"إن النهبة لا تحل" (١)، ولأحمد عن زيد بن خالد: نهى رسول الله ﷺ عن النهبة (٢)، ولابن أبي شيبة من حديث صحابي: "ليست النهبة بأحل من الميتة"، وله من حديث (عبد الرحمن بن سمرة) (٣): أن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة. ومن حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها رءوسهم وهو مؤمن" (٤).
إذا تقرر ذلك؛ فالانتهاب الذي قام الإجماع على تحريمه هو ما كانت العرب عليه من الغارات وانطلاق الأيدي على أموال المسلمين بالباطل، فهذِه النهبة لا ينتهبها مؤمن كما لا يسرق ولا يزني مؤمن، يعني: مستكمل الإيمان؛ وعلى هذا وقعت البيعة من حديث عبادة في قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ أن لا ننتهب) يعني: أن لا نغير على المسلمين في أموالهم.
قال ابن المنذر: وفسر الحسن والنخعي هذا الحديث فقالا: النهبة المحرمة: أن يُنتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره؛ وهو قول قتادة.
قال أبو عبيد: وهذا وجه الحديث على ما فسراه، وأما النهبة المكروهة: فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحه لهم وغرضه تساويهم فيه أو مقاربة التساوي، فإذا كان القوي مثهم يغلب الضعيف
ويحرمه فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل، وقد اختلف العلماء فيما
стр. 9207
ينثر على رءوس الضيفان، وفي الأعراس فيكون فيه النهبة فكرهه مالك والشافعي وأجازه الكوفيون (١)، وإنما كره؛ لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب الشيء أخذه، ويحب أخذ غيره له، وما حكي عن الحسن من أنه كان لا يرى بأسًا بالنهاب في العُرسات والولائم، وكذلك الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة (٢)، فليس من النهبى المحرمة، وكذا حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ أنه قال في البدن التي نحرها: "من شاء اقتطع" (٣).
قال الشافعي: صار ملكًا للفقراء خلى بينه وبينهم، وحديث معاذ: "إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، فأما العرسات فلا " فجاذبهم وجاذبوه، ضعفه البيهقي بالضعف والجهالة والانقطاع (٤).
قال الشافعي: فإن أخذ النثار (٥) آخذٌ لا تجرح شهادته؛ لأن كثيرًا يزعم أنه مباح؛ لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه لمن أخذه، وكان أبو مسعود الأنصاري يكرهه، وكذلك إبراهيم
وعطاء وعكرمة ومالك (٦).
стр. 9208
وقال ابن المنذر: إنما أكرهه؛ لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة وقلة حياء، ولم يقصد به هو وحده، وإنما قصد به الجماعة، ولا يعرف حظه من حظ غيره، فهو خلسة وسحت. قال: وحديث البدنات حجة في إجازة ما ينثر في الملاك وغيره وأبيح أخذه؛ لأن المبيح لهم ذلك قد علم اختلاف قوتهم في الأخذ، وليس في البدن التي أباحها لأصحابه معنى إلا وهو موجود في النثار.
فرع: ذكر ابن قدامة: أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة، وحكي عن داود وجوبه على من أخذ مال الغير ولو من غير حرز.
فائدة:
(النهبى) و (النهبة): اسم ما نهب؛ مأخوذة من النهب كالعمرى من العمر، والمنتهِب: هو الذي يأخذ الشيء عيانًا بغلبة سابقه ومبادرة لغيره.
أخرى: (المثلة) بضم الميم وإسكان المثلثة، ويقال أيضًا: بفتح الميم وضم الثاء، وجمعها مثلات، وضبطه ابن التين بفتح الميم وضم الثاء، ثم قال: وضبط في بعض الكتب بالأول، قال: وهي العقوبة في الأعضاء، كجدع الأنف والأذن وفقء العين. قال ابن فارس: مثل بالقتيل: إذا جدعه (١).
فرع:
مَنْ مَثَّلَ بعبده عتق عند مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال بعض المتأخرين: يخير العبد في ذلك، وهل يعتق بنفس المثلة؟ فيه روايتان للمالكية. واختلفوا إذا مثل بعبد غيره، فنص "المدونة": يعتق
عليه (٢). وقال عبد الملك: لا يعتق عليه بخلاف عبده.
стр. 9209
تنبيه:
قال ابن التين: معلوم أن أموال المسلمين محرمة، والحديث إنما هو مؤول في المغازي ينهب بما غنم من غير قسمة، وكذا إذا قدم إليهم طعام أكل كل واحد بما يليه ولا ينتهب. قال: وحمل بعضهم الحديث على عمومه ولم يجزه في النثار ونحوه. وقال بعضهم: إنما ذلك فيما لم يؤذن في انتهابه، وإما ما أذن فيه فغير ذلك، واحتج بحديث البدنات، وهذا مثل تبويب البخاري النهبة بغير الإذن.
خاتمة:
قوله: ("لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن")، وذكر مثله في شرب الخمر، وأكثر العلماء أن معناه ليس بمستكمل لشرائع الإيمان.
وقال البخاري: تفسيره أن ينزع عنه نور الإيمان وهو قريب من الأول. وقيل: يزول منه اسم البناء بالإيمان لا نفس الإيمان. وقيل: أنذره أن يزول إيمانه إذا استمر على ذلك، مثل من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقيل: يعتزله الإيمان عند مقارنة فعله هذِه الأشياء. وقيل: إن ارتكبها مستحِلًّا، ورواه بعضهم: "لا يشربِ الخمر" بكسر الباء على معنى النهي، يعني: إذا كان مؤمنًا فلا يفعل، وستأتي له تكملة في الحدود إن شاء الله تعالى.
