٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ العَرَبِ فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ. [فتح: ٥/ ٢٨٩]
وهذا يأتي في الخمس، في فضل الأنصار مسندًا من حديث علي بن حسين عنه.
ثم ذكر أحاديث سلفت: حديث هرقل والوفاء بالعهد.
وحديث أبي هريرة: "آيَةُ المُنَافِقِ: وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَفَ".
وحديث جابر في وفاء الصديق عدة رسول الله ﷺ من مال البحرين.
ثم ذكر فيه حديث سعيد بن جبير قال: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ على حَبْرِ العَرَب فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ.
وقد أسلفنا الكلام في العدة في أثناء الهبة في باب: إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه. قال المهلب وغيره: إنجاز الوعد مندوب إليه مأمور به وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك اتفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء، ولا خلاف أن ذلك مستحسن، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده، وَوَفّى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق، ولما كان الشارع أولى الناس بها وأبدرهم إليها أدى ذلك عنه خليفته الصديق وقام فيه مقامه، ولم يسأل جابرًا البينة على ما ادعاه على رسول الله ﷺ من العدة؛ لأنه
стр. 9838
لم يكن شيئًا ادعاه جابر في ذمة رسول الله ﷺ ، وإنما ادعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
وفيه: جواز هبة المجهول، وهو مشهور مذهب مالك (١).
وابن أشوع (خ. م. ت) هو سعيد بن عمرو بن أشوع -كما قدمناه- الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري علي العراق، وكانت ولايته سنة خمس ومائة إلى أن عزل عنها في
سنة عشرين ومائة (٢).
والحيرة في حديث سعيد بن جبير بكسر الحاء وسكون الياء.
وحبر العرب هنا يريد به ابن عباس، وهو بالفتح، وهو ما اقتصر عليه ثعلب. وقيل: بالكسر، وأنكره أبو الهيثم. وقال القتبي: لست أدري لِمَ اختار أبو عبيد الكسر، قال: والقائل على أنه بالفتح قولهم: كعب الأحبار (٣). أي: عالم العلماء. واحتج بعضهم للكسر بأن جمعه أحبار على وزن أفعال إلا في أحرف معدودة ليس هذا منها، مثل نصر وأنصار وفرخ وأفراخ.
قال صاحب "العين": وهو العالم من علماء الديانة، مسلمًا كان أو ذميًّا، بعد أن يكون كتابيًّا (٤). والجمع: أحبار.
وذكر المطرز عن ثعلب أنه يقال للعالم بالوجهين، وقال المبرد في "اشتقاقه" عن (التوزي الفراء) (٥): لم سمي المداد حبرًا؟ قال: يقال
стр. 9839
للعالم: حبر بالفتح والكسر، وإنما أرادوا مداد حبر، فحذفوا مدادًا وجعلوا مكانه حبرًا، مثل ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ ووهاه الأصمعي، وإنما هو لتأثيره، وبه صرح في "الواعي".
قال المبرد: وأنا أحسب أنه سمي؛ لأنه يحبر به الكتب أي: يحسن.
واختلف فيمن سمى ابن عباس حبرًا، فذكر أبو نعيم الحافظ أنه انتهى يومًا إلى رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل فقال: "إنَّهُ كائنٌ حبر هذه الأمّةِ، فاستَوْصِ بِهِ خَيْرًا" (١) وقال ابن دريد في "منثوره" أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أرسل ابن عباس رسولًا إلى جرجير ملك الغرب فتكلم معه فقال جرجير: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، فسمي عبد الله من يومئذٍ الحبر (٢).
وقوله: (قضى أكثرهما وأطيبهما). قال ابن التين: هذا لا يكون إلا بوحي، وقد روي أنه ﵇ سأل جبريل فأعلمه أنه قضى أتمهما.
فائدة: أسلفناها في أول الكتاب في الإيمان، ونعيدها هنا لبعده.
المنافق هو الذي يضمر خلاف ما يعلن، ويظهر الإيمان ويضمر الكفر، مأخوذ من النافقاء إحدى جحري اليربوع (٣)، قيل: لها بابان، يسمى أحدهما القاصعاء والآخر النافقاء، فإذا أخذ عليه أحدهما خرج من الآخر، فإذا أخذ عليه الكفر خرج إلى الإيمان منه، وقيل: إنه يخرق في الأرض؛ حتى إذا كان يبلغ ظاهرها نفق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه، فخرج ظاهر جحره تراب كالأرض وباطنه حفر.
стр. 9840
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فشبه بمن يدخل النفق وهو السرب يسير فيه، ذكر هذِه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري.
وقوله: "إذا وعد أخلف" يقال: وعد وعدًا وأخلف وعدنا خلافًا إذا لم يف.
стр. 9841
٢٩ - باب لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ المِلَلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٦].
٢٦٨٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ؟! وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ، فَقَالُوا: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مُسَايَلَتِهِمْ، وَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. [٧٣٦٣، ٧٥٢٢، ٧٥٢٣ - فتح: ٥/ ٢٩١]
ثم ساق عن ابن عباس قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ باللهِ .. الحديث.
