وحديث مروان والمسور سلف أيضًا (١) ولم يعيِّنا من رويا عنه، ولا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول بخلاف من أبهم بعدهم، وهما لم يحضرا هذِه الغزوة لصغر سنهما؛ لأنهما ولدا بعد الهجرة بسنتين، وأما ابن طاهر فقال: الحديث معلول أي: من جهة الإرسال وليس بعلة؛ لأنه مرسل صحابي.
وقوله: (وَامْتَعَضُوا) قال القزاز: لا أصل لهذا من كلام العرب، وأحسبه: فكرهوا ذلك وامتعضوا منه أي: شق عليهم. قال: فإن كان هذا الحرف كتب بالضاد وهو بالظاء، وكان واتعظوا منه كان غير صواب أيضًا؛ لأنه لا يوافي الذي قبله من الكراهة، ومعضوا وامتعضوا أشبه، وفي رواية أبي ذر وغيره: وامتعضوا، كما ذكر القزاز، وإنما كره الصحابة ذلك؛ لأنهم كانوا مستظهرين، واشترط الكفار عليهم شروطًا فيها بعض التحكم، وكان أشدهم في ذلك كراهية عمر.
وقوله: (وهي عاتق) أي: بكر. قال ابن دريد: عتقت الجارية أي: صارت عاتقًا، وذلك إذا أوشكت البلوغ (٢). وقد تقدم تفسير العواتق في أبواب صلاة العيد.
وقوله: ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ هو مثل: مغاضبات، ومراغمات أي: فعلن ذلك؛ لاختلاف الدينين معاداة لقومهن.
وقال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن (٣). يقال: هاجر البدوي إذا حضر القرى وأقام بها.
стр. 9944
وقوله: (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾)، وقول عائشة: كان يمتحنهن بهذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلى آخرها.
وعن ابن عباس: كانت المرأة إذا أتت رسول الله ﷺ أحلفها: بالله ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله (١)؟
والمحبة على قول عائشة ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢].
ومعنى ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]: لا يأتين بولد ليس من أزواجهن فينسبنه إليهم (٢)، وقيل: ما كان من جنسه أو قبله، أو أكلِ حرامٍ، وقيل: بين أيديهن: ألسنهن، وبين أرجلهن: فروجهن. وقيل: هو توكيد مثل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقوله: (﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قيل: هذا في النوح، وقيل: لا يخلون بغير ذي محرم (٣)، وقيل: في كل حق معروف لله تعالى.
وقوله: (﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قيل: يعني: المسلمين وكفار مكة إنما أنزلت في قوم من الكفار، وبين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولا شك أن الشروط الجائزة في الإسلام والأحكام هي الشروط الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله، وشروط المبايعة هي شروط التزام الفرائض، والنصيحة
стр. 9945
للمؤمنين، وما في آية الممتحنة مما ألزمه الله المؤمنات في الآية: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية.
واختلف العلماء في صلح المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلمًا:
فقال قوم: لا يجوز هذا. وهو منسوخ -وقد سلف- لقوله ﵇: "أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تتراءى ناراهما" (١)
قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين إذا كان النبي ﷺ قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. وأجمع المسلمون أن هجرةَ دارِ الحرب فريضة على الرجال والنساء، وذلك الذي بقي من فرض الهجرة. هذا قول الكوفيين وقول أصحاب مالك.
وذكر ابن حبيب، عن ابن الماجشون قال: إذا اشترط أهل الحرب في الرد رد من أسلم منهم لم ينبغ أن يعطوا ذلك. فإن جهل معظمهم ذلك لم يوف لهم الشرط؛ لأنه خلاف سنة الإمام وفيه إباحة حرمته.
وقال الشافعي: هذا الحكم في الرجال غير منسوخ، وليس لأحد هذا العهد إلا للخليفة، أو لرجل غيره ممن عهده غير الخليفة فهو مردود، وقد أسلفنا ذلك أيضًا، وقول الشافعي: وهذا الحكم في الرجال غير منسوخ، يدل أن مذهبه في النساء منسوخ، وحجته في حديث مروان والمسور قوله: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ ، فجاء أهلها إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها لما أنزل فيهن، ورد أبا جندل.
