← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي العُمْرَى وَالرُّقْبَى أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا. ٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. [٢٦٢٦ - مسلم: ١٦٢٥ - فتح: ٥/ ٢٣٨] ٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "العُمْرَى جَائِزَةٌ". [مسلم: ١٦٢٦] وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . نَحْوَهُ. [انظر: ١٦٢٥ - مسلم: ١٦٢٥ - فتح: ٥/ ٢٣٨] ثم ذكر فيه حديث جابر قال: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "العُمْرى جَائِزَة". وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . نَحْوَهُ. الشرح: قال الأزهري في "تهذيبه": ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾. أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها، وفي الحديث "لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعْمَرَ دارًا فهي له ولورثته من بعده" (١).

стр. 9592

قال أبو عبيد: والعُمرى أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرك. أو يقول: داري هذِه لك عمرى. فإذا قال ذلك وسلمها إليه كانت للعمر ولم ترجع إليه إن مات. والرقبى: أن يقول للذي أرقبها: إن مت قبلي رجعت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك. وأصل العُمرى: مأخوذة من العمر، والرقبى: من المراقبة، فأبطل الشارع هذِه الشروط وأمضى الهبة. وهذا الحديث أصل لكل من وهب هبة وشرط فيها شرطًا بعدما قبضها الموهوب له، أن الهبة جائزة، والشرط باطل (١)، وقال ابن عرفة: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أطال أعماركم. قال ابن سيده: والعمرى: المصدر كالرجُعْى (٢). قلت: وهي بضم العين وسكون الميم وبضمهما وبفتح العين وسكون الميم، كما نبه عليه القاضي عياض وغيره، وهما من هبات الجاهلية (٣). وعبارة أبي عبيد: تأويل العمرى: هذِه الدار لك عمرك أو عمري. وأصله من العمر (٤). فإن قلت: البخاري ترجم على العمرى والرقبى ولم يذكر الرقبى. قلت: كأنه يرى أنهما واحد.

стр. 9593

كذا أجاب به الداودي فيما نقله ابن التين: وممن سوى بينهما عليٌّ وابن عباس ومجاهد ووكيع، وأجود منه أن البخاري أحال على بقية الحديث، فإن الترمذي أخرجه بإسناد صحيح عن جابر مرفوعًا: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد رواه بعضهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا (١)، وأخرجه النسائي من حديث عبد الكريم، عن عطاء، عنه مرفوعًا: نهى عن العمرى والرقبى (٢). وفي حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء: "لا تعمروا ولا ترقبوا" (٣). وفي حديث أبي الزبير عن جابر: والرقبى لمن أرقبها (٤). وحديث جابر أخرجه مسلم والأربعة (٥)، ولمسلم: "أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه، فإنها لمن أُعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". وفي لفظ: "من أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أُعمر ولعقبه".

стр. 9594

وفي لفظ له: "أيما رجل أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها وعقبه وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". وفي لفظ عن جابر: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها، قال معمر: وكان الزهري يفتي به. ويحكى عنه أنه ﵇ قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه، فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا. قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث شرطه. وعنه أيضًا مرفوعًا: "العمرى لمن وهبت له". وعنه أيضًا مرفوعًا: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فإنها للذي أعمرها حيًّا وميتًا ولعقبه". وعنه أيضًا مرفوعًا: "أمسكوا عليكم أموالكم". وعن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: "العمرى لصاحبها". هذِه الطرق كلها في مسلم (١)، ولم يخرج البخاري عن جابر في العمرى غير ما ساقه أولًا، وللنسائي: "فقد قطع قوله حقه" (٢). وفي لفظ: "قد بتها من صاحبها الذي أعطاها" (٣).

стр. 9595

وفي آخر: "أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة، ويستثني إن حدث بك حدث وبعقبك فهي إليَّ وإلى عقبي، فإنها لمن أعطيها ولعقبه" (١). ولأبي داود بإسناد جيد: وقضى النبي ﷺ في امرأة أعطاها ابنها حديقة فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها. وله إخوة، فقال ﵇: "هي لها حياتها وموتها" قال: كنت تصدقت بها عليها قال: "ذلك أبعد لك" (٢). وحديث أبي هريرة، أخرجه مسلم بلفظين: "العمرى جائزة" (٣) "ميراث لأهلها"، (أو) (٤) قال: "جائزة" (٥). والبخاري رواه عن حفص بن عمر: ثنا همام، ثنا قتادة، حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة. ثم قال: وقال