стр. 9210
٣١ - باب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". [انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٥/ ١٢١]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ .. " الحديث. وقد سلف في باب قتل الخنزير (١) فراجعه، وهو وعد منه بنزول عيسي ﷺ .
وفيه من الفقه: كسر نصب المشركين وجميع الأوثان، وإنما قصد إلى ذكر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما في دين النصارى المعتدين في شريعتهم إليه، فأخبر أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه، كما غيره هو، وأعلمهم أنهم على الباطل في ذلك، فدل هذا أن عيسى يأتي بتصحيح شريعة نبينا، حاكمًا بالعدل بين أهلها.
ومعنى ("يضع الجزية"): يتركها، فلا يقبلها كما أسلفناه هناك؛ لأنا إنما قبلناها لحاجتنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عند خروجه إلى مال؛ لأنه يفيض في أيامه حتى لا يقبله أحد ولا يقبل إلا الإيمان بالله وحده.
وأما الساعة؛ فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا لكان ذلك تعديًا؛ لأن على ذلك يؤدون الجزية وإن كسره لأهل الحرب كان مشكورًا، وكذلك قتل الخنزير (٢).
"اكسِرُوهَا، وَأَهْرِقُوهَا". قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالطَ: "اغْسِلُوا".
ثانيها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وَحَوْلَ البَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ (صَنَمًا) (١)، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١].
ثالثها:
حديث عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.
الشرح:
أثر شريح ذكره وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن أبي حصين أن رجلًا كسر طنبور رجل، فحاجَّه إلى شريح، فلم يضمنه شيئًا (٢).
وقال ابن التين: قضى شريح في الطنبور الصحيح يكسر ويدفع لمالكه فينتفع به. وحديث سلمة هو أحد ثلاثياته.
قال البخاري: (كان ابن أبي أويس يقول: الحمر الأَنَسية بنصب الألف والنون). وحديث عائشة سلف. أما كسر الدنان التي فيها الخمر فلا معنى له؛ لأنه إضاعة مال وما طهره الماء جاز الانتفاع
به، ألا ترى أنه ﵇ قال في القدور: "اغسلوها"؟
وفي الترمذي عن أبي طلحة قال: يا نبي الله اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، قال: "أهرق الخمر واكسر الدنان" (٣). وفي سنده ليث بن أبي سليم.
стр. 9213
ولأحمد من حديث ابن عمر: أخذ النبي ﷺ شفرة وخرج إلى السوق وبها زقاق خمر جلبت من الشام فشق بالمدية ما كان من تلك الزقاق، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت (١).
وأما الزقاق، فرأى مالك أن الماء لا يطهرها لما يداخلها وغاص فيها من الخمر، ورأى غيره تطهيرها وغسلها بالماء؛ لأن الماء أيضًا يغوص فيها ويطهر ما غاص فيها من الخمر.
وفي حديث ابن مسعود من الفقه: كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلا للمعصية كالطنابير والعيدان والمزامير والبرابط، التي لا معنى لها إلا التلهي بها عن ذكر الله والشغل بها عما يحبه إلى ما يسخطه أن يغيره عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها المعنى المكروه، وذلك أنه ﵇ كسر الأصنام، والجوهر الذي فيه لا شك أنه يصلح -إذا غير عن الهيئة- المكروهة لكثير من منافع بني آدم، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي، وروى سفيان عن منصور، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف فيخرقونها (٢)، وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا وجد أحدًا يلعب بالنرد ضربه وأمر بها فكسرت (٣).
قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في خشبها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة على وجه الاجتهاد، كما فعل عمر حين أحرق
стр. 9214
دار رويشد على بيع الخمر، وقد هم الشارع بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة (١)، وهذا أصل في العقوبة في المال إذا رأى ذلك.
قلت: أصحابنا ادعوا نسخه. وهتكه ﵇ الستر الذي فيه الصور دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي. وقال ابن المنذر: في معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا للهو المنهي عنه، فلا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرًا أو قطعًا، فيجوز بيعها والشراء بها.
وقوله في القدور: "اكسروها" أراد به التغليظ على أصحاب المنكر؛ ليكون حسمًا للمراد، وكذا خرق الزقاق، كما نبه عليه ابن الجوزي، فأما إذا قبلوا قول الحق فاللين أولى بهم؛ ولهذا لما رأى استجابتهم لمراده أجاز الغسل، ثم قال: فإن قلت: قد نهى عن إضاعة المال (٢).
فالجواب: أن إضاعة الشيء الخاص للمصلحة العامة حسن كتحريق مال الغال وشبهه وهذا على قول من لم يدع نسخه.
تنبيهات:
أحدها: (الدنان) جمع دن ككلب وكلاب، وكذلك (الزقاق) جمع زق. قال أبو عبد الملك: يغسل الفخار كما في الحديث، وكذا أواني المجوس التي يطبخون فيها الميتة، وأما الزقاق فتشق؛ لأنها تشرب.