الشرح:
التعليق الأول رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، ثنا سفيان، عن داود، عنه قال: لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا المسلمين.
وحدثنا حفص، عن أشهب، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم والشعبي والحسن أنهم قالوا: لا تجوز شهادة أهل ملة إلا على أهل ملتها: اليهودي على اليهودي، والنصراني على النصراني.
стр. 9842
وحكاه أيضًا عن الزهري وحماد والضحاك والحكم وابن أبي ليلى وعطاء وأبي سلمة، زاد: إلا المسلمين (١).
وعن إبراهيم وشريح: تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض للمسلمين (٢).
وممن أجاز شهادة أهل الشرك بعضهم على بعض شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي ونافع وحماد وسفيان ووكيع، وبه قال أبو حنيفة والثوري قالوا: والكفر كله ملة واحدة. وخالفه الثلاثة وأبو ثور (٣)، واحتجاج الشعبي بالآية قال الربيع بن أنس: يعني به النصارى خاصة؛ لأنهم افترقوا، فمنهم النسطورية واليعقوبية والملكية، وقال ابن أبي نحيح: يعني به اليهود والنصارى.
ومعنى: (أغرينا) ألصقنا، ومنه الغر الذي يغرى به.
وظاهر كلام الشعبي أن شهادته جائزة على ملته وعلى سائر أنواع الكفر.
دليل الجمهور قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا يخلو أن يكون على هذِه النسبة إلى الدين أو إلى الحرية أو النسب وأي ذلك كان، فالكافر لا مدخل له فيه، والنسب لغير معتبر بالاتفاق ولأن فسق المسلم دون ذلك ولا تقبل شهادته، فالكافر أولى، ولأنهم كذبة على الرب ﷻ وعلى كتابه، وأي كذب أعظم منه؟!
стр. 9843
وفيه قول ثالث: أنه تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم عن بعض، ولا تجوز على ملة غيرها، وهو قول ابن أبي ليلى والحكم وعطاء والليث وإسحاق (١)، وللعداوة التي بينهم، كما سلف في الآية، وقد قام الإجماع على منع شهادة العدو على عدوه، كما نقله ابن شعبان؛ لأنها تزيل العدالة، فكيف بعداوة كافر.
وحجة الكوفي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر ﷺ برجمهما، وجوابه: أنه رجمهما باعترافهما لا بالشهادة كيف وأنهم يقولون شرط الرجم الإسلام.
وروي عن شريح والنخعي: تجوز شهادتهم على المسلم في الوصية في السفر؛ للضرورة (٢)، وبه قال الأوزاعي (٣)، وقال ابن عباس في تأويل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير المسلمين، وعورض بقول الحسن: من غير قومكم من أهل الملة (٤).
ثم الآية منسوخة، وقد قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
وحديث الباب حجة للمانع، وهو قوله: "ولا تصدقوا أهل الكتاب".
ومعنى: "لا تكذبوهم": يعني: فيما ادعوه من الكتاب ومن أخبارهم مما يمكن أن يكون صدقًا أو كذبًا؛ لإخبار الله عنهم أنهم بدلوا الكتاب ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] ومن كذب على الله فهو أحرى
стр. 9844
بالكذب في سائر حديثه، وسأل محمدَ بنَ وضاح بعضُ علماء النصارى. فقال: ما بال كتابكم معشر المسلمين لا زيادة فيه ولا نقصان وكتابنا بخلاف ذلك؟ فقال: لأن الله وكل حفظ كتابكم إليكم فقال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فما وكله إلى مخلوق دخله الخرم والنقصان. وقال في كتابنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فتولى الله حفظه، فلا سبيل إلى الزيادة فيه ولا إلى النقصان منه (١).
وحديث عائشة في القُرْعَةِ عِنْدَ السَّفَرِ (١).
وحديث أبي هريرة فِي النِّدَاءِ وَالصفِّ الأَوَّلِ "ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا .. " (٢).
وقد سلف الكلام على القُرعة قريبًا في حديث الإفك وفي الشركة قبله.
والقُرْعةُ في المشكلات سنة عند جمهور الفقهاء في المستوين في الحجة؛ ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظنة عمن تولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منه على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد؛ اتباعًا للكتاب والسنة، وقد أسلفنا قريبًا أنه عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا.
واستعمالها كالإجماع من أهل العلم، فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها ورد الآثار المتواترة بالعمل بها. قال الشافعي: ولا يعدو (المقترعون) (٣) على مريم أن يكونوا تنافسوا كفالتها، فكان أرفق بها وأعطف عليها وأعلم بما فيه مصلحتها أن تكون عند كافل واحد، ثم يكفلها آخر مقدار تلك المدة، أو تكون عند كافل ويغرم من بقي مؤنتها بالحصص، وهم بأن يكونوا تشاحوا كفالتها أشبه من أن يكونوا تدافعوها؛ لأنها كانت ضعيفة غير ممتنعة مما يمتنع منه من عقل ستره ومصالحه، فإن تكفلها واحد من الجماعة أستر عليها وأكرم لها، وأي المعنيين كان فالقرعة تلزم أحدهم ما يدفع عن نفسه، أو تخلص له ما يرغب فيه.
