وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي أمر به ﵇ الذي سأله عن المعروف (١).
وغرس المسلم وزرعه؛ قال ﵇ "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" (٢).
والهدية إلى الجار؛ قال ﵇: "لا تحقرن" (٣) الحديث.
والشفاعة للمسلمين فإن الله تعالى قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية [النساء: ٨٥] وقال ﷺ : "اشفعوا تؤجروا" (٤).
ورحمة عزيز ذل وغني قوم افتقر وعالم بين جهال، روي ذلك في حديث عن رسول الله ﷺ .
وعيادة المرضى؛ وفي الحديث: "عائد المريض على مخارف الجنة" (٥)، و"عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس عنده استقرت به الرحمة" (٦).
والرد على من يغتاب أخاك المسلم وفي الحديث: "من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من النار (٧)
стр. 9627
ومصافحة المسلم، ففي الحديث: "لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول يده من يده؛ حتى يغفر لهما" (١).
وفي آخر: "تصافحوا يذهب الغل" (٢).
والتحاب في الله والتجالس في الله والتزاور في الله والتباذل في الله، قال تعالى: "وجبت محبتي لأصحاب هذِه الأعمال الصالحة" (٣).
وعون الرجل للرجل في دابته يحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وذكر النصح لكل مسلم (٤).
قلت: ومن الخصال: الحب في الله، والإعلام بالمحبة، وفي الإعلام بالبغض قولان.
تنبيهات:
أحدها: قوله في حديث أنس: (فقاسمهم الأنصار) قال الداودي يعني: حالفوهم كالحلف الذي كان في الجاهلية بالأيمان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف ٢١]
و (العذاق) -بالكسر-: جمع عذق، وهي النخلة، ككلب وكلاب.
стр. 9628
ثانيها: قول ابن شهاب: (لما فرغ من خيبر انصرف إلى المدينة رد المهاجرون للأنصار منائحهم) كذا هنا، وفي رواية أخرى: لما أفاء الله عليه أموال بني النضير وأراد قسم ما سوى الرباع قال للأنصار: إن شئتم يقسم على ما كنتم عليه وقسمت لكم معهم وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم وقسمت إليهم دونكم. فاختاروا أخذ أموالهم.
فيحتمل أن يكون بعض الأنصار تركوا أخذ أموالهم وأخذ بعضهم.
قال ابن شهاب: وكانت وقعة النضير سنة ثلاث في المحرم. وخالفه غيره، فقال: سنة أربع، وغزوة خيبر كانت سنة ست.
وقوله: (أعطاها من حائطه) وفي رواية أخرى بعدها: من خالصه والمعنى واحد؛ لأن حائطه صار له خاصًّا.
ثالثها: معنى: (يترك): ينقصك لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم.
وقوله: ("اعمل من وراء البحار") أي: إذا فعلت هذا فالزم أرضك وإن كانت من وراء البحار، فإنك لا تحرم أجر الهجرة، وذلك أنه جمع بين أقطار الخير الواجبة والمنحة التي هي بر وصلة.
وقوله: (فيحلبها يوم وردها) أي: يسقي لبنها، وهو معروف.
وحديث أبي سعيد في الأصول: (حدثنا محمد بن يوسف). وفي بعض النسخ: وقال محمد بن يوسف، والآخر صواب، لأنه عرض ومذاكرة.
стр. 9629
٣٦ - باب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ.
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟ ". وَقَالَ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبي هريرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ". [انظر: ٢٢١٧ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح: ٥/ ٢٤٦]
ثم ساق قصة هاجر من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ثم قال: وَقَالَ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ".
وهذا التعليق أسنده في النكاح وغيره، كما ستعلمه.
قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء فيما علمت أنه إذا قال له: أخدمتك هذِه الجارية أو هذا العبد؟ أنه قد وهب له خدمته لا رقبته وأن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة عند العرب، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك رقبة الدار، وليس ما استدل به البخاري من قوله: فأخدمها هاجر بدليل على الهبة، وإنما تصح الهبة في الحديث من قوله: "فأعطوها هاجر"، فكانت عطية تامة.
واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: وهبت خدمة عبدي لفلان، فقال ابن القاسم: يخدمه حياة العبد، فإن مات فلان فلورثته خدمة العبد
стр. 9630
ما بقي العبد إلا أن يستدل من قوله إنما أراد حياة المخدوم ولا تكون هبة لرقبة العبد.
وقال أشهب: يحمل على أنه أراد حياة فلان ولو كانت حياة العبد كانت هبة لرقبته. والأول أصح؛ لأنه لا يفهم من هبة الخدمة هبة الرقبة، والأموال لا تستباح إلا بيقين، ولم يختلف العلماء أنه إذا قال كسوتك هذا الثوب مدة يسميها فله شرطه، فإن لم يذكر أجلًا فهو هبة؛ لأن لفظ الكسوة يقتضي الهبة للثوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليكًا للطعام والثياب (١).
стр. 9631
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ فَهْوَ كَالعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ ﵁ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ". [انظر: ١٤٩٠ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح: ٥/ ٢٤٦]
ثم ذكر حديث عُمر في النَّهي عن شراء فرسه الذي تصدَّق بِهِ، وقد سلف (١).
قال الداودي: قوله: (فهو كالعمرى والصدقة) تحكم بغير تأمل.
