← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ثانيها: إنه إنما أمر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قَالَ ﷺ : "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثمَّ ما شاء فلان" (١)؛ لما في ثمَّ من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته يصلون. ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفه عَلَى: ومن يعصهما. لكن قوله: "قل (٢): ومن يعص الله ورسوله" يرد ذَلِكَ. رابعها: أنه ﷺ لَهُ أن يجمع بخلاف غيره. خامسها: أن الجمع يوهم التسوية من قصده فلهذا منعه، قَالَه ابن عبد السلام. سادسها: أن كلامه ﷺ جملة واحدة، فيكره (لغة) (٣) إقامة المضمر مقام (الظاهر) (٤) بخلاف كلام الخطيب؛ فإنه جملتان. قاله ابن رزين، وبعضهم أجاب بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إِذَا وجهه لغيره. الخامسة: فيه الحث عَلَى المحبة في الله تعالى والإخلاص فيها.

стр. 947

وقد قَالَ مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. وفيه أحاديث كثيرة، منها: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فقال: "ورجلان تحابا في الله" (١). ومنها قوله: "المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢)، وهو دأب أولياء الله تعالى. وقد قَالَ يحيى بن معاذ الرازي: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء، وأما المحبة المشوبة بالأغراض الدنيوية والحظوظ البشرية فغير مطلوبة؛ لأن من أحب لذلك انقطعت عند حصول غرضه أو إياسه منه، بخلاف المحبة (الخالصة) (٣)؛ فإنه تحصل الألفة الموجبة للتعاون عَلَى البر والتقوى. السادسة: معنى: "يعود في الكفر": يصير، والعود والرجوع قَدْ استعملا بمعنى الصيرورة، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] والمعنى أن هذِه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان، وكشف لَهُ عن المحاسن والطغيان، وقيل: المعنى أن من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر في النار، يكره الكفر ككراهيته لدخول النار. ومعنى "يقذف في النار": يصير فيها عافانا الله منها ومن كل البلاء.

стр. 948

١٠ - باب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ". [٣٧٨٤ - مسلم ٧٤ - فتح ١/ ٦٢] ثنَا أَبُو الوَليدِ ثنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري (رباعيًّا عاليًا هنا) (١)، وفي فضائل الأنصار: عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة (٢)، وأخرجه مسلم خماسيًّا عن ابن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به. ولفظه: "آية المؤمن" "وآية المنافق" (٣). وأخرجا من حديث البراء بن عازب في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٤). وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة: "لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر" (٥).

стр. 949

وأخرجا من حديث أنس: "الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس يكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" (١). الوجه الثاني: في التعريف برواته. أما أنس وشعبة فسلفا. وأما عبد الله (ع) بن عبد الله بن جبر بن عتيك فهو أنصاري مدني ثقة. أهل المدينة يقولون: جابر، والعراقيون يقولون: جبر. وقال ابن منجويه: لا يصحُّ، إنما هو جابر، وقيل: هما اثنان، سمع عمر وأنسًا، وعنه مالك ومسعر وشعبة (٢). وأما أبو الوليد فهو هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري مولى باهلة. سمع جمعًا من الأعلام: مالكًا والحمادين وغيرهما، وعنه: البخاري، وأبو داود، والباقون بواسطة، وثقته، وحفظه، وإتقانه، وجلالته، وإمامته مجمع عليها، وكانت الرحلة بعد أبي داود الطيالسي إليه. ولد سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة (سبع) (٣) وعشرين ومائتين (٤).

стр. 950

وأبو داود الطيالسي سليمان بن داود الحافظ صاحب "المسند". مات سنة أربع ومائتين عن إحدى وتسعين سنة (١). فائدة: أبو الوليد جماعة: هذا والمجاشعي (٢)، والدمشقي (٣)، والمكي (٤) عن جابر وآخر عن ابن عمر (٥).

стр. 951

الوجه الثالث: الأنصار لقب إسلامي، سموا بذلك لنصرتهم النبي ﷺ وهم (١) ولد الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء -لطول عنقه- بن عمرو مزيقيا -الخارج من اليمن أيام سيل العرم- بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول، بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد، واسمه ذراء عَلَى وزن فعال بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان أخي حمير بن يعرب بن يقطن، وهو قحطان وإلى قحطان جماع اليمن، وهو أبو اليمن كلها، ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل فيقول: قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل، هذا قول الكلبي. ومنهم من نسبه إلى غيره فيقول: قحطان بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. فعلى الأول العرب كلها من ولد إسماعيل، وعلى الثاني من ولد إسماعيل وقحطان. وقال حسان بن ثابت الأنصاري: إمّا سألت فإنا معشر نجبٌ … الأزد نسبتنا والماء غسان وغسان ماء كان شربًا لولد مازن بن الأزد. وكذا أسلفنا هذِه النسبة أيضًا في الحديث الأول في الصحيح بزيادة البعض. الرابع في فوائده: "آية الإيمان" علامته ودلالته و"حب الأنصار" من حيث كانوا أنصار الدين ومُظهريه، وباذلي أنفسهم وأموالهم، وقتالهم الناس كافة دونه علامة ودلالة قاطعة عَلَى الإيمان، فمن عرف حق الأنصار ومبادرتهم