стр. 9848
وهكذا معنى قرعة يونس وقعت بهم السفينة فقالوا: ما عليها إلا مذنب فقارعوا فوقعت القرعة عليه فأخرجوه منها (١).
وذكر أهل التفسير أنه قيل له: إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا، فخرج ذلك اليوم، ففقده قومه فخرجوا فأتاهم العذاب ثم صرف عنهم، فلما لم يصبهم العذاب ذهب مغاضبًا، فركب البحر في سفينة مع ناس، فلما تحججوا أركدت السفينة فلم تسر، فقالوا: إن فيكم لشرًّا. فقال يونس: أنا صاحبكم فألقوني، قالوا: لا، حتى نضرب بالسهام فطار عليه السهم مرتين فألقوه في البحر فالتقمه الحوت، فأوحى الله إلى الحوت أن يلتقمه ولا يكسر له عظمًا (٢).
قال الشافعي: وكذلك كان إقراعه ﷺ في العدل بين نسائه حين أراد السفر، ولم يمكنه الخروج بهن كلهن، فأقرع بينهن؛ ليعدل بينهن ولا يخص بعضهن بالسفر، ويكل ذلك إلى الله ويخرج ذلك من اختياره، فأخرج من خرج سهمها وسقط حق غيرها بعد. فإذا رجع عاد للقسمة بينهن ولم يقسم أيام سفره.
وكذلك قسم خيبر وكان أربعة أخماسها لمن حضر فأقرع على كل حر، فمن خرج من سهمه أخذه وانقطع منه حق غيره (٣).
تنبيهات: تنعطف على ما مضى:
أحدها: قال قتادة -فيما حكاه ابن جرير-: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها؛
стр. 9849
فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها فضمها إليه. وقال ابن عباس: لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي (١)، وقال مقاتل في "تفسيره": لما ولدت حنة مريم خشيت ألا تقبل الأنثى محررة فلفتها في خرقة ووضعتها في بيت المقدس عند المحراب حيث يتدارسون القراءة، فقال زكريا -وهو رئيس الأحبار-: أنا آخذها، أنا أحق بها؛ لأن أختها عندي. فقالت القراء: لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمِّها، لكنها مُحررة، وهلمَّ نتَسَاهَم. فاقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي.
ثانيها: لما دَعَا يُونس بن مَتّى قومه أهل نَيْنَوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة للدخول في دينه أبطئوا عليه، فدعا عليهم ووعدهم العذاب بعد ثلاث، وخرج عنهم فرأى قومه دخانًا ومقدمة العذاب، فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله وردوا المظالم، حتى ردوا حجارة مغصوبة كانوا بنوا بها، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب، ثم إن يونس ركب سفينة فلم تجر؛ فقال أهلها: أفيكم آبق؟ فاقترعوا، فخرجت القرعة عليه فالتقمه الحوت. وقد أسلفناه.
وقد اختلف في مدة مُكثه في بطنه من يوم واحد إلى أربعين يومًا، وذكر مقاتل أنهم قارعوه ست مرات؛ خوفًا عليه من أن يقذف في البحر، وفي كلها تخرج عليه.
ونقل ابن التين أنَّ القُرْعةَ وقعت عليه ثلاث مرات، وأنها لما ركدت قالوا: فيها رجل مشئوم.
стр. 9850
وقال ابن إسحاق في "المبتدأ": حدثني بعض أهل العلم أن يونس لما صح انطلق فلم يُرَ إلى هذا اليوم، فطلبه قومه حين آمنوا، ورفع عنهم العذاب فلم يقدروا عليه، إلا أن راعي غنم أخبرهم أنه أضافه فسقاه من لبن عنز، فقالوا: من رأى هذا منك ومنه؛ قال: ما رآه أحدٌ. فأذن الله للعنز فتكلمت وشهدت له بما قال، فملكوه عليهم؛ لرؤيته إياه.
فائدة:
في يونس ست لغات تثليث النون مع الهمز وعدمه، والأشهر ضم النون من غير همز.
ثالثها: قوله: (اقترعوا). قال ابن التين: صوابه: أقرعوا أو قارعوا؛ لأنه رباعي. والأقلام المذكورة في الآية: السهام، وسمي السهم قلمًا؛ لأنه يُقْلم أي: يُبْرى.
ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] تجب له كفالتها.
والجرية: بكسر الجيم مصدر، تقول: جرى الماء يجري جرية وجريًا وجريانًا.
وقوله: (وعال قلم زكريا). أي: غلب الجري. وما فسره البخاري في المدحضين، هو قول مجاهد (١). وقال ابن عيينة: من المقمورين (٢).
ويقال: أصل أدحضته: أزلفته.