ثانيها: أمر بإراقة لحم الحمر؛ ليكون أبلغ في التحريم، وقد كان
стр. 9215
تؤكل قبل ذلك واختلف في علة تحريمها، وسيأتي في بابه. وقوله: (ألا نهريقها؟) وفي نسخة: نهرقها. وصوب ابن التين الأولى.
ثالثها: قوله: ("صنمًا") وفي نسخة: "نصبًا" -بضم النون والصاد- جمع نصاب وهو صنم أو حجر ينصب ويذبح عنده، وليس ببيّن أن يكون جمعًا؛ لأنه لا يأتي بعد ستين إلا مفردًا، تقول: عندي ستون ثوبًا ونحو ذلك، ولا تقول أثوابًا. قال ابن التين: كذا ضبط في رواية أبي الحسن، وقد قيل: نُصُب ونُصَب ونُصِبَ بمعنى واحد؛ فعلى هذا يكون جمعًا لا مفردًا.
رابعها: طعنه في الأنصاب إعلام بأنها لا تدفع عن نفسها، فكيف تكون آلهة؟!
خامسها: السهوة كالصُّفة تكون بين يدي البيت. قاله الأصمعي، وقد سلف.
وقال غيره: تكون شبيهة بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء. وقيل: هي الطاق في وسط البيت. وقيل: هو بيت صغير سمكه مرتفع عن الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، ومعنى (هتكه): شقه. والنمرقة سلفت لغاتها. وقال فيما تقدم: دخل البيت فوجد نمرقة فيها تصاوير فمنع من اتخاذها (١)، فيحتمل هذا أن يكون بعد إذنه: "إلا ما كان رقمًا في ثوب" (٢)، وإن كان الستر ثوبًا؛ لكنه هتكه لما
стр. 9216
كان معلقًا، والنمارق تمتهن بالأرجل. وقيل: لما شقه خرجت الصور في القطع ولم يبق منها شيء في النمرقتين. وقال الداودي: الذي يحتمل أن تكون التماثيل من الشجرة ونحوها، فكرهها وقطع منها نمرقتين يريد أنها لم تكن صورة ممنوعة مما فيه روح، وهذا مذهب ابن عباس (١).
стр. 9217
٣٣ - باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ
٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ: ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ". [مسلم: ١٤١ - فتح: ٥/ ١٢٣]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو للأربعة من حديث سعيد بن زيد بزيادة: "ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد". قال الترمذي: حسن صحيح (١).
ولأبي داود من حديث ابن عمرو: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد" (٢). وللإسماعيلي: "من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة".
ثم قال البخاري: رواه عن المقرئ (٣)؛ فقال: "فهو شهيد" ودحيم، وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام؛ كلهم رووه عن المقرئ، فقالوا: "فله الجنة" وكلهم قال: "مظلومًا" ولم يقله البخاري، ويشبه أن يكون نقله من حفظه، أو سمعه من المقرئ من حفظه، فجاء بالحديث على ما جرى به اللفظ في هذا الباب، ومن جاء به على غير ما اعتيد من اللفظ فيه فهو بالحفظ أولى ولا سيما فيهم مثل: دُحيم، وكذلك ما زادوه من قوله مظلومًا، فإن المعنى لا يجوز إلا أن يكون كذلك. ورواه أبو نعيم في "مستخرجه" عن محمد بن أحمد، عن بشر بن
стр. 9218
موسى، عن عبد الله بن يزيد المقرئ بلفظ: "من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد"، كما رواه البخاري بزيادة: "مظلومًا".
إذا تقرر ذلك؛ فـ (دون) في الأصل ظرف مكان بمعنى: أسفل، وتحت نقيض فوق، وقد استعملت في هذا الحديث بمعنى: لأجل السببية وهو مجاز وتوسع، ووجهه: أن الذي يقاتل على ماله إنما جعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه.
والشهيد سمي بذلك؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شهدت دار السلام وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة؛ ولأن الرب وملائكته يشهدون له بالجنة فشهيد مشهود له أو لأنه يشهد عند خروج روحه ما له من الثواب والكرامة، وغير ذلك مما أوضحته في كتاب "لغات المنهاج".
قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله. وقال ابن المبارك: يقاتل عن ماله ولو درهمين (١)، وإنما أدخل هذا الحديث في هذِه الأبواب ليريك أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله، فإذا كان شهيدًا إذا قُتِل في ذلك، كان إذا قتل من أراده في مدافعته له عن نفسه لا دية فيه عليه ولا قود.
قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين، فهو كمن قاتل دون نفسه وماله، فلا دية عليه ولا تبعة، ومن أخذ في ذلك بالرخصة وأسلم المال والأهل والنفس، فأمره إلى الله، والله تعالى (يقدره) (٢) ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة بهذا الحديث.
стр. 9219
واختلفت أقوال أهل العلم في الباب:
قال ابن المنذر: روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم (١)، وقد أخذ ابن عمر لصًّا في داره فأصلت عليه السيف. قال سالم: فلولا أنا لضربه به (٢).
وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن: إذا طرق اللص بالسلاح فاقتله، وروينا هذا المعنى عن غير واحد من المتقدمين، وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر فيلقاهم اللصوص. قال: تناشدونهم الله، فإن أبوا وإلا قوتلوا (٣).
وعن الثوري وابن المبارك قال: تقاتلونهم ولو على دانق. وقد سلف عن ابن المبارك على درهمين، ونقله الثوري عن جماهير العلماء. وقال بعض المالكية: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام. وحكاه ابن التين عن مالك، وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع مع اللصوص فلا يعطيهم شيئًا.