стр. 952

ونصرهم ومحبتهم لَهُ ﷺ أحبهم ضرورة بحكم صحة إيمانه، ومن كان منافقًا لم يسره ما جاء منهم فيبغضهم. وهذا جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، وبقية العشرة، والمهاجرين، بل في كل الصحابة إذ (كل واحد منهم له) (١) سابقة وسالفة، وغناء في الدين وأثر حسن فيه. فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبغضهم محض النفاق، ويدل عليه الحديث الوارد في فضل الصحابة كلهم: "من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" (٢)، وأما من أبغض أحدًا منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حديث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذَلِكَ لم يحكم بعضهم عَلَى بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذَلِكَ حال المجتهدين في الأحكام. فإما أن يقال: كلهم مصيب أو المصيب واحد، والمخطئ معذور مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع لَهُ بغض في واحد منهم -والعياذ بالله- لشيء من ذَلِكَ فهو عاص تجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم، وما لهم (عَلَى كل) (٣) من بعدهم من الحقوق؛ إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم، وبسببهم قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، نبه عَلَى ذَلِكَ

стр. 953

القرطبي (١) ففيه: الحث عَلَى حب الأنصار، وبيان فضلهم لما كان منهم من مناصحتهم لله تعالى ولرسوله وللمهاجرين وسائر المسلمين، وإعزازهم للدين، وإيثارهم به على أنفسهم وغير ذَلِكَ.

стр. 954

١١ - باب ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - رضى الله عنه - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِى مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ به فِى الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤،٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨ - مسلم ١٧٠٩ - فتح ١/ ٦٤] نا أَبُو اليَمَانِ أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامت وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [به] (١) فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إلى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ على ذَلِكَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هكذا وقع هذا الباب في البخاري غير مضاف، وهو صحيح،

стр. 955

وأخرجه البخاري -أعني: هذا الحديث- في خمسة مواضع: هنا والمغازي (١) والأحكام عن أبي اليمان عن شعيب (٢)، وفي وُفود الأنصار، عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب عن ابن أخي الزهري (٣)، وعن عليّ عن ابن عيينة. قَالَ البخاري عقبه: وتابعه عبد الرزاق عن معمر (٤)، وفي الحدود عن ابن يوسف، عن معمر (٥). وأخرجه مسلم في الحدود عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر والناقد وإسحاق وابن نمير عن ابن عيينة، وعن عبد الرزاق عن معمر، كلهم عن الزهري به (٦). الوجه الثاني: في التعريف برواته. فأما أبو اليمان وشعيب والزهري فسلف ذكرهم. وأما عبادة (ع) فهو: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم -وهو: قوقل- بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين الأولى والثانية، وبدرًا وأحدًا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلَّها. روي له مائة حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة، وانفرد كل واحد بحديثين. روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس

стр. 956

وغيرهم منهم: بنوه الوليد وعبيد الله وداود، وهو أول من ولي قضاء فلسطين -ولاه عمر- مات بالشام سنة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل: بالرملة (١). وكان معاوية قَدْ خالفه في شيء من مسائل الربا، أنكره عليه عبادة فأغلظ لَهُ معاوية في القول. فقال لَهُ عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا، ورحل إلى المدينة. فقال لَهُ عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا أمر لك عليه (٢). فائدة: عبادة بن الصامت هذا فرد في الصحابة، وفيهم عبادة بدون ابن الصامت اثنتا عشرة نفسًا (٣).