فائدة:
معنى: طار لهم سهمه في قصة عثمان: حظه.
стр. 9851
فائدة:
قوله في حديث أبي هريرة: "ولو يَعْلمونَ ما في العَتمة".
سلف الكلام عليه في بابه مع الجمع بينه وبين النهي عن تسميتها عتمة، وقد سماها الله العشاء، وروي: "مَنْ سمَّاها العتمة فليستغفر الله".
قال الإسماعيلي: يقال سليمان لم يسمع هذا من أنس، ثم ساقه بلفظه عن أبيه، أنه بلغه عن أنس .. فذكره، وكذا قال أبو نعيم.
أي هذا مما لم يسمعه التيمي من أنس، والرجل الذي قال: لحمار رسول الله ﷺ أطيب من ريحك، هو عبد الله بن رواحة.
و (النجوى) في الآية: السر، قاله جماعة. وقال الناس: كل كلام تفرد به جماعة سواء كان سرًّا أو جهرًا فهو نجوى.
وقوله: (﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾) يجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، أي: لكن من أمر بصدقة فإن في نجواه خيرًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف.
وقال الداودي: معناه: لا ينبغي أن يكون أكثر نجواهم إلا في هذِه الخلال، ويكون أقلها فيما لا بد منه من السر من النظر في أمر دنياهم.
ومعنى ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾: لوجهه، وهو مثل قوله: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، ولاشك أن الإصلاح بين الناس واجب على الأئمة، وعلى من ولاه الله أمور المسلمين، وفعله الشارع؛ لتتأسى به الأمة بعده.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]،
وكانت الصحابة إذا التبس عليهم أمر الطائفتين ردهما إلى التأويل ولم يتبين ظلم إحداهما اعتزلوهما، ومن يتبين له أن طائفته مظلومة نصرها.
قال المهلب: إنما يخرج الإمام ليصلح بين الناس إذا أُشكل عليه أمرهم، وتعذر ثبوت الحقيقة عنده منهم، فحينئذٍ ينهض إلى الطائفتين، ويسمع من الفريقين، ومن الرجل والمرأة، ومن كافة
стр. 9855
الناس سماعًا فاشيًا يدله على الحقيقة.
هذا قول عامة العلماء، وكذلك ينهض الإمام إلى العقارات والأرضين المتشاح في قسمتها. فيعاين ذلك.
وقال عطاء: لا يحل للإمام إذا تبين له الغطاء أن يصلح بين الخصوم، وإنما يسعه ذلك في الأموال المشكلة، فإذا استنارت الحجة لأحد الخصمين علي الآخر، وتبين للحاكم موضع الظالم من المظلوم، فلا يسعه أن يحملهما علي الصلح، وبه قال أبو عبيد، وقال الشافعي، يأمرهما بالصلح، ويؤخر الحكم بينهما يومًا أو يومين؛ فإن لم يجتمعا لم يكن له ترديدهما وأنفذ الحكم بينهما.
والحكم قبل البيان ظلم، والحبس للمسلم بعد البيان ظلم.
وقال الكوفيون: إن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يرددهما، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما يصطلحان، ولا يردهم أكثر من مرة أو مرتين إن طمع في الصلح بينهم، فإن لم يطمع فيه أنفذ القضاء بينهم.
واحتجوا بما روي عن عمر أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين الناس الضغائن (١).
وأما مسيره ﵇ إلى عبد الله بن أُبي، فإنما فعله أول قدومه المدينة ليدعوه إلى الإسلام؛ إذ التبليغ فرض عليه، وكان يرجو أن يُسلم من وراءه بإسلامه لرئاسته في قومه، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة؛ لذلك قال سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ : إنه صنع ما صنع عن التوقف في الإسلام ما كانوا عزموا عليه من
стр. 9856
توليته الإمارة مع بعث الله تعالى نبيه، فأبطل الباطل، وصدق بالحق، وبلغ الدين.
وفيه من الفقه: أن الإمام إذا مضى إلى موضع فيه أعداء له أن على المسلمين أن يمضوا معه ويحرسوه، فإن جُني عليه نصروه، كما فعل عبد الله بن رواحة حين قال: والله لحمار رسول الله أطيبُ ريحًا منك.
فإن نوزع قاتلوا دونه.
وقول أنس فبلغنا أنها نزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] يستحيل -كما قال ابن بطَّال- أن تكون نزلت في قصة عبد الله بن أُبي، وفي قتال أصحابه مع رسول الله ﷺ ؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك.
وقد جاء هذا المعنى مبينًا في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد: مرَّ رسول الله ﷺ بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أُبي، وأن النبي ﷺ ، لمَّا عرض عليهم الإيمان، قال ابن أبي: اجلس في بيتك فمن جاءك يريد الإسلام .. الحديث (١).
فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أُبي وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حدٍّ (٢) فاقتتلوا بالعصا والنعال. قاله سعيد بن جُبير، والحسن، وقتادة (٣).