стр. 9596

عطاء: حدثني جابر عن النبي ﷺ نحوه. وهذا التعليق ذكر صاحب "الأطراف" أن البخاري رواه هنا، عن حفص، عن همام، عن قتادة، عن عطاء (١). ورواه أبو نعيم، عن أبي إسحاق بن حمزة: ثنا أبو خليفة، ثنا أبو الوليد، ثنا همام به مثله، لا نحوه ولفظة "العمرى جائزة". ورواه مسلم عن خالد بن الحارث، عن (شعبة) (٢)، عن قتادة، عن عطاء بلفظ: "العمرى ميراث لأهلها" (٣). وكأنه الذي أراد البخاري بقوله: نحوه. وفي الباب عن عدة من الصحابة: أحدها: زيد بن ثابت؛ أخرجه ابن حبان في "صحيحه" مَرفوعًا: "العمرى سبيلها سبيل الميراث" (٤). وللنسائي: "لا تحل الرقبى فمن أرقب رقبى فهي سبيل الميراث" (٥). وفي لفظ: "العمرى ميراث" (٦). وفي لفظ: "العمرى للوارث" (٧). وفي آخر: "جائزة" (٨).

стр. 9597

وآخر: "من أعمر شيئًا فهي لمعمره محياه ومماته، لا ترقبوا، مَن أرقب شيئًا فهو سبيله" (١). ثانيها: ابن عباس، أخرجه أيضًا بلفظ: "لا ترقبوا أموالكم فمن أرقب شيئًا فهو لمن أرقبه" (٢). والرقبى أن يقول الرجل: هذا لفلان ما عاش، فإن مات فلان فهو لفلان. وحديث طاوس عنه مرفوعًا: "العمرى جائزة" قضى بها في هذيل. وعن طاوس: "بتل رسول الله ﷺ العمرى والرقبى" (٣). وفي "المصنف" عن طاوس: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الرقبى، فمن أرقب رقبى فهي في سبيل الميراث" (٤) وفي لفظ: "فهي لورثة المرقب" (٥). ثالثها: ابن عمر، روى عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر ولم يسمعه منه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" قال عطاء: هو للآخر (٦). قال أحمد فيما حكاه المروزي: قال ابن جريج: إن عطاء أخبرنا عنك في الرقبى. قال حبيب: لم أسمع من ابن عمر في الرقبى شيئًا.

стр. 9598

رابعها: من حديث معاوية، أخرجه أحمد من حديث ابن عقيل، عن ابن الحنفية، عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العمرى جائزة لأهلها" (١). خامسها: حديث الحسن عن سمرة أن نبي الله ﷺ قال: "العمرى جائزة لأهلها -أو- مير اث لأهلها" أخرجه الترمذي (٢). سادسها: عبد الله بن الزبير: أخرجه الترمذي في "علله الكبير" قال رسول الله ﷺ : "العمرى لمن أعمرها" يريد من يرثه، ثم قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو عندي حديث معلول، ولم يذكر علته، ولم يعرفه حسنًا في العمرى (٣). إذا تقرر ذلك؛ فقد قال الترمذي: العمل على هذا عند بعض أهل العلم إذا قال في العمرى: هي لك حياتك ولعقبك، فإنها لمن أعمرها لا ترجع إلى الأول، فإذا لم يقل: لعقبك. فهي راجعة إلى الأول إذا مات المعمر. وهو قول الشافعي ومالك (٤). وروي من غير وجه مرفوعًا: "العمرى جائزة لأهلها" (٥). والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: إذا مات المعمر فهي لورثته، وإن لم يجعل لعقبه، وهو قول سفيان بن سعيد، وأحمد، وإسحاق (٦).

стр. 9599

وقال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد وإسحاق، وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بينهما، فأجازوا العمرى ولم يجيزوا الرقبى، قال: وتفسير الرقبى. أن تقول: هذا الشيء لك ما عشت، فإذا من قبلي فهي راجعة إليَّ. وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أعطيها ولا ترجع إلى الأول (١). قلت: ونقل ابن بطال، عن الكوفيين والشافعي في أحد قوليه وأحمد: العمرى تصير ملكًا للمُعْمر ولورثته ولا تعود ملكًا إلى المعطي أبدًا (٢). وفصَّل أصحابنا العمرى فقالوا: إنها ثلاث صور (٣): الأولى أن يقول: أعمرتك هذِه الدار، فإذا من فهي لورثتك ولعقبك، فتصح قَطْعًا ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار، وهي هبة، لكنه طول العبارة. وقوله: فهي لورثتك باليد لملكه، ولا ينبغي أن يحمل على الباقين والشرط، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا تعود إلى الواهب بحال؛ لرواية مسلم السالفة: "أيما رجل أعمر عمرى .. " (٤) إلى آخره. ولا فرق في العمرى بين العقار وغيره، وإن كان كثير من أصحابنا إنما فرضوها في العقار، وجماعة منهم صرحوا بها في كل