стр. 957

وأما الراوي عنه فهو أبو إدريس (ع) عائذ الله -بذال معجمة قبلها همزة- بن عبد الله بن عمرو الخولاني الدمشقي، سمع خلقًا من الصحابة منهم: عبادة وأبو ذر، وعنه جمع من التابعين منهم: الزهري ومكحول. وقال: ما أدركت مثله (١)، ولد يوم حنين ومات سنة ثمانين. تقضى بدمشق وكان من عبادهم وقرائهم، وهذا من رواية القضاة بعضهم عن بعض: أبو إدريس عن عبادة (٢). الوجه الثالث: ذكر البخاري هذا الحديث هنا؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بهذِه البيعة التي عقدت عَلَى الإسلام مع أن المهاجرين كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثلها، فالأنصار هم المبتدئون بالبيعة عَلَى إعلام توحيد الله وشريعته حتَّى يموتوا، فحبهم علامة الإيمان -كما سلف في الحديث السالف- مجازاة لهم عَلَى حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم في أموالهم، كما وصفهم الله تعالى، واتباعًا لحب الله تعالى لهم. قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وكان الأنصار ممن تبعه أولًا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحبه الله وجب عَلَى العباد حبه. الرابع: النقباء -واحدهم نقيب- وهو الناظر عَلَى القوم. ونقباء الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي ﷺ .

стр. 958

الخامس: هذِه العقبة هي العقبة التي بمنًى التي تنسب إليها جمرة العقبة. وقد كان بهذِه العقبة بيعتان لرسول الله ﷺ بايع الأنصار فيهما عَلَى الإسلام، ويقال فيهما: العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت الأولى أول بيعة عقدت عَلَى الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلًا من الأنصار كما ذكره النووي- ويأتي (خلافه) (١) - ثمَّ كانت العقبة الثانية في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلًا من الأنصار أيضًا، كما ذكره (٢). وإيضاح ذَلِكَ أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه عَلَى القبائل، فلقي رهطًا من الخزرج ستة عند العقبة في الموسم فقال: "ألا تجلسون أكلمكم؟ ". فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم، وكانوا (هم) (٣) أهل شرك وأوثان، وكانوا قَدْ غزوهم في بلادهم، فكانوا إِذَا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا يبعث الآن قَدْ أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر قَالَ بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه لَلنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبِقنَكم إليه. فأجابوه وصدقوه. وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم حروب، فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. فانصرفوا إلى المدينة، ودعوا إلى الإسلام حتَّى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ (٤).

стр. 959

والستة هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث-وهو ابن عفراء-، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، ومنهم من يسقط جابرًا ويجعل بدله عبادة بن الصامت. فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلًا منهم خمسة من الستة المذكورين فلم يكن فيهم جابر والسبعة الباقون: معاذ بن الحارث -وهو ابن عفراء أخو عوف-، وذكوان بن قيس -قتل يوم أحد- وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة بن فضلة. ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فبايعهم رسول الله ﷺ عند العقبة عَلَى بيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعد، فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمانهم ويدعوانهم إلى الإسلام، فكان مصعب -يدعى القارئ- يؤمهم، وجمَّع بهم في حرة بني بياضة، وهم أربعون رجلًا، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام. وكان مصعب نزل عَلَى أسعد بن زرارة، وإنما كان يؤمهم؛ لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وذكر ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ورواه عنه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". وقال: صحيح على شرط مسلم (١)، فأسلم على يد مصعب خلق كثير، منهم:

стр. 960

سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. ثم لقيه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان في الموسم، وواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغوا من الحج، وكانت الليلة، خرجوا من الميعاد فبايعوا النبي ﷺ عَلَى أن يمنعوه مما يمنعوا منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن (يرحل) (١) إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس ذَلِكَ وهو عَلَى دين قومه، فتكلم العباس، فقالوا: تكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم ﷺ وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ثمَّ قَالَ: "أبايعكم عَلَى أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" (٢). فأخذ البراء بن معرور بيده ثمَّ قَالَ: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابرٍ. فقال النبي ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا" وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء من الخزرج. وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن المشهور من السبعين: ابن الهيثم، ورفاعة بن منذر، وأبو بردة هانئ بن نيار، وعويم بن ساعدة، ومن الخزرج: أبو أيوب

стр. 961

الأنصاري، ومعوذ، ومعاذ، وعوف بنو الحارث وهم بنو عفراء، وأبو طلحة سهل بن زيد النجاري، وأبو مسعود الأنصاري، وبشر ابن البراء بن معرور، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله -وكان من أحدثهم سنًّا- والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة، وأم منيع أسماء. كانت البيعة الثانية عَلَى حرب الأسود والأحمر، وجعل ثوابهم الجنة، وذلك حين أذن لَهُ في الحرب وفي الأولى لم يؤذن لَهُ كما سلف. ثمَّ بعد هاتين البيعتين بيعة ثالثة -وهي بيعة الرضوان- خرج ﷺ في ذي القعدة سنة ست معتمرًا (فصدته) (١) قريش، فبعث إليهم عثمان، فبلغه أنهم قتلوه، فقال: "لا نبرح حتَّى نناجز القوم" (٢). فدعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وخمسمائة، فروي أنه بايعهم عَلَى الموت، وأنكره جابر، وإنما بايع عَلَى أن لا نفر. قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨] أي: أعطاهم من أجل تلك البيعه: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعنى خيبر، ووعدهم ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] أي: مستمرة إلى يوم القيامة، ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١]، أي: قتل فارس والروم، وقيل: فتح مكة.

