٥/ ١١٢]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
هذا الحديث ذكره فيما يأتي بألفاظ أخر منها، فقال أبو طلحة: فاخرج فانظر لنا ما هذا الصوت فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي ألا إن الخمر قد حُرِّمت، ومنها: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، وفي لفظ: وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذِه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت؛ ويأتي في التفسير أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأشربة (١).
стр. 9172
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
سميت الخمر لمخامرتها العقل، أي: مخالطتها له أو لتغطيتها إياه، تذكر وتؤنث (١).
وجزم ابن التين بالتأنيث. قال ابن سيده: هي ما أسكر من عصير العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد تذكر، والجمع: خمور (٢).
وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في "ناسخه": سميت؛ لأنها صعد صفوها ورسبت كدرتها (٣).
وقال ابن الأعرابي: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها (٤).
وجعلها أبو حنيفة الدينوري (٥) من الحبوب وهو تسمح؛ لأن
стр. 9173
حقيقتها من العنب (١)، ولها عدة أسماء نحو المائتين عددتها على حروف المعجم في "لغات المنهاج" فراجعها منه.
ثانيها:
(الفضيخ) بفاء مفتوحة، ثم ضاد وخاء معجمتين. قال أبو حنيفة عن الأعراب: هو ما اعتصر من العنب اعتصارًا فهو الفضيخ؛ لأنه يفتضخ، وكذلك فضيخ البسر.
قال ابن سيده: وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ (٢) -يعني: المشدوخ- زاد الجوهري: من غير أن تمسه النار (٣).
وقال ابن فارس: يشدخ وينبذ (٤)، وفي "مجمع الغرائب": ويروى عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوح.
وقال بعضهم: هو شراب يتخذ من البسر المشدوخ، فهو فضيخ أو فضوح؛ لأنه من البسر المشدوخ. أي: لأنه يسكر صاحبه فيفضحه (٥).
وقال الداودي: يهشم البسر ويجعل معه الماء، وقاله الليث، وسيأتي إيضاحه في الأشربة أيضًا.
ثالثها:
كان تحريم الخمر في السنة الثالثة (٦) من بعد غزوة أحد، قاله ابن سعد.
стр. 9174
وقوله: (فأمر مناديًا ينادي) وفي رواية: (وأتاهم آت)، يعني: أن الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الآمر يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله، قاله الداودي. والظاهر كما قال ابن التين أنهما مختلفان، وفيه الإشهار بالنداء.
والسكك: الطرق، جمع سكة.
وقوله: (كنت ساقي القوم) لأنه ربيب أبي طلحة، والذين سقاهم أبو طلحة وأبو عبيدة وأبي بن كعب وغيرهم كما سلف.
وقوله: (اخرج فأهرقها) قال ابن التين: الهاء زائدة ليست أصلية؛ لأن فاءه راء، وإنما دخلت الهاء لأنها دخلت في مستقبله وثبتت فيه بخلاف غيره لإبدالها هاء، وكذا أرقتُ الماء فأنا أهريقه، بدلت من الهمزة لقرب الهاء منها، والأمر من المستقبل.
وقوله: (فهرقتها) بدلت أيضًا من الهمزة، وليست من أصل الفعل. أعني: الهمزة والهاء.
رابعها:
كان هذا في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، وأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق، نبه عليه ابن التين، وعلَّلَهُ بخوف أذى المسلمين.
قال: وقد منع سحنون أن يصب ماء من بئر وقعت فيه فأرة في الطريق، وأيضًا فكان صبها في الطريق أشهر؛ لبيان تحريمها وإظهاره، وكذا قال المهلب: إنما جاز هرقها في الطرق للسمعة بذلك، والتشنيع والإيثار لله في رفضها، والإعلان بنبذها، ولولاه ما حسن هرقها في الطرق من أجل أذى الناس في ممشاهم، ونحن
стр. 9175
نمنع من إراقة الماء الطاهر في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم، فكيف الخمر (١)!
واستُدل لابن حزم على طهارتها بهذا الحديث؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافيًا فما يصيب قدمه لا ينجس به.
خامسها:
فيه: قبول خبر الواحد.
سادسها:
حرمة إمساكها، ونقل النووي اتفاق الجمهور عليه (٢).
سابعها:
قول من قال: (قتل قوم وهي في بطونهم) صدر عن غلبة خوف وشفقة أو عن غفلة عن المعنى؛ لأن الخمر كانت مباحة أولًا، ومن فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأن المباح مستوي الطرفين
بالنسبة إلى الشرع.
стр. 9176
٢٢ - باب أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالجُلُوسِ فِيهَا وَالجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. [انظر: ٤٧٦]
٢٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ". فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا" قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ". [٦٢٢٩ - مسلم: ٢١٢١ - فتح ٥/ ١١٢]
وهذا مختصر من خروجه إلى الحبشة، وقد سلف في الصلاة.
ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﵁، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ". فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدَّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطُّرُقَ حَقَّهَا" قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطُّرُقِ؟ قَالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وَكفُّ الأَذى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ".