وقال أحمد: إذا كان اللص مقبلًا، وأما موليًا فلا. وعن إسحاق مثله. وقال أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلًا للسرقة ثم خرج بالسرقة من الدار، فأتبعه الرجل فقتله: لا شيء عليه.
وكان الشافعي يقول: من أريد ماله في مصر أو صحراء أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه ويستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، فإن أبي أن يمتنع من قتله من أراده فله أن يدفع عن نفسه وعن
стр. 9220
ماله وليس له عمد قتله، فإن أتى ذلك على نفسه فلا عقل فيه ولا قود ولا كفارة (١).
قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلمًا لحديث الباب، ولم يخص وقتًا دون وقت ولا حالًا دون حال إلا السلطان، فإن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أن لا يفعل؛ للآثار التي جاءت عن الشارع بالأمر بالصبر على ما يكون منه من الجور والظلم وترك القيام عليهم ما أقاموا الصلاة (٢)، وما قلناه من إباحة أن يدفع الرجل عن نفسه وماله قول عوام أهل العلم إلا الأوزاعي، فإنه كان يفرق بين الحال التي الناس فيها جماعة وإمام، وبين حال الفتنة التي لا جماعة فيها ولا إمام. فقال في تفسير قوله: "فمن قتل دون ماله فهو شهيد": إذا أقلعت الفتنة عن الجماعة وأمنت السبل وحج البيت وجوهد العدو قعد اللص لرجل يريد دمه أو ماله قاتله، وإن كان الناس في معمعة وقتال فدخل عليه يريد دمه وماله اقتدى بمحمد بن مسلمة.
فرع:
لا يجب الدفع عندنا عن المال إذا لم يكن ذا روح، أما الحيوان فكالنفس ما لم يخش على نفسه لحرمته، ويجب عن البُضع بشرطه، وكذا نفس قصدها كافر أو بهيمة لا مسلم على الأصح.
стр. 9221
فرع:
لو أراد استهلاك القوم قوتلوا جزمًا كالمحاربين إن قدر عليهم قبل التربة، وإلا أقُيد منهم (وبيعوا) (١) بالأموال وأخذ منهم صداق من (وطئوه) (٢) أمة كانت أو حرة عند مالك مع الحد. وقال غيره: لا يجتمع الحد والصداق، وهو قول أبي حنيفة وإذا انهزم اللصوص فاختلف في اتباعهم.
стр. 9222
٣٤ - باب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ
٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: "كُلُوا". وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. [٥٢٢٥ - فتح: ٥/ ١٢٤]
وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيّوبَ، حَدَّثَنَا حمُيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ذكر فيه حديث أنس أنه ﵇ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: "كُلُوا". وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا حُمَيْدٌ، ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
هذا الحديث من أفراده، وفي رواية للترمذي: أهدت بعض أزواج رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال ﵇: "طعام بطعام وإناء بإناء"، ثم قال: حسن صحيح (١)، وفي رواية لأبي داود والنسائي بإسناد فيه مقال من حديث عائشة: أن المرسلة صفية (٢)، وهو أحد الأقوال في
стр. 9223
ذلك. وقيل: زينب بنت جحش، وأنه كان جفنة من حيس. ذكره في "المحلى" (١). وقيل: أم سلمة حكاهما المحب الطبري في "أحكامه"، وحكى الثاني المنذري (٢).
وللترمذي من حديث سويد بن عبد العزيز، عن حميد، عن أنس استعار النبي ﷺ قصعة فضاعت فضمنها لهم، ثم قال: حديث غير محفوظ (٣).
وقال أبو حاتم الرازي في "علله": حديث باطل ليس فيه استعارة، وهم فيه سويد (٤)، وفي "علله" سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عمران بن خالد، عن ثابت، عن أنس: كان ﵇ في بيت عائشة ومعه أصحابه، فأرسلت حفصة بقصعة فكسرتها عائشة، فقضى ﵇: "من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله"، فقال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل أنه ﵇ وهو الصحيح (٥). ولم يقض، أي: فيه بشيء.
قلت: فالحاصل في المرسلة أربعة أقوال والكاسرة عائشة.
واختلف العلماء فيمن استهلك عروضًا أو حيوانًا؛ فذهب الكوفيون والشافعي وجماعة -كما قاله ابن بطال- إلى أن عليه مثل ما استهلك.
стр. 9224
قالوا: ولا يقضى بالقيمة إلا عند عدم المثل، واحتجوا بحديث الباب، ألا ترى أنه ﵇ ضمن القصعة بقصعة، وذهب مالك إلى أن من استهلك شيئًا من العروض أو الحيوان، فعليه قيمته يوم استهلاكه والقيمة أعدل في ذلك، واحتج بأنه ﵇ قضى فيمن أعتق شركًا له في عبد بقيمة حصة شريكه دون حصته من عبد مثله، لأن ضبط المثل بالقيمة أخص منه في الخلقة. والمثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد كما أن القيمة تدرك بالاجتهاد وقسمة العدل في الصنعة مثل. وقد ناقض العراقيون في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالوا: القيمة مثل في هذا الموضع، واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأبو ثور فيمن استهلك ذهبًا أو ورقًا أو طعامًا مكيلًا أو موزونًا أن عليه مثل ما استهلك في صفته ووزنه وكيله. قال مالك: وفرق بين الذهب والفضة والطعام وبين الحيوان والعروض العمل المعمول عليه (١). قال ابن المنذر: ولا أعلم في هذِه المسألة خلافًا (٢).