وقول: من ذكر من الناس أصح؛ لأنهم يقولون: المسلمون على شروطهم.
قال ابن التين: فحمل على البخاري أنه أراد العارية وليس كذلك.
واحتجاجه بقصة عمر يدل على أنه لم يرد ذلك؛ ولأن الحمل على وجهين:
أحدهما: أن يعلم أن فيه بحده فيملكه الفرس وينكأ به العدو.
والثاني: أن يكون وقفه لمن هو مواظب على الجهاد على سبيل التحبيس له في هذا الوجه.
وأحدهما أراد البخاري واحتج بحديث عمر بقوله: "لا تشتره".
وبعض الناس هنا أظنه أبا حنيفة؛ لأنه يقول (بقبض الأجنبي من
стр. 9632
وهب له) (١). فرد عليه بالحديث.
وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن العمرى إذا قبضها المعمر لا يجوز الرجوع فيها، وكذلك الصدقة لا يجوز لأحد أن يرجع في صدقته؛ لأنه أخرجها لله تعالى، فكذلك الحمل على الخيل في سبيل الله لا رجوع فيه؛ لأنه صدقة لله، فما كان من الحمل على الخيل تمليكًا للمحمول عليه بقوله: هو لك، فهو كصدقة المنقولة إذا قبضت؛ لأنها ملك للمتصدق عليه، وما كان مثله تحبيسا في سبيل الله فهو كالأوقاف لا يجوز فيه الرجوع عند جمهور العلماء، وخالف ذلك أبو حنيفة، وجعل الحبس باطلًا في كل شيء (٢)، ولهذا قال البخاري هنا: (وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها)؛ لأنه عنده حبس باطل راجع إلى صاحبه (٣).
وفيه: جواز تحبيس الخيل، وهو رد على أبي حنيفة، ولا يخلو الفرس الذي حمل عليه عمر وأراد شراءه من أن يكون حبسه في سبيل الله أو حمل عليه وجعله ملكًا للمحمول عليه، وإن كان الأول فلا يجوز بيعه عند العلماء، إلا أن يضع ويعجز عن اللحاق بالخيل، فيجوز حينئذٍ بيعه ووضع ثمنه في فرس عتيق إن وجده، وإلا أعان به في مثل ذلك.
стр. 9633
وإن كان الثاني فهو ملك للمتصدق عليه كالصدقة المبتولة، فجاز له التصرف فيه وبيعه من الذي حمله عليه لغيره.
وإنما أمره ﵇ بتركه؛ تنزيهًا لا إيجابًا، وسيأتي في الجهاد في باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فرآها تباع اختلاف العلماء فيمن حمل على فرس في سبيل الله، ولم يقل: هو حبس في سبيل الله.
وفي كتاب الوقف اختلافهم في تحبيس الحيوان؛ في باب وقف الكراع والدواب (١)، إن شاء الله.
стр. 9634
٥٢
كتاب الشهادات
стр. 9635
٥٢ - كتاب الشهادات
الشهادة: الإخبار بما شوهد، مأخوذ من الشهود والحضور أو من الإعلام. وهذا الكتاب أخره ابن بطال إلى ما بعد النفقات (١)، وقدم عليه الأنكحة والذي في الأصول والشروح، كشرح ابن التين وشيوخنا ما فعلناه.
١ - باب مَا جَاءَ فِي البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقَوْل الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إلي قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. [فتح: ٥/ ٢٤٧]
معنى ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾: تعاملتم، ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: أمر ندب، وقيل: فرض ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾: هو فرض كفاية على الكاتب، أو واجب في حال فراغه، أو ندب، أو فَرْض نسخ بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ أقوال.
стр. 9636
﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾: لا ينقص ﴿سَفِيهًا﴾: لا يعرف الصواب في إملاء ما عليه أو الطفل أو المرأة أو الصبي أو المبذر لماله المفسد لدينه أو ضعيفًا أحمق أو عاجز عن الإملاء لعياء أو خرس ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾: لعيه وخرسه أو لجنونه أو لحبسه أو غيبته.
﴿وَلِيُّهُ﴾ ولي الحق أو ولي من عليه الدين ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾: ندب أو فرض كفاية. ﴿تَرْضَوْنَ﴾ الأحرار المسلمون العدول، أو المسلمون العدول، وإن كانوا أرقاء. ﴿تَذْكُرُ﴾: من الذكر، أو يجعلها كذكر من الرجال.
﴿دُعُواْ﴾: لعملها أو كتابتها أو لأدائها أو لهما، وذلك ندب أو فرض كفاية أو عين.
﴿وَلَا تَسْئَمُواْ﴾: لا تملوا ﴿صَغِيرًا﴾: لا يراد به التافه الحقير كالدانق بخروجه عن العرف ﴿أَقْسَطُ﴾: أعدل وأقوم وأصح، من الاستقامة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: فرض أو ندب ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بأن يكتب ما لم يملل ولا يشهد الشاهد بما لم يستشهد، ويمنع الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد، أو يدعيان وهما مشغولان ﴿فُسُوقَ﴾ معصية أو كذب.
وأما الآية الثانية: فالقسط: العدل، ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ ناطق ولو على أنفسكم بالإقرار، ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى﴾. اختصم إلى رسول الله ﷺ غني وفقير، فكان ﷺ مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت، أو نزلت في الشهادة لهم وعليهم (١).