стр. 962

الوجه السادس: قَدْ ساق البخاري صفة هذِه المبايعة. وجاء في رواية أخرى: فتلا علينا آية النساء ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] .. الآية (١). وفي الأخرى: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ وفيه: فبايعناه عَلَى أن لا نشرك بالله شيئًا. وزاد: ولا ننتهب (٢). وفي أخرى في مسلم: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ عَلَى النساء، أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه بَعْضُنا بَعْضًا (٣). ومعنى يعضه -بفتح الياء والضاد المعجمة- لا يسخر، وقيل: لا نأتي ببهتان يقال: عضه الرجل، وأعضه إِذَا أفك. وأخرجه النسائي وقال فيه: بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهط، فقال: "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تشربوا، ولا تقتلوا أولادكم" (٤) وذكر نحو باقيه، وسيأتي حديث عبادة أيضًا في: المبايعة بطوله في موضعه. وأوله: بايعنا رسول الله ﷺ عَلَى السمع والطاعة في العسر واليسر .. إلى آخره. وجاء أيضًا في البيعات العامة والخاصة أحاديث كثيرة متفرقة منها: حديث عوف بن مالك وابن عمر وجرير بن عبد الله وسلمة بن الأكوع. وذكر البخاري جملة منها في أواخر الكتاب عند قوله: كيف يبايع الإمام الناس. وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- ولم يرد ﷺ فيما

стр. 963

بايعهم عليه حصر المعاصي بل ذكر أنواعًا يكثر ارتكاب أهل ذَلِكَ الوقت لها. الوجه السابع: قوله: وحوله عصابة -هو بفتح اللام- يقال: حوله أو حواله وحوليه، وحواليه -بفتح اللام- في كلها كما سلف في حديث هرقل أي: يحيطون به، والعصابة: الجماعة. الثامن: البهتان: الكذب، يقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بَهْتًا وبُهْتانًا إِذَا كذب عليه؛ لأنه يبهت من شدة فكره، ويبقى مَبْهُوتا منقطعًا. قَالَ الجوهري: بَهِتَ الرجل -بالكسر- إِذَا دَهِشَ وتحيَّرَ وبَهُتَ -بالضم- مثله، وأفصح منهما بُهِتَ؛ (لأنه) (١) يقال: رجل مَبْهُوت، ولا يقال: باهتٌ، ولا بَهِيتٌ، قاله الكسائي (٢). قُلْتُ: وقرئ بالأولين في الشواذ (٣). وقال القزاز وابن دريد في "الجمهرة": رجل باهت وبهات (٤). وقال ابن سيده: عندي أن بهوتًا جمع باهت، لا جمع بهوت (٥). وقال الهروي: البهتان هنا الإتيان بولد ينسب إلى الزوج. ويقال: كانت المرأة تلقط الولد فيَتبناه. وقال الخطابى: معناه هنا قذف المحصنات وهو من الكبائر (٦).

стр. 964

التاسع: إنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البهت لوجهين: أحدهما: أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال والأكساب إليهما. قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وثانيهما: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيب كفاح كما يقال: فعلت هذا بين يدي فلانٍ أي: بحضرته. العاشر: قوله: "ولا تعصوا في معروف" هو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: في طاعة الله؛ وقيل: في كل بِرٍّ وتقوى. قَالَ الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما (تأمرهن) (١) به؛ فإنك لا تأمر بغير المعروف. قَالَ النووي: ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني (ولا أحدًا ولي عليكم) (٢) من تباعي إِذَا أمرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدًا إلى التباع. ولهذا قَالَ: "تعصوا" ولم يقل: تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، (وقيد) (٣) بالمعروف تطييبًا لنفوسهم؛ لأنه لا يأمر إلا بالمعروف. الحادي عشر: قوله: "فمن وفي منكم" أي ثبت عَلَى ما بايع به، يقال: بتخفيف الفاء وتشديدها، وَفَى بالعهد وأَوْفَى ووفَّي ثلاثي ورباعي. ووَفَى