وقال ابن التين: احتج بهذا الحديث من قال: يقضي في العروض بالأمثال. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك، وعنه كل ما صنعه الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط والصناعة ونحو ذلك، وكل ما كان من صنع الله كالعبد والدابة، ففيه القيمة والمشهور من مذهبه أن كل ما ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلًا أو موزونًا فيقضى بمثله.
стр. 9225
والجواب عن حديث الباب أن البيت الذي كان فيه سيدنا رسول الله ﷺ بيته والظاهر أن ما فيه له، وكذا بيت المُهْدِية، أي: لا على وجه الغرامة، ولو سلم أن القصعتين للمرأتين لم يكن فيه حجة إذا اتفق الجاني والمجني عليه على الرضا بهما، وإنما يجب ما قلناه عن القيمة إذا أباه أحدهما، ويحتمل أن يكون ﵇ رأى ذلك سدادًا بينهما فرضيتاه، فالحديث لا يتناول موضع الخلاف، ويحتمل أن يكون أخذ القصعة من بيتها عقوبة، والعقوبة بالأموال كانت مشروعة. وزعم المنذري أن ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بن الحكم بوجوب المثل، فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وقد أسلفنا هذا.
ومن تعدى على قصعة فكسرها أو ثوبًا فقطعه، فإن كان يسيرًا أصلحه وغرم ما بين قيمته صحيحًا ومَرْفُوًّا. وإن كان كبيرًا، فاختلف قول مالك؛ فقال مرة: يغرم ما نقصه مثل الأول. وقال أخرى: هو مخير بين أن يضمنه جميع قيمته أو ما نقصت قيمته، ولم يختلف قول مالك إذا أراد ربُّه أخذَه وما نقص له أن ذلك له. وقال أشهب ومطرف وابن الماجشون: إن قدر على غرامة قيمته، فليس له أخذه وما نقصه.
تنبيهات:
أحدها: لما استدل ابن حزم بحديث القصعة، قال: هذا قضاء بالمثل لا بالدراهم، قال: وقد روي عن عثمان بن عفان وابن مسعود أنهما قضيا فيمن استهلك فصلانًا بفصلان مثلها (١)، وشبهه داود بجزاء الصيد في العبد العبد، وفي العصفور العصفور.
стр. 9226
ثانيها: إن قلت: فهلا أدبها ولو بالكلام، فالجواب: لعله فهم أن المهدية كانت أرادت بإرسالها ذلك إلى بيتها أذاها والمظاهرة عليها، فلما كسرتها لم يزد على أن قال: "غارت أمكم" وجمع الطعام بيده، وقال: "قصعة بقصعة" وأما "طعام بطعام" فلم يغرم الطعام؛ لأنه كان مهدى فإتلافه قبول له أو في حكمه، وتؤيده رواية أبي داود عن عائشة قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية، وأنها صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فبعثت به فأخذتني أَفْكَل -تعني: رعدة- فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ فقال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" (١)، وفي إسناده أفلت بن خليفة (٢) صدوق.
ثالثها: عند الحنفية إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعظم منافعها زال ملك المغصوب عنها وملكها الغاصب وضمنها ولم يجز له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها (٣).
رابعها: (القصعة) بفتح القاف وسكون الصاد: إناء من عود. قال ابن سيده: هي صحفة تشبع عشرة، جمعها: قصاع، وقصع (٤)، وكان بعض شيوخنا يقول: لا تكسر القصعة ولا تفتح الجراب.
стр. 9227
٣٥ - باب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ
٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ [وُجُوهَ] المُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِى. قَالُوا نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ". [انظر: ١٢٠٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح ٥/ ١٢٦]
ذكر فيه حديث جريج بطوله، وقد سبق، وإلى تبويب البخاري نحا الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور، فقالوا: إذا هدم رجل لآخر حائطًا، فإنه يبني له مثله، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة، واقتضى بحث المتأخرين من الشافعية أن الجدار متقوم وأنه يضمن بالمثل ونقله النووي في "فتاويه" عن النص (١)، واختلف قول مالك في ذلك، والأشبه بالحديث الإعادة.
و (المومسات) الزواني. وفيه: أن الطفل يدعى غلامًا وهو أحد من تكلم في المهد، كما سلف. وقيل: إنه أجاب في بطن أمه (٢).
стр. 9228
وفيه: المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادعته المرأة عليه.
وفيه: استنقاذ الرب ﷻ لصالح عباده وأوليائه عند جور العامة وأهل الجهل عليهم بآية فيريهم الله إياها، فإن كانت عرضت في الإسلام، فكرامة يكرمه الله بها وسبب يسببه لا بخرق عادة ولا قلب عين. قال ابن بطال: وإنما كانت الآيات في بني إسرائيل؛ لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ممتنعة عليهم، ولا نبي بعد نبينا فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقًا للعادة ولا قلبًا لعين، وإنما يكون كرامة لأوليائه، مثل دعوة مجابة، ورؤيا صالحة، وبركة ظاهرة، وفضل بيِّن، وتوفيق من الله إلى الإبراء بما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون، وفي دعاء أمه عليه وهو في الصلاة، دليل أن دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان في حال ضجر وحرج ولم يكن على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التي كذبت عليه، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب (اللإنسان) (١) أن يراعي أمر ربه تعالى ودينه ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته (٢).