стр. 9946
وذكر معمر، عن الزهري قال: نزلت الآية على رسول الله وهو بأسفل الحديبية، وكان صالحهم على أن من آتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت عليه الآية وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن (١). فحكم ﵇ في النساء بحكم الله في القرآن، وبين المعنى في ذلك بقوله تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فأخبر تعالى أن وطء المؤمنات حرام على الكفار؛ فلذلك لم يرد إليهم النساء، وقد روي في هذا الحديث ما يدل أن الشرط إنما وقع في صلح أهل مكة، أن يرد الرجال خاصة ولم يقع على النساء، وهو قول سهيل: (وعلى أن لا يأتيك منا رجل إلا رددته إلينا) فلم يدخل في ذلك النساء، ذكره البخاري في باب الشروط في الجهاد (٢).
وذكر ابن الطلاع، عن المفضل: أن يوم الحديبية جاءت سبيعة الأسلمية من مكة مسلمة فأقبل زوجها في طلبها، وقال: يا محمد، رد عليَّ امرأتي، فأنزل الله الآية. فلما استحلفها ﵇ رد على زوجها مهرها، والذي أنفق عليها، ولم يردها عليه.
стр. 9947
٢ - باب إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ
٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ". [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي ﷺ قالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ".
وقد سلف في البيوع فراجعه (١).
стр. 9948
٣ - باب الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ
٢٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: "ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
ذكر فيه حديث عَائِشَة في قصة بريرة. وقد سلفت أيضًا في البيع وغيره (١).
وأسلفنا هناك حكايته عبد الصمد بن عبد الوارث في سؤال أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة في البيع والشرط، واختلاف جوابه، وبيان مستندهم بإسنادنا إليهم.
قال المهلب: وهذِه الثلاث فتاوى جائزة كلها في مواضعها، ولا يتعدى لكل واحدة منها ما وضع له، ولها أحكام مختلفة على حسب تأويل الأحاديث الثلاثة. وهؤلاء الفقهاء حملوا تأويلها على العموم وظنوا أن كل واحد من هذِه الأحاديث عامل في السنة كلها وليس كذلك، ولكل واحد موضع لا يتعداه (٢). وقد سلف بيان وجوهها، ومذاهب العلماء فيها هناك.
ذكر فيه حديث جَابِر في بيع الجمل بطرقه، وقد سلف (١).
وفيه: ضرب الدواب، ومراعاة رسول الله ﷺ أصحابه.
وقوله: ("بعنيه بوقية (٢) ") المعروف: أوقية.
وقوله: (قُلْتُ: لَا) قال ابن التين: ليس بمحفوظ إلا أن يريد لا أبيعكه، هو لك بغير ثمن.
قلت: لا أدري ما وجه كونه ليس بمحفوظ، فإنه أولًا قال: لا، ثم لما كرر الطلب ثانيًا باعه.
وقوله: (نَقَدَنِي ثَمَنَهُ) هو المراد بالرواية الأخرى أمر بلالًا فأعطاني ثمنه وزادني.
وقوله: (فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي) هو: بكسر الهمزة، وسكون الثاء، وفتحها (٣) مع فتح الثاء، وفي أخرى: فناداني. والمعنى سواء.
وقوله: ("هو لك") فيه: جواز العطية، وإن لم يقل المعطى قبلت.
وقوله: (أفقرني ظهره) أي: أعارني. مشتق من فقار الظهر، وفي رواية: شرط ظهره إلى المدينة، وأخرى: فاستثنيت حملانه إلى أهلي.
وفيه: دلالة على جواز البيع والشرط، وعليه أصحاب مالك كلهم إلَّا علي بن زياد فإنه كرهه، وإن قرب الأمد.
واختلاف الرواة في الثمن فيه، وهم من بعضهم وليس ذلك وهنا للحديث؛ لإجماعهم على البيع واشتراط الركوب. قاله الداودي.
стр. 9951
قال ابن التين: ولعله يريد: اجتماع أكثرهم قال: وقوله: (وقية ذهب). ليس لها أثر معروف.
وروي عن مالك: أوقية الذهب: أربعة الدنانير. ويؤيده قوله في رواية عطاء وغيره: أربعة دنانير.
وقوله في رواية سالم: وقية ذهب. وأوقية الفضة: أربعون درهمًا، وكذا قال المهلب: إنَّ اختلافهم في ثمن الجمل لا حاجة بنا إلى علم مقداره، والغرض فيه فعل العقد، وأنه كان مثمن، فلذلك لم يعتبر مقداره (١).