الشرح: عند أبي داود من حديث أبي هريرة: "وإرشاد السبيل" (١)، وعن إسحاق بن سويد، عن ابن حجير العدوي، عن عمر مرفوعًا في هذِه القصة "وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال" (٢).
стр. 9177
قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن سويد. ولا رواه عن جرير مسندًا إلا ابن المبارك، ويروي هذا الحديث حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلًا (١).
إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الفناء بكسر الفاء وبالمد. قال ابن ولاد (٢): هو حريم الدار.
والصعدات -بضمتين-: الطرقات واحدها: صعيد، وهو أحسنُ ممَّن ضبطه بفتح العين، كما نبه عليه ابن التين؛ لأنه جمع صعد، وصعد جمع صعيد مثل طريق وطرق وطرقات والصعيد وجه الأرض.
ثانيها:
نهيه ﵇ عن الجلوس فيها؛ لئلا يضعفَ الجالس عن الشروط التي ذكرها الشارع، فلما ذكروا أنهم لا يجدون منه بدًّا. قال لهم: "أعطوا الطريق حقها" ووصف لهم الأشياء التي وصفها، وذلك مثل نهيه عن الانتباذ في الأوعية، فلما قالوا: لا بد لهم من ذلك، أباح لهم الانتباذ فيها إلا أن يسكر، والذي فهمه العلماء أن هذا النهي ليس على وجه التحريم، وإنما هو من باب سد الذرائع والإرشاد إلى الأصلح.
وفي رواية: "وحسن الكلام" (٣) من رد الجواب يريد من جلس على الطريق، فقد تعرض لكلام الناس، فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه.
стр. 9178
روى هشام بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: المجالس حلق
الشيطان إن رأوا حقًّا لا يقومون به، وإن يروا باطلًا فلا يدفعونه. وقال عامر: كان الناس يجلسون في مساجدهم، فلما قتل عثمان خرجوا إلى الطريق يسألون عن الأخبار.
قال سلمان: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته (١).
وقال: السوق مبيض الشيطان ومفرخه (٢).
وقد ترخص في الجلوس بالأفنية والطرق والأسواق قوم من أهل الفضل والعلم ولعلهم إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم قاموا بما عليهم فيه.
وقال طلحة بن عبيد الله: مجلس الرجل ببابه مروءة. وقال ابن عوف: مررت بعامر وهو جالس بفنائه. وقال ابن أبي خالد: رأيت الشعبي جالسًا في الطريق.
ثالثها:
فيه: وجوب غض البصر عن النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة، وعن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة منه. وقد قال ﵇ لعلي: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وعليك الآخرة" (٣).
وفيه: وجوب رد السلام على من سلم عليه، ولزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكف الأذى.
стр. 9179
وفيه: قطع الذرائع؛ لأن الجلوس ذريعة تسليط البصر وقلة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلذلك نهى عنه. قال المهلب: وإنما يلزم المؤمن النفير والإغاثة والعون ما وقعت الحضرة إليه وليس
عليه طلب ذلك، إنما عليه ما حضر منها.
وفيه: الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، وما يجب عليه إنكاره، ومن معاونة مستغيث يلزمه إغاثته، وذلك أنه ﷺ إنما أذن في الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه إذا كان من يقوم بالمعاني التي ذكرها، وإذا كان ذلك كذلك، فالأسواق التي تجمع المعاني التي أمر الشارع الجالس بالطرق باجتنابها مع الأمور التي هي أوجب منها وألزم من ترك الكذب، والحلف بالباطل، وتحسين السلع بما ليس فيها، وغش المسلم، وغير ذلك من المعاني التي لا يطيق القيام بما يلزمه فيها إلا من عصمه الله أحق وأولى بترك الجلوس فيها من
الأفنية والطرق، وقد روي نحو هذا عن جماعة من أهل العلم، ونقل ابن التين عن بعض العلماء: إذا كان كارهو المنكر الثلث وفاعلوه الثلثين وجب على كارهيه قتالهم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
стр. 9180
٢٣ - باب الآبَارِ عَلَى الطُّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ البِئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح ٥/ ١١٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف قريبًا في باب: سقي الماء (١)، وفيه: "فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كلْبٌ" (٢). وساقه بطوله.
قال المهلب: هذا يدل أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من أرض مباحة أو مملوكة له جائز، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة وتلافي العطشان، وكذلك لم يكن ضامنًا؛ لأنه قد يجوز مع الانتفاع بها أن يستضر بها ساقط بليل أو تقع فيها ماشية، لكنه لما كان ذلك نادرًا كان المنفعة بها أكثر، غلب حال الانتفاع على حال الاستضرار، فكانت جُبَارًا لا دية لمن هلك فيها.
وقوله: (وإن لنا في البهائم لأجرًا؟) قال الداودي: كل نفس يقال لها: بهيمة.