стр. 9857
قال: ويشبه أيضًا أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج عليهم رسول الله ﷺ ليصلح بينهم (١)، وقال مقاتل في "تفسيره": مر ﵇ على الأنصار، وهو راكب على حماره يَعْفور فبال فأمسك ابن أبيُ بأنفه، وقال لرسول الله: خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار فشق عليه قوله، فانصرف. فقال ابن رواحة: ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره، والله لهو أطيب من ريح عرضك، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف، فرجع رسول الله ﷺ إليهم فأصلح بينهم، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
وقال ابن عباس في "تفسيره" وأعان ابن أُبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا.
ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف فقد كذب قلت: وهذا يبين لك ما أسنده ابن بطال.
وفيه: إباحة مشي التلامذة وشيخ راكب، وقال ابن التين: ما ذكره
البخاري عليه أكثر المفسرين ثم قال: وقال مجاهد: الطائفتان رجلان، والطائفة تكون رجلًا إلى ألف (٢).
وقوله: (﴿اقْتَتَلُوا﴾): استدعى بعضهم قتل بعض، وإنما خرج ﵇ إليهم ولم ينفد إليهم ليأتوه لكثرتهم ولقرب عهدهم بالإسلام، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم وأقرب إلى (محاسبة) (٣) كل واحد منهم بنفسه، وفي حديث أنس أنه ﵇ كان يمضى بنفسه ليبلغ ما أنزل الله لقرب عهدهم بالإسلام.
стр. 9858
قال الداودي: وكان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبي.
وفيه: ركوبه الحمار، وكان على سبيل التيسير، ركب مرة فرسًا لأبي طلبة في فزع كان بالمدينة، وركب يوم حنين بغلته ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها، ووقف بعرفة على راحلته وسار عليها من هناك إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى مني وإلى مكة.
وقوله: (وهي أرض سبخة) هو بكسر الباء أي ذات سباخ، وكان عبد الله بن أُبيّ من الخزرج، والقائل له (١): حمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك. من الأوس وهو عبد الله بن رواحة كما سلف لكنه خزرجي أيضًا، وعبارة ابن التين: قيل: إنه عبد الله بن رواحة.
стр. 9859
٢ - باب لَيْسَ الكَاذِبُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ
٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الكَذَّابُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا" [مسلم: ٢٦٠٥ - فتح: ٥/ ٢٩٩]
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بن أبِي معيط أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الكَذَّابُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا".
هذا الحديث زاد فيه مسلم في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري: قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث. تعني: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، وجعل يونس ومعمر هذِه الزيادة عن الزهري، فقال: لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث (١).
قال الخطيب: القول قولهما والحق معهما، وذكره أيضًا موسى بن هارون (٢). وقال: آخر حديث رسول الله ﷺ : "أَوْ يَقُولُ خَيْرًا" يعني: كما عند البخاري قال: وهو أمر بين واضح أن آخر الحديث إنما هو من قول الزهري لا من قول رسول الله ﷺ (٣).
стр. 9860
وساقها ابن بطال من حديث عبد العزيز بن محمد، عن عبد الوهاب ابن رُفيع عن ابن شهاب بلفظ: ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في الكذب إلا في ثلاث كان ﵇ يقول: "لا أعدهن كذبًا: الرجل يصلح بين الناس يقول قولًا يريد به الصلاح، والرجل يحدث زوجته، والمرأة تحدث زوجها، والرجل يقول في الحرب" (١).
وللترمذي: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس" (٢).
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: قوله: ("يَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا")، هو شك من الراوي والمعنى واحد يقال: ينمي الحديث إذا رفعه، وبلغه على وجه الإصلاح، وأنماه: إذا بلغه على وجه الإفساد، وكذلك نماه مشدد، ذكره الهروي، والأول ذكره الخطابي (٣).
وقال ابن فارس: نميت الحديث: إذا أشعته، ونميت بالتخفيف: أسندته (٤)، وقال الزجاج: في فعلت وأفعلت نميت الشيء، وأنميته بمعنى، وفي "فصيح" ثعلب: نمى ينمي أي: زاد وكثر.
وحكى اللحياني: ينمو بالواو، وأخذ (السبتي) (٥) على ثعلب إهمالها. قال: وهما لغتان فصيحتان، وفيه لغة أخرى حكاها ابن القطاع، وغيره نَمُوَ على وزن شرف.
وقال الكسائي: لم أسمعه (بالواو إلا) (٦) من أخوين من بني سُلَيم،
стр. 9861
ثم سألت عنه بني سليم، فلم يعرفوه (١).
وقال في "الصحاح": ربما قالوا: ينمو (٢) وصرح جماعة منهم
الراعي: أن نمى أفصح كما اقتصر عليه ثعلب، وأنكر أبو حاتم: ينمو، وكذا الأصمعي، وعن بعضهم مما حكاه اللبلي أن بالياء للمال، وقالوا لغيره.
وقال الحربي: أكثر النحويين: يقولون: ونمى خيرًا بالتخفيف ولا يجوز في النحو، والشارع أفصح المخلوقات، ومن خفف الميم لزمه أن يقول: خير بالرفع.