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث لاختلاف ألفاظه فمرَّة رُوي بلفظ الهبة والإفقار، ومرَّة بلفظ الاستثناء والاشتراط، واختلاف اللفظ يوجب اختلاف المعاني عند الفقهاء، إلا أن البخاريَّ غلَّب لفظ الاشتراط، وقضى له على غيره بالصحة، حيث قال: الاشراط أكثر وأصح عندي. وممن قال بذلك من الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، أبو ثور، ومحمد بن نصر المروزي.
وأهل الحديث قالوا: لا بأس أن يبيع الرجل الدابة، ويشترط ظهرها إلى مكان معلوم، والبيع في ذلك جائز، والشرط ثابت، وقال مالك: إن كان الاشتراط للركوب إلى مكان قريب كاليوم واليومين والثلاثة فلا بأس بذلك، وإن كان بعيدًا، فلا ضير فيه على ظاهر حديث جابر أنه باع الجمل من رسول الله ﷺ ، واستثنى ركوبه إلى المدينة، وكان بينه وبينها ثلاثة أيام.
قال مالك: ولا بأس أن يشترط سُكنى الدار الأشهر والسنة.
стр. 9952
وقالت طائفة: إذا اشترط ركوب الدابة، أو خدمة العبد، أو سكنى الدار فالبيع فاسد. هذا قول الكوفيين، والشافعي، وقالوا: قد ورد حديث جابر بلفظ الإفقار والهبة، وهو أولى من حديث الاشتراط. قالوا: ولا يخلو شرط ركوب البائع أن يكون ركوبًا مستحقًّا من مال المشتري، فيكون البيع فاسدًا؛ لأنه شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، أو يكون استثناؤه الركوب أوجب بها الركوب في مال البائع. فهذا محال؛ لأن المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت في ملكه، وكذلك سكنى الدار ونحوها، واحتج عليهم من خالفهم فقال: لا خلاف بيننا أنه لو باع نخلًا عليها ثمر قد أُبِّر وبقاها لنفسه أنه جائز، والثمرة تبقى على نخل المبتاع إلى وقت جدادها وقد باع النخل، واستثنى منفعة تلك الثمرة لنفسه، وجاز ذلك فكذلك في مسألتنا.
وقد أجمعوا على جواز الغرر اليسير في البيوع، وقد أجازه رسول الله ﷺ .
وروي عن عثمان أنه ابتاع دارًا، واشترط لنفسه سكناها مدةً معلومة (١). وعثمان إمام فعل ذلك بين الصحابة، فلم ينكر أحد.
فإن قالوا: إنه ﵇ نهى عن بيع وشرط؛ قيل: الذي نهى عن ذلك هو الذي جوَّز البيع والشرط في حديث جابر فدل أن الحديث مخصوص فإن من الشروط ما يجوز ومنها ما لا يجوز، وقد قال: "المؤمنون على شروطهم" (٢).
стр. 9953
قال ابن المنذر: وحديث جابر مستغنى به عن قول كل أحد، وإنما نهى أن يستثني مجهولًا من معلوم، فأما إذا علم المستثنى فذلك جائز.
ومن خالف حديث جابر يستثني برأيه، فيما لا سنة فيه، كالدار يبيعها الرجل، وقد أكراها مدةً معلومة. أن سكناها للمكتري على المشتري إلى انقضاء المدة. فإذا جاز هذا، ولا سنة فيه، فالسنة الثابتة أولى أن يستن بها.
قال المهلب: وممن روى: "ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ" يدل على أنه تفضل عليه بركوبه إلى المدينة، ولم يكن من اشتراط جابر على رسول الله ﷺ في أصل البيع، ويؤكد ذلك رواية من روى (فأفقره ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ). والإفقار: لا يكون إلا تفضلًا فتكون رواية من روى: (وشرط له ظهره إلى المدينة) شرط تفضل؛ لأن القصة كلها جرت على وجه التفضل من الشارع والرفق بجابر؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده زيادة.