وقوله: ("فتوضأ وصلى") فيه دلالة أن الوضوء كان لغير هذِه الأمة، وأن هذِه الأمة خصت بالغرة والتحجيل خلافًا لمن خصها بأصل الوضوء، وقد جاء في حديث سارة حين أخذها الكافر من إبراهيم أنها توضأت وصلت حتى غط الكافر وركض برجله (٣)، كما سيأتي في الإكراه، وقد روي أنه لما توضأ ثلاثًا ثلاثًا. قال: "هذا
стр. 9229
وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" (١)، فثبت بهذا كله أن الوضوء مشروع قبل هذِه الأمة.
стр. 9230
٤٧
كتاب الشركة
стр. 9231
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٧ - كتاب الشَّرِكَةِ
هي بفتح الشين وكسر الراء، وكسر الشين، وإسكان الراء، وفتح الشين وإسكان الراء وفيها لغة رابعة: شرك بغير تاء تأنيث.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: من نصيب، وجمع الشركة: شرك بفتح الراء وكسر الشين، وهي في اللغة: الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤].
وفي الشرع: ثبوت الحق لاثنين فصاعدًا في الشيء الواحد كيف كان. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متشاجرون في خدمته؛ يريد كل منهم أن ينفرد بها، ثم هي تارة تحصل بالخلط وتارة بالشيوع الحكمي كالإرث.
جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [مسلم: ٦٢٥ - فتح: ٥/ ١٢٨]
٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ". [مسلم: ٢٥٠٠ - فتح: ٥/ ١٢٨]
(النهد) بفتح النون وإسكان الهاء، قال الأزهري في "تهذيبه": هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وقد ناهد بعضهم بعضا (١).
وقال ابن سيده: إنه العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم وخارجهم، وقد تناهدوا، أي: تخارجوا يكون ذلك في الطعام والشراب، وقيل: إنه إخراج القوم نفقاتهم على قدر في الرفقة (٢).
وقال صاحب "العين": هو ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في الرفقة ينفقونه بينهم (٣). وقال ابن دريد: يقال من ذلك: تناهد القوم الشيء: تناولوه بينهم (٤).
وقال ثعلب: هو النهد بالكسر. قال: والعرب تقول: هات نهدك، مكسورة النون، وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم وأطيب لنفوسكم.
стр. 9234
وذكر صاحب "المطالع" أن القابسي فسره بطعام الصلح بين القبائل.
قال: وحكى بعضهم فيه فتح النون، وهذا غريب منه كونه قدم الكسرة.
وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي في كتاب "النهد" عن المدائني وابن الكلبي وغيرهما: أن أول من وضع النهد الحضير بن المنذر الرقاشي، وعن قتادة ما أفلس المتلازمان. يعني: المتناهدين.
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بَعَثَ النبيُّ ﷺ بَعْثًا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ … إلى أن قال: فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدي تَمْرٍ .. الحديث بطوله، وقد ساقه مسلم أيضًا.
ثانيها:
حديث سَلَمَةَ قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا إلى أن قال: "نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزوَادِهِمْ". فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ .. الحديث.
ثالثها:
حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
رابعها:
حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرمَلُوا فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ".
стр. 9235
الشرح:
أما حديث جابر فكرره البخاري، كما ستعلمه بعد، وقد أسلفنا أن مسلمًا طرقه. وأما حديث سلمة فمن أفراده. قال الإسماعيلي: أخبرني محمد بن العباس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا النضر بن محمد، ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه بمعنى هذا الحديث. قال: وقال أحمد بن حنبل: عكرمة عن إياس صحيح أو محفوظ أو كلامًا هذا نحوه، ولم يرضه في يحيى بن أبي كثير. قلت: قد ساقه الطبري من حديث أبي حذيفة، حدثنا عكرمة به.
وفيه: أن الأزواد كربض الشاة فحشونا جربنا منه، ثم دعا بنطفة من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر به حتى تطهرنا جميعًا (١)، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنفدت أزواد القوم حتى هم أحدهم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: … الحديث (٢).
وأخرجه البيهقي في "دلائله" من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه، وفيه: فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه، وبقي مثله فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجب عن النار"، وأخرجه أيضًا من حديث أبي خنيس الغفاري بلفظ: خرجت مع النبي ﷺ في غزوة تهامة، حتى إذا كنا بعُسفان جهدوا … الحديث (٣).
стр. 9236
وأما حديث رافع فسلف في الصلاة (١)، وشيخ البخاري محمد بن يوسف هو الفريابي.
إذا تقرر ذلك فقال المهلب: هذِه القسمة لا تصلح إلا فيما جعل للأكل خاصة؛ لأن طعام النهد وشبهه لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره، وهذِه القسمة موضوعة للمعروف وعلى طريقة بين الأكلين، ألا ترى جمع أبي عبيدة بقية أزواد الناس، ثم شركهم فيها بأن قسم لكل واحد منهم، وقد كان فيهم من لم تكن له بقية طعام، وقد أعطى لبعضهم أقل مما كان بقي له ولآخر أكثر، وكذلك في حديث سلمة قسمه بينهم بالاحتثاء وهو غير متساو، وهذا الفعل للشارع هو الذي امتثل أبو عبيدة في جمعه للأزواد، وإنما يكون هذا عند شدة المجاعة، فللسلطان أن يأمر الناس بالمواساة، ويجبرهم على ذلك ويشركهم فيما بقي من أزوادهم، وإحياءً لأرماقهم، وإبقاءً لنفوسهم (٢). ويجوز أن يكون حكمًا حكم به لما شاهد من الضرورة وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، فظهر له المواساة أو عن رضى منهم، وكذلك قال بعض العلماء: إن ذلك سنة.