стр. 9600

شيء، ولا خلاف في ذلك. وذكر الرافعي العبدَ (١)، وعن أحمد في الجارية يعمرها: لا أرى له وطأها، أيْ: تورعًا (٢). الثانية: أن يقتصر على: أعمرتك. فالجديد: الصحة وله حكم الهبة؛ لحديث أبي هريرة في الباب. وفي القديم ثلاثة أقوال: أشهرها بطلانها؛ لقول جابر السالف عند مسلم (٣)؛ ولأنه تمليك مؤقت فبطل كالبيع وكما لو أقتها سنة. والثاني: أنها تكون للمعمر في حال حياته، فإذا مات رجعت إلى المعمر؛ لحديث جابر السالف، وهو غريب. والثالث: أنها عارية، يستردها المعمِر متى شاء، فإذا مات المعمَر عادت إلى صاحبها وهو الواهب. الثالثة: أن يقول جعلتها لك عمرك، فإذا متَّ عادت إليَّ أو إلى ورثتي إن كنت متُّ. فالأصح عندنا الصحة وإلغاء الشرط؛ لإطلاق الأحاديث الصحيحة (٤)؛ وأغرب بعض أصحابنا فقال: يصح ولا يُلغى الشرط. حكاه صاحب "النبيه مختصر التنبيه" (٥) وهو ابن يونس، وكأنهم عدلوا به عن سائر الشروط الفاسدة، والقياس البطلان.

стр. 9601

وحاصل المذهب الصحة في الثلاث وأن الموهوب له يملكها ملكًا تامًّا، يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرف، وقال أبو حنيفة بالصحة كمذهبنا، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيد (١). وقال ابن بطال: اختلف العلماء في العمرى، فقال مالك: إذا قال: أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو المعمر، وإذا قال: قد أعمرتك وعقبك فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منه إنسان، فإذا انقرضوا رجعت الرقبة إلى المالك المعمر؛ لأنه وهب له المنفعة ولم يهب الرقبة. وروي مثله عن القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط (٢). وهو أحد قولي الشافعي (٣)، وقال الكوفيون والشافعي في الآخر وأحمد: تفسير ملكًا للمعمر ولورثته ولا تعود إلى المعطي أبدًا (٤). واحتجوا بما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر أنه ﵇ قال: "أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" (٥) وقالوا: إن مالكًا روي هذا الحديث وخالفه وقال: ليس عليه العمل. واحتج أصحابه بأن الإعمار عند العرب، والإفقار، والإسكان، والمنحة، والعارية، والإعراء: إنما هو تمليك المنافع لا الرقاب.

стр. 9602

وللإنسان أن ينقل منفعة الشيء الذي يملك إلى غيره مدة معلومة ومجهولة، إذا كان ذلك على غير العوض؛ لأن ذلك فعل خير ومعروف، ولا يجوز أن يخرج شيء من ملك مالكه إلا بيقين ودليل على صحة. وقد قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم فيما أعطوا (١). والدليل على أن العمري لا تقتضي نقل الملك عن الرقبة أنه لو قال: بعتك شهرًا أو تصدقت به عليك شهرًا، وأراد نقل ملك الرقبة لم يصح، وكذلك إذا قال: أعمرتك؛ لأنه علقه بوقت مقيد، وهو عمره. وأما حديث جابر الذي احتجوا به فهو حجة عليهم، وذلك أن المعمر إذا أعمر زيدًا وعقبه، فليس له أن يرجع فيما أعطى زيدًا، فكذلك فيما أعطى عقبه، والكوفي خالف هذا الحديث ولم يقل بظاهره كما زعم؛ لأنه يقول: إن للمعمر بيع الشيء الذي أعمره ومنع ورثته منه، وهذا خلاف شرط المعمر؛ لأنه أعطى عقبه كما أعطاه. وليس هو بأولى بالعطية من عقبه، وهو معنى قوله ﵇: "لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث" يعني: التداول للمنفعة لا ميراث الرقبة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]، فلم يملكوها بالمواريث التي فرض الله تعالى، وإنما أخذوا منهم ما كان في أيديهم، فكذلك العقب في العمرى يأخذ ما كان لأبيه بعطية المالك.

стр. 9603

قال (١): واختلفوا في الرقبى: فأجازها أبو يوسف والشافعي (٢) كأنها وصية عندهم، وقال مالك والكوفيون ومحمد: لا يجوز (٣). واحتجوا بحديث ابن عمر السالف، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن الرقبى، وقال: "من أرقب رقبى فهي له" (٤). والرقبى عند مالك أن يقول: إن متُّ قبلك فداري لك وإن متَّ قبلي فدارك لي، فكأن كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه. وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج عن يده (٥). فرع: لو قال: جعلتها لك عمرى أو عمر زيد. فقيل: هو كما لو قال: جعلتها لك عمرك أو حياتك. لشمول اسم العمرى، فالأصح عندنا البطلان لخروجه عن اللفظ المعتاد، ولما فيه من تأقيت الملك (٦). فرع: قال: داري لك عمرك، فإذا متَّ فهي لزيد، أو عبدي لك عمرك فإذا