стр. 965

الشيءُ -ثلاثي- تَمَّ. ووَفَتْ ذمتك أيضًا، وأَوْفَى الشيءَ، ووَفَّى، وأَوْفَى الكيل، ووَفّاه. ولا يقال فيها: وَفِيَ ثلاثي. الثاني عشر: قوله: ("ومن أصاب من ذَلِكَ شيئا فعوقب به") … إلى آخره المراد: غير الشرك. أما الشرك: فلا يسقط عنه عذابه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يعفي عمَّن مات عليه بلا شك. قَالَ النووي: فعموم (الحديث) (١) مخصوص (٢)، قُلْتُ: أو يؤوَّل قوله: "ومن أصاب من ذَلِكَ شيئًا" أى: غير الشرك المذكور أولًا. الثالث عشر: في الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة ومات ولم يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. وحاصله أن من مات صغيرًا أو كبيرًا ولا ذنب لَهُ، بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، ولا يدخل النار ولكن يَرِدُها. كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وفي الورود: الخلاف المشهور. وسيأتي إيضاحه في موضعه -إن شاء الله-. وإن مات مُصِرًّا عَلَى كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فدخل الجنة في أول مرة، وإن شاء عاقبه بالنار، ثمَّ أخرجه فأُدخل الجنة، ولا يخلد أحد في النار مات عَلَى التوحيد، وأخطأ من كَفَّر بالذنب وهم الخوارج، ومن

стр. 966

قَالَ: لا بد من عقاب الفاسق وهم المعتزلة. الرابع عشر: فيه دلالة لمذهب الأكثرين. كما نقله القاضي عياض (١) أن الحدود كفارة لأهلها ومنهم من (وقف) (٢) لحديث أبي هريرة أنه ﷺ قَالَ: "لا أدري الحدود كفارات" (٣) لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة أولًا، قبل أن يعلم ثمَّ أُعلم، واحتج من وقف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. والجواب عن ذَلِكَ من وجهين: أحدهما: أن الآية في الكفار على من قَالَ ذَلِكَ. الثاني: أن حديث عبادة مخصص لها، وحكي عن القاضي إسماعيل: أن قتل القاتل حد وردع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حق، وقيل: يبقى لَهُ حق التشفي. الخامس عشر: قَالَ ابن التين في شرح البخاري (٤): قوله: "فعوقب في الدنيا" يريد القطع في السرقة والحد في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس، فكنى بالأولاد عنه.

стр. 967

١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ ١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". [٣٣٠٠،٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨ - فتح: ١/ ٦٩] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ". (ولما كان الفرار صيانة للدين أطلق عليه البخاري (دينًا) (١)) (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم رواه هنا عن القعنبي، وفي الفتن عن (ابن) (٣) يوسف (٤)، وفي أثناء الكتاب عن إسماعيل (٥)، ثلاثتهم عن مالك به، وفي الرقاق (٦) وعلامات النبوة (٧) عن أبي نعيم، عن الماجشون، عن عبد الرحمن به، وهو من أحاديث مالك

стр. 968

في "الموطأ" (١). وزعم الإسماعيلي في "مستخرجه" أن إسحاق بن موسى الأنصاري رواه عن معن، عن مالك فجعله من قول (أبي سعيد) (٢) لم يجاوزه. قَالَ الإسماعيلي: قُلْتُ: أسنده ابن وهب والتنيسي وسويد وغيرهم، وأخرج مسلم معناه من حديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ سُئِلَ: أي الناس أفضل؟ قَالَ: "مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله"، قَالَ: ثمَّ من؟ قَالَ: "ثمَّ رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه، وياع الناس من شره" (٣). وفي حديث له: "من خير معاش الناس لهم". ثمَّ ذكر: "رجلًا في غنيمة في رأس شعفة من هذِه الشعف أو بطن وادٍ من هذِه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتَّى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير" (٤). الوجه الثاني: ذكر الخطيب في كتابه: "رافع الارتياب" أن الصواب: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (٥).

стр. 969

قَالَ ابن المديني: ووهم ابن عيينة حيث قَالَ: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة. وقال الدارقطني: لم يختلف على مالك في اسمه، قُلْتُ: في "الثقات" لابن حبان: خالفهم مالك فقال: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (١). وفي "طبقات ابن سعد": عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة. واسمه: عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج (٢). الوجه الثالث: في التعريف برواته غير ما سلف. أما أبو سعيد: فهو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد -وقيل: عبد- بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر. استُصغر (٣) يوم أحد فَرُدَّ، وغزا بعد ذَلِكَ اثنتي عشرة غزوة مع