стр. 9637
﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ أمور الناس: تتركوا خطاب الولاة والحكام ﴿تَلْوُوا﴾: من لي اللسان بالشهادة، فيكون الخطاب للشهود أو للمنافقين.
قال إسماعيل: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يدل أن القول قول من عليه الشيء.
قال غيره: لأن الله تعالى حين أمره بالإملاء اقتضى تصديقه فيما يمليه، فإذا كان مصدقًا فالبينة على مدعي تكذيبه.
وأما الآية الأخرى: فوجه الدلالة منها أن الله قد أخذ عليه أن يقر بالحق على نفسه وأقربائه لمن ادعاه عليهم، فدل أن القول قول المدعى عليه، فإن أكذبه المدعي كان على المدعي إقامة البينة، والإجماع قائم على ذلك أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه في الأموال، إلا ما خصت به القسامة.
وسيأتي من حديث ابن عباس: "البينة على المدعي واليمين على من ادعي عليه"، وهو من المتفق عليه (١).
واختلفوا في صفة يمين المدعى عليه في الحدود والنكاح والطلاق والعتق على ما يأتي بعد هذا في بابه إن شاء الله.
قال ابن المنير: وجه الاستدلال بالآية على الترجمة أن المدعي لو كان مصدقًا بلا بينة لم تكن حاجة إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها، فالإرشاد على ذلك يدل على إيجاب البينة (٢).
стр. 9638
٢ - باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ رجلًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا أَوْ: مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَابْنُ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ -وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ". [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح: ٥/ ٢٤٨]
ساق حديث الإفك حيثُ قال النَّبي ﷺ لأُسَامَةَ، فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلِ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا".
وقد اختلف العلماء في قول المسئول عن التزكية: ما أعلمُ إلا خيرًا.
فذكر ابن المنْذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال: ما علمنا إلا خيرًا.
وذكر الطحاوي، عن أبي يوسف أنه إذا قال ذلك قبلت شهادته ولم يذكر خلافًا عن الكوفيين (١)، واحتجوا بالحديث.
стр. 9639
وقال محمد بن سعيد الترمذي: سألني عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل شهد عنده فزكيته له فقال لي: هل تعلم منه إلا خيرًا؛ فقلت: اللهم غَفْرًا، قد أعلم منه غير الخير، ولا تسقط بذلك عدالته. يُلْقِي كناسَتهُ في الطريق، وليس ذلك من الخير. فسكت.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله: (لا أعلمُ إلا خيرًا) تزكية.
وقال: لا يكون تزكية؛ حتى يقول: رضي وأراه عدلًا (١).
وذكر المزني عن الشافعي قال: لا يقبل في التعديل إلا أن يقول: عدل على ولي (٢). ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته، فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك.
قلت: الأصح عندنا أنه يكفي هو عدل، ولا يشترط علي ولي (٣).
حجة مالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير ويعلم غيره منه غير الخير، مما يجب رد شهادته فيجب أن يقول: أعلمه عدلًا رضًى؛ لأن الوصف الذي أمر الله بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا.
وأما قول أسامة السالف، فإنه كان في عصره ﵇ الذين شهد الله لهم بأنهم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة؛ لأنهم كانوا كلهم على العدالة، فتعديلهم أن يقال: لا أعلم إلا خيرًا.
стр. 9640
نبَّه عليه المهلب قال: وأما اليوم فالجرحة أعم في الناس، فليست لهم شهادة من كتاب الله ولا سنة رسوله بعدالة مستولية على جميعهم فافترقا (١).
وقال ابن التين: وقع ذلك في الحديث؛ لبراءة عائشة، وأنهم لم يعلموا سوءًا، فلا يجزئ ذلك التعديل.
فائدة: (أَغْمِصُهُ) في قول بريرة، وفيه دليل على من أتهم في دينه بأمر أنه يطلب في سائر أحواله نظير ما أتهم به، فإن لم يوجد له نظير لم يصدق عليه ما اتهم فيه، وإن وجد كذلك نظير قويت الشبهة وحكم
عليه بالتهمة في أغلب الحال لا في (العبث) (٢).
يَرَاهُ، .. الحديث. وقد سلف في الجنائز (١)، وعلقه في الاحتيال من كتاب الجهاد (٢).
وحديث عائشة في امْرَأَةِ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ، وفي آخره: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هذِه مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ؟.
والتعليق الأول رواه البيهقي من حديث سعيد بن منصور: ثنا هشيم أنا الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي أن عمرو بن حريث كان يجيز شهادته، يعني: المختبي ويقول: كذا يفعل بالخائن والفاجر (٣).
وتعليق الشعبي رواه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مطرف عنه، وعن عبيدة عن إبراهيم قالا (٤): شهادة السمع جائزة.
وحدثنا عبيدة، عن بيان بن بشر قال: كان الشعبي لا يجيز شهادة المختبئ.
وأثر الحسن: رواه ابن أبي شيبة، عن حاتم بن وردان، عن يونس، عن الحسن قال: لو أن رجلًا سمع من قومٍ شيئًا فإنه يأتي القاضي، فيقول: لم يشهدوني ولكني سمعت كذا وكذا.