وكيف يشترط عليه جابر ركوبه، وحين قال له النبي ﷺ : "بعنيه"، قال له جابر: هو لك يا رسول الله. فلم يقبله إلا بثمن رفقًا به (١). كما سلف في الوكالة في باب: إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا ولم يبين كم يعطي؟
стр. 9954
٥ - باب الشُّرُوطِ فِي المُعَامَلَةِ
٢٧١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا". فَقَالَ: تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [انظر: ٢٣٢٥ - فتح: ٥/ ٣٢٢]
٢٧٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٥/ ٣٢٢]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا". قَالَوا: تَكْفُونَا المؤنة وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وحديث ابن عمر: أَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا ويزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
الشرح:
تقدم قول الأنصار: (اقسم بيننا .. ) إلى آخره. أنه اختلف فيه، هل هو من قول المهاجرين أو الأنصار؟ وكذلك قالوا: (سمعنا وأطعنا) فمَنْ قال (الأنصار) قال: تكفونا المؤنة؛ جعله حجة بجواز المساقاة.
وتقدم تأويل الجمع بين القولين: أن الأنصار قالوا: (اقسم بيننا النخيل)؛ لأنهم أعطوهم نصيبًا منهم.
فقال المهاجرون: (تَكْفُونَا المؤنة)؛ لأنهم لم يكن لهم معرفة بعمل النخيل.
стр. 9955
ومعنى قولهم: (نُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ) أي: نشرككم في ثمرة نصيبها من النخيل الذي صار لنا بالعطية منكم، فصح منه الدليل على جواز المساقاة.
ويتفق القولان: أن تكفونا المؤنة من قول المهاجرين، ولا يؤخذ أنه من قول الأنصار من قول من يقول: فيه دلالة على المساقاة؛ لأن المهاجرين ملكوا الثمرة على ما سلف.
وقال المهلب: أراد الأنصار مقاسمة المهاجرين للإخاء الذي آخى بينهما رسول الله ﷺ ، فهذِه المعاملة هي المساقاة بعينها، وهي خارج عن معاني البيوع؛ لأنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وجاز بيعها في المساقاة قبل أن تخلق وتظهر، وأما خروجها عن الإجارة فإنه لا يجوز الإجارة المجهولة. وفي المساقاة لا يعلم مقدار ما يخرج النخيلُ ومن الثمرة، وربما لا يخرج شيئًا، وإنما جازت المساقاة بالسنة فهي مخصوصة في نفسها لا تتعدى إلى غيرها مما يشبه معناها، فلا يجوز من الشروط في معاملاتهم إلا ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ (١)(٢).
стр. 9956
٦ - باب الشُّرُوطِ فِي المَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ
وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ مَقَاطِعَ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، وَلَكَ مَا شَرَطْتَ. وَقَالَ المِسْوَرُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، قَالَ: "حَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي".
٢٧٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ". [٥١٥١ - مسلم: ١٤١٨ - فتح: ٥/ ٣٢٣]
ثم ذكر حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ".
الشرح:
أثر عمر رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن غنم، عنه (١).
وتعليق المسور سلف في باب الأمر بإنجاز الوعد (٢).
وحديث عقبة أخرجه مسلم أيضًا (٣).
قال الترمذي: والعمل على حديث عقبة عند بعض أهل العلم من الصحابة؛ منهم عمر بن الخطاب قال: إذا تزوج الرجل امرأة وشرط لها ألا يخرجها من مصرها فليس له أن يخرجها، وبه يقول الشافعي،
стр. 9957
وأحمد، وإسحاق. كذا حكاه الترمذي، عن الشافعي، وهو غريب، ومذهبه: أنه لا يلزمه الوفاء بذلك.
وروي عن علي أنه قال: شرط الله قبل شرطها كأنه يرى للزوج أن يخرجها، وإن كانت اشترطت ألا يخرجها.
وذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة (١).
والمراد في حديث عقبة الشروط الجائزة، وقد قال: "لا تشترط المرأة طلاق أختها" كما سيأتي بعد (٢).
وقال ابن العربي في "سراجه": إذا وقع الشرط وجب الوفاء به، سواء كان معلقًا بيمين عليه أو لم يعلق بيمينه، واحتج بهذا لابن شهاب في قوله: من شرط لزوجته ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، ولا يخرجها من بلدها أنه يوفي لها بذلك، وإن لم يكن فيه عهد.
قال: ولم يزل العلماء يقضون بكل شرط قارن النكاح.
ومالك يقول: لا يقضي لها بذلك إلا أن يكون فيه شرط طلاق أو عتق فيمضي. ذكره ابن التين، وقال الطحاوي: المراد ما أوجبه الله للزوجات على أزواجهن من الصدقات وحسن المعاشرة والنفقة والكسوة، وما أشبه ذلك من حقوقها.