стр. 9604

متَّ فهو حر. صحت عندنا على الجديد، ولغي المذكور بعدها (١). وقد أوضحت فروع العمرى وتفاصيل الرقبى في كتب الفروع فهو أليق به منها. لو باع على صورة العمرى فقال: ملكتها بعشرة عمرك. (فيه) (٢) وجهان؛ لأنه تطرق الجهالة إلى الثمن (٣). خاتمة: قال ابن التين: تفسير العمرى أن يقول الرجل للآخر: أعمرتك عمر العطاء. وقال بعض أهل اللغة: عمر المعطى، وقيل: يصح فيهما فهي عند مالك هبة الدار حياة المعطى (٤)، وعند الشافعي يملكها المعطي (٥).

стр. 9605

كتاب العارية

стр. 9606

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب العارية هي بتشديد الياء وتخفيفها، وجمعها عواري كذلك، وفيها لغة ثالثة: عارة، حكاها الجوهري وابن سيده (١) وحكاها المنذري فقال: عاراه بالألف وهي مشتقة، كما قال الأزهري: من عار الرجل إذا ذهب وجاء (٢)، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار؛ لكثرة ذهابه ومجيئه. وقال البطليوسي: هي مشتقة من التعاور وهو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب (٣). وهذا خطأ؛ لأنه ﵇ استعار. وهي في الشرع: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه؛ ليردها عليه، وقيل: هي هبة المنافع بعد بقاء ملكها الرقبة.

стр. 9607

٣٣ - باب مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ ٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ فَزَعٌ بِالمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ المَنْدُوبُ، فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨،٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٥/ ٢٤٠] ذكر فيه حديث أنس: كَانَ فَزَعٌ بِالمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ المَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". الشرح: قال الخطابي: (إنْ) هنا بمعنى النفي، واللام بمعنى (إلا)، كأنه قال: ما وجدناه إلا بحرًا، تقول: إن زيدًا لعاقل. تريد: ما زيد إلا عاقل، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] بتخفيف (إن) المعنى: ما هذان إلا ساحران وقد قرأه حفص عن عاصم (١). قلت: هذا هو مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنَّ (إنْ) مخففة من الثقيلة واللام زائدة، وقد نبه على ذلك ابن التين. وقوله: ("ما رأينا من شيء") أي: عدوًا والمندوب علم على فرس وأفراسه ﷺ جمعها بعضهم (٢) في بيت: والخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْف سَبْحَةٌ ظَرِبٌ … لِزَازُ مُرْتَجَزٌ وَرْدٌ لَها أسْرَارُ (٣)

стр. 9608

كما جمعت أسيافه في بيت: إن شئت أسماء أسياف النبي فقد … جاءت بأسمائهن السبع أخبار قل: مخدم ثم حتف ذو الفقار … وقيل عضب رسوب وقلعي وبتار (١) وذكر القاضي عياض أن في خيل رسول الله ﷺ فرس يقال له: البحر، اشتراه من تجر، قدموا به من اليمن سبق عليه مرات، ثم قال بعد: فيحتمل أنه يصير إليه بعد أبي طلحة. وهذا نقض للأول، لكن لو قال: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم لكان أقرب. وزعم نفطويه: أن البحر من أسماء الخيل، وهو الكثير الجري الذي لا يفنى جريه كما لا يفنى ماء البحر مجازًا. ونبه ابن بطال على أنه ﷺ أول من تكلم بهذا (٢). وعن القزاز: هو الواسع الجري، ومنه سمي البحر بحرًا لسعته،

стр. 9609

ومنه فلان متبحر في العلم؛ إذا اتسع فيه. وقال الأصمعي: فرس بحر إذا كان واسع الجري. قال الداودي: هو على اتساع اللغة والاستكثار مثل قوله ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه". إذا تقرر ذلك؛ فاختلف العلماء في عارية الحيوان والعقار وما لا يعاب عليه. فروى ابن القاسم عن مالك: أن من استعار حيوانًا أو غيره مما لا يعاب عليه فتلف عنده، فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي (١)، وهو قول الكوفيين (٢)، فإن كان مما يعاب عليه من ثوب أو غيره فهو ضامن ولا يقبل قوله في هلاكه إلا أن يكون ظاهرًا معروفًا تقوم له بينة من غير تفريط، ولا يضمن (٣). وقال عطاء (٤): العارية مضمونة على كل حال كانت مما لا يعاب عليه أم لا، وسواء تعدى فيها أو لم يتعد، وبه قال الشافعي وأحمد (٥). قلت: إلا إذا بلغت من الوجه المأذون فيه فلا ضمان عندنا، واحتجوا بأحاديث خارج الصحيح صحيحة: أحدها: حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول: "العارية مؤداة والزعيم غارم" أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي،