وفي رواية الحسن بن فرات، عن أبيه أن شريحًا أجازها، وفي رواية الشيباني، عن الشعبي عنه أنه كان لا يجيزها (٥).
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٦).
стр. 9643
إذا تقرر ذلك: فاختلف العلماء في شهادة المختبي، فروي عن شريح والشعبي (١) والنخعي أنهم كانوا لا يجيزونها وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختبأ ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي أي: في القديم دون الجديد (٢).
وذكر الطحاوي في "المختصر" قال: جائز للرجل أن يشهد بما سمع؛ إذا كان معاينًا لمن سمعه منه وإن لم يشهده على ذلك (٣)، قال الشافعيُّ في "الكتاب الكبير" للمزني: العلم من وجوه ثلاثة: ما عاينه فشهد به، وما تظاهرت به الأخبار وثبت موقعه في القلوب، وشهادة ما أثبته سمعا إثبات بصر من المشهود عليه؛ لذلك قلنا: لا تجوز شهادة الأعمى (٤).
وأجاز شهادة المختبئ ابن أبي ليلى ومالك وأحمد وإسحاق، إلا أن مالكًا لا يجيزها إلا على صحةِ ألا يكون المقر مختدعًا ومقررًا على حق، لا يقوله بالبراءة والمخرج منه ومثله من وجوه الحيل (٥)، فروى ابن وهب، عن مالك في رجل أدخل رجلين بيتًا وأمرهما أن يحفظا ما سمعا، وقعد برجل من وراء البيت حتى أقر له بما له عليه، فشهدا عليه بذلك فقال: أما الرجل الضعيف أو الخائف أو المخدوع الذي يخاف أن يستجهل أو يستضعف إذا شهد عليه، فلا أرى ذلك يثبت عليه، وليحلف أنه ما أقر له بذلك، إلا لما يذكر.
стр. 9644
وأما الرجلُ الذي ليس على ما وصفت وعسى أن يقول في خلوته: أنا أقر لك خاليًا ولا أقر لك عند البينة، فإنه يثبت ذلك عليه (١).
وهذا معنى قول ابن حريث: (وكذلك يفعل بالفاجر الخائن)، وقال ابن التين: المذهب أنه إن أقر آمنًا غير خائف جازت شهادة المختبئ، وإن كان خائفًا لم تجز، وقيل: لا تجوز شهادته في غير المذهب.
واحتج مالك في "العتبية" بشهادة المختبئ قال: إذا شهد الرجل على المرأة من وراء الستر وعرفها وعرف صوتها وأثبتها قبل ذلك، فشهادته جائزة عليها، قال: وقد كان الناسُ يدخلونَ على أُمهاتِ المؤمنين وبينهم حجاب، فيسمعونَ منهن، ويحدِّثون عنهنَّ (٢).
وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن وأبوه عائشة وأم سلمة من وراء حجاب، ثم أخبرا عنهما.
قال المهلب: وفي حديث ابن عمر من الفقه: جواز الاحتيال على المشتهرين بالفسق وجحود الحقوق، بأن يختفي لهم حتى يسمع منهم ما يستسرون به من الحق ويحكم به عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم
فهمًا حسنًا لقوله ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
وهذا حجة لمالك، وكذا في حديث رفاعة جواز الشهادة على غير
الحاضر من وراء الباب والستر؛ لأن خالد بن سعيد سمع قولها عند رسول الله ﷺ وهو من وراء الباب، ثم أنكره عليها بحضرته وحضرة أبي بكر حين دخل إليهما، ولم ينكر ذلك عليه.
стр. 9645
ومن الحجة أيضًا في ذلك: أن المعرفة بصوت زيد تقع كما تقع بشخصه، وذلك إذا كان قد عرف صوته وتكرر، فجائز له أن يشهد كما يجوز للأعمى أن يشهد على الصوت الذي يسمعه إذا عرفه.
قال المهلب: وفيه إنكار الهجر من القول، إلا أن يكون في حق لا بد له من البيان عند الحاكم، وفي الحكم بين الزوجين، فحينئذ يجوز أن يتكلم به.
تنبيهات:
أحدها: قول الشعبي وغيره: (السمع شهادة). قد فسره ابن أبي ليلى قال: السمع سمعان إذا قال: سمعت فلانًا يقر على نفسه بكذا، أجزته، وإذا قال: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا، لم أجزه (١).
وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق والجمهور، وليس معنى [ذلك] (٢) أن شهادة المختبئ جائزة؛ لأن القائلين ذلك لا يجيزونها. وقال ابن المنذر: قال النخعي والشعبي: السمع شهادة. وأبيا أن يجيزا شهادة المختبئ (٣).
قال الداودي: ما ذكره الشعبي وغيره صواب.
وقد قال مالك في الرجل يسمع الرجلين يتكلمان في الشيء أنه لا يشهد، قال ابن القاسم: إلا أن يعلم أول الكلام وآخره.
وقال: إلا أن يكون قذفًا فليشهد إن سمعه معه غيره (٤).
стр. 9646
وقال أشهب: هذِه الرواية فيها وهم، وليشهد بما سمع من إقرار، أو غصب، أو حد، ولا يكتمها، فإن لم يعلم من هي فعليه أن يعلمه (١).
وقول أشهب هذا مثل قول الحسن يقول: لم يشهدوني ولكني سمعت كذا.