وفيه: أن للإمام أن يواسي بين الناس في الأقوات في الحضر بثمن وغيره، كما له فعل ذلك في السفر، وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث؛ وقال: إنه أجل في أن لا يقطع سارق في مجاعة؛ لأن المواساة واجبة للمحتاجين، وسيأتي كثير من معاني هذا الحديث في
стр. 9237
الجهاد في باب: حمل الزاد في الغزو. وخصه أبو عمر بسرقة المأكل (١)، وفي حديث رافع: قسمة اللحم بالتجزيء بغير ميزان؛ لأنه من باب المعروف وهو موضوع للأكل.
وأما قسمة الذهب والفضة مجازفة فغير جائز بالإجماع؛ لتحريم التفاضل في كل واحد منهما، وإنما اختلفوا في قسمة الذهب مع الفضة مجازفة أو بيع ذلك مجازفة، فكرهه مالك، ورآه من بيع الغرر والقمار، ولم يجزه، وأما الكوفيون والشافعي وجماعة من العلماء فأجازوا ذلك؛ لأن الأصل في الذهب بالفضة جواز التفاضل، فلا حرج في بيع الجزاف من ذلك وقسمته، وكذلك قسمة البر مجازفة لا تجوز، كما لا يجوز بيع جزاف بُر ببُرٍّ ونحوه، بما حرم فيه التفاضل وما يجوز فيه التفاضل فإنما الربا فيه في النسيئة خاصة، وأملق الرجل: افتقر ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: الفقر، ومثله أرملوا، يقال: أرمل القوم في زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل في المسكين: الذي لصق بالتراب.
وفيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة الشارع، وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه وليس المقصود هنا بالقسمة المعروفة عند الفقهاء، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضًا بموجوده.
تنبيهات:
أحدها: كان بعث أبي عبيدة في رجب سنة ثمان للهجرة، وفيه قوة إيمان هؤلاء المبعوثين؛ إذ لو ضعف -والعياذ بالله- إيمانهم لما خرجوا
стр. 9238
وهم ثلاثمائة وليس معهم سوى جراب تمر.
ثانيها: ذكر هنا أنه لما كنا ببعض الطريق فني الزاد، وفي رواية فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة (١)، وفي أخرى ونحن نحمل أزوادنا على رقابنا (٢)، وفي أخرى زودهم جرابًا من تمر (٣)، وفي أخرى: فجمع أبو عبيدة زادهم (٤)، ولمسلم: يعطينا قبضة قبضة (٥)؛ ووجه الجمع كما قال عياض: أن يكون ﵇ زودهم الجراب زائدًا على ما كان معهم من الزاد من أموالهم، ويحتمل أنه لم يكن في زادهم تمر غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، وإعطاء أبي عبيدة تمرة تمرة كان في الحال الثاني بعد أن فني زادهم وبعد أن أعطاهم قبضة قبضة، ثم فرغ وفقدوا التمرة ووجدوا لفقدها وقعًا، فلما فقدوها جمع أبو عبيدة الأزواد (٦). قلت: ويحتمل أن الجراب الذي زودهم الشارع كان على سبيل البركة، فلذا كانوا يأخذونه تمرة تمرة.
ثالتها: الحوت يقع على الواحد والجميع، جمعه: حيتان وهي العظام منها. وقال ابن سيده: الحوت: السمك، اسم جنس، وقيل: هو ما عظم منه، والجمع: أحوات (٧). وقال الفراء: جمعه حِوَته وأحوات في القليل، فإذا كثرت فهي الحيتان.
стр. 9239
وقوله: (ثماني عشرة ليلة) كذا في أصل الدمياطي ثماني لكن مصلحًا. وقال ابن التين: إنه الصواب الذي في نسخة الأصيلي، وجاء في رواية فأكلنا منه شهرًا (١)، وفي أخرى نصف شهر (٢). قال عياض: أكلوا منه نصف شهر طريًّا وبقيته قديدًا (٣). وقال النووي: من قال شهرًا هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم يَنْف الزيادة، ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، ولا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثباتها، كيف وقد عارضه، فوجب قبولها (٤).
رابعها: قد أسلفنا الكلام على المجازفة، وفي الحديث الأول والذي بعده الشركة، وزعم الداودي أنها ليست من هذا الباب؛ لأنهم لم يريدوا المبايعة ولا البدل، إنما تفضل بعضهم على بعض، أو أخذ الإمام من أحدهم، واعترض ابن التين فقال: البخاري إنما أراد أن حقوقهم تساوت فيه بعد جمعه، فيسمونه جزافًا ولم يرد أصل أخذه، كما تأول الداودي، ولكن مجازفة الذهب والفضة لم يأت في الباب ما يدل عليها، فإن كانت مصكوكة، فلم يجزها مالك، واختلف هل هو على الكراهة أو التحريم؟ وأجازها غيره من أصحابه، وإن كانت غير مصكوكة جاز بيع بعضها ببعض جزافًا، ذهبًا بفضة نقدًا.