стр. 9610

وصححه ابن حبان (١). ثانيها: حديث أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: "لا، بل عارية مضمونة" رواه أبو داود والنسائي والحاكم قال: وله شاهد صحيح على شرط مسلم، عن ابن عباس فذكره (٢). وأما ابن حزم فأعله بشريك كعادته (٣)، وتبعه ابن القطان قال: وأمية أخرج له مسلم (٤). قلت: لا، بل البخاري في "الأدب"، وأما صاحب "الإلمام" فقال بعد أن عزاه إلى "المستدرك": لعله علم حال أمية. قلت: قد ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٥). وعن جابر مرفوعًا مثله، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٦). ثالثها: حديث يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله ": "إذا أتتك رسلي فادفع إليهم ثلاثين درعًا" فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ فقال: "بل عارية مؤداة" رواه أبو داود والنسائي، وصححه

стр. 9611

ابن حبان (١) وقال ابن حزم: حديث حسن. ليس في شيء مما روي في العارية خبر يصح غيره، وأما ما سواه فليس يساوي الاشتغال به (٢). رابعها: حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" رواه أصحاب السنن الأربعة، وحسنه الترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري (٣). ونازعه صاحب "الإلمام"، وذكره ابن حزم بأن قال: الحسن لم يسمع من سمرة (٤). وهو أحد مذاهب ثلاثة فيه ورأى البخاري وجماعة أنه سمع منه مطلقًا، وروي أن ابن عباس وأبا هريرة ضمنا العارية، واحتج الأول بأن معنى أدائها هو بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فإذا بلغت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها، فكذلك العارية إذا علم أنها قد تلفت؛ لأنه لم يأخذها على الضمان ولا هو متعد بالأخذ فهي أمانة على المستعير، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها بجنايته عليها بمنزلة ما لو تعدى عليها، وهي في يد ربِّها فعليه قيمتها، روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على مؤتمن ضمان (٥).

стр. 9612

وممن كان لا يضمِّنُ المستعير الحسن والنخعي (١). وقال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان (٢). وكتب عمر بن عبد العزيز في العارية: لا يضمن صاحبها إلا أن يُطلع منه على خيانة (٣).

стр. 9613

٣٤ - باب الاِسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ البِنَاءِ ٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ على عَائِشَةَ ﵂ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالَمْدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ. [فتح: ٥/ ٢٤١] ذكَرَ فيه حديث عبد الواحد بن أيمن: حَدَّثَنِي أَبِي -وهو أيمن الحبشي المكي مولى ابن أبي عمرو- قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ. هذا الحديث من أفراد البخاري. و (الدرع): القميص، وهو مُذَكَّر بخلاف درع الحديد فإنها مؤنثة (١). و (قطر) بقاف مكسورة ثم طاء مهملة، كذا ساكنة في أصل الدمياطي، وفسره بأن قال: القطر: ضرب من البرود (٢) يقال: برود قطرية (٣). وقال ابن بطال: القطريات من غليظ القطن (٤). ولم يذكر غيره، وهو

стр. 9614

رواية أبي الحسن، ولأبي ذر: قطن بالنون. وقال ابن فارس بعد أن ضبطه بكسر القاف: هو جنس من البرود (١). وقال الخطابي: ضرب من المروط غليظ (٢). قال ابن فارس: والمرط ملحفة يؤتزر به (٣). وقال صاحب "المطالع": وللقابسي وابن السكن بالفاء وهو ضرب من ثياب اليمن بها حمرة. (تزهى): تتكبر، قال ثعلب في باب (فُعِل) بضم الفاء: وقد زهيت علينا يا رجل وأنت مزهو (٤)، وعن التدميري (٥): مأخوذ من التيه والعجب، وأصله من البشر إذا حسن منظره وراقت ألوانه. وقال ابن درستويه: العامة يقولون: زها علينا فتجعل الفعل له، وإنما هو مفعول لم يسم فاعله (٦). وعند ابن دريد: زها زهوًا. أي: تكبر (٧). ومنه قولهم: ما أزهاه، وليس هو من باب زهى؛ لأن ما لم يسم فاعله لا يتعجب منه. قلت: حكى ابن عصفور وغيره التعجب منه في ألفاظ معدودة منها ما أجنه.