ثانيها: أسلفنا شرح حديث ابن صياد في باب إذا أسلم الصبي، من الجنائز (٢).
وقوله: (له فيها رمرمة). قال ثابت: يقال: ترمرم الرجل إذا حرك فاه للكلام ولم يتكلم.
وقال الخطابي: قد يكون ترمرم: تحركت مرمته بالصوت (٣).
وقال صاحب "الأفعال": الزمزمة: كلام لا يفهم (٤).
وقال أبو حنيفة: الزمزمة: الرعد ما لم يعل أو يفصح، فقد زمزم السحاب، وهو سحاب زمزام إذا كثرت زمزمته.
(يؤمان النخل): يقصدانها والختل: الخدع، فكأنه ينختل أنه يسمع كلامه، وهو لا يشعر.
ثالثها: حديث رِفاعة، أخرنا الكلام عليه للنكاح، فإنه موضعه.
وقولها: (فطلقني فَأَبَتَّ طلاقي). كذا بخط الدمياطي (٥) والذي
стр. 9647
نحفظه: فبتَّ، والزبير: بفتح الزاي، وهُدْبَة الثَّوْبِ: طرفه.
والعُسَيلة: تصغير العسل، يريد الوطء وحلاوة سلك الفرج في الفرج ليس ألما.
قال الداودي: صغرها؛ لشدة شبهها به.
وقيل: العرب إذا صغرت الشيء أدخلت لها التأنيث، كما قالوا: دريهمات. وقيل: إنه مؤنث.
وقال الأزهري: العرب تؤنث العسل وتذكره (١).
كذا قال ابن سيده والجوهري وغيرهم (٢)، ولم يذكر القزاز وصاحب "الموعب" غير التأنيث قالا: وتحسب أن التذكير فيه لغة.
وعن أبي زيد: العُسيلة: ماء الرجل، والنطفة تسمى العُسيلة.
قال الأزهري: والصواب ما قاله الشافعي أنه حلاوة الجماع الذي يكون بتغييب الحشفة في الفرج، وأنَّث العُسيلة؛ لأنه شبهها بقطعة من العسل (٣).
قلت: وفي حديث عائشة أنه ﵇ قال: "العُسَيْلَةُ الجِمَاعُ". رواه الدارقطني (٤)، وقيل: إدخالها إشارة إلى أنها إلمامة واحدة، وقيل فيه
стр. 9648
دليلٌ على أنه لا خيار لامرأة الخصي إذا بقي له ما يقع به الوطء وإن كان ضعيفًا قاله الخطابي (١)، ومذهب مالك: لها الخيار.
وقوله: (ألا تسمع هذِه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ ) كأنه استعظم لفظها بذلك.
ورواه الداودي: تهجر. قال: أي: تأتي بالكلام القبيح.
ومن تراجم البخاري عليه من أجاز الطلاق الثلاث، وتعلق بقولها: (أبتَّ طلاقي).
لكنه ذكر في باب التبسم والضحك، عنها: إن رفاعة طلقني آخر ثلاث تطليقات (٢).
ورفاعة: هو ابن سموأل (٣)، طلق امرأته تميمة بنت وهب، قاله أبو عمر (٤).
ولأبي موسى المديني: رِفاعة بن وَهْب بن عتيك، روى بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، الآية نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت تحت رفاعة يعني: ابن وهب، وهو ابن عمها فتزوجها ابن الزبير ثم طلقها، فأتت رسول الله ﷺ الحديث.
стр. 9649
وفيه: أن في الأول اعترفت أنه لم يمسها، ثم جاءت ثانيًا فاعترفت بالمسيس فقال: "كذبت في الأولى فلم أصدقك في الأخرى" فلبثت، فلما قبض رسول الله ﷺ أتت الصديق فاعترفت بالمسيس فردَّها، فلما قُبِضَ جاءت عمر فقال لها: لئن أتيتني بعد مرتك هذِه لأرجمنك (١).
قال: وقيل: اسم المرأة أيضًا سهمة.
وقيل: الغميصاء، وقيل: الرميضاء.
ولابن وهب في "مسنده" أنه اعترض عنها فلم يستطع أن يمسها، ولأبي نعيم من حديث أبي صالح، عن ابن عباس: كانت أميمة بنت الحارث عند عبد الرحمن بن الزبير فطلقها ثلاثًا. الحديث (٢).
وذكره ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، وسماها تميمة بنت وهب بن أبي عبيد (٣)، وللنسائي أن الرميصاء أو الغميصاء، فذكرته، وأنه لا يصل إليها (٤).
وكلام الترمذي يقتضي أنها غير المرأة التي تزوجت بأبي الزبير، فإنه لما ذكر حديثها قال: وفي الباب عن ابن عمر وأنس والرميصاء أو الغميصاء (٥).
стр. 9650
ورواه الطبراني من حديث عائشة أنه ﷺ قال للغميصاء: "لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" (١) ولأبي نعيم من هذا الوجه أنَّ عمرو بن حزم طلَّقَ الغميصاء.
وأخرجه ابن منده في ترجمة أم سليم أم أنس ظنًّا منه أنها هي المذكورة في هذا الحديث، وليس كما ذكره؛ لأن أم سليم تزوجت بأبي طلحة إلى أن ماتا من غير بينونة بينهما.
