أما الحديث الأول فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: العسيف فيه: الأجير وجمعه: عسفاء، ذكره الأزهري (١)، وعسفه على غير قياس، ذكره ابن سيده، وهو الأجير المستهان منه، وقيل: هو المملوك المستهان به. وقيل: كل خادم عسيف (٢).
ثانيها: قوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) يؤخذ منه سؤال المفضول مع وجود الفاضل إذ لم ينكره ﵇، قيل: والذين كانوا يفتون في عصره ﵇ الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
ثالثها: قوله: ("لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ") أي: إنك الجدير بأن تقضي به، أو فإنك لم تزل تقضي به، أو فإنك القاضي به، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] والمراد بكتاب الله أي: بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فرض، وقال: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ويحتمل أن يكون فُرض أولًا بالنص ثم نسخ لفظه دون حكمه على ما روي عن عمر أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة (٣)، وقيل: الرجم متلو في القرآن غير منسوخ لفظه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ [النور: ٨]
стр. 9873
وهو الرجم في بيانه ﵇ رجم ماعزٍ (١)، أو قيل: ليس فيه، وإنما هو في السنة وهي تنسخ القرآن إذا كانت متواترة وقالوا: معنى "بكتاب الله" بوحيه لا بالمتلو، والذي عليه أكثر أصحاب مالك أن القرآن لا ينسخ بالسنة، وإنما هي تبينه، وإنما ينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وقد أوضحت ذلك في "شرح منهاج الأصول" فراجعه.
وقيل: المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة، ويروى: كل صلح خالف الشرع فهو باطل مردود.
رابعها: لم يسأله عن كيفية الزنا؛ لأنه مبين في قصة ماعز، وهذا صحيح إن ثبت تأخير هذا الخبر عن خبر ماعز، فيحمل على أن الابن كان بكرًا، وعلى أنه اعترف وإلا فإقرار الأب عليه غير مقبول أن يكون هذا إفتاءً. أي: إن كان كذا فكذا.
خامسها: قوله: ("أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَد عَلَيكَ") فيه: أن الصلح الفاسد ينقض، كذا قاله جماعة. وفيه نظر؛ لأنه صالح على ما لا يملك، ولا يصح الصلح عنه. ومن أجاز الفاسد إذا وقع لا يقول بجواز هذا، ولا يلزمه القول به.
وقوله: ("وتغريب عام") هو حجة علي أبي حنيفة في إنكاره التغريب؛ لأنه ليس مذكورًا في القرآن، والزيادة على النص نسخ، وهو بخبر الواحد غير جائز.
وفيه: إثبات الرجم، ولا خلاف فيه، ولا يلتفت إلى ما يحكى عن الخوارج وقد خالفوا السنن.
стр. 9874
فائدة: أنيس هذا، قيل: إنه ابن الضحاك الأسلمي، وقال الداودي: أنيس اسم الرجل، قال غيره: هو تصغير أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، ذكره كله ابن التين.
وقوله: ("فَاغْد") ائتها غدوة، قاله ابن التين، ثم قال: قيل: فيه تأخير الحكم إلى الغد، وهذا يصح إذا ثبت أن هذا كان بالأصيل، وقال غيره: ليس معناه: امض إليها بكرة كما هو موضعها، وكذا قوله: فغدا إليها أي مشى إليها.
وفيه: بعث الإمام لمن ذُكر عنه الزنا يسأله عن ذلك. وقيل: إنه نُسخ بحديث ماعز، وقيل: إنما بعث إليها ليعلمها بالقذف فبإقرارها يسقط عنه الحد. وقد روي "وامض"، فعليه ليس فيه تأخير الحكم. قيل: فيه أن الإمام يقضي إلى آخر النهار.
وفيه: الوكالة في إقامة الحد، وقد ترجم عليه هناك، وأسلفناه.
سادسها: قوله: ("فإن اعترفت فارجمها") فيه أحكام:
أحدها: إثبات الرجم كما مضى.
ثائيها: سقوط الجلد مع الرجم خلافًا لمسروق وأهل الظاهر في إيجابهم الجمع بينهما ولو كان واجبًا لأمر به.
ثالثها: الجلد يجب باعتراف الزنا مرة لقوله: "فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل أربعًا، وبه قال مالك (١) والشافعي (٢)، وقال ابن أبي ليلى وأحمد: لا يجب إلا باعتراف أربع مرات. زاد أبو حنيفة: في أربعة مجالس (٣).
стр. 9875
رابعها: قد استدل به أهل الظاهر على أن المقر بالزنا لا يقبل رجوعه عنه، وليس في الحديث التعرض للرجوع (١).
وقال مالك وأصحابه: يقبل منه إن رجع إلى شبهه (٢). فإن رجع إلى غيرها فخلاف.
خامسها: أنَّ الرجم ليس من شرطه حضور الإمام، خلافًا لأبي
حنيفة، وذكر عنه أنه يجب على الشهود الحضور كما مر (٣).
سادسها: أنه لا يحفر للمرأة، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٤)، وقال الشافعي وأشهب: يحفر لها.
سابعها: الوكالة على إقامة الحد، وقد سلف.
ثامنها: إرسال الواحد في تنفيذ الحكم.
تاسعها: أن المنفذ لا يعذر فيه.
عاشرها: أن الحاكم يحكم بعلمه؛ لأنه لم يقل لأنيس خذ معك أحدًا، وروي في بعض طرقه: فغدا أنيس ورجلان معه. قلت: كذا استنبطه ابن التين، وليس هذا من الحكم بالعلم، بل بالأعراف.
الحادي عشر: أنَّ للإمام أن يسأل المقذوف، فإن اعترف حدَّه، وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بعده، وقيل: يحدُّه وإن لم يطالب المقذوف إذا سمعه ثبتة غير الإمام وكانوا معه.
стр. 9876
الثاني عشر: أنَّ على الإمام أن يبعث إلى المقذوف يعرِّفه أنَّ له حقًّا، وقد بوَّب عليه البخاري: إذا رمى امرأته، أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس، هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها بما رميت به (١).
الثالث عشر: أن الرجم إذا وجد أقيم ولا يؤخر، اللهم إلا أن يكون الحر الشديد أو البرد الشديد؛ لقوله: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يفصل.
الرابع عشر: فيه إقامة الحد في حرم المدينة.
سابعها: فيه قول الإمام: والذي نفسي بيده. وحلف الصادق، نبه عليه الداودي.
ثامنها: ذكر البخاري فيما سيأتي في رواية: وكان أفقههما (٢). أي: في هذِه القضية، ويحتمل أن يكون لاستئذانه، وحذره من الوقوع في النهي في قوله: (لا تقدموا) بخلاف الأول لخفائه.
وفيه: أن الفقيه قد يكون منه الخطأ، ولم يذكر هنا اعترافها، وذكر في المحاربين (٣): فاعترفت فرجمها (٤).
стр. 9877
تاسعها: قال ابن بطال: أما قضاؤه ﵇ بكتاب الله وهو رد الغنم والجارية الذين أخذا بالباطل، وقد نهى الله تعالى عباده عن ذلك بقوله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ولم يجز هذا الصلح لاشتراء حدود الله ببعض عرض الدنيا، وحدود الله لا تسقط، ولا تباع، ولا تشترى، وقام الإجماع على أن الصلح المنعقد على غير السنة لا يجوز، وأنه منتقض ألا ترى أنه ردَّ الغنم والوليدة، وألزم ابنه من الحدِّ ما ألزمه الله تعالى، فقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في رسالته إليه يعلمه القضاء فقال: والصلح جائز بين المسلمين، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا. قلت: ونطق بذلك رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام (١). وذهب مالك وابن القاسم إلى أن الصلح كالبيع لا يجوز فيه المكروه، ولا الغرر.
وذكر ابن حبيب عن مطرف قال: كل ما وقع من الصلح من الأشياء المكروهة التي ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز.
وقال ابن الماجشون: إن غرَّ عليهم بحدثانه فسخ، وإن طال أمره مضى.
وقال أصبغ: إن وقع الصلح بالحرام والمكروه مضى. ولم يرد، وإن عسر عليه بحدثان ذلك؛ لأنه كالهبة، ألا ترى أنه لو صالحه من دعواه لينتقض لم يكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة، وقد حدثثا سفيان بن عيينة: أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه، فقال: هذا حرام، ولولا أنه صلح لفسخته. قال ابن حبيب: وقول ابن مطرف (٢)، وابن الماجشون أحب
стр. 9878
لموافقته قوله في الحديث: "إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (١).
وقال ابن المنير: الصلح على الجور قد يكون من الجانبين ومن أحدهما، كأن يدعي عليه دينًا فيجحده ويصالحه على بعضه، فهذا يقول الدافع أنه جور، ولا يرد بل يمضي، وقد يتفقان على أنه جور كما يظن الدافع أن الدعوى لو ثبتت لزمه منها حق فيكشف العيب لهما أن حكم الشرع أن هذِه الدعوى لو اعترف بها أو ثبتت بيّنته لم يلزم فيها حق، وأنه غير موجهه إلى مال الصلح ولا بعضه فهذا جور يرد (في مثله، وفيه) (٢) خلاف عند مالك، قيل: يرد اتباعًا للحديث وقيل: يلزم؛ لقوله ﵇ "المؤمنون عند شروطهم" (٣)، وقد فرط الدافع فكأنّه تطوع، والتطوع يلزم على (أصله) (٤) بالشروع فيه (٥).
قلت: كلُّ ذلك على مذهبه، وعندنا لا صلح مع إنكار.
(الحادي عشر) (٦): في رواية لم يذكرها هنا: أنشدك الله. هو بفتح الهمزة وضم الشين. قال ثعلب: نشدتك وأنا أنشدك الله. قال القزاز: معناه: سألتك بالله، وفي "أمالي ثعلب": ذكرتك الله، زاد ابن طريف: مستحلفًا، وعند اللحياني: أنشدك بالله، وقال القرطبي: أقسم عليك رافعًا نشيدتي (٧) وهو صوتي، ففيه جواز قول الحاكم ذلك وقسمه كان للتأكيد.
стр. 9879
قيل: فيه رد على المعتزلة أن الأفعال من خلق بني آدم وقد ينفصلون عنه بأن المراد إماته النفس وذلك لله تعالى قطعًا.
وفيه: أن الحدود التي هي محضة لحق الله لا يصلح الصلح فيها.
واختلف في حد القذف هل يصح الصلح فيها أم لا؟ ولم يختلف في كراهته؛ لأنه ثمن عرض ولا خلاف في جوازه قبل رفعه، وأما حقوق الأبدان من الجراح وحقوق الأموال فلا خلاف في جوازه مع الإقرار، واختلف في الصلح مع الإنكار. فأجازه مالك ومنعه الشافعي كما أسلفناه.
وفيه: أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها، فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم، وبما في نفس الحديث، وعلى هذا يحمل حديث الغامدية (١)
إذ لو لم تكن محصنة لم يجز رجمها إجماعًا.
وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود من غير شهادة عليه، وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد الشهادة عليه، والفصل عن ذلك أنه ليس في الحديث ما ينص على أنه لم يسمع إقرارها إلا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأن مثل هذِه القضية لا تكون في خلوة ولا ينفرد بها الآحاد، بل لابد من حضور جمع كثير ولابد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وهذا كله مبني على أن أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا (يستفصلها) (٢)
стр. 9880
ويعضده قوله في آخر الحديث في بعض الروايات: فاعترفت، فأمر بها رسول الله فرجمت، فهذا يدل أن أنيسًا إنما سمع إقرارها، وأن تنفيذ الحكم إنما كان من رسول الله ﷺ وحينئذ يتوجه إشكال آخر وهو أن يقال: كيف اكتفي في ذلك بشاهد واحد وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنا هل يكتفي باثنين أم لا بد من أربعة؟ على قولين، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بواحد.
والجواب: أن هذا اللفظ الذي سقناه من رواية الليث عن الزهري، ورواه عن الزهري مالك بلفظ: (فاعترفت فرجمها) (١)، ولم يذكر: فأمر بها فرجمت. وعند التعارض فحديث مالك أولى لما يعلم من حفظ مالك وضبطه وخصوصًا في حديث الزهري فإنه من أعرف الناس به.
وقال الداودي في الأول: ما أراه بمحفوظ، ويُحتمل أن يكون الأمر الأول، وظاهر الحديث خلافه؛ لقوله: (فاعترفت، فأمر بها فرجمت) وقد ترجم عليه البخاري: باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه (٢).
يريد أن أنيسًا رجمها لما اعترفت عنده.
والظاهر أن أنيسًا كان حاكمًا، فلا إشكال إذن.
ولو سلمنا أنه كان رسولًا فليس فيه ما ينص علي انفراده بالشهادة، ويكون غيره قد شهد عليها عند رسول الله ﷺ بذلك.
стр. 9881
ويعضد هذا أن القضية اشتهرت وانتشرت فيبعدُ أن ينفرد بها واحد سلمناه، لكنه خبر لا شهادة، فلا يشترط العدد فيه، وحينئذٍ يستدل به على قبول أخبار الآحاد، والعمل بها في الدعاء وغيرها.
وقال النووي: بعث أنيس عند علماء أصحابنا يعلم المرأة، بأن هذا الرجل قذفك، ولك عنده حق القذف، فتطلب به أو تعفو، إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه شيء، فلما ذهب إليها اعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. قال: ولابد من هذا التأويل (١).
وفيه: من الأحكام أن زنا المرأة لا يفسخ نكاحها من زوجها.
وأما حديث عائشة فسيأتي الكلام عليه في موضعه.
وشيخه فيه يعقوب، ثنا إبراهيم بن سعد. قيل: إنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقيل بزيادة ابن سعد (ع)، وقيل: ابن حُميد (خ) بن كاسب وقيل: ابن محمد (ق) بن عيسى الزهري (٢)، كذا ذكره ابن السكن وأنكره الحاكم، وزعم أبو نعيم أنه يعقوب بن إبراهيم، وذكر الكلاباذي والحاكم أبو عبد الله، أنه يعقوب بن حميد، والله أعلم.
ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا. وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا". [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٥/ ٣٠٣]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ النبي ﷺ أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيُّ بن أبي طالب كِتَابًا، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ.
الحديث بطوله من طريقيه، وسيأتي قريبًا في الشروط بنحوه من حديث المسور ومروان يخبران عن رسول الله ﷺ (١).
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الحديبية مخففة الياء، وتشدد: اسم بئر هناك، وفي كونها من الحرم قولان: قال مالك: نعم، وخالفه الشافعي.
ولا بأس عند مالك أن ينحر هدي العمرة في الحرم، وعندنا الأفضل له المروة والحاج مني، وكانت هذِه الغزوة في ذي القعدة سنة ست، وصالح قريشًا على سنتين وقيل: ثلاث، قاله ابن جريج. وقيل:
أربع، قاله عروة. وقيل: عشر، قاله ابن إسحاق. وأقام بالحديبية شهرًا ونصفًا. وقيل: خمسين ليلة.
الثاني:
أصل هذا الباب أن يُكتب في اسم الرجل من تعريفه ما لا يشكل على أحد فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع الإشكال لم
стр. 9884
يحتج في ذلك إلى زيادة ذكر نسبه ولا قبيلته، ألا ترى أنه ﵇ اقتصر في كتاب المقاضاة مع المشركين على أن كتب محمد بن عبد الله، ولم يزد عليه لما أمن الالتباس فيه؛ لأنه لم يكن هذا الاسم لأحدٍ غير النبي ﷺ واستحب الفقهاء أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده ونسبه؛ ليرفع الإشكال فيه، فقلما يقع مع ذكر هذِه الأربعة اشتباه في اسمه، ولا التباس في أمره.
وفيه: رجوعه ﵇ إلى اسمه واسم أبيه في العقد، ومحوه بخطه النبوة، إنما كان؛ لأن الكلام في الصلح وميثاق العقد، كان إخبارًا عن أهل مكة ألا تراهم قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك، ولا قاتلناك فخشوا أن ينعقد عليهم إقرارهم برسالته ﵇ فلذلك قالوا ما قالوا هربًا من الشهادة بذلك.
الثالث:
قوله: (فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ). يقال: محوت الشيء أمحوه، ومحيته محيانا وأمحاه، مثل: قلى يقلي، وسقى يسقي، والذي في القرآن: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩] ومحو الرحمن من الكتاب إنما هو لأنه ربما آل النساخ في ذلك إلى فساد ما كانوا أحكموه من الصلح، ولئن مُحي فهو في الصدور باق، وإباء عليٍّ من محوه أدب منه وإيمان، وليس بعصيان فيما أمره به، والعصيان هنا أبو
من الطاعة له وأجمل في التأدب والإلزام.
قال الطبري: وفي كتابه ﵇: باسمك اللهم، ولم يأب عليهم أن يكتبه إذا لم يكن في كتابه ذلك نقض شيء من شروط الإسلام، ولا تبديل بشيء من شرائعه، وإن كانت سنته الجارية بين أمته أن
стр. 9885
يستفتحوا كتبهم بالبسملة، وكان فعله ذلك، والمسلمون يومئذ في قلة من العدد، وضعف من القوة، والمشركون في كثرة من العدد، وشدة من الشوكة فتبين أن نظير ذلك إذا حدثت للمسلمين حالة تشبه حالة المسلمين يوم الحديبية في القلة والضعف، وامتنع المشركون من الصلح إلا على حذف بعض أسماء الله تعالى وصفاته، أو حذف بعض محامده، أو بعض الدعاء لرسوله ﵇، أو حذف بعض صفاته، ورأى القيم بأمر المسلمين أن النظر للمسلمين إتمام الصلح، أن له أن يفعله لفعله ﵇ في ذلك، فلو امتنعوا من الصلح على أن يبتدئ الكتاب، هذا ما قضى وأقر عليه فلان وفلان، ويحذف منه كل ما يبتدأ به من ذكر أسماء الله وصفاته في ابتداء الكتاب أو يحذف منه ذكر (الخلافة) (١): لأنه ليس في ترك ذلك ترك فرض من فرائض الله لا يسع المسلمين تضييعه؛ لأنه ﵇ لما أجابهم إلى ما أرادوا من كتاب محمد بن عبد الله لم يكن ذلك مزيلًا لصفته من النبوة، ولا يكون للخليفة إذا لم يوصف بالخلافة دخول منقصة عليه، ولا زواله عن منزلته من الإمامة، كما لم يكن في رضى رسول الله أن يكتب محمد بن عبد الله منقصة عن النبوة التي يجعلها الله فيه (٢).
الرابع:
قوله: (بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ) فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: "القِرَابُ بِمَا فِيهِ"، وفسر أيضًا بالسيف والقوس ونحوه.
وقال في الرواية الأخرى: "لَا يدخلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّا فِي القِرَابِ"،
стр. 9886
وفي لفظ: "لا يحمل سلاحُا إلا سيوفًا"، وقال: "إلا بجلُب السلاح"- أنكره كله القزاز، وقال: أحسب بجلبان السلاح أي: ما ستره.
قال: فلذلك فسر بالقراب بما فيه، وإنما يراد به: استتاره. وقال الأزهري: القراب غمد السيف.
والجلبان من الجلبة وهي الجلدة التي تجعل على القتب، والجلدة التي تغشى البهيمة؛ لأنها كالغشاء للقراب (١). ورواه ابن قتيبة بتشديد الباء وضم اللام (٢)، وكذا ضبطه بعض المحدثين قال: وهو أوعية السلاح بما فيها، وما أراه سمي به إلا كناية، ولذلك قيل للمرأة الجافية الغليظة: جُلبانة (٣).
قال الهروي: والقول ما قاله الأزهري. وقال الخطابي: الجلبان يشبه الجراب من الأدم يضع الراكب فيه سيفه بقرابه ويضع فيه سوطه، يعلقه الراكب من واسطة رحله أو من آخره، تحتمل أن تكون اللام ساكنة وهو جمع جلب، ودليله قوله في رواية مؤمل عن سفيان: "إلا بجلب السلاح". قال: وجلب السلاح نفس السلاح، فجلب الرجل نفس عيبته كأنه يريد به نفس السلاح، وهو السيف خاصة من غير أن يكون معه أدوات الحرب من لأمة ورمح وجحفة ونحوها، ليكون علامة للأمن والعرب لا تضع السلاح إلا في الأمن.
قال: وقد جاء (جربان السيف) في هذا المعنى. قال الأصمعي: الجربان: قراب السيف فلا ينكر أن يكون ذلك من باب تعاقب اللام
стр. 9887
والراء (١) والذي ضبط في أكثر الكتب: بجلب السلاح بضم اللام وتشديد الباء، وهو يرد التأويل السالف، وضبط الجوهري وابن فارس جربان بضم الراء وتشديد الباء. قال ابن فارس: جربان السيف: قرابه (٢)، وقيل: حده.
الخامس:
قوله: (فصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).
وفي رواية ابن عمر: في بابها (ولا يقيم بها إلا ما أحبُّوا) (٣) يحتمل ذلك في القضية كقوله: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وقال ابن التين هناك: يجمع بينهما بأن مجيئهم لما كانت ثلاثة أيام فعبر عنها بما آلت إليه وهو الثلاث.
وقوله: ("أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ") من خاصته أنه لم يصبه ولادة غير الحلال من آدم وحواء ﵉ وهلم جرا. وقد قال: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (٤).
وقوله: (فمحاه رسول الله ﷺ بيده) أي: بعدما أراه عليّ الخط. ويحتمل أن يكون يعرفه بكثرة الدُربة.
стр. 9888
وقوله: (فَأَخَذَ النبي ﷺ الكِتَابَ، فَكَتَبَ) أي أمر عليًّا فكتب كضرب الأمير: أمر به، وقيل محاه رسول الله ﷺ .
وقوله: (فَكَتَبَ) يعني عليًّا. قال الشيخ أبو الحسن: ما رأيت هذا اللفظ (فَكَتَبَ) إلا في هذا الموضع. وقيل: إنه مختص بهذا الموطن. وقيل: إنه كالرسم؛ لأن بعض من لا يكتب يرسم اسمه بيده؛ لتكراره عليه. وقيل: كتب.
وأما قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ الآية لأنه تلا بعد (١).
أما قوله: "إنا أمة أمية" لأنه كان منهم من يكتب لكن عادة العرب يسمون الجملة باسم أكثرها. فلذلك كان أكثر أمره أنه لا يحسن فكتب مرة.
وقيل: لما أخذ القلم أوحى الله إليه فكتب. وقيل: ما مات حتى كتب. وقيل: كتب على الاتفاق من غير قصد فانتظم ذلك منه.
قال السهيلي: وكتب علي ذلك اليوم نسختين إحداهما مع رسول الله ﷺ والأخرى مع سهيل وشهد فيها أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذٍ مشرك، وحويطب بن عبد العزى وسيأتي له زيادة في كتابه (٢).
ووقع في بعض نسخ "أطراف" أبي مسعود أنه ﵇ أخذ الكتاب ولم يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله: محمدًا، وكتب: هذا ما قاضى
стр. 9889
عليه محمد فزيادة منكرة، والثابت ما أسلفناه: (فَكَتَبَ) أي: أمر عليًّا كما سلف، وفي رواية: فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب (١) وإن من معجزاته أنه كتب من وقته؛ لأنه خرق العادة.
وقال به أبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي وصنف فيه وأنكر عليه.
السادس:
قوله: (فَتَبِعَتْهُمُ ابنةُ حَمْزَةَ) وفي حديث آخر: أن زيدًا أتى بها واحتج حين خاصم فيها لأنه تجشم الخروج بها، فإما أن يكون في إحدى الروايتين وهم، أو يكون خرج مرة فلم يأتِ بها وسيقت إليه في هذِه المرة فأتى بها فتناولها عليٌّ، ذكره ابن التين.
وفيه: تناول غير ذات المحرم عند الاضطرار إليه. قاله الداودي، والصحيح أنها الآن ذات محرم؛ لأن فاطمة أختها من الرضاعة، وهي تحت علي فهي ذات محرم إلا أنها غير مؤبدة التحريم.
وفيه: خروج فاطمة في هذِه العمرة.
وقولها: (يَا عَمِّ) إن قالته لرسول الله فهو عمها من الرضاعة، وإن قالته لزيد فكان مصاحبًا لحمزة مؤاخيًا له، وقد تقوله له ولعلي ولجعفر لسنهم وصغرها.
وقضاؤه ﵇ لخالتها فيه دلالة أن للخالة حقًّا في الحضانة فقال هنا: "الخالة بمنزلة الأم" وقال في رواية أخرى خارج الصحيح: "إنها أم" (٢) يعني في الحضانة وهو أصل في الحكم لها بالحضانة، ومالك يقول في
стр. 9890
"المدونة" هي أحق من الأب (١)، وهو مشهور مذهبه، وقيل: الأب أولى منها.
قال الطبري: وفيه دلالة على أن أم الصغير ومن كان من قرابتها من النساء أولى بالحضانة من عصبتها من قبل الأب وإن كانت ذات زوج غير الوالد الذي هو منه، وذلك أنه ﵇ قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة وقد تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ومولاها أخو أبيها الذي كان ﵇ آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها، وذلك بعد مقتل حمزة فصح قول من قال: إنه لاحق لعصبة الصغير من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار مع قرابته من النساء من قبل الأم وإن كن ذات أزواج.
فإن قلت: فإذا كانت قرابة الأم أحق وإن كن ذات أزواج فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك كان كما كانت الخالة ذات الزوج أحق به.
قيل: فرق بين ذلك قيام الحجة بالنقل المستفيض ورواية عن النبي ﷺ : أن الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تنكح وإذا نكحت فالأب أحق بحضانته.
وقد روي ذلك عن النبي ﷺ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وكل واحدة من المسألتين أصل: إحداهما من جهة النقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول، وغير جائز ردُّ حكم إحداهما على الأخرى؛ إذ القياس لا يجوز استعماله إلا فيما لا نص فيه من الأحكام.
стр. 9891
السابع:
قوله لعلي: ("أَنْتَ مِنِّي") فيه منقبة جليلة له.
وأعظم منها قوله: ("وَأَنَا مِنْكَ")، وكذا قوله لجعفر وزيد، ومقالته
لزيد هو من قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ وهو في هذا الموضع لا يصلح أن يكون إلا الانتساب فقط لا الموارثة، لأنه قد كان نزل في القرآن ترك التبني وترك التوارث به وبالحلف، ولم يبق من ذلك إلا الانتساب أن ينتسب الرجل إلى حلفائه ومعاقديه خاصة وإلى من أسلم على يديه، فيكتب كما يكتب النسب والقبيلة غير أنه لا يرثه بذلك.
وفي الحديث أنه قال: (لما قال لزيد: حَجَلَ) قال أبو عبيد: هو أن يرفع رجلًا ويقف على الأخرى من الفرح. قال: وقد يكون بالرجلين معًا إلا أنه قفز (١).
الثامن:
إن قلت: اشترطوا عليه أن لا يخرج بأحد من أهلها إن تبعه ثم خرجت بنت حمزة ومرت معه.
قلت: إن النساء لم يدخلن في العهد والشرط إنما وقع على الرجال فقط، وقد بينه البخاري في كتاب: الشروط بعد هذا، وفي بعض طرقه فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا (٢). ولم يذكر النساء فصح بهذا أن أخذه لابنة حمزة كان لهذِه العلة.
ألا تراه رد أبا جندل إلى أبيه وهو العاقد لهذِه المقاضاة. وقال
стр. 9892
البخاري فيما سيأتي: يقول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ﴾ (١) الآية.
ففيه نسخ السنة بالقرآن.
قال السهيلي: وفي قوله: (ولا يأتيك منا رجل). إلى آخره منسوخ عند أبي حنيفة بحديث سرية خالد حين وجهه رسول الله ﷺ إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد، فوداهم رسول الله ﷺ نصف الدية وقال: "أنا بريء من كل مسلم بين مشركين" (٢) وقال فقهاء الحجاز: ذلك جائز ولكن للخليفة الأكبر لا لمن دونه.
وفيه: نسخ السنة بالقرآن على أحد القولين، فإن هذا العهد كان يقتضي أن لا يأتيه مسلم إلا رده الله، فنسخ الله ذلك في النساء خاصة، على أن لفظ المقاضاة: لا يأتيك رجل. وهو إخراج النساء. وقيل: إنما جاز رد المسلمين إليهم في الصلح؛ لقوله: "لا يدعوني إلى خطةٍ" إلى آخره. وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت وزيادة خير من الصلاة بالمسجد الحرام وطوافه بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى، فعلى هذا يكون حكمًا مخصوصًا بمكة وبرسول الله ﷺ ، وغير جائز لمن بعده كما قال العراقيون. وقيل: إنما رد أبا جندل واسمه العاص؛ لأنه كان يأمن عليه القتل بحرمة أبيه سهيل بن عمرو (٣).
وفيه: اختصاص القوم فيما يراه جعالة في علمه، والحجة في ذلك
стр. 9893
من كل واحد منهم.
وهذِه خواتم معجلة على روايات لم يذكرها البخاري، وقد ساق البخاري قصة الحديبية مطولة من حديث مروان والمسور في الشروط فلنشرحها هنا لتصير مجموعة في موضع واحد، واسم العين الذي بعثه من خزاعة بُسر -بالسين المهملة- ابن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي. قاله ابن إسحاق في "سيره"، وهو الذي بعثه أيضًا مع بديل بن أم أصرم عام الفتح ليستنفرا خزاعة.
وغدير الأشطاط بطائين مهملتين، وبعضهم يقول بالمعجمتين، قال أبو عبيد: هو تلقاء الحديبية (١). وقيل: وراء عسفان، وهو جمع شط وهو السنام، وشط الوادي أيضًا جانبه.
والغميم وهو بغين معجمة وميم مكسورة، وذكر صاحب "المطالع" فيه ضم الغين وفتح الميم، ورده صاحب "التثقيف" فقال: ويقولون لموضع بقرب مكة: الغميم على التصغير، والصواب الفتح، جاء ذكره في كتاب البخاري وغيره، وكذا هو أينما وقع في شعر ابن أبي ربيعة وغيره. وقال ابن حبيب: الغميم بجانب المراض، والمراض بين رابغ والجحفة (٢).
وقال الحازمي: المصغر واد في ديار حنظلة من بني تميم.
والطليعة: التي تخرج لأخذ خبر العدو.
وقترة الجيش: هو غبرة حوافر الدواب. غبرة سوداء، ومثله ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾.
وقوله: (حتى إذا كان بالثنية) قال الداودي: يعني التي أسفل مكة.
стр. 9894
ومنها: ولما بركت ناقته ﵇ قال الناس: حل حل. وهو زجر الناقة إذا حملها على السير بسكون اللام، فإذا ثنيت قلت: حلٍ حَلْ بكسر اللام والتنوين في الأولى وسكونها في الآخر كقولهم: بخٍ بخْ، وصهٍ صه. ويجوز في الثانية كسر اللام كما ضبط في بعض الكتب.
قال ابن سيده: هو زجر لإناث الإبل خاصة، ويقال: حَلا وحَلِي لا حليت، وقد اشتق منه اسم فقيل: الحلحال في شعر كثير عزة (١). قال الجوهري: وحوبٌ زجرٌ للبعير (٢).
ومنها: قوله: (ألحت) -وهو بحاء مهملة مشددة- أي: لزمت مكانها ولم تنبعث. ومنها: خلأت، وهو بالخاء المعجمة والهمز، وهو كالحران في الخيل. قال ابن فارس والهروي: ألح الجمل وخلأت الناقة. قال ابن فارس: ولا يقال للجمل خلأ (٣).
وكذا قال ابن بطال: الخلأ في النوق مثل الحران في الخيل. فلما قال ذلك وظنوا أن ذلك من خلقها فقال ﵇: "مما خلأت، ومما ذاك لها بخلق" أي: بعادة، وهو دال على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان يحكم بها على الطارئ الشاذ، وكذلك في الناس إذا نسب إنسان إلى غير خلقه المعلوم في هفوة كانت منه لم يحكم بها (٤).
وقوله: ("ولكن حبسها حابس الفيل") يريد أن الله -عزوجل- حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جيء به لهدم الكعبة. قال الخطابي: والله أعلم أنهم لو استباحوا مكة لأتى القتل على قوم سبق في علم
стр. 9895
الله أنهم سيسلمون ويخرج من أصلابهم ذرية يؤمنون. هذا موضع التشبيه بحبسها (١).
قال الداودي: لما رأى ﵇ بروك القصواء علم أن الله أراد صرفهم عن القتال ليقض الله أمرًا كان مفعولًا.
ومنها: (الخُطَّة)، وهي بضم الخاء المعجمة وبالطاء المهملة: الحالة. وقال الداودي: الخصلة. وقال صاحب "المطالع": قضية وأمر.
ومنها: قوله: (يعظمون فيها حرمات الله) يعني البلدة الحرام فيكفون عن القتال فيه تعظيمًا للحرم.
قال ابن بطال: يريد بذلك موافقة الله في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله تعالى إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة، فأبقى عليهم لما سبق في علمه من دخولهم في دين الله أفواجًا (٢).
ومنها: (الثمد) وهو: الماء القليل الذي لا مادة له. قال الداودي: هو العين. وقيل: هو ما يظهر من الماء زمن الشتاء ويذهب في الصيف. قال بعضهم: لا يكون إلا فيما غلظ من الأرض.
وقوله: (قليل الماء). أكده؛ لأنه لغةً: القليل من الماء كما سلف.
ومنها: قوله: (يتبرضه الناس تبرضًا). أي يأخذونه قليلًا قليلًا، وأصله اليسير من العطاء. وعبارة ابن بطال: أنه جمع الماء باليدين (٣). وزعم بعضهم في شرح شعر لبيد أنه القليل من ماء السماء. قال
صاحب "العين": ماء برض: قليل (٤).
стр. 9896
فبرض الماء: جمع البرض منه، ومنها قوله (فلم يلبثه الناس) وهو بثاء مثلثة. قال ابن التين: أي لم يتركوهن، ولبث غير متعدٍّ وعدّاه هنا لأنه رباعي من ألبث يلبث.
وقوله: (حتى نزحوه): أي: لم يبقوا منه شيئًا، يقال: نزحت البئر فنزحت لازم ومتعد قاله ابن التين. وقال ابن بطال: يقال نزحت البئر نقص ماؤها، وبئر نزوح قليلة الماء، عن صاحب "العين" (١).
وقوله (فانتزع سهمًا من كنانته) هي: الجعبة التي فيها النبل.
وقوله: (يجيش لهم بالري) هو بجيم ثم مثناة تحت ثم شين معجمة فاض.
قال ابن سيده جاشت تجيش جيشًا وجيوشًا وجيشانًا (٢) وكان الأصمعي يقول: جاشت بغير همز: فارت، وبالهمز: ارتفعت، وقال الداودي: معناه يأتي بالري.
ومنها: (صدروا) أي رجعوا رواء، وهو من أعلام نبوته وبركته. ومجيئه من غير أن يستأمن قريشًا وبينه وبينهم ما لا يخفى جريًا على عادة العرب من أن مكة غير ممنوعة ممن قصدها.
ومنها: (بُديل بن ورقاء) وكان من دهاة العرب. قال أبو عمر: أسلم يوم الفتح بمر الظهران وشهد حنينًا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح، وقيل: أسلم قبل ذلك (٣). وتوفي في حياة رسول الله ﷺ . وقال ابن حبان: كان سيد قومه (٤).
стр. 9897
وقوله: (في نفر) النفر من ثلاثة إلى عشرة: قاله ابن فارس (١)، وقال ابن عزيز: ما بين العشرة إلى الثلاث، ومنها: العيبة بعين مهملة ثم مثناة تحت ثم باء موحدة، وهي هنا موضع سره وأمانته كعيبة الثياب التي يضع فيها الإنسان جيد ثيابه.
ومنها: قوله: (نصح النبي ﷺ ) قال ابن التين: ضبط بفتح النون على أنه مصدر من ينصح، وفي بعض الكتب بضمها على الاسم من نصح. و (تهامة): بكسر التاء.
ومنها (أعداد مياه الحديبية) قال الداودي: يعني موضعًا بمكة.
وقال الخطابي وابن بطال: هو جمع عِد، وهو جمع الماء الدائم الذي لا ينقطع، يقال: ماء عِد ومياه أعداد (٢)، وأصل الماء موه بدليل جمعه على مياه، فالهمز إذن بدل من الهاء، وكذلك يقال في تصغيره: مويه.
ومنها: (العوذ المطافيل). قال السهيلي هو جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان ليزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يناجزوك في زعمهم، وإنما قيل للناقة: عائذ، وإن كان الولد هو الذي يعوذها لأنها عاطف عليه كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحًا فيها؛ لأنها في معنى نامية وزاكية. وقال الخطابي: العوذ. الحديثات النتاج. قال: والمطافيل قيل: الأمهات التي معها أطفالها يريد أن هذِه القبائل قد احتشدت لحربه وساقت أموالها (٣).
стр. 9898
وقال ابن التين: تجمع أيضًا على عيذان مثل راع ورعيان في "الصحاح". قلت: وعوذان أيضًا، تقول: هي عائذ بينة العئوذ إذا ولدت عشرة أيام وخمسة عشر يوما ثم هي مطفل بعد ذلك ذكره الجوهري (١)، وذكر الهروي أنه يقال المطافيل: النساء معهن أولادهن وقال ابن فارس: هي سبعة أيام عائذ إذا وضعت. قال: والمطافيل: التي معها أطفالها، زاد وهي قريبة عهد بنتاج (٢).
وقال الداودي: العوذ المطافيل: سراة الرجال. قال: وهو ذهل، وقيل: هي الناقة التي لها سبع ليال منذ ولدت وقيل: عشرة. وقيل: خمس عشرة يومًا، ثم هي مطفل بعد ذلك، وقيل: النساء مع الأولاد. وقيل: النوق مع فصلانها، وهذا هو أصلها.
وقوله: (نهكتهم الحرب) هو بكسر الهاء وفتحها، أي: أبلغت فيهم. يقال نهكته الحمى إذا نقصته يريد ما كان من بدر وما تكلفوه يوم أحد ويوم الخندق من نفقات الأموال.
ومنها: قوله: "ماددتهم" أي: ضربت معهم مدة للصلح.
ومنها: قوله: "فإن شاءوا" قال ابن التين: وقع في بعض الكتب بالواو بدل الفاء، وبالأول يستثقل الكلام، ومعنى "يخلوا بيني وبين الناس" أي: يكفون عن حربي ويتركوني وإياهم فإن ظفرت بهم كانوا
قد ربحوا أموالهم وما تأتي عليه الحرب من الأنفس، وإن ظفر بغيرهم فقد جموا.
وقوله: "جموا" -بالجيم- أي: استراحوا من جهد الحرب، وهم
стр. 9899
جامون أي: مستريحون وأصله الجمع والكثرة، ومنه الجم الغفير. وقال ابن التين إنه مأخوذ من الجمام وهي الراحة.
ومنها: "تنفرد السالفة" قال الخطابي: أي: بين عنقي، والسالفة مقدم العنق (١)، وقيل: صفحته، وفي "المخصص" السوالف: الطلى (٢). وفي "المحكم": أعلى العنق (٣). وأراد حتى أبقى وحدي. وقال الداودي: أراد حتى تنقطع مدتي وأنفرد في قبري. قال: والسالفة قيل: العنق وهو العرق الذي بين الكتف والعنق.
ومنها: قوله: ("ولينفذن الله أمره") أي: ليظهره على الدين كله وإن كرهوا.
ومنها: قوله: ("ألستم بالوالد، أو لست بالولد") أي: أصنع لكم ما يصنع الولد لوالده في النصرة وغيرها.
واسم أم عروة بن مسعود سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
ومنها: قوله: ("استنفرت أهل عكاظ") أي: دعوتهم إلى نصركم.
وقوله: ("فلما بلحوا") هو بباء موحدة وبعد اللام المشددة حاء مهملة، أي: عجزوا يقال: بلح الفرس إذا أعيا ووقف.
وقال الخطابي: (بلحوا): امتنعوا. يقال: بلح الغريم إذا قام عليك فلم يؤد حقك، وبلحت البركة إذا انقطع ماؤها (٤).
стр. 9900
ومعنى (اجتاح): استأصل أهله، ومنه سميت الجائحة. و (الأشواب من الناس) يريد: الأخلاط. قاله الخطابي.
قال: والشوب: الخلط. وروي أوشابًا وهو مثله. تقول: هم أوشاب وأشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين (١).
وقال الداودي هم أرذال الناس. وقال القزاز: مثل الأوباش.
وقوله: (خليقًا أن يفروا ويدعوك) أي: حقيقًا ذلك. قاله الداودي.
وقال ابن فارس: بكذا أي: ممن يقدر فيه (٢).
وقوله: (امصص بظر اللات) هو بفتح الصاد الأولى كما قيده الأصيلي وصوبه صاحب "المطالع" من مَصَّ يمص وهو أصل مطرد في المضاعف مفتوح الثاني، وفي رواية أبي الحسن بضمها، والأول أصح؛ لأن ماضيه مص.
قال ابن التين: وهي كلمة تقولها العرب عند المشاتمة والذم، تقول: ليمصص بظر أمه، واستعار أبو بكر ذلك في الكلام لتعظيمهم إياها.
والبظر: بالظاء المعجمة قبلها باء موحدة ثم راء. قال الداودي: هو فرج المرأة، وقال ابن التين: هو عند أهل اللغة ما يخفض من فرجها أي يقطع عند خفاضها.
وقال أبو عبيد: البظارة ما بين الأسكتين، وهما جانبا الحياء. وقال أبو زيد: هو البظر. وقال أبو مالك: هو البُنْظُر. وقال ابن دريد: البيظرة:
стр. 9901
ما تقطعه الخاتنة من الجارية، ذكره في "المخصص" (١).
وقال في "المحكم": البظر ما بين الأسكتين، والجمع بظور وهو البيظر والبَظارة، والبُظارة، الأولى عن أبي غسان، وامرأة بظراء: طويلة البظر، والاسم: البظر، ولا فعل له، والمبظر: الخاتن كأنَّه على السلب، ورجل أبظر: لم يُختن (٢).
وقول عروة: (أما والذي نفسي بيده لولا يد .. ) إلى آخره قال ذلك وهو كافر؛ لأنهم كانوا يعرفون الله وبعض صفاته ويجهلون بعضها، وكانوا يسمون عبد الله، كذا ذكر الداودي وأنكر هذا بعضهم، وقال: إذا جهل بعض صفات الله لم يعرفه، وأسلم عروة بعد ذلك، وأرسله رسول الله ﷺ إلى قوم فقتلته (٣)، ويقال: إن مثله كمثل الذي قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ الآية [يس: ٢٦] ذكره الداودي.
وقوله: (لم أجزك بها) أي لم أكافئك بها، من جزى يجزي.
وفيه: دلالة أن الأيادي يجب على أهل الوفاء مجازتها، والمعاوضة عليها، ومس عروة لِحْيَةَ سيدنا رسول الله ﷺ جاريًا على عادة العرب يستعملونه كثيرًا، يريدون بذلك التحبب والتواصل، وحكي عن بعض العجم فعل ذلك أيضًا وأكثر العرب فعلًا كذلك أهل اليمن، وكان المغيرة يمنعه من ذلك إعظامًا لسيدنا رسول الله ﷺ ، وإكبارًا لقدره؛ إذ كان إنما يفعل ذلك الرجل بنظيره دون الرؤساء، وأين نظيره؟! ولم يمنعه ﵇ من ذلك تألفًا واستمالة لقلبه وقلب أصحابه.
стр. 9902
والمغفر: شيء يعمل من سرد الدروع تستر الرأس إلى الكتفين.
وقوله: (كلما أهوى بيده) يقال: أهوى الرجل بيده إلى الشيء ليأخذه.
ونعل السيف: ما يكون أسفل القراب من حديد أو فضة، ويستدل بهذا على جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيف؛ مخافة العدو، وأن الإمام إذا جفا عليه أحد لزم ذلك القائم تغييره بما أمكنه.
وقوله: (أي غدر): يريد المبالغة في وصفه بالغدر.
قال ابن بطال: وفي لين عروة وبديل لقريش دلالة على أنهم كانوا أهل إصغاء وميل إلى رسول الله ﷺ .
وقول عروة: (أرأيت إن استأصلت قومك) فيه: دلالة على أنه ﵇ كان يومئذٍ معه جمع يخاف منه عروة على أهله الاستئصال لو قاتلهم، وخوف عروة إن دارت الدائرة -والعياذ بالله- على سيدنا رسول الله ﷺ أن يفر عنه من تبعه من أخلاط الناس؛ لأن القبائل إذا كانت متميزة لم يفر بعضها عن بعض، فإذا كانوا أخلاطًا فرَّ كل واحدٍ عن الآخر، ولم يرَ على نفسه عارًا، والقبيلة بأصلها ترى العار وتخافه، ولم يعلم عروة أن الذي عقده الله به من قلوب المؤمنين من محض الإيمان فوق ما تعتقده القرابات لقراباتهم.
ولذلك ردَّ عليه الصديق، وهكذا يجب أن يجاوب من جفا على سروات الناس، وأفاضلهم، ورماهم بالفرار (١).
وقوله: (ألست أسعى في غدرتك) يريد أن عروة كان يصلح على
قوم المغيرة، ويمنع منهم أهل التنكيل الذين قتلهم المغيرة؛ لأن أهل المغيرة بقوا بعده في دار الكفر (٢)، وكان المغيرة خرج مع نفر من بني
стр. 9903
مالك إلى المقوقس، ومع القوم هدايا قبلها منهم المقوقس، ووصلهم بجوائز، وقصَّر بالمغيرة؛ لأنه ليس من القوم، فجلسوا في بعض الطريق يشربون، فلمَّا سكروا وناموا قتلهم المغيرة جميعًا، وأخذ ما كان معهم، وقدم على رسول الله ﷺ فأسلم، فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتخمس أو ليرى فيها رأيه؟ فقال ﵇: "أما المال فلست منه في شيء"، يريد في حلٍّ؛ لأنه علم أن أصله غصب، وأموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحلُّ أخذها عند الأمن، وإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم، فقد أمن كل واحدٍ منهم صاحبه، فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر، والغدر بالكفار وغيرهم محظور (١).
فلمَّا بلغ ثقيفا فعلُ المغيرة تداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عنه عروة بن مسعود عم المغيرة ثلاثة عشر دية.
والنخامة: ما يصعد من الصدر إلى الفم، ومن الرأس.
وابتدروا أمره: استبقوا إليه.
وقوله: (يقتتلون على وَضوئه). قال الداودي: قصد بما يتوضأ به من الماء، ويحتمل أنه يريد: أنه كان يتوضأ في إناء ليتبركوا به، ولئلا يضيع ما فيه منفعة.
وقوله: (خفضوا أصواتهم عنده). هذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٢].
قوله: (ما يحدون إليه النظر) أي: ما يتأملونه، ولا يديمون النظر
стр. 9904
تعظيمًا له.
وكان أبو بكر وعمر بعد أن نزلت الحجرات لا يكلمه أحدهما إلا كالمناجي له حتى ربما استفهم أحدهما لشدة الإخفاء.
وقوله: (فقال رجل من بني كنانة) كانت بنو كنانة ممن يمالئ قريشًا على سيدنا رسول الله ﷺ ، ودخلوا في عهد قريش، كما أن خزاعة دخلت في عهد المسلمين، وكان في بعض المدَّة عدا رجل من كنانة على آخر من خزاعة، فعلمت قريش أن العهد انتقض، فأرسلوا أبا سفيان ليجدد العهد مع رسول الله ﷺ ، وظنوا أنه لم يعلم بقتل الخزاعي، وكان الوحي جاءه بذلك، فلم يفصح لأبي سفيان بنقض العهد، ولا أن يجدد، بل قال له: "يكفي العهد الأول"، وهذا من المعاريض.
فمشى أبو سفيان إلى أبي بكر وعمر ليكلماه بذلك فأجاباه بغلظ، وإلى فاطمة وابنيها فأبوا، فأتى الناس والنبي ﷺ بين ظهرانيهم، فقال: إني أجرت بين الناس، فقال ﵇، وأراد أن يوهمه: "أسمع ما تقول أبا سفيان؟ "، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما فعل فعلموا أنه لم يفد شيئًا.
وقوله: "سهل أمركم؟ " هو تفاؤل ﵇ باسم سُهيل، إذ كان يحب الفأل الحسن، وكان تفاؤله حقًّا؛ لأنه يلقى في روعه، وفي إنكار سهيل كتب البسملة، ويمين المسلمين: (والله لا نكتب) فيه -كما قال ابن بطال- أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره. وتركه ﵇ إبرار قسمهم، وقد أمر به أمر ندب مما يحسن ويجمل (١).
فإذا كان الحلف في أمرٍ يؤدي إلى انخرام المقاضاة والصلح كهذا
стр. 9905
فلا يندب إلى بره، مع أن ما دعى إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى، وكذا ما أباه من كتابة (رسول الله) ليس إلحادًا في الرسالة.
فلذلك أجابه ﵇ إلى ما دعاه، ولم يأنف سهيل من هذا؛ لأنه كان متكلمًا عن أهل مكة لا سيما وفي بعض طرقه: هذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله. فخشي سهيل أن ينعقد في مقالتهم الإقرار برسالته (١). وليس في انتمائه إلى أبيه ما ينفي رسالته.
وقول سهيل: (لا تكتب إلَّا باسمك اللهم) أول من قالها أمية بن أبي الصلت، كما قال السهيلي، ومنه تعلمتها قريش وتعلمها هو من الجن فيما ذكره المسعودي.
وقوله: (إذ أتاه أبو جندل: إنا لم نقض الكتاب بعد) يقتضي أن من صالح أو عاهد على شيءٍ بالكلام أنه بالخيار في النقض في المجلس.
وقوله: (فأجره لي) (٢).
قال الحميدي فيما نقله ابن الجوزي: بالراء. وبالزاي أليق، وكذا قال ابن التين: أنه يروى بهما، فمن رواه بالراء فهو من الأمان. قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ [التوبة: من الآية ٦] ومنه أيضًا: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: من الآية ٨٨].
وقول مكرز: (أجزناه لك) أي: أمناه لك إذ لم يفعل سهيل، وكان سهيل من أشراف قريش، ومعنى (أجزه) بالزاي، أي: أجز لي فعلي فيه، قاله الداودي.
وقوله: (الدنية) يعني: الدون.
стр. 9906
وقوله: ("إني رسول الله ولست أعصيه ") تنبيهًا لعمر. أي: إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة، وإني لست أفعل ذلك برأيى وإنما هو بوحي، وما كان من عمر لرسول الله ولأبي بكر.
فيه: أن للمؤمنين استفهام الأنبياء عمَّا تلجلج في نفوسهم؛ ليزال ما في نفوسهم، ويزدادوا يقينًا.
وفيه: أنَّ الكلام محمول على العموم حتى يقوم دليل على الخصوص.
ألا ترى أن عمر حمل كلامه في دخول البيت على عمومه، فأخبره الشارع أنه لم يعده بذلك في هذا العام، بل وعدًا مطلقًا، ويؤخذ منه أن من حلف على فعل ولم يعين وقتًا أن وقته أيام حياته، وانظر إلى فضل أبي بكر على عمر في جوابه بما أجابه سيدنا رسول الله ﷺ سواء، وهو دال على توقد ذهنه، وحسن قريحته، وقوة إيمانه.
وفيه: صلابة عمر، وفضل الصديق، وأنه يقصد بالمسألة حتى يحتاج إلى علمه.
وفيه: سابقته في العلم، وتوفيق الله إياه لمثل قوله ﵇.
وقوله: (تطوف به) هو مشدد الواو والطاء مثل قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: من الآية ١٥٨].
والغرز للرجل بمنزلة الركاب للسرج فكأنه استعار ذلك، أي: تمسك بركابه واتبعه.
قال الداودي في رواية أخرى: (بعروة الله) أي: بدل (بغرزه).
وقول عمر: (فعملت لذلك أعمالًا) يشير كما قال ابن الجوزي إلى الاستغفار والاعتذار.
стр. 9907
وقال ابن بطال: يعني أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية في دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبي جندل إليهم، ويدل على ذلك إتيانه أبا بكر، وقوله له مثل ذلك (١).
وأبو بصير بالباء الموحدة المفتوحة ثم صاد مهملة مكسورة، اسمه عتبة بن أَسِيد بن جارية بن أسيد، وقيل: عبيد بن أَسِيد حالف بني زهرة.
وقوله: ("مِسْعر حرب") هي كلمة تعجب، يصفه بالإقدام في
الحرب، والإيقاد لنارها، واشتقاقه من سعرت النار إذا أوقدتها، والمسعر الخشبة التي تسعر النار.
وقال الداودي: هي كلمة تقال عند المدح والذم والإعجاب.
و (ويل) مكسور اللام، وموصول ألف (امه)، قال ابن التين: كذا رويت هذِه اللفظة، وقال ابن بطال: إعرابه: ("ويل امه مسعر حرب")، فانتصب على التمييز (٢)، ولم يرد الدعاء بإيقاع الهلكة عليه، وإنما هو على ما جرت به عادة العرب على ألسنتها كـ"تربت يداك" ونحوه، وقتل أبي بصير أحد الرسل بعد أن أرسله رسول الله معه، فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه في ذلك دية؛ لأن هذا لم يكن في شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله ﷺ بالقود من أبي بصير.
وظاهر الحديث -كما قال السهيلي- رفع الحرج عنه؛ لأنه ﵇ لم يثرب بل مدحه فقال: "ويل آمه مسعر"، وفي رواية: "محش حرب" (٣)؛
стр. 9908
لأن أبا بصير دفع عن نفسه ودينه، ومن قتل دون واحد منهما فهو شهيد،
قال: لم يزل أصحابه يكثروا حتى بلغوا ثلاثمائة وكان كثيرًا ما يقول:
هنا لك الله العلي الأكبر … من ينصر الله فسوف ينصر
قال: فلما جاءهم الفرج من الله، وكلمت قريش رسول الله ﷺ أن يؤيهم إليه لما ضيقوا عليهم، ورد كتاب رسول الله ﷺ ، وأبو بصير يجود بنفسه، فلما قرأ الكتاب سُرَّ به ثم قبض والكتاب على صدره، فبني عليه مسجد، فلما فهم من قوله: "لو كان له أحد" خرج حتى أتى سِيف البحر بكسر السين المهملة، أي: شاطئه وهو موضع، كما قاله الداودي.
وقوله: (وامتعضوا) هو بضاد معجمة، أي: كرهوا، وروي بتشديد الميم، وصحف من قاله بالظاء المعجمة، واقتصر ابن بطال في أول الشروط على قول صاحب "العين" (١): معض الرجل وامتعض إذا غضب للشيء، وأمعضته وأمعضه ومعضته إذا أنزلت به ذلك (٢).
وقول البخاري في آخره: (قال عقيل: عن الزهري، قال عروة: فحدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن) (٣) الحديث ذكره مسندًا في أول الشروط فقال: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل به (٤).
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ أَنه ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ .. الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زيدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ.
الشرح: (الهُدْنَة): السكون ورفع الحرب.
و (بنو الأصفر): الروم، وأصل الأصفر في كلام العرب: الأسود.
قيل للروم: بنو الأصفر؛ لأن جيشًا غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطئوا نساءهم فولدن أولادًا فيهم بياض الروم وسواد الحبشة، فنسب الروم إلى الأصفر لذلك.
وقيل: بنو الأصفر اسم مخصوص به الملوك خاصة، بدليل قول علي بن زيد:
أين كسرى كسر الملوك أنوشر … وانَ أم أين بعده سابور
أم بنو الأصفر الكرام ملوك الرو … م لم يبق منهم مذكور
وقيل: إن الهدنة لا تكون إلا بصلح بعد قتال.
وقوله: (صالح النبي ﷺ يوم الحديبية على ثلاثة أشياء) قال الداودي: إنما ذكر بعض ما كان ليبين على أنه لم يكن من الشروط غيرها.
وقوله: (فجاء أبو جندل) هو العاصي بن سهيل، قتل مع أبيه بالشام.
قال ابن عبد البر: غلطت طائفة ممن ألفت في الصحابة فزعمت أن اسمه عبد الله، وأنه الذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر فانحاز من المشركين إلى المسلمين، وشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ، وهو غلط فاحش؛ لأن عبد الله ليس بأبي جندل وإنما هو أخوه، وعبد الله استشهد باليمامة مع