стр. 9615

وأنشد الجوهري: لنا صاحبٌ مولعٌ بالخلاف … كثير الخطاء قليل الصواب ألجّ لجاجًا من الخنفساء … وأَزْهى إذا ما مَشَى من غراب (١) (وتقين) -بضم أوله- تزين. قال صاحب "الأفعال": قان الشيء قيانة أصلحه. والقينة: الأمة ومنه قيل للحداد: قين (٢). قال أبو عمرو: وأصله من اقتان البيت اقتيانًا إذا حسن، ومنه قيل للمرأة: مقينة؛ لأنها تزين (٣)، والقينة: الماشطة (٤)، وقيل: التي تجلى على زوجها، والقين: إصلاح الشعر، والقينة: المغنية أيضًا. والقينة: الجارية، وكل صانع عند العرب قين (٥). وروي بالفاء أي: تعرض وتجلى على زوجها، حكاه ابن التين. إذا تقرر ذلك: فعارية الثياب في العرس من فِعْل المعروفِ والعمل الجاري عندهم؛ لأنه مرغب في أجره؛ لأن عائشة لم تمنع منه أحدًا. وفيه: أن المرأة قد تلبس في بيتها ما خشن من الثياب وما يلبسه بعض الخدم. وفيه: تواضع عائشة وأخذها بالبلغة في حال اليسار، وقد أعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف، وذكرت ما كانوا عليه لتتذكر ذلك وتشكر نعم الله.

стр. 9616

واختلف العلماء في عارية الثياب، والعروض وما يعاب عليه وما لا يعاب، وقد سلف في الباب قبله واضحًا. وممن قال بنفي الضمان الحسن والنخعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن عمر أيضًا (١). وحديث صفوان السالف (٢) قال فيه ابن بطال: قد اضطرب جدًّا فلا حجة فيه، وأيضًا لو وجب على الشارع ضمان فيه لم يقل: "إن شئت غرمناها لك". واحتجوا بالقصعة التي أهدتها بعض أمهات المؤمنين، وقد سلف أنه غرّمها (٣). وقال ابن القصار: اختلفت ألفاظ خبر صفوان فاستعملنا ما ورد منها بالضمان فيما يعاب عليه كما كان في سلاح صفوان وفي القصعة، واستعملنا ما ورد بإسقاط الضمان فيما لا يعاب عليه؛ لأنه (يمكن) (٤) كتمانه، فيكون قد استعملنا كل خبر على فائدة غير فائدة صاحبه،

стр. 9617

ولا يمكن المخالفين استعمالها إلا على معنى واحد فيما يعاب عليه من العارية وما لا يعاب عليه. أما في وجوب الضمان على قول الشافعي، أو إسقاطه على قول أهل العراق فاستعمالنا أولى؛ لكثرة الفوائد. قال المهلب: وإنما ألزمه ملك الضمان فيما يعاب عليه؛ لئلا يدعي المستعير هلاك العارية، فيتطرق بذلك إلى أخذ مال غيره (١).

стр. 9618

٣٥ - باب فَضْلِ المَنِيحَةِ ٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ المَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ". [٥٦٠٨ - مسلم: ١٠١٩، ١٠٢٠ - فتح: ٥/ ٢٤٢] ٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ -يَعْنِي: شَيْئًا- وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَالمَئُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ. كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِى كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. [٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠ - مسلم: ١٧٧١ - فتح: ٥/ ٢٤٢] وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَخْبَرَنَا: أَبِي، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا، وَقَالَ مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ. ٢٦٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ". قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. [فتح: ٥/ ٢٤٣]

стр. 9619

٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ". [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٥/ ٢٤٣] ٢٦٣٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا". [انظر: ١٤٥٢ - مسلم: ١٨٦٥ - فتح: ٥/ ٢٤٣] ٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ -يَعْنِى: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا فَقَالَ: "لِمَنْ هَذِهِ". فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا". [انظر: ٢٣٣٠ - مسلم: ١٥٥٠ - فتح: ٥/ ٢٤٣] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ المَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بإنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ". وفي رواية: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ" (١).

стр. 9620

وأخرجه مسلم بلفظ: "ألا رجل يمنح أهلَ بيتٍ ناقةً تغدو (بعس) (١) وتروح (بعس) (٢) إنَّ أجْرها لعظيم" (٣). وفي لفظ: "منحة غَدَت بصدقةٍ وراحت بصدقةٍ صبُوحها وغبُوقها" (٤). ثانيها: حديث أنس: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ .. الحديث وفيه: وَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ. وقد سلف. ثالثها: حديث عبد الله بن عمرو: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ". قَالَ حَسَّانُ -يعني ابن عَطية-: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. رابعها: حديث جابر. خامسها: حديث أبي سعيد (٥). سادسها: حديث ابن عباس. وقد سلفت في مواطنها.