رابعها: في حديث ابن صياد أنَّ الإمامَ إذا أشكل عليه أمرٌ من جهة الشهادات عنده أن يليَ ذلك بنفسه؛ ليتضح له صحة ما قيل أو بطلانه.
стр. 9651
٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَيْءٍ، فَقَالَ آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ؛ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الحُمَيْدِيُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الكَعْبَةِ.
وَقَالَ الفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّان، أَخْبَرَنَا عبد اللهِ، أَخْبَرَنَا عمر بْن سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الَحارِثِ أَنَّة تَزَوَّجَ ابنةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ آمْرَأَة فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْألهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالَمْدِينَةِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! ". فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٥/ ٢٥١]
ذكر فيه حديث عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ وفي آخره: "كيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! ". فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. وقد سلف (١)، ولا شك أنه إذا شهد شهود بشيء، وقال آخرون: ما علمنا بذلك. فليس هذا شهادة؛ لأن من لم يعلم الشيء فليس بحجة على من علمه.
ولهذا المعنى اتفقوا أنه إذا شهد شاهدان بألف واثنان كذلك واثنان بألف وخمسمائة، أنه يقضى بالزيادة، ولا خلاف أن البينتين إذا شهدت إحداهما بإثبات شيء والأخرى بنفيه وتكافآ في العدالة، أنه يؤخذ بقول
стр. 9652
من أثبت دون من نفى؛ لأن المثبت علم ما جهل النافي، والقول قول من علم.
وليس حديث عقبة مخالفًا لهذا الأصل؛ لأن الشارع لم يحكم بشهادة المرأة ولا غلب قولها على قول عقبة، وقول من نفي الرضاع من ظهور الإيجاب، وإنما أشار ﵇ إلى أن قول المرأة يصلح للتورع والتنزه للزوج عن زوجته من أجلها.
يوضحه اتفاق أئمة الفتوى على أنه لا تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح.
ومن هذا الباب ما إذا شهد قوم بعدالة الشاهد وشهد آخرون بتجريحه، فالقول للثاني إذا تكافأت البينتان؛ لأن العدالة علم ظاهر والجرح باطن، فهو زيادة على ما علم الشاهد بالعدالة، هذا قول
مالك في "المدونة" والشافعى وجمهور العلماء (١)، ولمالك في "العتبية" (٢) خلافه وسيأتي.
وما ذكرته من اتفاق أئمة الفتوى هو ما ادعاه ابن بطال (٣)، وقد أجاز بعض أهل العلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع.
قال ابن حزم: صح عن ابن عباس وعثمان وعلى وابن عمر والحسن والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وأبي الزناد والنخعي وشريح وطاوس والشعبي (الحكم) (٤).
стр. 9653
وفرق عثمان بشهادتها بين رجال ونسائهم، وذكر الشعبي ذلك عن القضاة جملة، وعن الأوزاعي: أقضي بشهادة امرأة واحدة قبل النكاح لا بعده.
وعن الشافعي وأبي سليمان وأصحابنا: يقبل في الرضاع امرأة واحدة.
وعن بعضهم: يجوز مع يمينها.
قاله ابن عباس، وبعضهم قال: لا يجوز في الحكم ويفارقها في الورع.
وأما شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، فقال الزُّهري: مضت به السنة (١).
وبنحوه قال الشعبي وعطاء وأبو بكر وعمر وعلى بن أبي طالب (٢)، قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني وأبي حنيفة (و) (٣) حماد (قالا) (٤): تجوز شهادة قابلة واحدة.
قال: أحدهما وإن كانت يهودية (٥).
تنبيهات:
أحدها: قصة بلال والفضل، سلف بيانها واضحًا في الصلاة.
стр. 9654
ثانيها: قوله كذلك: (إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ … ) إلى آخره، قال الداودي: هو قول مالك، وحجته أن الشهود قد سمع ما سمعه بالألف ولم يسمعه بعضهم، وهذا إذا كان عن مجلس واحد، وقال مالك مرة أخرى: هو يكاذب بعض البينتين إذا ادعى المطلوب الأقل، فإن أنكر وقام الطالب بهما لم ينفعه واحدة منهما ولا يكون له شيء، وإن ادعى إحداهما أخذ بها، وقد أبى ذلك بعض الناس إذا قالت واحدة: ألف، والأخرى: مائة، ورآه تكاذبًا؛ لأن اللفظين مختلفان، وليس هذا بقول مالك، وأن ذلك قول بعض الناس ولو كان لفظًا متفقًا، فقال سحنون في شاهدين شهد أحدهما بأربعين والآخر بخمسة وأربعين فهما إن أدياها لم يجزها الحاكم، وذلك رأيه، قيل: هل يسع الشاهد أن يسقط [خمسة] (١) ويشهد بأربعين؛ ليجيز الشهادة؟ قال: لا بأس به. قيل: فإن وجد الطالب من يشهد له بخمسة هل يسع الشاهد الذي أسقطها أن يشهد بها مع هذا؟ قال: نعم (٢)، وإن كانت الشهادتان عن مجلس
استحق الزيادة، وهي الخمس فإنه مع ما سلف.
الثالث: حديث عقبة احتج به غير واحد من المالكية على أن الرضاع لا توقيت فيه؛ لأنه لم يذكر فيه توقيتًا.