стр. 970

رسول الله ﷺ ، واستشهد أبوه يوم أحد. روي لَهُ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى ستة وأربعين (١)، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين. روى عن جماعة من الصحابة منهم: الخلفاء الأربعة، ووالده مالك، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وعنه: جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وخلق من التابعين. وكان من الحفاظ المكثرين (العلماء) (٢) الفضلاء، العقلاء، أحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، وكان يلبس الخز، ويحفي شاربه ولا يخضب، كانت لحيته بيضاء خُصَلًا. وبايع النبي ﷺ عَلَى أن لا يأخذه في الله لومة لائم مع جماعة، واستقال غيره. فأقيل (٣)، ويقال لَهُ: عفيف المسألة؛ لأنه عف فلم يسأل أحدًا، ولما مات والده لم يترك لَهُ مالًا، فأتى رسول الله ﷺ ؛ ليسأله فقال حين رآه: "من يستغن أغناه الله، ومن يستعفف أعفه الله"، فقال: ما يريد غيري، فرجع (٤). وكذا والده أيضًا؛ لأنه طوى ثلاثًا فلم يسأل، فقال ﵇: "من أراد أن ينظر إلى

стр. 971

(العفيف) (١) المسألة فلينظر إلى هذا" (٢). في وفاته ثلاثة أقوال: (أحدها: سنة أربع وسبعين. ثانيها: سنة أربع وستين. ثالثها: سنة خمس (٣)) (٤). (ذكره العسكري (٥) بالمدينة يوم جمعة، ودفن والده أيضًا بالبقيع، وفي سنه -أعني: سن أبي سعيد- قولان: أحدهما: ابن أربع وسبعين، والثاني: ابن ثلاث وسبعين،) (٦) ووهم من قَالَ: سنه أربع وتسعين (٧).

стр. 972

تنبيهات: أحدها: (ما) (١) ذكرناه من اسم أبي سعيد هو المشهور. وقيل: اسمه سنان، وسنان (والد) (٢) مالك يقال له: الشهيد، والخزرج: هو (ابن حارثة) (٣) بن ثعلبة بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وأسقط أبو عمر عبيدًا الأول (٤)، وهو الصواب، كما نبه عليه (الرشاطي) (٥) (٦)، وخالف ابن الكلبي (٧)،

стр. 973

وخليفة بن خياط (١)، فأثبتاه. الثاني: في الصحابة أيضًا سعد بن أبي وقاص مالك (٢)، وسعد بن مالك العذري قدم في وفد عذرة (٣). الثالث: لا خلاف في إهمال دال الخدري، وهو نسبة إلى خدرة كما أسلفناه، وقال ابن حبان في "ثقاته" في ترجمة أبي سعيد: إن خدرة من اليمن (٤)، ومراده أن الأنصار من اليمن فهم بطن من الأنصار، وهم نفر قليل بالمدينة. وقال أبو عمر: خدرة وخدارة بطنان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاري من خدارة، وأبو سعيد من خدرة، وهما ابنا عوف بن الحارث (٥)، كما سلف. قُلْتُ: وضبط أبو عمر خدارة -بضم الخاء المعجمة- (٦) وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم، أي: المكسورة (٧)، وصوبه

стр. 974

الرشاطي (١)، وكذا نص عليه العسكري في "الصحابة" والحافظ أبو الحسن المقدسي، قُلْتُ: وفي (سلمى) (٢) خدرة بن كاهل، قاله ابن حبيب. الرابع: يشتبه (الخُدْري) (٣) بالخِدْري -بكسر الخاء وسكون الدال- نسبة إلى (خدرة) (٤) بطن من ذهل بن شيبان، وبالخَدَري -بفتحهما- وهو محمد بن الحسن، متأخر روى عن أبي حاتم (٥)، وبالجدري -بفتح الجيم والدال- وهو عمير بن سالم، وبكسر وسكون نسبة إلى جدرة بطن من كعب. الخامس: قَدْ ذكرنا أن خدرة تشتبه بأربعة أشياء: خِدْرة وخَدَرة وجَدَرة (وجِدْرة) (٦)، وتشتبه أيضًا بثلاثة أشياء أُخَرَ (ذكرتهم) (٧) في "مشتبه النسبة" فراجعْها منه. قَالَ ابن دريد: خدرة فعلة، إما من الخَدَر أو من الخُدْرة حكاه