стр. 9181
٢٤ - باب إِمَاطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ". [انظر: ٢٧٠٧ - فتح ٥/ ١١٤]
وهذا الحديث أسنده في باب: من أخذ بالركاب (١) وغيره. وأورده
ابن بطال من قول أبي هريرة، ثم قال: ليس هو من رأيه؛ لأن الفضائل لا تدرك بقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا عن رسول الله ﷺ ، قال: وقد أسند مالك معناه من حديث أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينما رجل يمشي إذ وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له" (٢).
وهذا عجيب منه، فالذي وجدناه في الأصول رفعه كما ذكرناه، ثم عزوه ما ذكره من طريق مالك هو في البخاري من هذا الوجه بعد وترجم عليه باب: من أخذ الغصن كما سيأتي (٣).
ثم قال: فإن قلت: كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟
قيل: معنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق عليه، فأما إماطة الأذى عن الطريق فقد تسببت إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى، فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة منه، فكان له على ذلك أجر الصدقة وهذا كما جعل الإمساك عن الشر صدقة على نفسه، وإماطة الأذى وكل ما أشبهه حث على الاستكثار من الخير، وأن لا يُستقل منه شيء. وقد قال ﵇ لأبي تميمة الهُجَيْمي:
стр. 9182
"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي" (١).
قلت: أبو تميمة الهجيمي تابعي.
فائدة: معنى "يميط الأذى": ينحِّيه. قال أبو عبيد عن الكسائي: مطت عنه الأذى، وأمطت: نحيت، وكذلك مط غيري وأمطته، وأنكر الأصمعي ذلك وقال: مطت أنا وأمطت غيري.
وقوله: ("كمواقع القطر"): لكثرتها، وهو من أعلام نبوته، والرؤية فيه بمعنى العلم مثل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، ويحتمل أن تكون الفتن مثلت له حتى كأنه ينظر إليها، وخيل إليه أن أصحابه يرونها. ولذلك قال لهم: "هل ترون ما أرى؟ ".
وحديث ابن عباس: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المَرْأَتَيْنِ
مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فذكره بطوله، وفيه: فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ التِي هُوَ فِيهَا .. وساق الحديث.
وحديث أَنَسٍ آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا". فَمَكُثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ.
فهذِه ثلاثة أحاديث دالة على ما ترجم له.
والغرف والسطوح وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد وعورة له. و (المشرُبة): الغرْفة؛ بضم الراء وفتحها، ذكرهما ابن قتيبة وقال: هي كالصُّفَّة بين يدي الغرفة (١).
وقال ابن فارس: هي الغرفة (٢). وسلف ذلك.
وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة.
стр. 9187
وقال ابن بطال في النكاح: المشربة: الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه. وقيل لها: مشربة -فيما أرى- لأنهم كانوا يتخذون فيها شرابهم، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس وتشرق فيه:
ضاحية مشرقة (١).
وفي حديث ابن عباس: الحرص على العلم سنة وتفسيرًا. قال طاوس: أبي ذلك البحر. يعني: ابن عباس، وقد دعا له ﵇ بالتفقه في الدين (٢)، كما سلف، فكان كما دعا له. قيل له: بم نلت هذا؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول.
وفيه: خدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم وأنه لا ضعة عليه في خدمته.
وفيه: الكلام في العلم على كل حال في المشي والطرق والخلوات.
وقوله: (واعجبًا لك) عجيب من حرصه على سؤاله عما لا يتنبه عليه إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن.
وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه: أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما أخبره (منه) (٣) من قول عائشة وحفصة.
وقوله: (كنا نغلب النساء) يريد أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأنه ﵇ سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش.
وفيه: موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها.
стр. 9188
وفيه: الحزن والبكاء لأمور رسول الله ﷺ وما يكرهه والاهتمام بما يهمه.
وفيه: الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن.
وفيه: الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه.
ومن هذا الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به كما حكم عمر بسكوت رسول الله ﷺ عن صرفه له.
وفيه: التكرير بالاستئذان.
وفيه: أن للسطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف.
وفيه: تقلله من الدنيا وصبره على مضض ذلك، وكانت له فيه مندوحة.
وفيه: أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته، وفي قوله لعمر: "لا" رد لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري ولا شكاه؛ لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وَهَمٌ جرى عليه.
وفي قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه بالحديث وأخذ إذنه في الكلام، وفي تبسمه لعمر حين ذكر غلبة قريش لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم دليل أن المعنيين ليسا محرمين.
وفيه: الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق.
وفيه: أنه لا يحب أن يسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر نعمة الله عنده ولا سابق قضائه؛ لأنه يخاف عليه ضعف نفسه.
стр. 9189
وفيه: أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال من تعجلها في الدنيا الفانية والمتعجل لها أقرب إلى السفه.
وفيه: الاستغفار من التسخط وقلة الرضى.
وفيه: سؤال الشارع الاستغفار، وكذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار.
وفيه: أن المرأة تُعاقب على إفشاء سرّ زوجها وعلى التحيل عليه بالأذى، والمنع من مرافقه وشهواته بالتوبيخ لها بالقول كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن الشارع بالإيلاء والاعتزال والهجران، كما قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
وفيه: أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وإنما يجري فيه على الأهلة التي جعلها الله تعالى مواقيت للناس في آجالهم.