стр. 9655
٥ - باب الشُّهَدَاءِ العُدُولِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] و ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. [فتح: ٥/ ٢٥١]
ذكر فيه عن عَبْد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ (١) قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآَنَ بِمَاَ ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ لنا: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.
هذا الحديث من أفراده، والمرفوع منه إخبار عمر عما كان الناس يؤخذون به على عهد رسول الله ﷺ ، وبقية الخبر بيان لما يستعمله الناس بعد انقطاع الوحي بوفاة رسول الله ﷺ ، فينبغي -كما قال أبو الحسن القابسي- لكل من سمعه أن يحفظه ويتأدب به.
وفيه: أن من ظهر منه الخير فهو العدل الذي يجب قبول شهادته.
واختلفوا في ذلك: فقال النخعي: الذي لم يظهر به ريبة (٢)، وهو
стр. 9656
قول أحمد وإسحاق (١)، وفي "المصنف": حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: العدل في المسلمين ما لم يطعن عليه في بطن ولا فرج (٢).
وفي موضع آخر: لا تجزئ في الطلاق شهادة ظنين ولا متهم (٣).
وقال الشعبي: تجوزُ شهادة المسلم ما لم يصب حدًّا أو يعلم عليه (خربة) (٤) في دينه.
وكان الحسن يجيز شهادة من صلى إلا أن يأتي الخصم بما يجرحه به.
وعن حبيب قال: سأل عمر رجلًا عن رجل فقال: لا نعلم إلا خيرًا. قال: حسبك.
وقال شريح: ادع وأكثر وأطنب وأت على ذلك بشهود عدول؛ فإنا قد أمرنا بالعدل وأت فسل عنه، فإن قالوا: (الله يعلم فالله يعلم) توقوا أن يقولوا: هو مريب، ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا: علمناه عدلًا مسلمًا فهو إن شاء الله كذلك، وتجوز شهادته (٥).
وفي الدارقطني بإسناده أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو نسب (٦).
стр. 9657
ووهَّى ابن حزم هذا الكتاب وقال: رسالة مكذوبة (١).
وفي كتاب "القضاء" لأبي عبيد عنه: إذا حمد الرجل جاره، وذوو قرابته، ورفيقه من الناس فلا تشكُّوا في صلاحه.
وقال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل حتى يتبين جرحه؛ لقوله ﷺ : "يحملُ هذا العلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عدوله" (٢) جوده أحمد وخولف.
стр. 9658
وقال أبو عبيد في كتاب "القضاء": من ضيع شيئًا مما أمره الله به أو ركب شيئًا مما نهى عنه فليس بعدل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، الأمانة: جميع الفرائض اللازمة واللازم تركها.
وعن أبي يوسف ومحمد والشافعي: من كانت طاعته أكثر من معاصيه وكان الأغلب عليه الخير -زاد الشافعي- والمروءة، ولم يأت كبيرة يجب فيها الحد أو ما يشبه الحد قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم أحد من ذنب، ومن أقام على معصية أو كان كثير الكذب غير مستتر به لم تجز شهادته (١).
وقال الطحاوي: لا يَخْلو ذكر المروءة أنْ يكونَ فيما يحل أو يحرم، فإن كانت فيما يحل فلا معنى لذكرها، وإن كانت فيما يحرم فهي من المعاصي، فالمراعاة هي إتيان الطاعة واجتناب المعصية (٢).
стр. 9659
وقال الداودي: العدلُ أن يكونَ مستقيمَ الأمرِ، مُؤديًا لفروضه، غيرَ مخالفٍ لأمرِ العدول في سيرَتِهِ وخلائقه، وغير كثير الخوض في الباطِلِ، ولايتهم في حديثه، ولم يطلع منه على كبيرة أصر عليها، وكثر ذلك في معاملته وصحبته في السفر، قال: وزعم أهل العراق أن العدالة المطلوبة هي إظهار الإسلام، مع سلامته من فسق ظاهر، ويطعن فيه خصمه فيتوقف في شهادته، حتى تثبت له العدالة.
وهو ظاهر كلام عمر إلى أبي موسى وغيره، وقال الشافعي في "الرسالة": العدل هو العامل بطاعة الله، فمن رئي عاملًا بها فهو عدل، ومن عمل بخلافها كان خلاف العدل (١).
ومنع القاضي أبو عبيد علي بن الحسين شاهدين تسارَّا في مجلسه، ونسبها في ذلك إلى قلة الأدب، قال: ولا مروءة مع قلة الأدب.
وعن أبي ثور: من كان أكثر أمره الخير، وليس بصاحب خربة في دين ولا مصرٍّ على ذنب وإن صغر قُبل وكان مستورًا، وكل من كان مقيمًا على ذنبٍ وإنْ صغر لم تُقبلْ شهادته.
وقال أبو عبيد: أما أصحاب الأهواء فأكثر من يقتدى به على إسقاط شهادة أهلها، منهم: مالك وسفيان، وقد كان بعض قضاة العراق يرى إجازتها إذا كان أصحابها فيما سوى ذلك عدولًا، ويذهب إلى أنها منهم تدين، وليس يفسق إلا الخطابية (٢).
والذي عندنا أن البدع والأهواء نوع واحد في الضلال، كما قال ابن مسعود: وكل بدعة ضلالة (٣).
стр. 9660
فلا نرى أن يقبل لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها غلوه وميله عن السنة، قلنا ذلك للآثار المتواترة فيهم، وفي حديث مرفوع وإن لم يكن له إسناد: "مَنْ وقَّر صاحبَ بدعةٍ فقد أعانَ على هدمِ الإسلام" (١).
فأي توقير أكبر من أن يكون مقبول الشهادة مؤتمنًا على دماء المسلمين وفروجهم.
стр. 9661
فرع:
قال مالك ومحمد بن الحسن والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل أقل من رجلين (١). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل فيهما واحد (٢).
قلت: وصححه المحدثون؛ لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح رواته وتعديله بخلاف الشهادة.
وقال أبو عبيد: روي ذلك عن شريح.
وقال أبو عبيد: أدنى التزكية ثلاثة فصاعدًا لحديث قبيصة في الزكاة، فإذا كان لا يقنع في السؤال عن حال الرجل في نفسه بأقل من ثلاثة، فحاله في إمارات الناس أشد وقد قال ﵇ لرجل سأله: يا رسول الله، كيف أعلم أني إذا أحسنت أني قد أحسنت؟ "إذا قال جيرانُك أحسنتَ فقد أحسنت" (٣) قال أبو عبيد: فلا أرى النبي ﷺ رضي بدون إجماع الجيران على الثناء.
فرع:
[إذا] (٤) اجتمع الجرح والتعديل، فالجرح أولى، وممن نص عليه مالك وابن نافع، وفي رواية أشهب عنه: ينظر إلى أعدل البينتين فيقضى بها.
стр. 9662
حجة الأول ما يأتي من تصديق الجارحين للمعدلين، وإخبارهم بما انفردوا به دونهم، وكذلك لو كثر عدد المعدلين على عدد الجارحين كان قول الجارحين أولى، وهو قول الجمهور (١).
فرع:
الجرح لا يقبل إلا مبينًا بخلاف التعديل (٢)، قال المهلب: وفي الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة بشهادة الله تعالى لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس.
وقال الحسن البصري وغيره وذكره ابن شهاب: إنَّ القضاةَ فيما مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا: قد قبلناهُ لدينه.
وقالوا للمشهود عليه: دونك بجرح؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة، فعلى هذا كان السلف ثم حدث في الناس غير ذلك.
قال ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي على أن الشهود اليوم على الجرح؛ حتى تثبت العدالة، قال أبو حنيفة: إلا شهود النكاح فإنهم على العدالة.
وهذا قول لا سلف فيه ولا دليل عليه، ولو عكس عليه هذا القول لم يكن أحد القولين أولى بالحكم من صاحبه.
وحجة الفقهاء أن الشهود على الجرح قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] و ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فخاطب الحكام ألا يقبلوا إلا من كان بهذِه الصفة، ودل القرآن أن في الناس غير مرضي ولا عدل، فكذلك يكلف الطالب إذا جهل
стр. 9663
القاضي أحوال الشهود أن يعدلوا عنده (١).
فائدة:
قول عمر: (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ) إلى آخره. كان الناس في الزمن الأول على العدالة، حتى ظهر منهم خلافها، فالتمس منهم إذن العدالة، وقد ترك بعض ذلك في زمن عمر، فقال له رجل: أنبئك بأمر لا رأس له ولا ذنب. فقال: وما ذاك؟ قال: شهادة الزور ظهرت في أرضنا. قال عمر: في زماني وفي سلطاني لا والله لا يؤسر رجل بغير العدول (٢).
فرع:
قال ابن التين: التعديل إنما يكون سرًّا لا اختلاف فيه أنه يجزئ، واختلف هل يجتزئ بتعديل العلانية دونه؟
قال سحنون: ولا يقبل تعديل الأبْله وليس كل من تقبل شهادته يجوز تعديله ولا يعدل إلا الفطن المهر الناقد الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل في رأيه بحال (٣)، واختلف: هل من شرط العدل أن يكون ذا مروءة أو لا يكون؟ يقرأ بالألحان أو يمتنع من حضور جمعة واحدة لغير عذر؟ (٤).
﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، فكان هؤلاء ممن ظلم، قال: ولا يكون بقرب موته، ولا ينبغي إلا ذلك؛ فيدخل في الحديث الآخر في سب الموتى. وقيل: كان هذا الميت مجاهرًا.
وقيل: إنه ليس بمخالف لحديث: "نكبوا حتى ذي قبر" (١). لأنه لم يقبر بعد.
ومعنى: "وَجَبَتْ" أي: الجنة وكذا النار، إلا أن يغفر الله.
وهذا في ثناء العدول إذا أراد الله بأحد خيرًا أو سوءًا يقيض له من يشهد بذلك من الصالحين عند موته، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في عدد من يجوز تعديله.
وحديث عمر حجة لمن عدد، واحتج الطحاوي لذلك، فقال: لما لم ينفذ الحكم إلا برجلين، فكذا الجرح والتعديل، ولما كان من شرط المزكي والجارح العدالة؛ وجب أن يكون من شرطهما العدد.
واتفقوا (٢) على أنه لو عدل رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى، فلو كان الواحد مقبولًا لما صح التعديل مع جرح الواحد (٣).
واتفقوا لو استوى الجرح والتعديل أن الجرح أولى أن يعمل به من التعديل، وهو قول مالك في "المدونة".