стр. 975

الرشاطي عنه (١). السادس: أبو سعيد هذا صحابي (ابن صحابي) (٢) أسلم والده، وقتل يوم أحد كما سلف، قتله عرار بن سفيان الكلابي (٣). ولم يرْوَ عنه شيء كما نص عليه العسكري فيما زعم، قَالَ: (وذكر) (٤) بعضهم (أن أبا شيبة أخاه) (٥) لا يعرف اسمه، وذكره أبو حاتم فيمن لا يعرف اسمه، مات في أيام يزيد بن معاوية غازيًا، ودفن في بلاد الروم. وروى أبو سعيد الأشج حديثًا قَالَ فيه: عن أبي سلمة الخدري، -ولست أعرفه- وأحسبه: عن أبي سلمة، عن الخدري فوهم (٦) -فهذِه مهمات في ترجمة أبي سعيد لا يُسأم منها؛ فانه يرحل إليها. وأما عبد الرحمن ووالده عبد الله فأنصاريَّان مازنيَّان مدنيَّان ثِقتَان، وقد (سقنا نسبهما) (٧) فيما مضى، وجدُّ عبد الرحمن الأعلى الحارث، شهد أحدًا، وقتل يوم اليمامة شهيدًا مع خالد بن الوليد (٨)، وكان عمرو

стр. 976

-أبو صعصعة، بفتح الصادين المهملتين- سيد بني مازن بن النجار، قتله برذع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر من الأوس غيلةً بدل قيس بن الخطيم، وكان قتله قوم من بني النجار وبني سلمة، ثمَّ أسلم بردع وشهد أحدًا (١). قَالَ ابن سعد: أدرك مالك بن أنس أبا عبد الرحمن وروى عنه ( … ) (٢) وعن ابنيه عبد الرحمن ومحمد (٣) البخاري والنسائي وابن ماجه (٤)، وروى أبو داود لعبد الله، وابنه عبد الرحمن، ولم يرو (مسلم) (٥) عن أحد منهم شيئًا. قَالَ النسائي: عبد الله ثقة وكذا ولده. وذكره ابن حبان أيضًا في "ثقاته" (٦)، مات عبد الرحمن سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال مالك: كان (لبني) (٧) أبي صعصعة حلقة في المسجد بين المنبر والقبر، وفيهم رجال أهل علم ورواية ومعرفة كلهم كان يفتي (٨).

стр. 977

وأما عبد الله: فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن (قعنب) (١) القعنبي الحارثي المدني، سكن البصرة، كان (مجاب) (٢) الدعوة، سمع مالكًا والليث وحماد بن سلمة، وخلائق لا يحصون من الأعلام، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا، وله معه قصة، وهو: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِذَا لم تستحي فاصنع ما شئت" (٣). وإمامته وإتقانه (وثقته) (٤) وجلالته وحفظه وصلاحه وورعه وزهده مجمع عليه، قَالَ أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه. وقال أبو حاتم: لم أر أخشع منه (٥) وقيل لمالك: إن عبد الله قدم، فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال عبد الله: اختلفت إلى

стр. 978

مالك ثلاثين سنة، ما من حديث في "الموطأ" إلا لو شئت قُلْتُ: سمعته مرارًا من مالك، ولكني (اقتصرت) (١) عَلَى قراءتي عليه؛ لأن مالكًا كان يذهب إلى أن القراءة عَلَى الشيخ أثبت من قراءة العالم (٢).

стр. 979

وقال أبو سبرة الحافظ: قُلْتُ للقعنبي: حدثتَ ولم تكن تحدث! قَالَ: رأيتُ كأن القيامة قَدْ قامت فصيح بأهل العلم فقاموا، فقمتُ معهم، فصيح بي: اجلس، فقلتُ: إلهي، ألم أكن معهم أطلب؟ قَالَ: بلى ولكنهم نشروا وأَخْفَيْتَه؛ فحدثتُ. روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، ومسلم عن عبد بن حميد عنه حديثًا واحدًا في الأطعمة (١)، والترمذي (والنسائي) (٢) عن رجل عنه. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين (٣). فائدة: هذا الإسناد فيه لطيفة مستطرفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون. الوجه الرابع: في ضبط ألفاظه ومعانيه: قوله: "يُوشِكُ" هو -بكسر الشين وبضم الياء- أي: يسرع ويقرب، ويقال في ماضيه: أوشك، ومن أنكر استعماله ماضيًا فغلط، فقد كثر استعماله. قَالَ الجوهري: أَوْشَكَ فلانٌ، يُوشِكُ إيشَاكًا أي: أسرع (٤). قَالَ جرير:

стр. 980

إِذَا جَهِلَ الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ … ببعض الأمر أَوْشَكَ أن يُصَابا قَالَ: والعامة (تقول) (١): يُوشَكْ -بفتح الشين وهي لغة رديئة- قال أبو يوسف -يعني: ابن السكيت: وَاَشَك يُواشِكُ وِشَاكًا، مثل أَوْشَكَ، ويقال: إنه مُواشِكٌ، أي: مسارع (٢). ويوشك أحد أفعال المقاربة، يطلب اسمًا مرفوعًا وخبرًا (منصوب المحل) (٣) لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن، وقد يسند إلى أن والفعل المضارع فيسد ذَلِكَ مسد اسمها وخبرها، كما جاء في هذا الحديث. ومثله قول الشاعر: يُوشك أن يبلغ منتهى الأجل … فالبر لازم برجاءٍ (ووجل) (٤) وقوله: ("خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غنَمٌ") يجوز فيه وجهان: أحدهما: نصب "خير" وهو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون مقدمًا ولا يضر كون الاسم -وهو"غنم"- نكرة؛ لأنها وصفت بـ "يتبع (بها) (٥). وثانيهما: رفعه عَلَى أن (يكون في) (٦) "يكون" ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرًا وتعظيمًا لما يتوقع. ويكون: "خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ" مبتدأً وخبرًا، وقد روي: "غنمًا" (٧) بالنصب وهو ظاهر، وقوله:

стр. 981

"يَتَّبع" (١) هو بتشديد التاء، وقوله: "شعف الجبال" هو بشين معجمة مفتوحة ثمَّ عين مهملة، وهي رءوس الجبال، وشَعَفُ كل شيء: أعلاه، والواحدة: شَعَفَة. وقوله: ("يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ") أي: من (فساد ذاتِ البين) (٢) وغيرها، وخصت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة -وقد رعاها الأنبياء والصالحون صلوات الله عليهم وسلامه- مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع. وقال أبو الزناد: إنما خص الغنم حضًّا عَلَى التواضع والخمول وترك الاستعلاء. وقد قَالَ ﵇: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" (٣) وقال: "السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ" (٤). وقال غيره: إنما ذكر شعف الجبال لفراغها من الناس غالبًا، وشبهها مثلها، وقد ذكر في حديث مسلم بطن الوادي معه كما سلف (٥). الوجه الخامس: في فوائده: وهي كثيرة منها: فضل العزلة في أيام الفتن؛ لإحراز الدين؛ ولئلا تقع عقوبة فتعم،

стр. 982

إلا أن يكون الإنسان ممن لَهُ قدرة عَلَى إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين، وإما فرض كفاية (١) بحسب (الحال) (٢) والإمكان. وأما في غير أيام الفتنة (فاختلف) (٣) العلماء أيها أفضل: العزلة أم الاختلاط؟ فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة (المرضى) (٤)، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون عَلَى البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وحضور (جماعاتهم) (٥)، وغير ذَلِكَ مما يقدر عليه كل أحد. فإن كان صاحب (علم) (٦) أو سليك في الزهد ونحو ذَلِكَ تأكد فضل اختلاطه. وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة لمن

стр. 983

لا يغلب عَلَى ظنه الوقوع في المعاصي، ومنها الاحتراز من الفتن. وقد أخرج البخاري في الفتن: حديث سلمة بن الأكوع، أنه لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، فتزوج هناك امرأة وولدت لَهُ أولادًا، فلم يزل بها حتَّى كان قبل أن يموت بليالٍ؛ فنزل المدينة (١). وفي حديث آخر: أنه دخل عَلَى الحجاج فقال له: يَا ابن الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وتَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولكن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي البَدْوِ (٢).

стр. 984

١٣ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ " وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعلُ القَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. هو بفتح الهمزة من (أن) أي باب كذا، وباب بيان أن المعرفة من فِعل القلب، (فلا يجوز قوله باب على غير الإضافة كما صرَّح به الكرماني، فقال: هذا الباب متعين أن يُقرأ مضافا إلى قول النَّبي ﷺ لا غير وأنا أعلمهم بالله و"أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ" مقول القول) (١). وأول واجب على المكلف المعرفة ثم القصد ليتوصل به إلى المعارف … كما تقرر في الأصول). ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا". [فتح: ١/ ٧٠] نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ قَالَ: أَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ باللهِ أَنَا".

стр. 985

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث (أخرجه البخاري هنا وأخرج .. ) (١). الوجه الثاني: في التعريف (برواته) (٢): أما عائشة وعروة وهشام فسلف ذِكْرهُم في أول الكتاب. وأما عبدة: فهو أبو محمد عبدة (ع) -بسكون الباء- بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن (سُمير) (٣) بن (مليل) (٤) بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد في "طبقاته" (٥). وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب. سمع جماعة من التابعين منهم: هشام والأعمش، وعنه: الأعلام: أحمد وغيره، قَالَ أحمد: ثقة (ثقة) (٦). وزيادة مع صلاح، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن (يقرئ) (٧) (٨). توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة. قاله (الترمذي) (٩). وقال البخاري: سنة سبع (١٠).
следующие страницы →