وفيه: أن الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج، وفي نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩]، ومن أبيح له بعض الميل، فقد رخص له في التقصير عن العدل في القسمة،
وفيه: أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإن كان الشارع أمر بالمساعدة في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، فهي في المال أولى بالمشاورة، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة
стр. 9190
كعائشة، وليس على من تبين له رشد رأيه أن يشاور ويسقط عنه الندب فيه.
وقوله: (مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه) قال أبو عبيدة: رملتُ الحصير رملًا وأرملته: إذا نسجته، ومعنى (أثر بجنبه): جعلت فيه خططًا.
وقوله: (عن المرأتين اللتين) كذا هو في الأصول وذكره ابن التين بلفظ (التي) ثم قال: وصوابه اللتين، ومعنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت إلى الحق ورجعت.
وقوله: (فحججت معه) فيه: ذكر العمل الصالح، وليأتي بالحديث على هيئته، ومعنى (تبرَّزَ): قضى حاجته.
وقوله: (فسكبت على يديه) أي: صببت، وفيه: الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله (فتوضأ) قال ابن التين: ويحتمل الاستنجاء، وذلك أن يصب الماء على يده اليمنى، ثم يرسله حيث شاء.
وقوله: (فقلت: من المرأتان؟)، وفي رواية أخرى: (لي سنة أتحين أن أسألك عن شيء) وفيه: هيبة عمر.
وقوله: (واعجبًا لك) أي: على حرصك لم تعلم هذا إلى الآن؟!
وقوله: (إني كنت وجار لي)، فيه: العطف على الضمير المرفوع من غير أن يؤكد، والأحسن توكيده، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] ومعنى: (نتناوب) نتداول أنا مرة وهو أخرى، ومنه قيل: نابت فلانًا نائبة: إذا حدثت به حادثة، والنوب عند العرب: القرب.
وقوله: (كنا معشر قريش) أي: جمع قريش.
стр. 9191
وقوله: (فطفق نساؤنا) أي: ظلوا، وطفق بكسر الفاء وفتحها، قال تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [طه: ١٢١]، أي: أخذا في ذلك، وفيه لغة ثالثة: طبق بالباء بدل الفاء.
وقوله: (فصحت على امرأتي) كذا هنا. وقال في النكاح: (فصخبت على امرأتي) (١)، أي: صحت كما هو في بعض النسخ.
وقوله: (وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). قال الداودي: يومًا من الأيام أجمع.
وقوله: (فجمعت عليَّ ثيابي) أي: لبستها.
وقوله: (أفتأمن) إلى قوله: (فتهلكن) (٢). فيه: رد الخطاب إلى الجمع، قاله الداودي، ويجوز أن يكون عائدًا إلى إحداكن؛ لأنه قال: (خابت وخسرت، أفتأمن) فالكلام راجع إلى أحد و (جارتك) أي: عائشة ضرتها (أوضأ) أي: أحسن وأجمل من الوضاءة وهو الجمال.
و (غسان) رهط من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له: غسان المشلل، فسموا به فسكنوا بطرف الشام، ومعنى (تُنْعِل النعال): تصنع الحديد لأجل حوافر الخيل.
وقوله: (فرجع عشاء) أي: بعد عشاء الآخرة أو بعدها شيئا.
وقوله: (أعظم منه وأطول) يريد: أعظم منه وأطول حزنًا، ظنوا أنه طلق نساءه؛ لاعتزالهن. قال الفراء في قوله تعالى: (عَرَف بعضه) بتخفيف الراء ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]: جازى على ذلك
стр. 9192
وغضب منه، كما تقول لمن أساء إليك: قد عرفت ذلك لك، وقد جازى حفصة بالطلاق (١). و (يوشك) بكسر الشين: أي: يسرع كونه.
وسلف الاختلاف في الرهط هل يطلق على ما فوق العشرة. وقيل: هو كالبضع من الثلاث إلى العشرة.
وقوله: (فقلت لغلام أسود: استأذن) كان أكثر شأنه ﵇، أنه لا بواب له، ويحتمل جلوس هذا؛ لئلا يكثر الناس عليه ويخبرهم بإذنه ومنعه، وصمته ﵇ ولم يأذن له لعله لشدة غضبه إذًا.
وقوله: (على رمال حصير) يعني: ما شدته من أحبله، يقال: رملت الحصير: نسجته، وحصير مرمول: منسوج، والرمل: هو النسج، والراملة: الناسجة، وفي رواية أخرى: على رمال سرير (٢).
وقوله: (من أدم). قال الداودي: أي: من جلد، وأهل اللغة يقولون: أدم جمع أديم.
وقوله: (فتبسم رسول الله ﷺ ") هو شأنه؛ إذ ضحكه التبسم؛ إكرامًا لمن يضحك إليه. قال جرير: ما رآني رسول الله ﷺ أسلمت إلا تبسم (٣).
وقوله: (أهَبَة) هو بفتحهما جمع إهاب على غير قياس، وضبط أيضًا بضمهما وهو الجلد مطلقًا.