стр. 9621

و (المنيحة): هي الناقة والشاة ذات الدر، يعار لبنها ثم يرد إلى أهلها (١) كما أسلفناها فيما مضى، والمنيحة عند العرب كالإفقار والرقبى والعمرى والعارية كما سلف، وهي تمليك المنافع لا الرقاب، ألا ترى قوله في حديث أنس: فلما فَتَحَ الله عَلَى رسولِه غنائمَ خَيْبَرَ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ وثمَارَهُمْ. وقوله في حديث جابر: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ"، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا يكريها منه بأجر؛ يبينه قوله في حديث ابن عباس: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ لكان خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا". وقوله في حديث أبي سعيد: بعد أن سأل رسول الله صاحب الإبل أنه كان يؤدي صدقتها قال: "فَهَلْ تَمْنَحُ مِئْهَا شَيْئًا؟ ". فدل على أن المنيحة غير الصدقة؛ لأنها قد تضمنها الزكاة، فدلت هذِه الآثار على أن المنيحة التي حض الشارع أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام هي تمليك المنافع لا الرقاب. و (اللقحة): الناقة التي لها لبن يحلب، جمعها لقاح وهي بكسر اللام (٢)؛ لأنه بالفتح المرة الواحدة من الحلب، وقيل: فيهما بالفتح والكسر (٣). والصَّفيُّ: الغزيرة اللبن.

стр. 9622

وقوله: ("تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ") يعني أنها تغدو بأجرِ حلبِها في الغدوِّ والرواح. كذا في ابن بطال (١). وقال ابن التين: أي بحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي. ومَنْ روى "نِعْمَ الصَّدقة" روى أحدهما بالمعنى؛ لأن المنيحة العطية والصدقة أيضًا العطية. والصبوح: الشرب في وقت الغداة. والغبوق: شرب العشى (٢). والسُّنَّة أن تؤد المنيحة إلى أهلها إذا استغنى عنها، كما رد ﵇ إلى أم سليم عذاقها، وكما رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم حين استغنوا بخيبر. والمنيحة وغيرها مما تقدم من باب الصلة لا من باب الصدقة؛ لأنها لو كانت صدقة لما حلت للشارع، ولكانت عليه حرامًا ولو كان في أخذها غضاضة لما قبلها. وأما قوله: ("أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ") أي: المعز ولم يذكرها، ومعلوم أنه ﵇ كان عالمًا بها أجمع؛ لأنه لا ينطق عن الهوى وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها؛ وذلك -والله أعلم- خشية أن يكون التعيين لها والترغيب فيها زهدًا في غيرها من أبواب المعروف وسبل الخير، وقد جاء عنه ﵇ من الحض على أبواب من أبواب الخير والبر ما لا يحصى كثرة.

стр. 9623

وليس قول حسان بن عطية السالف: (فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة)؛ بمانع أن يجدها غيره فقصرت أفهامهم عن إدراكها. قال ابن بطال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها في الأحاديث فوجد حسابها يبلغ أزيد من أربعين خصلة، فمنها أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن عمل يدخله الجنة فقال له: "إن كنت قصرت في الخطبة لقد أعرضت المسألة" فذكر له عتاقات، ثم قال له: "والمنحة الركوب الغزيرة الدر، والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن" (١) فهذِه ثلاث خصال، أعلاهن المنحة وليس الفيء على ذي الرحم منها؛ لأنها أفضل من منيحة العنز، وإنما شرط أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز. ومنها السلام على من لقيت، وفي الحديث: "من قال: السلام عليك كتبت له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون، ومن زاد: وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة" (٢). وتشميت العاطس؛ وفي الحديث: "ثلاث تثبت لك الود في صدر أخيك: إحداهن تشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق".

стр. 9624

وفي الحديث أن رجلًا أخذ غصن شوك من الطريق فشكر الله له فغفر له (١). وإعانة الصانع والصنعة لأخرق، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع النعل، وأن يونس الوحشان. وسأل رجل النبي ﷺ عن المعروف فقال: "لا تحقرنَّ منه شيئًا ولو شسع النعل ولو أن تعطي الحبل ولو أن تؤنس الوحشان" (٢). وقال أبو سليمان الخطابي: وقيل في تأويل أنس الوحشان وجهان: أحدهما: أن تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل. والوجه الآخر: أنه أريد به المنقطع بأرض الفلاة المستوحش بها يحمله فيبلغه مكان الإنس والأول أشبه. وكشف الكُرْبة عن مسلم، قال ﵇: "من كشف عن أخيه كربة كشف الله عنه كربة من كربات يوم القيامة" (٣). وكون المرء في حاجة أخيه قال ﷺ : "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" (٤). وستر المسلم، قال ﵇: "من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (٥).

стр. 9625

والتفسح لأخيك في المجلس، قال تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] وقال ﷺ : "ثلاث تثبت لك الود في صدر أخيك: إحداهن أن توسع له في المجلس، وإدخال السرور على المسلم، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم" (١) وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٢). والدلالة على الخير: قال ﷺ : "الدال على الخير كفاعله" (٣). والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس: قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وقول طيب ترد به المسكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] وقال ﵇: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" (٤).