قلت: لا، بل يجوز نصبه بنمى، وذكر صاحب "المطالع" عن القعنبي يُنمى بضم أوله، قال: وليس بشيء، وقع في رواية الدّباغ ينهى بالهاء، وهو تصحيف، وقد يخرج على معنى: أنه يبلغ به من أنهيت الأمر إلى كذا أي: وصلته إليه. وقال ابن سيده: أنميته: أزعته على وجه التهمة (٣).
ثانيها: فيه جواز قول الرجل في الإصلاح ما لم يقله الآخر، والكذب لا يجوز إلا في ثلاث، هذا أحدها، وثانيها: أن يعد امرأته بشيء وينوي أن لا يفي؛ ليصلح أمرها، ثالثها: خدعة الحرب إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وقال له رجل أكذب لامرأتي؟ قال: "لا خير في الكذب"، قال: أعدها وأقول لها ما لا حرج، فنهاه أن يكذب لها في غير الوعد، وأذن أن يعدها ما لا ينويه (٤).
стр. 9862
وعن الأصيلي: أنه لا يجوز الكذب في شيء، وإنما يجوز الإلغاز كما يقول للظالم، فلان يدعو لك، يعني: قوله في الصلاة اغفر للمسلمين والمسلمات.
وقال الطبري: اختلف الناس في هذا الباب، فقالت طائفة: الكذب المرخص فيه في هذِه الثلاث، هو جميع معاني الكذب، وحمله قوم على الإطلاق وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة، فإن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة للمسلمين، واحتجوا بما رواه الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: كنا عند عثمان وعنده حذيفة، فقال له عثمان: بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا، فقال حذيفة: والله ما قلته، قال وقد سمعناه، قال ذلك، فلما خرج قلنا له: أليس قد سمعناك تقوله؟ قال: بلى، قلنا: فلم حلفت؟ فقال: أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله (١).
واحتجوا بحديث ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال لقيس بن مكشوح: هل حدثتك نفسك بقتلي؟ قال: لو هممت فعلت. فقال عمر له: لو قلت: نعم، ضربت عنقك. فنفاه من المدينة، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لو قال: نعم، ضربت عنقه؟ قال: لا، ولكن استرهبته بذلك (٢).
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء، ولا يخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه، وما جاء في هذا إنما هو علي التورية، روى سفيان، عن الأعمش، قال: ذكرت لإبراهيم الحديث الذي رخص فيه
стр. 9863
في الكذب في الإصلاح بين الناس، فقال إبراهيم: كانوا لا يرخصون في الكذب في جد ولا هزل. وروى مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم لا ينجزه، اقرؤا إن شئتم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] (١).
وقال آخرون: بل الذي رخص فيه هو المعاريض وقد قال ابن عباس: ما أحب أن لي بمعاريض الكذب كذا وكذا (٢). وهو قول سفيان وجمهور العلماء.
وقال المهلب: ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب، وقد نهى النبي ﷺ عن الكذب نهيًا مطلقًا، وأخبر أنه مجانب للإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه، وإنما أطلق ﵇ الصلح بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر منهم، ويعد أن يسهل ما صعب، ويقرب ما بعد، لا أنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه لأن الله قد حرم ذلك ورسوله.
وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها، وليس هذا من طريق الكذب؛ لأن حقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجز، والإنجاز موجود في الاستقبال، فلا يصح أن يكون كذبًا.
стр. 9864
وكذلك الحرب أيضًا إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظٍ تحتمل وجهين فيؤدي بها عن أحد المعنيين ليغر السامع بأحدهما عن الآخر، وليس حقيقة الإخبار عن الشيء بخلافه وضده، ونحو ذلك ما روي عن الرسول ﷺ أنه مازح عجوزًا فقال: "إن العجز لا يدخلن الجنة" (١) فأوهمها في ظاهر الأمر أنهن لا يدخلن أصلًا، وإنما أراد أن لا يدخلن الجنة إلا شبابًا. فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب، وإن لم يصلح المصلح شيئًا فله أن يعد بخير، ولا يقول سمعت، وهو لم يسمع ونحوه.
قال الطبري: والصواب في ذلك قول من قال: الكذب الذي أذن فيه الشارع هو ما كان تعريضًا ينحو به نحو الصدق، نحو ما روي عن إبراهيم النخعي أن (امرأة) (٢) عاتبته في جارية وفي يده مروحة، فجعل إبراهيم النخعي يقول: اشهدوا أنها لها ويشير بالمروحة، فلما قامت امرأته، قال: على أي شيء أشهدتكم؟ قالوا: أشهدتنا على أنها لها. قال: ألم تروني أشير بالمروحة (٣).
قلت: ومثله قوله للظالم: فلان يدعو لك، وينوي قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد زوجته، ونيته في ذلك إن قدر الله أو إلى مدة، وكذلك الإصلاح بين الناس.