стр. 9240
خامسها: فيه: فضل أبي عبيدة، وقد سماه الشارع أمين هذِه الأمة (١).
وفيه: النظر في القوم والتدبير فيه، وفضل الصحابة على ما كان ينالهم من البؤس، وقد استجابوالله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.
وفيه: رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير.
وقوله: (تمرة تمرة) هو بما ترجم عليه بالقران في التمر.
وقوله: (ثم انتهينا إلى البحر). قال الداودي: موضع، والظاهر أنه المعهود.
و (الظرب) بفتح الظاء -يعني: المعجمة- وكسر الراء: الجبل الصغير.
قال الفراء: هو بسكودن الراء، وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وقوله: (فأمر بضلعين) -يعني: بالمعجمة- ضبط ذلك بكسر الضاد وفتح اللام. وقال في "أدب الكاتب" ضَلْع وضلَع (٢)(٣). وقال الهروي: هما لغتالن والضلع مؤنثة.
وفي حديث سلمة: ما كان عمر عليه من التوفيق والتأييد، وتذكير الشارع، والتعريض بالطلب.
وفيه: ما للإمام أدن يأخذ من أموال بعض عند الضرورة إلى ذلك.
وفيه: مراعاة أحوال الجيش.
стр. 9241
وفيه: جواز الشركة في الطعام وخلط الأزواد في السفر إذا كان ذلك أرفق بهم.
و (النطع): بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح، ومعنى (برك) دعا فيه بالبركة.
وقوله: (احتثى الناس) أي: أخذوا ما بأيديهم.
وفي حديث رافع: الشركة في الإبل. وفيه: جمع حظوظ رجال في المقسم، ومالك لا يقول بذلك.
وفيه: نحر إبل المغنم. وفيه: أنه لا يتخير منها إلا بعد القسمة، ومالك يجيز قبلها.
وقوله فيه: (فنأكل لحمًا نضيجًا قبل الغروب) قد يحتج به على أبي حنيفة أن أول وقت العصر بعد القامتين. و (النضيج) المطبوخ.
وفيه: جواز هبة المجهول ومشهور مذهب مالك جوازه.
стр. 9242
٢ - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ
٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ". [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٥/ ١٣٠]
ذكر فيه حديث أنس السالف في الزكاة، وهي خلطة ولها تأثير في الزكاة عندنا وعند مالك، وخالف أبو حنيفة، والحديث دليل عليه؛ لأن التراجع لا يصح بين الشريكين والرقاب.
قال ابن بطال: وفقه الباب أن الشريكين إذا كان رأس مالهما واحدًا
فهما شريكان في الربح، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند الربح بقدر ما أنفق كل واحد منهما، فمن أنفق قليلًا رجع على من أنفق أكثر منه؛ لأنه ﷺ لما أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما بالسوية وهما شريكان دل على أن كل شريك في معناهما (١).
قال الدارقطني: ورواه أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده. وتابعه عبد الوارث بن سعيد، عن ليث بن أبي سليم ومبارك بن سعيد بن مسروق فقالا: عن عباية، عن أبيه، عن جده.
إذا تقرر ذلك؛ فـ (ندَّ) بتشديد آخره: هرب، والأوابد بفتح الهمزة وبالموحدة: النفور والتوحش، و (مُدى) بضم الميم، و (أَنْهَر) بالراء: أسال، وحكي إعجامها و (ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء بـ (ليس)، وذو الحليفة هذِه ليست الميقات إنما هي التي من تهامة عند ذات عرق، كما ذكره ياقوت (١) وغيره.
وقال في باب: من عدل عشرة ( … ) (٢) وكان ذلك سنة ثمان من الهجرة، كما نبه عليه ابن التين، ووقع للقابسي أنها المهل التي بقرب المدينة، وقاله النووي أيضًا، وما ذكرناه يرد عليهما (٣).
و (أخريات الناس): أعقابهم، جمع أخرى، وكان يفعله رفقًا بمن معه ويحمل المنقطع.
وقوله: (فأكفئت) أي: قلبت على أفواهها. قال ثعلب: كُفِئَتِ القِدْر: إذا كبت، وكذا ذكره الكسائي وغيره، فعلى هذا إنما يقال:
стр. 9245
فكفئت، وعلى قول ابن السكيت في "إصلاحه" عن ابن الأعرابي وأبي عبيد وغيرهما يقال: أكفئت (١).
وقال ابن التين: صوابه كفئت بغير ألف من كفأت الإناء مهموز، واختلف في إمالة الإناء، فيقال فيها: كفأت أو أكفأت، وكذلك اختلف في أكفأت الشيء لوجهه.
وقد اختلف في سبب أمره بإكفاء القدور، فقيل: إنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها، يشهد له قوله في رواية: (فانتهبناها) (٢)، قلت: قد أسلفنا في باب النهبى قول الراوي: فأصابتنا مجاعة. فهو بيان لوجه الحاجة، وفيه أيضًا (قبل أن تقسم) (٣) وقيل: إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم، واستعجالهم ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشارع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث، حكاه القرطبي (٤)، ويؤيده رواية أبي داود: وتقدم سرعان الناس فتعجلوا فأصابوا الغنائم ورسول الله ﷺ في آخر الناس (٥).
وقال النووي: إنما أمرهم بذلك؛ لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل منها قبل القسم إنما يباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل