وقوله: ("إني رسول الله ولست أعصيه ") تنبيهًا لعمر. أي: إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة، وإني لست أفعل ذلك برأيى وإنما هو بوحي، وما كان من عمر لرسول الله ولأبي بكر.
فيه: أن للمؤمنين استفهام الأنبياء عمَّا تلجلج في نفوسهم؛ ليزال ما في نفوسهم، ويزدادوا يقينًا.
وفيه: أنَّ الكلام محمول على العموم حتى يقوم دليل على الخصوص.
ألا ترى أن عمر حمل كلامه في دخول البيت على عمومه، فأخبره الشارع أنه لم يعده بذلك في هذا العام، بل وعدًا مطلقًا، ويؤخذ منه أن من حلف على فعل ولم يعين وقتًا أن وقته أيام حياته، وانظر إلى فضل أبي بكر على عمر في جوابه بما أجابه سيدنا رسول الله ﷺ سواء، وهو دال على توقد ذهنه، وحسن قريحته، وقوة إيمانه.
وفيه: صلابة عمر، وفضل الصديق، وأنه يقصد بالمسألة حتى يحتاج إلى علمه.
وفيه: سابقته في العلم، وتوفيق الله إياه لمثل قوله ﵇.
وقوله: (تطوف به) هو مشدد الواو والطاء مثل قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: من الآية ١٥٨].
والغرز للرجل بمنزلة الركاب للسرج فكأنه استعار ذلك، أي: تمسك بركابه واتبعه.
قال الداودي في رواية أخرى: (بعروة الله) أي: بدل (بغرزه).
وقول عمر: (فعملت لذلك أعمالًا) يشير كما قال ابن الجوزي إلى الاستغفار والاعتذار.
стр. 9907
وقال ابن بطال: يعني أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية في دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبي جندل إليهم، ويدل على ذلك إتيانه أبا بكر، وقوله له مثل ذلك (١).
وأبو بصير بالباء الموحدة المفتوحة ثم صاد مهملة مكسورة، اسمه عتبة بن أَسِيد بن جارية بن أسيد، وقيل: عبيد بن أَسِيد حالف بني زهرة.
وقوله: ("مِسْعر حرب") هي كلمة تعجب، يصفه بالإقدام في
الحرب، والإيقاد لنارها، واشتقاقه من سعرت النار إذا أوقدتها، والمسعر الخشبة التي تسعر النار.
وقال الداودي: هي كلمة تقال عند المدح والذم والإعجاب.
و (ويل) مكسور اللام، وموصول ألف (امه)، قال ابن التين: كذا رويت هذِه اللفظة، وقال ابن بطال: إعرابه: ("ويل امه مسعر حرب")، فانتصب على التمييز (٢)، ولم يرد الدعاء بإيقاع الهلكة عليه، وإنما هو على ما جرت به عادة العرب على ألسنتها كـ"تربت يداك" ونحوه، وقتل أبي بصير أحد الرسل بعد أن أرسله رسول الله معه، فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه في ذلك دية؛ لأن هذا لم يكن في شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله ﷺ بالقود من أبي بصير.
وظاهر الحديث -كما قال السهيلي- رفع الحرج عنه؛ لأنه ﵇ لم يثرب بل مدحه فقال: "ويل آمه مسعر"، وفي رواية: "محش حرب" (٣)؛
стр. 9908
لأن أبا بصير دفع عن نفسه ودينه، ومن قتل دون واحد منهما فهو شهيد،
قال: لم يزل أصحابه يكثروا حتى بلغوا ثلاثمائة وكان كثيرًا ما يقول:
هنا لك الله العلي الأكبر … من ينصر الله فسوف ينصر
قال: فلما جاءهم الفرج من الله، وكلمت قريش رسول الله ﷺ أن يؤيهم إليه لما ضيقوا عليهم، ورد كتاب رسول الله ﷺ ، وأبو بصير يجود بنفسه، فلما قرأ الكتاب سُرَّ به ثم قبض والكتاب على صدره، فبني عليه مسجد، فلما فهم من قوله: "لو كان له أحد" خرج حتى أتى سِيف البحر بكسر السين المهملة، أي: شاطئه وهو موضع، كما قاله الداودي.
وقوله: (وامتعضوا) هو بضاد معجمة، أي: كرهوا، وروي بتشديد الميم، وصحف من قاله بالظاء المعجمة، واقتصر ابن بطال في أول الشروط على قول صاحب "العين" (١): معض الرجل وامتعض إذا غضب للشيء، وأمعضته وأمعضه ومعضته إذا أنزلت به ذلك (٢).
وقول البخاري في آخره: (قال عقيل: عن الزهري، قال عروة: فحدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن) (٣) الحديث ذكره مسندًا في أول الشروط فقال: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل به (٤).
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ أَنه ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ .. الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زيدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ.
الشرح: (الهُدْنَة): السكون ورفع الحرب.
و (بنو الأصفر): الروم، وأصل الأصفر في كلام العرب: الأسود.
قيل للروم: بنو الأصفر؛ لأن جيشًا غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطئوا نساءهم فولدن أولادًا فيهم بياض الروم وسواد الحبشة، فنسب الروم إلى الأصفر لذلك.
وقيل: بنو الأصفر اسم مخصوص به الملوك خاصة، بدليل قول علي بن زيد:
أين كسرى كسر الملوك أنوشر … وانَ أم أين بعده سابور
أم بنو الأصفر الكرام ملوك الرو … م لم يبق منهم مذكور
وقيل: إن الهدنة لا تكون إلا بصلح بعد قتال.
وقوله: (صالح النبي ﷺ يوم الحديبية على ثلاثة أشياء) قال الداودي: إنما ذكر بعض ما كان ليبين على أنه لم يكن من الشروط غيرها.
وقوله: (فجاء أبو جندل) هو العاصي بن سهيل، قتل مع أبيه بالشام.
قال ابن عبد البر: غلطت طائفة ممن ألفت في الصحابة فزعمت أن اسمه عبد الله، وأنه الذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر فانحاز من المشركين إلى المسلمين، وشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ، وهو غلط فاحش؛ لأن عبد الله ليس بأبي جندل وإنما هو أخوه، وعبد الله استشهد باليمامة مع
стр. 9911
خالد، وأبو جندل لم يشهد بدرًا ولا شيئًا من المشاهد قبل الفتح؛ لأن أباه كان قد منعه من ذلك (١).
وقوله: (يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ) أي: يوسف مشية المقيد، والأصل في ذلك أن يرفع رجلًا ويقوم على أخرى، وذلك أن المقيد لا يمكنه أن ينقل رجليه معًا، وقيل: هو أن يقارب خطوه وهو مشية المقيد، وقيل: فلان يحجل في مشيه، أي: يتبختر، وروي: يجلجل في قيوده.
وقوله: (فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ) يريد رده إلى أبيه سهيل بن عمرو، ورد غيره للشرط الذي كان بينهم.
وفيه: جواز بعض المسامحة في أمور الدين، واحتمال اليسير من الضيم ما لم يكن ذلك مضرًّا بأصوله، إذا رجي من ذلك نفع، وعلى هذا محوه موضع ذكر النبوة عن اسمه، واقتصاره على اسمه واسم أبيه، إذ ليس في نسبته إلى أبيه نفي نسبه عن النبوة، وكذلك إجابته إياهم إلى ترك التسمية حسبما يأتي، وذلك أن الله تعالى أباح التقية للمسلم إذا خاف هلاكًا، فرخص له أن يتكلم بالكفر مع إضماره الإيمان بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
فظهر أن الصلح المذكور جائز عند الضرورة عند عدم الطاقة على العدو، فأما إذا قدروا عليهم فلا يجوز مصالحتهم لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ الآية [محمد: ٣٥] وإنما قاضاهم هذِه القضية، وإن كان ظاهرها الوهن على المسلمين كما أسلفنا من نزول ناقته، وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت، وإذا صرفت إلى مكة بركت، وكذلك كانت حالة الفيل ففهمها ﵇ من ربه، ولم يتعرض
стр. 9912
لدخولها، وقبل مصالحتهم، وحبس جيشه عن انتهاك حرمة الحرم وأهله، ولما كان قد سبق في علمه من دخول أهل مكة في الإسلام فقال: "لا يسألوني اليوم خطة" إلى آخره، فكان مما سألوه أن يعظم به أهل الحرم، أن يرد إليهم من خرج عنهم وعن حرمهم مسلمًا أو غيره، وأن لا يردوا ولا يخرجوا من الحرم من فر إليهم من المسلمين، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم.
فلهذا عاقدهم على ذلك مع بعض ما وعده الله أنه سيفتح عليه ويدخلها، حتى قال له عمر ما قال، ورد عليه الصديق.
فدل هذا على أن المدة التي قاضى عليها أهل مكة فيها إنما كانت من الله مبالغة في الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم في الإسلام، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في المدة التي هادن فيها على
أقوال.
وقال الشافعي: لا يجوز مهادنة أكثر من عشر اقتداءً به في الحديبية، فإن هُودِن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يُعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك: يجوز السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة وإجازته ذلك إلى غير مدة يدل على أنه يجوز مدة طويلة، فإن ذلك اجتهاد الإمام بخلاف قول الشافعي.
стр. 9913
٨ - باب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهْيَ: ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ". فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا الأَرْشَ. [٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح: ٥/ ٣٠٦]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ عن محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني حميد عنه في كسر سن الربيع بطوله هو أحد ثلاثياته. زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا الأَرْشَ.
وهذا التعليقُ أسندهُ البخاري في تفسير سورة المائدة (١)، فقال حدثنا محمدُ بن سلام عن مروان بن معاوية الفزاريِّ .. فذكره، وفي رواية ابن مُنير، عن عبد الله بن (بكر) (٢)، عن حُميد، عن أنس أن الرُّبيع عمته (٣)، وذكره في الديات أيضًا (٤).
وفي مسلمٍ (٥) من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فقالت أمُّ الربيع: والله لا تكسر
стр. 9914
ثنيتها، وكذا هو أيضًا في "سنن النسائي" (١) ورجح جماعة من العلماء رواية البخاري (د. س. ق)، وقال النووي: هما قضيتان (٢) فالله أعلم.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
الثنية: مقدم الأسنان، والأرش: الدية، قال ابن التين، وقيل: هو بفتح الهمزة وكسرها.
وقال ابن فارس: أرش الجراحة: ديتها، وضبط بفتح الراءِ، قال: وذلك لما يكون فيه من المنازعة، قال: ويقال: إن أصله الهرش (٣).
بمعنى طلبوا الأرش، أي: طلبوا أن يعطوه، ويعفى عن القصاص، فأتى أهلها وتحاكموا إلى رسول الله، فأمر بالقصاص.
ثانيها:
الرُبيَّعُ بضم الراءِ وفتح الباءِ الموحدة، ثمَّ ياءٍ مثناة تحت مشددة مكسورة. وأنس هذا هو: ابن النضر عم أنس بن مالك، وقتل يوم أحد.
قال أنس: وجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية
стр. 9915
بسهم، ومثل به، وما عرفه أحد إلا أخته ببنانه وفيه وفي أشباهه نزلت: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣].
وفيه: ثقته بالله، وقسمه لقوة رجائه.
ثالثها:
قوله: ("كتَابُ اللهِ القِصَاصُ") أي: فرض الله على لسان نبيه وحيًا. وقيل: أراد قوله تعالى: ﴿وَاْلسِّنَّ بِألسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] على قول من يرى أنَّا مخاطبون بشرع من تقدمنا من الأنبياءِ.
وقيل هو: إشارة إلى قوله: في ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآيه [النحل: ١٢٦] فعمومه يأتي على السنِّ وغيرها من الأعضاءِ.
وفيه: تلطفه أن ﵇ لأنس؛ لعلمه بصحة مراده.
وفيه: أن الله ﷻ لعبده عند حسن ظنه.
ومعنى "لأبره"، أي: أبر قسمه لكرامته عليه، وأتى الأمر على طبق مراده لما فيهم من الفضل.
وفيه: أن من له القود ليس عليه قبول الدية إلا أن يشاء.
رابعها:
فيه وجوب القصاص في السنن -وهو إجماع- إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها ففيها وفي كسر العظام خلاف مشهور للعلماءِ، والأكثرون على أنه لا قصاص، وذهب مالك إلى أنَّ القصاص في ذلك كلِّه إذا أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا كعظم الفخذ والصلب، أخذًا بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥].
وذهب الكوفيون، والليث، والشافعي: إلى أنه لا قود في كسر
стр. 9916
العظام ما خلا السنن لعدم الثقة بالمماثلة.
قال أبو داود: قيل لأحمد: كيف تقتصُّ من السنِّ؟ قال: تبرد.
وذكر ابن رشد في "قواعده" (١): أن ابن عباس رُوي عنه: أنه لا قصاص في عظم. وكذا عن عمر قال: وروي أن رسول الله ﷺ لم يقد من العظم المقطوع في غير المفصل، إلا أنه ليس بالقويَّ (٢).
وعن مالك أن أبا بكرِ ابن محمد بن عمرو بن حزم أقاد من كسر الفخذ (٣)، وفي "شرح الهداية"، روي مثل هذا الأول عن ابن مسعود، قال في "الشرح": ولا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس، ولا بين الحرِّ والعبد.
خامسها:
قوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ليس ردًّا لقول سيدنا رسول الله ﷺ ، بل المراد الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو، وإلى رسول الله ﷺ في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلف ثقة بهم أن لا يخيبوه أو ثقة بفضلِ الله ولطفه أن لا يخيبه ويجعل له مخرجًا؛ لأنه كان ممن يتقيه كما سلف، بل يلهمهم العفو ولم يجعله في معنى المتألي على الله بغير ثقةٍ.
وفيه: جواز الحلف مما يظنه الإنسان، وجواز الثناء على من لا يخاف عليه الفتنة بذلك.
стр. 9917
وفيه: إثبات كرامات الأولياءِ واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة فيه.
سادسها:
ما ترجم له من الصلح في الدية ظاهرٌ فيما أورده، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآية (١) [البقرة: ١٧٨].
وقال البزار: حديث إسرائيل عن أبي موسى لا نعلمه رواه عنه إلا ابن عيينة (١). قلت: ذكره البخاري في علامات النبوة عن عبد الله بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبي موسى، عن الحسن، عن أبي بكرة .. الحديث (٢).
قال البزار أيضًا: والحديث روي عن جابر وأبي بكرة، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادًا، وحديث جابر أغرب (٣).
قلت: وذكره ابن بطال من حديث المغيرة بن شعبة (٤) كما سيأتي، وزعم الدارقطني أن الحسن رواه أيضًا عن أمِّ سلمة، قال: وهذِه الرواية وهم، ورواه داود بن رشيد (٥)، وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلًا.
قال: ورواه أحمد بن عبد الله النهرواني (٦)، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن الحسن، ووهم فيه (٧).
ومن أوهام الداودي قوله: الحسن مع قربه من رسول الله ﷺ توفي وهو ابن سبع سنين، لا يشك في سماعه منه، وأنه تعدله الصحبة، وهو
стр. 9920
عجيب. فالحسن هذا الذي أراده البخاري هو ابن أبي الحسن البصري في سماعه من أبي بكرة، فإنه رواه عنه.
وأبو موسى الراوي عن الحسن هو إسرائيل (خ. ت. د. س) بن موسى البصري، نزل الهند، عنه ابن عيينة، وحسين الجعفي، قاله مسلم في كناه، وانفرد به البخاري. قال أحمد: هو مقارب الحديث.
إذا تقرر ذلك فالفئة: الفرقة، مأخوذ من فأوت رأسه، وفأيته.
والكتيبة: ما جمع بعضها إلى بعض، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من الجيش: كتيبة. وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنه يكتب اسم كل طائفةٍ في كتاب فلزمها هذا الاسم.
وقوله: (أَمْثَالِ الجِبَالِ) أي: لا يُرى لها طرف لكثرتها، كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه. والحسن لما مات عليٌّ بايع له أهل العراق وكانوا له أمثال أهل الشام لمعاوية.
وذكر أهل الأخبار فيما حكاه ابن بطال أن عليًّا لما مات بايع أهل الكوفة ابنه الحسن، وبايع أهل الشام معاوية، فسار معاوية بأهل الشام يريد الكوفة، وسار الحسن بأهل العراق فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه من جيوش العراق فنادى: يا معاوية، إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك عليه، وإن يكن لي فقد خلعته لك. فكبر أصحاب معاوية. وقال المغيرة بن شعبة عند ذلك أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول للحسن: "إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"، فجزاك الله عن المسلمين خيرًا. وقال الحسن: اتق الله يا معاوية على أمة محمد لا تفنيهم بالسيف على طلب الدنيا، وغرور فانية زائلة،
стр. 9921
فسلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه، وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة، لاجتماع الناس واتفاقهم، وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كل من كان معتزلًا عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدًا، ومائة جمل، وانصرف الحسن إلى المدينة. وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة، وولى البصرة عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته (١).
وقول عمرو بن العاصي: (إِنِّي لأَرى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) أي: إن قوتلت بغير حيلة غلبت لكثرتها.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ، وهو خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أي عَمْرُو) إلى آخره.
يقول: لما أشار إليه عمرو فهمها وسارع إليها، وعرف ما فيها من الصلاح فراسل الحسن، ومراده أن معاوية كان خيرًا من عمرو بن العاصي.
وقوله: (إِنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء) يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في صرف الحرب.
وقوله: (اذْهَبَا إِلَى هذا الرَّجُلِ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ واعْرِضَا عَلَيْهِ) يدل على أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض المال على الحسن وبذله ورَغَّبه؛ حقنًا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة وعرفه ما وعده به رسول الله ﷺ من سيادته والإصلاح به.
стр. 9922
فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة انفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخلفت من هذا الأمر قطعنا العادة، وإن هذِه الأمة قد عاثت في دمائها. يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال. فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: يفرض له من المال في كل عام كذا، ومن الأقوات والثياب ما يحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحه على ذلك (١). وبنو عبد شمس منهم بنو أمية.
وفيه: أن الرسل لا تُهاج وُيسمع قولها.
وقول الحسن: (أَصَبْنَا مِنْ هذا المَالِ) أي: حكمنا فيه حياة علىٍّ وبعده بما رأيناه صلاحًا، وخشي أن يتثاقل عليه فيضمن، فضمن له الرجلان ذلك، وأنه لا يطالب فقبل منهما لعلمه أن معاوية لا يخالفهما، واشترط شروطًا وسلم الأمر إلى معاوية.
وفيه: ولاية المفضول على الفاضل؛ لأن الحسن ومعاوية وليا وسعد وسعيد حيَّان (٢)، وهما بدريان.
وفيه: أن التصالح على الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز، وكذلك هو جائز إذا كان كل واحد منهما له سبب في الخلافة يستند إليه، وعقد من الإمارة يعود عليه. ذكره ابن بطال.
وفيه: أن قتال المسلم للمسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان على تأويل.
стр. 9923
وقوله: ("إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار") المراد: إن أنفذ الله عليهما الوعيد (١).
و (السَيِّد): الرئيس. قال كراع: وجمعه سادة. وعندي أن سادة جمع سائد وهو من السُّؤدد وهو الشرف. قال ابن سيده: وقد يهمز وبضم الدال، طائيَّة، وقد سادهم سودًا وسؤددًا وسيادة وسيدودة، واستادهم كسادهم وسوده هو (٢).
وذكر الزبيدي في "طبقات النحاة": أن محمدًا لأعرابي العذري قال لإبراهيم بن الحجاج الثائر بإشبيلية: تالله أيها الأمير ما سيدتك العرب إلا بحقك. يقولها بالياء، فلما أُنْكِرَ عليه قال: السواد: السخام. وأصر على أن الصواب معه، ومالأه على ذلك الأمير لعظم منزلته في العلم. وقيل: اشتقاق السيد من السواد أي: الذي يلي السواد العظيم من الناس.
قال المهلب: والحديث قال على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس؛ لأنه ﵇ علق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا معنى السيادة.
وقوله: ("ابْنِي هذا سَيَّدٌ") هو من قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
اتفق الجميع على أن امرأة الجد أبي الأم محرمة على ابن البنت، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده.
стр. 9924
١٠ - باب هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ ؟
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيءٍ وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ ". فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ. [مسلم: ١٥٥٧ - فتح: ٥/ ٣٠٧]
٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْث، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأعرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد اللهِ بْن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَه عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأسلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَا كَعْبُ". فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا. [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ٥/ ٣٠٧]
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أن أمة عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة تقول: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب، عالية أصواتها، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: "أين المتألي على الله، لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب.
ثم ساق حديث كعْبِ بْنِ مَالِكٍ مع ابن أَبِي حَدْرَدٍ. وقد سلفا (١).
стр. 9925
والثاني سلف في المساجد (١)، ويأتي أيضًا قريبًا (٢)، والأول أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم؛ لأنه لم يذكر فيه من حدَّثه به، إنما قال: أخبرنا غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل (٣).
وزعم عياض: أن قول الراوي: حدثنا غير واحد (٤)، أو حدثنا الثقة، أو بعض أصحابنا. ليس من المقطوع، ولا من المرسل، ولا من المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرواية عن المجهول (٥).
قال: ولعل مسلمًا أراد به غير واحد البخاري وغيره. وقد روى مسلم أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزدي، عن إسماعيل بن أبي أويس في كتاب اللعان والفضائل (٦).
قلت: أبو داود ذكر هذا النوع في كتاب "المراسيل" وعده مرسلًا، وعند ابن عبد البر والخطيب وغيرهما: هو منقطع.
وليس فيه ما بوب له من الصلح، وإنما هو حض على ترك بعض الحق، وكذا حديث كعب أيضًا. كذا قال الداودي وليس كذلك، بل فيه إشارة الإمام بالصلح كما بوب له، وسلف أنه في المسجد.
وفيهما: الحض على الرفق بالغريم، والإحسان إليه، والوضع عنه.
стр. 9926
وفي حديث عائشة: النهي عن التألي على الله؛ لأن فيه معنى الاستبداد بنفسه، والقدرة على إرادته، فكأنه لما حتم بألا يفعل، شابه ما يدعيه القدرية من إثبات القدرة لأنفسها، فوبخه الشارع بقوله، ففهم ذلك، ورجع عن تأليه ويمينه، وقال: (له أي ذلك أحب) من الوضع عنه، أو الرفق به متبرئًا من الفعل إلى الله تعالى، ورد الحول والقوة إليه تعالى، ويمينه إن كانت بعد نزول الكفارة ففيها الكفارة.
وفي حديث كعب أصل قول الناس في حضهم على الصلح: خير الصلح الشطر؛ لأنه ﵇ أمره بوضع النصف عن غريمه، فوضعه عنه.
ومعنى (يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيسْتَرْفِقُهُ) أي: يطلب منه الوضيعة والرفق.
والمتألى: الحالف، مأخوذ من الألية: وهي اليمين، ومنه ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. قال الداودي: يريد أن من حلف بما قد عسى أنه سبق في علم الله أنه سيكون، والظاهر أنه لم يكره يمينه لهذا، وإنما كرهها؛ لأنه قطع نفسه عن فعل الخير باليمين، ولو حلف ليفعل خيرًا لم يوجد عليه بما يتوقع من أن السابق في علم الله خلافه، فانظر هذا من سكوته عن يمين الأعرابي سأل عن الإسلام، فحلف: لا يزيد ولا ينقص.
فقال ﵇: "أفلح إن صدق" (١)، ولم ينكر عليه يمينه لا أزيد يحتمل أن يفرق بينهما بأنه من يدخل الإسلام، ويريد أن الدخول فيه سهل لا مشقة فيه.
وقوله: (لَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) فيه: إجابة الصحابة له سريعًا، وفيه: هبة
стр. 9927
المجهول، وفيه: الحط عن الغريم إذا سأل، وحضه على ذلك، وفيه: أن ما يجري بين المتخاصمين من كلام في طلب الحق يتجاوز عنه وإن علت به أصواتهما.
стр. 9928
١١ - باب فَضْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالعَدْلِ بَيْنَهُمْ
٢٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ". [٢٨٩١، ٢٩٨٩ - مسلم: ١٠٠٩ - فتح: ٥/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَة، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَة".
وشيخه فيه إسحاق، وهو ابن إبراهيم، كما ذكره أبو نعيم في "مستخرجه" وزعم أن محمدًا روى عنه، ووقع في "مختصر البخاري" للمهلب بن أبي صفرة: إسحاق بن منصور (١).
ثم اعلم أنه ليس في الحديث إلا العدل فقط، ولكن لما خاطب الشارع الناس كلهم بالعدل بين الناس، وقد علم أن في الناس الحكام وغيرهم، فكان عدل الحاكم إذا حكم كعدل غيره إذا أصلح. نبه عليه ابن المنير (٢).
ولمسلم عن أبي ذر مرفوعًا: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة" … إلى أن قال: "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" (٣).
والسلامى: بضم السين: المفاصل، وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا،
стр. 9929
كما أخرجه مسلم (١).
قال الداودي: وأكثر ما يستعملها العرب في العظام الصغار مثل: الأنامل من اليدين والرجلين، وما يليها من عظام الكف والقدم، وهي آخر ما يبقى فيها المخ عند الهزال وعبارة ابن الأعرابي: هي عظام الأصابع اليد والقدم. وسلامى البعير: عظام فرسنه، وهي عظام صغار طول الأصبع أو قريب منها، في كل يد ورجل أربع سلاميات أو ثلاث.
وفي "الجامع": هي عظام الأصابع والأشاجع والأكارع كأنها كعاب، والجمع السلاميات.
يقال: آخر ما يبقى المخ في السلامى والعين. وقيل: السلاميات
فصوص على القدمين، وهي من الإبل في داخل الأخفاف، ومن الخيل في الحوافر. وقال الجوهري: واحده وجمعه سواء (٢)، وربما شدده أحداث طلبة الحديث لقلة علمهم، كما نبه عليه ابن الجوزي.
وقال المهلب: قوله: ("كُلُّ سُلَامَى") يعني كل مفصل وعظم وإن صغر. والسلاميات: عظام مفاصل الكف، يعني لكل واحد منهما صدقة لله من فعل الطاعات والخير كل يوم، إذ كل موضع شعرة فما فوقها من جسد الإنسان عليه فيه نعمة لله يلزمه شكره، والاعتراف بها حين خلقه صحيحًا يتصرف في منافعه (وأداته) (٣)، ولم يجعل في ذلك الموضع داء يمنعه ألمه من استعماله والانتفاع به (٤).
стр. 9930
ومعنى الحديث: أن عظام الإنسان هي من أصل وجوده وبها حصول منافعه، إذ لا تتأتى الحركة والسكون إلا بها، فهي من أعظم نعم الله على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصها فيعطي صدقته، كما أعطي منفعته، لكن الله لطف وخفف بأن جعل العدل بين الناس وشبهه صدقة.
وظاهر الحديث الوجوب، لكن الله خفف حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطًا له.
وفيه: أن العدل بين الناس من الأعمال الزاكية عند الله المرجو قبولها، وسميت طاعة الله من صلاة وغيرها صدقة؛ لأنه كان لله أن يفترض على عباده ما شاء من الأعمال دون أجر يأجرهم عليها، ولا ثواب فيها، ولكن برحمته تفضل علينا بالأجر والثواب على ما فرضه علينا. فلما كان لأفعالنا أجر فكأننا نحن ابتدأنا بالعمل واستحقَقْنا الأجر، فشابه به الصدقة المبتدأة التي عليها الأجر لازم في فضل الله.
стр. 9931
١٢ - باب إِذَا أَشَارَ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ فَأَبَى، حَكَمَ عَلَيْهِ بِالحُكْمِ البَيِّنِ
٢٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ "اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ". فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ". فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٥]. [انظر: ٢٣٦٠ - فتح: ٥/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث الزُّبَيْرِ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ.
وقد سلف في الشرب (١)، وزعم الداودي أنه ليس فيه ما بوب عليه، إنما فيه حض الزبير على فعل المعروف.
وأما المهلب: فصوبها فقال: الترجمة صحيحة لأنه حضَّ أولًا الزبير على فعل المعروف، فلمَّا بدا من الأنصاري ما بدا استوعى للزبير حقه، ولم يحمله غضبه على أكثر من أنه استوعى له حقه، ونزل القرآن بتصديقه، وهو قوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. أي: لا يؤمنون إيمانًا كاملًا؛ لأنه لا يخرج من الإيمان بخطرة أخطرها الشيطان ونزغ بها.
стр. 9932
وفيه من الفقه: أنه لا ينبغي ترك الاقتداء به في غضبه (ورضاه) (١)، وجميع أحواله، وأن يكظم المؤمن غيظه ويملك نفسه عند غضبه، ولا يحملها على التعدي والجور، بل يعفو ويصفح، ومعنى: (أحفظه الأنصاري): يعني أغضبه بحاءٍ مهملة.
وقوله: (فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) فالمغضب ربما احمرت وجنتاه، أو اصفر وجهه.
ومعنى (اسْتَوْعَى): استقصى له حقه.
وقوله: (فِي صَرِيحِ الحُكْمِ) أي: حقيقته.
وقوله: (والله مَا أَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] وكان الزبير ابن صفية عمة رسول الله ﷺ ، مات سنة ست وثلاثين، شهيدًا يوم الجمل، وهو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، وأول من سلَّ سيفًا في سبيل الله وراويه عن الزبير عروة بن الزبير، أبو عبد الله الفقيه العالم المثبت المأمون، كثير الحديث، كان يصوم الدهر، مات وهو صائم سنة ثلاث أو أربع وتسعين، رُدَّ وهو ابن ست عشرة من خروجه إلى العراق، فلم يدخل في شيءٍ من الحرب حتى مات. قال ابنه هشام: كان يعرضنا الحديث -يعني بنيه- فكان يعجب من حفظي، وما كان يعلمنا منه حرفًا من ألفي حرف من حديثه، وكان يتألف الناس على حديثه، وأصابت رجله الأكلة فسقطت في مجلس الوليد من حدِّ الركبة، فأخرجها لمن حسمها أي: قطع عنها الدم بالكي، وما شعر الوليد، وما ترك حزبه تلك الليلة. أتاه أهل الحديث معتقدين على غير ما كانوا يأتونه، وذكروا عذرهم له، فقال: ما للصراع تريدونني.
стр. 9933
ولمَّا قتل أخوه عبد الله استقصيت أموالهم، فمضى إلى عبد الملك، وقال له: الآن أيقنت بالهلاك فردها إليه، وهو أحد المشيخة السبعة بالمدينة، وكان دعَّاءً، فمات له ولد، فكان يقول في دعائه: كانوا أربعة فأخذت واحدًا وتركت ثلاثة، وكانوا أربعًا فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا. يعني: يديه ورجليه.
ثم قال: وقال هشام عن وهب عن جابر: صلاة العصر، وقال ابن إسحاق عن وهب عن جابر: صلاة الظهر.
واختلف العلماء في أثر ابن عباس، فقال الحسن البصري: إذا اقتسم الشريكان الغرماء وأخذ هذا بعضُهم، وهذا بعضهم فتوي نصيب أحدهما، وخرج نصيب الآخر قال: إذا أبرأه منه فهو جائز، وقال النخعي: ليس بشيءٍ، وما توي أو خرج فهو بينهما نصفان، وهو قول مالك، والكوفي والشافعي.
وحجة من لم يجز ذلك أنه غرر، إذ قد يتوي على ما على أحدهما، ولا يحصل للذي خرج إليه شيءٌ من حق الشريكين أن يتساويا في الأخذ.
وحجة من قال: لا يرجع أحدهما على صاحبه أن الذمة تقوم مقام العين، فإذا توي ما على أحد الغرماء، وفأنه يبيعه به دينا.
وقال: سحنون إذا قبص أحد الشريكين من دينه عرضا، فإن صاحبه بالخيار إن شاء جوز له ما أخذ، وأتبع الغريم بنصيبه، وإن شاء رجع على شريكه بنصف ما قبض وأتبعا الغريم جميعًا بنصف جميع الدين، فاقتسماه بينهما نصفين، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أبو عبيد: معنى الإتواء: إذا كان المتاع بين ورثةٍ لم يقتسموه، أو بين شركاء، وهو في يد بعضهم دون بعض، فلا بأس أن يتبايعوه وإن لم يعرف كل واحدٍ نصيبه بعد، ولم يقبضه.
قال: ولوا أراد أجنبي شراء نصيب بعضهم لم يجز حتى يقبضه البائع قبل ذلك، وظاهره خلاف هذا، وإنما معناه: أن بأيديهما عينًا، ولهما دين، فيأخذ أحدهم الحاضر، والآخر الدين، فهذا جائز إذا كان من عليه الدين حاضرًا مقرًّا، يعرف سلامته من عدمه، وكان آخذ الدين يطوع
стр. 9936
لقابض الحاضر بالسلف، وهذا إذا كان الحاضر والدين عينًا كله أو كان الحاضر يجوز بيعه، فالدين المؤجل على هيئته.
وأما إن كان الحاضر فضة والدين ذهبًا، أو كانا طعامين مختلفين كالتمر والبلح فلا يجوز ذلك، والذي يدل على خلاف قول أبي عبيد قوله: (فإن توي لأحدهما)، ولو كان كما ذكره من أن ذلك بأيديهما ما قال ذلك؛ لأنَّ كل واحدٍ قبض ما ابتاعه.
وقوله: (تَوِيَ) بكسر الواو على وزن علم، ومعناه: هلك واضمحل، وضبطه بعضهم بفتح الواو على وزن عَلَا وليس ببيِّن كما قاله ابن التين، واللغة على الأول.
وفي حديث جابر: الجلوس على الطعام، وذلك أنه لم يقصد به امتهانه.
وقوله: (حتى إذا جددته) أي: قطعته، يقال بالدال المهملة والمعجمة، وكان الدين الذي على والد جابر ثلاثين وسقًا من تمر كما ذكره البخاريُّ في باب: إذا (قاضاه) (١)، أو جازفه في دينٍ فهو جائز (٢)، وقال فيه جابر: (توفي أبي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجلٍ من اليهود)، وأسلفنا هناك أنه لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمرٍ على أحد تمرًا مجازفة في دينه؛ لأنَّ ذلك من الغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في ذلك أقل من دينه، وكذلك أيضًا لا يجوز عندهم أن يأخذ من طعام مكيل معلوم الكيل طعامًا جزافًا من جنسه، إلا أن يكون طعامًا مخالفًا لجنس الطعام المكيل يجوز التفاضل فلا يجوز إلَّا يدًا بيد.
стр. 9937
وروى ابن القاسم عن مالك: أنه كره لمن له دين على رجل أن يأخذ فيه ثمرة يجتنيها، أو دارًا يسكنها، أو جارية يواضعها، وكذلك إن اشترى منه بدينه كيلًا من حنطة كره أن يفارقها حتى يقبض الحنطة؛ لأنه يكون دينًا في دينٍ، وقال أشهب: لا بأس بذلك كله، وهو قول أبي حنيفة.
قالوا: وليس من الدين بالدين؛ لأنه إذا شرع في اجتناء الثمرة، وفي سكنى الدار فقد خرج من معنى الدين بالدين؛ لأن ما كان أوله مقبوضًا، وتأخر قبض سائره فهو كالمقبوض.
قال مالك: ولا يجوز لمن له طعام من بيعٍ أو سلم أن يصالحه على دراهم ليعجلها أو يؤخرها؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفَى، فلم يجز لجابر أن يعطي اليهودي مما كان على أبيه من التمر دراهم.
ووجه حديث جابر في هذا الباب أنه كان على أبيه دين من جنس تمر حائطه، فرغب إلى الغرماء أن يأخذوا تمر نخله، ويسقطوا عنه ما بقي من دينهم؛ لاتفاقهم أن الثمرة لا تبلغ قدر الدين، ومثل هذا يجوز عند جميع العلماء؛ لأنَّه حط وإحسان وليس ببيع، ويجوز عند جماعة العلماء في الصلح ما لا يجوز في البيع، وإلى هذا المعنى ذهب البخاريُّ في ترجمته، قاله ابن بطال (١).
стр. 9938
١٤ - باب الصُّلْحِ بِالدَّيْنِ وَالعَيْنِ
٢٧١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ: فَقَالَ: "يَا كَعْبُ". فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُمْ فَاقْضِهِ". [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ٥/ ٣١١]
ذكر فيه حديث كَعْبٍ مع ابن أَبِي حَدْرَدٍ.
وقد سلف قريبًا (١)، وفي الصلاة في المساجد (٢) قال ابن التين: وليس ببين فيه ما بوب له.
قلت: فيه أنه قال: "قُمْ فَاقْضِهِ"، وهو أعم كما ذكر، واتفق العلماء أن من صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها أو عن ذهب بذهب أقل منه أنه جائز إذا حل الأجل وإن أخره بذلك؛ لأنه حط عنه وأحسن إليه، ولا يدخله دين في دين، وقد قال ﵇: "من انظر معسرًا أو وضع عنه تجاوز الله عنه" (٣).
ولا يجوز أن يحط عنه شيئًا قبل حلول الأجل على أن يقضيه مكانه؛ لأنه يدخله: ضع وتعجل.
стр. 9939
وأما إن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عكسه لم يجز إلا بالقبض؛ لأنه صرف.
فإن قبض بعضًا وبقَّى بعضًا جاز فيما قبض وانتقض فيما لم يقبض.
فإن كان الدين عرضًا فلا يجوز له في غير جنسه مما يتأخر قبض جميعه؛ لأنه الدين بالدين، فإن كان ناجزًا فلا بأس به.
هذا قول مالك، وإذا تقاضاه مثل دينه عند حلول الأجل على غير وجه الصلح فإنه يقضيه مكانه، ولا يجوز أن يحيله به غريمه على من له عليه دين؛ لأنه يكون الدين بالدين الذي نُهي عنه ولذلك قال:
"قُمْ فَاقْضِهِ" (١).
وحديث مروان والمسور سلف أيضًا (١) ولم يعيِّنا من رويا عنه، ولا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول بخلاف من أبهم بعدهم، وهما لم يحضرا هذِه الغزوة لصغر سنهما؛ لأنهما ولدا بعد الهجرة بسنتين، وأما ابن طاهر فقال: الحديث معلول أي: من جهة الإرسال وليس بعلة؛ لأنه مرسل صحابي.
وقوله: (وَامْتَعَضُوا) قال القزاز: لا أصل لهذا من كلام العرب، وأحسبه: فكرهوا ذلك وامتعضوا منه أي: شق عليهم. قال: فإن كان هذا الحرف كتب بالضاد وهو بالظاء، وكان واتعظوا منه كان غير صواب أيضًا؛ لأنه لا يوافي الذي قبله من الكراهة، ومعضوا وامتعضوا أشبه، وفي رواية أبي ذر وغيره: وامتعضوا، كما ذكر القزاز، وإنما كره الصحابة ذلك؛ لأنهم كانوا مستظهرين، واشترط الكفار عليهم شروطًا فيها بعض التحكم، وكان أشدهم في ذلك كراهية عمر.
وقوله: (وهي عاتق) أي: بكر. قال ابن دريد: عتقت الجارية أي: صارت عاتقًا، وذلك إذا أوشكت البلوغ (٢). وقد تقدم تفسير العواتق في أبواب صلاة العيد.
وقوله: ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ هو مثل: مغاضبات، ومراغمات أي: فعلن ذلك؛ لاختلاف الدينين معاداة لقومهن.
وقال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن (٣). يقال: هاجر البدوي إذا حضر القرى وأقام بها.
стр. 9944
وقوله: (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾)، وقول عائشة: كان يمتحنهن بهذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلى آخرها.
وعن ابن عباس: كانت المرأة إذا أتت رسول الله ﷺ أحلفها: بالله ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله (١)؟
والمحبة على قول عائشة ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢].
ومعنى ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]: لا يأتين بولد ليس من أزواجهن فينسبنه إليهم (٢)، وقيل: ما كان من جنسه أو قبله، أو أكلِ حرامٍ، وقيل: بين أيديهن: ألسنهن، وبين أرجلهن: فروجهن. وقيل: هو توكيد مثل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقوله: (﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قيل: هذا في النوح، وقيل: لا يخلون بغير ذي محرم (٣)، وقيل: في كل حق معروف لله تعالى.
وقوله: (﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قيل: يعني: المسلمين وكفار مكة إنما أنزلت في قوم من الكفار، وبين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولا شك أن الشروط الجائزة في الإسلام والأحكام هي الشروط الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله، وشروط المبايعة هي شروط التزام الفرائض، والنصيحة
стр. 9945
للمؤمنين، وما في آية الممتحنة مما ألزمه الله المؤمنات في الآية: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية.
واختلف العلماء في صلح المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلمًا:
فقال قوم: لا يجوز هذا. وهو منسوخ -وقد سلف- لقوله ﵇: "أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تتراءى ناراهما" (١)
قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين إذا كان النبي ﷺ قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. وأجمع المسلمون أن هجرةَ دارِ الحرب فريضة على الرجال والنساء، وذلك الذي بقي من فرض الهجرة. هذا قول الكوفيين وقول أصحاب مالك.
وذكر ابن حبيب، عن ابن الماجشون قال: إذا اشترط أهل الحرب في الرد رد من أسلم منهم لم ينبغ أن يعطوا ذلك. فإن جهل معظمهم ذلك لم يوف لهم الشرط؛ لأنه خلاف سنة الإمام وفيه إباحة حرمته.
وقال الشافعي: هذا الحكم في الرجال غير منسوخ، وليس لأحد هذا العهد إلا للخليفة، أو لرجل غيره ممن عهده غير الخليفة فهو مردود، وقد أسلفنا ذلك أيضًا، وقول الشافعي: وهذا الحكم في الرجال غير منسوخ، يدل أن مذهبه في النساء منسوخ، وحجته في حديث مروان والمسور قوله: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ ، فجاء أهلها إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها لما أنزل فيهن، ورد أبا جندل.