стр. 9865
وحديث المرأة زوجها يحتمل أنه فيما يحدث به أحدهما الآخر من ود له واغتباط، والكذب في الحرب: أن يضمر في نفسه مدة، ويتحدث بما يشحذ به بصيرة أصحابه، ويكيد به عدوه، فالحرب خدعة.
وسيأتي في الأدب في باب: المعاريض مندوحة عن الكذب ما يوضح هذا.
وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد كما قال ابن مسعود (١) لما روي عن رسول الله ﷺ من تحريمه، والوعيد عليه.
وأما قول حذيفة (٢): فإنه خارج عن معاني الكذب الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه أذن فيها، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف، كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي نفسه، وكذلك الحالف له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم الله عليه وله أن يحلف على ذلك، ولا حرج عليه ولا إثم (٣).
قال القاضي عياض: وأما المخادعة، ومنع حق عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بالإجماع (٤).
стр. 9866
٣ - باب قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: "اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ". [انظر: ٦٨٤ - فتح: ٥/ ٣٠٠]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".
الشرح:
يشبه كما قال ابن بطال: أن يكون في هذِه القصة نزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] لا في قصة عبد الله بن أبي كما سلف (١).
روي عن الحسن أن قومًا من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالجريد والنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم الآية.
قال قتادة: كان بينهما حق فتنازعا فيه فقال أحدهما: لآخذنه عنوة.
وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله -صلي الله عليه وسلم-. فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالأيدي والنعال (٢). وقال قتادة في تأويل هذِه الآية: قال الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصى بينهم، وقد سلف كل ذلك واضحًا (٣).
стр. 9867
وفيه: خروج الإمام مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم أمورهم وشدة تنازعهم، وقد سلف أيضًا.
وفيه: ما كان عليه ﵇ من التواضع والخضوع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعي الفرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى.
стр. 9868
٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) [النساء: ١٢٨]
٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا. [انظر: ٢٤٥٠ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح: ٥/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ (٢)، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ: فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا.
هذا قول عائشة في تفسير الآية، وقال عليٌّ: هي المرأة تكون عند الرجل، وهي دميمة أو عجوز تكره مفارقته، فيصطلحا على أن يجيئها يومًا من ثلاثة أو أربعة (٣)، وقيل: نزلت في رافع بن خديج طلق
زوجته واحدة، وتزوج شابة، فلما قاربت انقضاء العدة قالت: أصالحك على بعض الأيام، فراجعها، ثم لم يسمح فطلقها أخرى، ثم سألته ذلك فراجعها، فنزلت هذِه الآية (٤).
стр. 9869
والنُّشُوز: أصله الارتفاع، وإذا أساء عشرتها ومنعها نفسه والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نشز بعلها إذا ضربها وجفاها (١).
وقوله: ("والصلح خير") أي: من الفرقة، حُذف لعلم السامع وقرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] بضم الياء، وقرأ الجحدري: ﴿أَن يَصَّلِحا﴾ والمعنى: يصطلحا، ثم أدغم (٢).
ولا شك أن الصلح في كل شيء خير من التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة التي هي قواعد الشر، والصلح وإن كان فيه صبر مؤلم فعاقبته جميلة، وأمرُّ منه وشرٌّ عاقبة العداوة والبغضاء، وقد قال
﵇ في البغضة أنها الحالقة يعني: حالقة الدين لا الشعر (٣).
أراد الشارع أن يطلق سودة لسن كان بها فأحست منه ذلك، فقالت له: قد وهبت يومي لعائشة، ولا حاجة لي بالرجال وإنما أريد أن أحشر في نسائك، فلم يطلقها واصطلحا على ذلك.
ودل هذا أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها، ويدخل في هذا المعنى جميع
стр. 9870
ما يقع عليه بين الرجل والمرأة في مال أو وطء أو غير ذلك، وكل ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل من زوجته لهذِه الآية.
ونقل الداودي عن مالك أنها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها أو الإنفاق عليها ثم سألت العدل كان ذلك لها، والذي قاله في "المدونة" (١) ذكره في القسمة لها، وأما النفقة فيلزمها ذلك إذا تركته.
والفرق أن الغيرة لا تملك بخلاف النفقة.
أما الحديث الأول فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: العسيف فيه: الأجير وجمعه: عسفاء، ذكره الأزهري (١)، وعسفه على غير قياس، ذكره ابن سيده، وهو الأجير المستهان منه، وقيل: هو المملوك المستهان به. وقيل: كل خادم عسيف (٢).