وقال قوم: إنه الجلد قبل أن يدبغ، وبه جزم ابن بطال، فقال في
стр. 9193
النكاح: هو الجلد غير مدبوغ يجمع أهبًا وأهبة (١)، وحكى ابن التين الخلاف فقال: هو الجلد، وقيل: قبل أن يدبغ، والهاء في أهبة مزيدة للمبالغة.
وقوله: (فاعتزل من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة) فوقفت له على الباب، فلما خرج كلمته، فقال: فإنها عليَّ حرام، لا تخبري عائشة، فأخبرتها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] إلى آخر القصة (٢). وقيل في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] أن الصديق الخليفة بعده، قاله ميمون بن مهران (٣). وقيل: إنه شرب عسلًا في بيت زينب بنت جحش وتواصت عليه عائشة وحفصة بأن تقول له كل واحدة: أجد منك ريح مغافير، فقال: "بل شربت عسلًا ولن أعود" (٤)، ودخوله ﵇ لتسع وعشرين فيه دلالة على أن من حلف على فعل شيء أنه يبر بأقل ما يقع عليه الاسم، وبه قال محمد بن عبد الحكم، وقال مالك: إن دخل بالهلال خرج به، وإن دخل بالأيام لم يبر إلا بثلاثين يومًا.
وقولها: (فأنزل التخيير) اختلف العلماء هل خيرهن في الطلاق أو بين الدنيا والآخرة؟ وهل اختيارها صريح أو كناية؟ وهل هو فرقة أم لا: وهل يشترط الفور أم لا؟ وهل هو بالمجلس أو بالعرف؟
стр. 9194
٢٦ - باب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى البَلَاطِ أَوْ بَابِ المَسْجِدِ
٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ البَلَاطِ فَقُلْتُ هَذَا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالجَمَلِ قَالَ: "الثَّمَنُ وَالجَمَلُ لَكَ". [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٥/ ١١٧]
ذكر فيه حديث جابر في بيع الجمل وقد سلف، وفي إسناده أبو عقيل واسمه: بشير بن عقبة (١).
وفيه: أن للداخل في المسجد رحابه وما حواليه مناخًا لبعيره ومحبسًا له.
وفيه: جواز إدخال الأمتعة والأثاث في المساجد قياسًا على دخول البعير فيه.
وفيه: حجة لمالك والكوفيين في طهارة أبوال الإبل وأرواثها (٢).
قال ابن بطال: وفيه رد على الشافعي في قوله بنجاستها. قال: وهذا خلاف منه لدليل الحديث، ولو كانت نجسة -كما زعم- ما كان لجابر إدخال البعير في المسجد، وحين أدخله فيه ورآه الشارع لم يسوغه ذلك، ولأنكره عليه، ولأمره بإخراجه من المسجد خشية ما يكون فيه من الروث والبول إذ لا يؤمن من حدوث ذلك منه،
стр. 9195
وعلى قول الشافعي: لا يجوز إدخال البعير في المسجد؛ لنجاسة بوله وروثه، وعلى مذهب الآخرين يجوز إدخالها فيه؛ لطهارة أبوالها وأرواثها (١).
قلت: مذهبه جواز إدخاله، فيه ولا يرد عليه ما ذكره.
стр. 9196
٢٧ - باب الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
٢٤٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. [انظر: ٢٢٤ - مسلم: ٢٧٣ - فتح:٥/ ١١٧]
ذكر فيه حديث حذيفة السالف في الطهارة بأحكامه.
والسباطة: الكناسة، كما قاله ابن فارس (١)، وقول من قال: إنها المزبلة يرجع إليه؛ لأن الكناسة: الزبل الذي يكنس. قال المهلب: ولا حرج على أحد على البول فيها وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لطرح الكناسات والنجاسات فيها، وهو كما قال، فالانتفاع بالسباطات والطرق التي لا يضر أهلها ما يحدث فيها جائز.
وفيه: التستر عند البول، واختلف هل يبعد فيه كما في الغائط؟
حكاه ابن التين. قال: واختلف في علة بوله قائمًا، فقيل: لقذارة الموضع فيخشى أن تصيبه النجاسة إذا جلس، وقيل: تواضعًا ومجانبة للكبر. قلت: وقيل غير ذلك، كما أوضحته هناك. قال: وعلى الوجهين فهو يأمن أن يصل إليه؛ لأنه ليس بصفاء.
стр. 9197
٢٨ - باب مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ
٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". [انظر: ٦٥٢ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٥/ ١٨٨]
ذكر فيه حديث مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ".
الشرح:
إماطة الأذى وكل ما يؤذي الناس في الطريق مأجور عليه.
وفيه: أن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب، وقد قال ﵇: "الإيمان بضع وسبعون -أو وستون- شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
وفيه: دلالة على أن طرح الشوك في الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطريق، وكلُّ ما يؤذي الناس يخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة، ولا شك أن نزع الأذى عن الطريق من أعمال البر، وأن أعمال البر تكفر السيئات، وتوجب الغفران، ولا ينبغي للعاقل أن يحتقر شيئًا من أعمال البر. وفي بعض طرقه: "إما كان في شجرة فقطعه وألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه" (١)، والأصل في هذا كله قوله
стр. 9198
تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧].
وروى البزار بإسناد جيد، كأنه من حديث أبي هريرة: "حوسب رجل فلم يجد له من الخير إلا غصن شوك نحاه عن الطريق" (١)، ولابن زنجويه من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عنه: "على كل مسلم في كل يوم صدقة"، قالوا: ومن يطيق هذا يا رسول الله؟ قال: "إماطتك الأذى عن الطريق صدقة".
ومن حديث ابن لهيعة، عن دراج أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "غفر الله لرجل أماط عن الطريق غصن شوك ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
ولابن أبي شيبة من حديث عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة
مرفوعًا: "أو ماط أذى عن طريق فحسنته بعشر أمثالها" (٢).
ومن حديث أبي هلال، عن قتادة، عن أنس كانت سمرة على طريق الناس فكانت تؤذيهم فعزلها رجل عن طريقهم، قال النبي ﷺ : "فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة" (٣).
ولأبي داود من حديث بريدة مرفوعًا: "في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة"، قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: "النخاعة في المسجد يدفنها، والشئ ينحيه عن الطريق" الحديث (٤).
стр. 9199
ولابن ماجه من حديث أبي برزة قلت: يا رسول الله، دلني على عمل انتفع به، قال: "اعزل الأذى عن طريق المسلمين" (١).
ولابن عبد البر من حديث مالك بن يزيد، عن أبيه، عن أبي ذر مرفوعًا: "إماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة" (٢)(٣).
стр. 9200
٢٩ - باب إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ -وَهْيَ: الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ- ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا البُنْيَانَ، فَتُرِكَ مِنْهَا الطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ .
٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ (الميتاء) (١) بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. [مسلم: ١٦١٣ - فتح: ٥/ ١١٨]
هذِه الترجمة لفظ حديث (٢) رواه عبادة بن الصامت، عند عبد الله بن أحمد -فيما زاده مطولًا- عن أبي كامل الجحدري، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن (الوليد) (٣)، عنه (٤).
قال أبو عمرو الشيباني: (الميتاء) أعظم الطرق، وهي التي يكثر إتيان الناس عليها. وقال ابن التين: هي الطريق الواسعة، وقيل: العامرة، وفي الحديث: "الموت طريق موتاء" أي: مشاركة. والميثاء بالمثلثة: الأرض السهلة.
стр. 9201
ثم ساق البخاري حديث الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ: أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. وأخرجه مسلم أيضًا، ولابن ماجه من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا اختلفتم في الطريق، فاجعلوه سبعة أذرع" (١)، وفيه أيضًا عن أنس، أخرجه ابن عدي من حديث عبَّاد بن منصور، عن أيوب السختياني، عنه: قضى رسول الله ﷺ في الطريق الميتاء التي تؤتى من كل مكان .. الحديث (٢).
قال المهلب: هذا حكم من الشارع في الأفنية إذا أراد أهلها البنيان أن تُجعل الطريق سبعة أذرع حتى لا تضر بالمارة عليها، وإنما جعلها سبعة أذرع لمدخل الأحمال والأثقال ومخرجها، ومدخل الركبان، والرجال ومطرح ما لا بد لهم من مطرحه عند الحاجة إليه، وما لا يجد الناس بدًّا من الارتفاق من أجله لطرقهم.
قال الطبري: والحديث على الوجوب عند العلماء القضاء به، ومخرجه على الخصوص عندهم، ومعناه: أن كل طريق تجعل سبعة أذرع وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا مضرة عليه فيه فهي المرادة بالحديث، وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ذلك ما لا ينتفع به، فغير داخل في معنى الحديث.
وقال غيره: هذا الحديث في أمهات الطرق وما يكثر الاختلاف فيه والمشي عليه، وأما ثنيات الطريق فيجوز في أفنيتها ما اتفقوا عليه، وإن كان أقل من سبعة أذرع.
стр. 9202
وروى ابن وهب، عن ابن سمعان: أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها (١): إن أهلها الذين هم أقرب الناس إليها يقتطعونها بالحصص على قدر ما يشرع فيها من ربعهم، فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره، وصاحب الصغير بقدره، ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع أو سبعة على ما روي عن رسول الله ﷺ .
ونقل ابن التين عن ابن شعبان أنه إذا اختلف البانيان المتقابلان، وأراد أن يقرب كل واحد جداره بجدار صاحبه، جعلا للطريق سبعة أذرع بالذراع المعروفة بذراع البنيان.
واختلف أصحاب مالك فيمن أراد أن يبني في الفناء الواسع، ولا يضر فيه بأحد بعد أن يترك للطريق سبعة أذرع أو ثمانية، فروى ابن وهب أنه ليس له ذلك، وقال أصبغ: أكرهه، فإن ترك لم يعرض له. قال أصبغ: قد تركت فأفتى فيها أشهب، قال: إذا كانت الطريق واسعة وأخذ منها يسيرًا لا ضرر فيه ولا بأس بذلك.
قال ابن حبيب: وقول مالك أعجب إلي؛ لأن الطريق لمنفعة الناس عامة، وربما ضاق الطريق بأهله وبالدواب ويميل الراكب وصاحب الحمل عن الطريق إلى تلك الأفنية والرحاب، فيتسع فيها، فليس لأهلها تغييرها عن حالها. وقول أصبغ وأشهب يعضده حديث الباب، وما وافق الحديث أولى بما خالفه، ففيه الحجة البالغة، ومن معنى هذا الباب ما ذكره ابن حبيب أن عمر قضى بالأفنية لأرباب
الدور؛ وتفسير هذا يعني: أنه قضى بالانتفاع والمجالس والمرابط
стр. 9203
والمصاطب (١) وجلوس الباعة وليس بأن يحاز بالبنيان والتحظير، وقد مرَّ عُمر بِكِيرِ حَدَّادٍ في السوق، فأمر به فهدم وقال: تضيقون على الناس (٢).
وقال الطحاوي: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى أن يحمل عليه من أن الطريق المبتدأة إذا اختلف مبتدئوها في المقدار الذي يوقفونه لها من المواضع التي يحاولون اتخاذها فيها كالقوم يفتتحون مدينة من مدائن العدو، فيريد الإمام قسمتها ويريد مع ذلك أن يجعل فيها طرقًا لمن يسلكها من الناس إلى ما سواها من البلدان ولا يحدها مما كان المفتتحة عليهم أهملوا ذلك فيها فيجعلون كل طريق منها سبعة أذرع، ومثل ذلك الأرض الموات يقطعها الإمام ويجعل إليه إحياءها ووضع طريقًا بها لاجتياز الناس فيه بها إلى ما سواها، فيكون ذلك الطريق سبعة أذرع (٣).
وقال ابن التين: معنى (تشاجروا): اختلفوا. قال: وهذا يصح في الطرق الواسعة التي هي ممر الناس دون طرف الدار الواحدة، وكذلك يفعل أيضًا إذا جلس في الطريق من يبيع بتركه سبع أذرع، فإن بقي أقل من سبع منع الجالس هناك. قال: وكذلك القرى التي يزرع أهلها يكون الطريق هذا القدر. وقال أبو عبد الملك: أرادوا البنيان في الطريق المسلوك، واصطلحوا على أقل من سبعة أذرع جاز.
الشرح:
تعليق عبادة أسنده في وفود الأنصار وفي المناقب (١)، وحديث عبد الله بن يزيد من أفراده. والأخير: قال الزهري: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر أنه كان يحدثهم بهؤلاء عن أبي هريرة قال: وكان أبو (بكر) (٢) يلحق بهن: "ولا ينتهب نهبة ذات شرف" إلى آخره (٣) وعند مسلم من حديث الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي
هريرة، وذكر النهبة ولم يقل: "ذات شرف" (٤).
قال أبو عبد الله: تفسيره أن ينزع منه الإيمان، وصح: "من انتهب نهبة فليس منا"، أخرجه أبو داود من حديث جابر (٥)، وابن حبان من حديث الحسن عن عمران بن الحصين (٦)(٧) وصححه الترمذي من حديث أنس (٨)، ولابن حبان من حديث ثعلبة بن الحكم مرفوعًا:
стр. 9206
"إن النهبة لا تحل" (١)، ولأحمد عن زيد بن خالد: نهى رسول الله ﷺ عن النهبة (٢)، ولابن أبي شيبة من حديث صحابي: "ليست النهبة بأحل من الميتة"، وله من حديث (عبد الرحمن بن سمرة) (٣): أن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة. ومن حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها رءوسهم وهو مؤمن" (٤).
إذا تقرر ذلك؛ فالانتهاب الذي قام الإجماع على تحريمه هو ما كانت العرب عليه من الغارات وانطلاق الأيدي على أموال المسلمين بالباطل، فهذِه النهبة لا ينتهبها مؤمن كما لا يسرق ولا يزني مؤمن، يعني: مستكمل الإيمان؛ وعلى هذا وقعت البيعة من حديث عبادة في قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ أن لا ننتهب) يعني: أن لا نغير على المسلمين في أموالهم.
قال ابن المنذر: وفسر الحسن والنخعي هذا الحديث فقالا: النهبة المحرمة: أن يُنتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره؛ وهو قول قتادة.
قال أبو عبيد: وهذا وجه الحديث على ما فسراه، وأما النهبة المكروهة: فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحه لهم وغرضه تساويهم فيه أو مقاربة التساوي، فإذا كان القوي مثهم يغلب الضعيف
ويحرمه فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل، وقد اختلف العلماء فيما
стр. 9207
ينثر على رءوس الضيفان، وفي الأعراس فيكون فيه النهبة فكرهه مالك والشافعي وأجازه الكوفيون (١)، وإنما كره؛ لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب الشيء أخذه، ويحب أخذ غيره له، وما حكي عن الحسن من أنه كان لا يرى بأسًا بالنهاب في العُرسات والولائم، وكذلك الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة (٢)، فليس من النهبى المحرمة، وكذا حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ أنه قال في البدن التي نحرها: "من شاء اقتطع" (٣).
قال الشافعي: صار ملكًا للفقراء خلى بينه وبينهم، وحديث معاذ: "إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، فأما العرسات فلا " فجاذبهم وجاذبوه، ضعفه البيهقي بالضعف والجهالة والانقطاع (٤).
قال الشافعي: فإن أخذ النثار (٥) آخذٌ لا تجرح شهادته؛ لأن كثيرًا يزعم أنه مباح؛ لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه لمن أخذه، وكان أبو مسعود الأنصاري يكرهه، وكذلك إبراهيم
وعطاء وعكرمة ومالك (٦).
стр. 9208
وقال ابن المنذر: إنما أكرهه؛ لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة وقلة حياء، ولم يقصد به هو وحده، وإنما قصد به الجماعة، ولا يعرف حظه من حظ غيره، فهو خلسة وسحت. قال: وحديث البدنات حجة في إجازة ما ينثر في الملاك وغيره وأبيح أخذه؛ لأن المبيح لهم ذلك قد علم اختلاف قوتهم في الأخذ، وليس في البدن التي أباحها لأصحابه معنى إلا وهو موجود في النثار.
فرع: ذكر ابن قدامة: أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة، وحكي عن داود وجوبه على من أخذ مال الغير ولو من غير حرز.
فائدة:
(النهبى) و (النهبة): اسم ما نهب؛ مأخوذة من النهب كالعمرى من العمر، والمنتهِب: هو الذي يأخذ الشيء عيانًا بغلبة سابقه ومبادرة لغيره.
أخرى: (المثلة) بضم الميم وإسكان المثلثة، ويقال أيضًا: بفتح الميم وضم الثاء، وجمعها مثلات، وضبطه ابن التين بفتح الميم وضم الثاء، ثم قال: وضبط في بعض الكتب بالأول، قال: وهي العقوبة في الأعضاء، كجدع الأنف والأذن وفقء العين. قال ابن فارس: مثل بالقتيل: إذا جدعه (١).
فرع:
مَنْ مَثَّلَ بعبده عتق عند مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال بعض المتأخرين: يخير العبد في ذلك، وهل يعتق بنفس المثلة؟ فيه روايتان للمالكية. واختلفوا إذا مثل بعبد غيره، فنص "المدونة": يعتق
عليه (٢). وقال عبد الملك: لا يعتق عليه بخلاف عبده.
стр. 9209
تنبيه:
قال ابن التين: معلوم أن أموال المسلمين محرمة، والحديث إنما هو مؤول في المغازي ينهب بما غنم من غير قسمة، وكذا إذا قدم إليهم طعام أكل كل واحد بما يليه ولا ينتهب. قال: وحمل بعضهم الحديث على عمومه ولم يجزه في النثار ونحوه. وقال بعضهم: إنما ذلك فيما لم يؤذن في انتهابه، وإما ما أذن فيه فغير ذلك، واحتج بحديث البدنات، وهذا مثل تبويب البخاري النهبة بغير الإذن.
خاتمة:
قوله: ("لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن")، وذكر مثله في شرب الخمر، وأكثر العلماء أن معناه ليس بمستكمل لشرائع الإيمان.
وقال البخاري: تفسيره أن ينزع عنه نور الإيمان وهو قريب من الأول. وقيل: يزول منه اسم البناء بالإيمان لا نفس الإيمان. وقيل: أنذره أن يزول إيمانه إذا استمر على ذلك، مثل من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقيل: يعتزله الإيمان عند مقارنة فعله هذِه الأشياء. وقيل: إن ارتكبها مستحِلًّا، ورواه بعضهم: "لا يشربِ الخمر" بكسر الباء على معنى النهي، يعني: إذا كان مؤمنًا فلا يفعل، وستأتي له تكملة في الحدود إن شاء الله تعالى.
стр. 9210
٣١ - باب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". [انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٥/ ١٢١]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ .. " الحديث. وقد سلف في باب قتل الخنزير (١) فراجعه، وهو وعد منه بنزول عيسي ﷺ .
وفيه من الفقه: كسر نصب المشركين وجميع الأوثان، وإنما قصد إلى ذكر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما في دين النصارى المعتدين في شريعتهم إليه، فأخبر أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه، كما غيره هو، وأعلمهم أنهم على الباطل في ذلك، فدل هذا أن عيسى يأتي بتصحيح شريعة نبينا، حاكمًا بالعدل بين أهلها.
ومعنى ("يضع الجزية"): يتركها، فلا يقبلها كما أسلفناه هناك؛ لأنا إنما قبلناها لحاجتنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عند خروجه إلى مال؛ لأنه يفيض في أيامه حتى لا يقبله أحد ولا يقبل إلا الإيمان بالله وحده.
وأما الساعة؛ فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا لكان ذلك تعديًا؛ لأن على ذلك يؤدون الجزية وإن كسره لأهل الحرب كان مشكورًا، وكذلك قتل الخنزير (٢).