стр. 9626

وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي أمر به ﵇ الذي سأله عن المعروف (١). وغرس المسلم وزرعه؛ قال ﵇ "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" (٢). والهدية إلى الجار؛ قال ﵇: "لا تحقرن" (٣) الحديث. والشفاعة للمسلمين فإن الله تعالى قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية [النساء: ٨٥] وقال ﷺ : "اشفعوا تؤجروا" (٤). ورحمة عزيز ذل وغني قوم افتقر وعالم بين جهال، روي ذلك في حديث عن رسول الله ﷺ . وعيادة المرضى؛ وفي الحديث: "عائد المريض على مخارف الجنة" (٥)، و"عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس عنده استقرت به الرحمة" (٦). والرد على من يغتاب أخاك المسلم وفي الحديث: "من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من النار (٧)

стр. 9627

ومصافحة المسلم، ففي الحديث: "لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول يده من يده؛ حتى يغفر لهما" (١). وفي آخر: "تصافحوا يذهب الغل" (٢). والتحاب في الله والتجالس في الله والتزاور في الله والتباذل في الله، قال تعالى: "وجبت محبتي لأصحاب هذِه الأعمال الصالحة" (٣). وعون الرجل للرجل في دابته يحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وذكر النصح لكل مسلم (٤). قلت: ومن الخصال: الحب في الله، والإعلام بالمحبة، وفي الإعلام بالبغض قولان. تنبيهات: أحدها: قوله في حديث أنس: (فقاسمهم الأنصار) قال الداودي يعني: حالفوهم كالحلف الذي كان في الجاهلية بالأيمان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف ٢١] و (العذاق) -بالكسر-: جمع عذق، وهي النخلة، ككلب وكلاب.

стр. 9628

ثانيها: قول ابن شهاب: (لما فرغ من خيبر انصرف إلى المدينة رد المهاجرون للأنصار منائحهم) كذا هنا، وفي رواية أخرى: لما أفاء الله عليه أموال بني النضير وأراد قسم ما سوى الرباع قال للأنصار: إن شئتم يقسم على ما كنتم عليه وقسمت لكم معهم وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم وقسمت إليهم دونكم. فاختاروا أخذ أموالهم. فيحتمل أن يكون بعض الأنصار تركوا أخذ أموالهم وأخذ بعضهم. قال ابن شهاب: وكانت وقعة النضير سنة ثلاث في المحرم. وخالفه غيره، فقال: سنة أربع، وغزوة خيبر كانت سنة ست. وقوله: (أعطاها من حائطه) وفي رواية أخرى بعدها: من خالصه والمعنى واحد؛ لأن حائطه صار له خاصًّا. ثالثها: معنى: (يترك): ينقصك لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم. وقوله: ("اعمل من وراء البحار") أي: إذا فعلت هذا فالزم أرضك وإن كانت من وراء البحار، فإنك لا تحرم أجر الهجرة، وذلك أنه جمع بين أقطار الخير الواجبة والمنحة التي هي بر وصلة. وقوله: (فيحلبها يوم وردها) أي: يسقي لبنها، وهو معروف. وحديث أبي سعيد في الأصول: (حدثنا محمد بن يوسف). وفي بعض النسخ: وقال محمد بن يوسف، والآخر صواب، لأنه عرض ومذاكرة.

стр. 9629

٣٦ - باب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهْوَ جَائِزٌ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ. ٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟ ". وَقَالَ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبي هريرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ". [انظر: ٢٢١٧ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح: ٥/ ٢٤٦] ثم ساق قصة هاجر من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ثم قال: وَقَالَ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ". وهذا التعليق أسنده في النكاح وغيره، كما ستعلمه. قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء فيما علمت أنه إذا قال له: أخدمتك هذِه الجارية أو هذا العبد؟ أنه قد وهب له خدمته لا رقبته وأن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة عند العرب، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك رقبة الدار، وليس ما استدل به البخاري من قوله: فأخدمها هاجر بدليل على الهبة، وإنما تصح الهبة في الحديث من قوله: "فأعطوها هاجر"، فكانت عطية تامة. واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: وهبت خدمة عبدي لفلان، فقال ابن القاسم: يخدمه حياة العبد، فإن مات فلان فلورثته خدمة العبد

стр. 9630

ما بقي العبد إلا أن يستدل من قوله إنما أراد حياة المخدوم ولا تكون هبة لرقبة العبد. وقال أشهب: يحمل على أنه أراد حياة فلان ولو كانت حياة العبد كانت هبة لرقبته. والأول أصح؛ لأنه لا يفهم من هبة الخدمة هبة الرقبة، والأموال لا تستباح إلا بيقين، ولم يختلف العلماء أنه إذا قال كسوتك هذا الثوب مدة يسميها فله شرطه، فإن لم يذكر أجلًا فهو هبة؛ لأن لفظ الكسوة يقتضي الهبة للثوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليكًا للطعام والثياب (١).
следующие страницы →