ثانيها: قوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) يؤخذ منه سؤال المفضول مع وجود الفاضل إذ لم ينكره ﵇، قيل: والذين كانوا يفتون في عصره ﵇ الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
ثالثها: قوله: ("لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ") أي: إنك الجدير بأن تقضي به، أو فإنك لم تزل تقضي به، أو فإنك القاضي به، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] والمراد بكتاب الله أي: بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فرض، وقال: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ويحتمل أن يكون فُرض أولًا بالنص ثم نسخ لفظه دون حكمه على ما روي عن عمر أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة (٣)، وقيل: الرجم متلو في القرآن غير منسوخ لفظه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ [النور: ٨]
стр. 9873
وهو الرجم في بيانه ﵇ رجم ماعزٍ (١)، أو قيل: ليس فيه، وإنما هو في السنة وهي تنسخ القرآن إذا كانت متواترة وقالوا: معنى "بكتاب الله" بوحيه لا بالمتلو، والذي عليه أكثر أصحاب مالك أن القرآن لا ينسخ بالسنة، وإنما هي تبينه، وإنما ينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وقد أوضحت ذلك في "شرح منهاج الأصول" فراجعه.
وقيل: المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة، ويروى: كل صلح خالف الشرع فهو باطل مردود.
رابعها: لم يسأله عن كيفية الزنا؛ لأنه مبين في قصة ماعز، وهذا صحيح إن ثبت تأخير هذا الخبر عن خبر ماعز، فيحمل على أن الابن كان بكرًا، وعلى أنه اعترف وإلا فإقرار الأب عليه غير مقبول أن يكون هذا إفتاءً. أي: إن كان كذا فكذا.
خامسها: قوله: ("أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَد عَلَيكَ") فيه: أن الصلح الفاسد ينقض، كذا قاله جماعة. وفيه نظر؛ لأنه صالح على ما لا يملك، ولا يصح الصلح عنه. ومن أجاز الفاسد إذا وقع لا يقول بجواز هذا، ولا يلزمه القول به.
وقوله: ("وتغريب عام") هو حجة علي أبي حنيفة في إنكاره التغريب؛ لأنه ليس مذكورًا في القرآن، والزيادة على النص نسخ، وهو بخبر الواحد غير جائز.
وفيه: إثبات الرجم، ولا خلاف فيه، ولا يلتفت إلى ما يحكى عن الخوارج وقد خالفوا السنن.
стр. 9874
فائدة: أنيس هذا، قيل: إنه ابن الضحاك الأسلمي، وقال الداودي: أنيس اسم الرجل، قال غيره: هو تصغير أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، ذكره كله ابن التين.
وقوله: ("فَاغْد") ائتها غدوة، قاله ابن التين، ثم قال: قيل: فيه تأخير الحكم إلى الغد، وهذا يصح إذا ثبت أن هذا كان بالأصيل، وقال غيره: ليس معناه: امض إليها بكرة كما هو موضعها، وكذا قوله: فغدا إليها أي مشى إليها.
وفيه: بعث الإمام لمن ذُكر عنه الزنا يسأله عن ذلك. وقيل: إنه نُسخ بحديث ماعز، وقيل: إنما بعث إليها ليعلمها بالقذف فبإقرارها يسقط عنه الحد. وقد روي "وامض"، فعليه ليس فيه تأخير الحكم. قيل: فيه أن الإمام يقضي إلى آخر النهار.
وفيه: الوكالة في إقامة الحد، وقد ترجم عليه هناك، وأسلفناه.
سادسها: قوله: ("فإن اعترفت فارجمها") فيه أحكام:
أحدها: إثبات الرجم كما مضى.
ثائيها: سقوط الجلد مع الرجم خلافًا لمسروق وأهل الظاهر في إيجابهم الجمع بينهما ولو كان واجبًا لأمر به.
ثالثها: الجلد يجب باعتراف الزنا مرة لقوله: "فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل أربعًا، وبه قال مالك (١) والشافعي (٢)، وقال ابن أبي ليلى وأحمد: لا يجب إلا باعتراف أربع مرات. زاد أبو حنيفة: في أربعة مجالس (٣).
стр. 9875
رابعها: قد استدل به أهل الظاهر على أن المقر بالزنا لا يقبل رجوعه عنه، وليس في الحديث التعرض للرجوع (١).
وقال مالك وأصحابه: يقبل منه إن رجع إلى شبهه (٢). فإن رجع إلى غيرها فخلاف.
خامسها: أنَّ الرجم ليس من شرطه حضور الإمام، خلافًا لأبي
حنيفة، وذكر عنه أنه يجب على الشهود الحضور كما مر (٣).
سادسها: أنه لا يحفر للمرأة، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٤)، وقال الشافعي وأشهب: يحفر لها.
سابعها: الوكالة على إقامة الحد، وقد سلف.
ثامنها: إرسال الواحد في تنفيذ الحكم.
تاسعها: أن المنفذ لا يعذر فيه.
عاشرها: أن الحاكم يحكم بعلمه؛ لأنه لم يقل لأنيس خذ معك أحدًا، وروي في بعض طرقه: فغدا أنيس ورجلان معه. قلت: كذا استنبطه ابن التين، وليس هذا من الحكم بالعلم، بل بالأعراف.
الحادي عشر: أنَّ للإمام أن يسأل المقذوف، فإن اعترف حدَّه، وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بعده، وقيل: يحدُّه وإن لم يطالب المقذوف إذا سمعه ثبتة غير الإمام وكانوا معه.