وفي أبي داود (٣) والنسائي (٤) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة أنكحت على صداق أو حِبَاء
стр. 9958
أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن (أعطيه (١)) " أراد أن المرأة المخطوبة إلى وليها قد يحبى وليها، أو يوعد بشيء ليكون عونًا للخاطب على تزوجه، فلا يطيب له شيء من ذلك، إذ كان إنما قصده إليه بذلك التزويج الملتمس منه فكانت المرأة أولى بذلك منه؛ لأن الذي يملك بتلك الخطبة بضعها لا ما سواه، فالغرض من ذلك البضع، والأسباب التي يلتمس بها الوصول إليه يملكه من يملك ذلك البضع، وهي المرأة دون من سواها، فجعله للمرأة دون الولي المخطوب إليه، وما كان من بعد عصمة النكاح فهو لمن (أعصمه) (٢)؛ لأنه قد صار له سبب يحب أن يكرم عليه، فكان له ما أكرم به لذلك، ولم يكن له قبل النكاح سبب يستحق به الإكرام، فلم يطلب له ما أكرم به، وكان أولى به من أكرم به من أجله.
وذهب الثوري ومالك إلى أن الرجل إذا نكح المرأة على أن لأبيها شيئًا اتفقا عليه سوى المهر أنّ ذلك كله للمرأة دون الأب.
وروي عن طاوس، وعطاء، وقال أحمد: هو للأب، ولا يكون لغيره من الأولياء.
وروي عن علي بن الحسين أنه زوج ابنته، واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم يجعلها في الحج والمساكين. وقال الشافعي: لها مهر مثلها ولا شيء للولي.
стр. 9959
٧ - باب الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ
٢٧٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الوَرِقِ. [انظر: ٢٢٨٦ - مسلم: ١٥٤٧ - فتح: ٥/ ٣٢٣]
ذكر فيه حديث رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا .. إلى آخره.
وقد سلف واضحًا (١)، والحقل بفتح الحاء: الزرع إذا بسقت، قبل أن يغلظ سوقه، قاله الليث.
стр. 9960
٨ - باب مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
٢٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدَنَّ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَنَّ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا". [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥، ١٥٢٠ - فتح: ٥/ ٣٢٣]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ .. " وفي آخره: "وَلَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا". وقد سلف في البيوع.
ومعنى ("لا يزيدن على بيع أخيه") هو معنى: لا يبيع على بيع أخيه. قال ابن فارس: أي: لا يشترِ على شراء أخيه (١)، ومعناه عند مالك عند الركون، وقيل: معناه: ما لم يفترقا بالأبدان.
والخطبة بالكسر مصدر: خطبت المرأة خطبة، والمراد: بأختها ضرتها؛ لأنها أختها في الإسلام، ومثلها في الحكم لو كانت كافرة.
و ("لتستكفئ") هو استفعال من كفأت الإناء إذا كببته وهو مهموز، وهو مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
وفي الطبراني من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتلقي ما في صحفتها، فإنما رزقها على الله" (٢).
قال ابن المنذر: النهي في هذا الحديث نهي تحريم لا تأديب. وهو كما قال.
стр. 9961
وقد سلف إيضاحه في باب لا يبيع على بيع أخيه واضحًا. والكراهة في سؤال المرأة طلاق أختها منصب إلى السبب الجالب للطلاق من سوء العشرة، وقلة الموافقة لا إلى نفس الطلاق.
فقد أباح الله تعالى الطلاق، وقيل معناه أن تسأل الأجنبية طلاق زوجة الرجل، وأن ينكحها، ويصيّر إليها ما كان من نفقته ومعروفه، ونحو ذلك، وقيل: الإكفاء هنا كناية عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد. والأولى أنه مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
تنبيه:
قوله في الترجمة: (مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ) أراد ما لا يجوز فعله.
وأما لو ترك هذا للزم ذلك، وكان الأمر كما فعلاه إما أن يرد أمرها إليها أم يجعلها طالقًا بنفس نكاح الثانية، وكل ذلك يلزم. قاله ابن التين وفي "المدونة": لا حد لما يفسد النكاح من الشروط (١).
قال بعضهم: ليس لها حد، ولكن حصرها كل شرط يترك فعلًا لو لم يشترط لكان في المسلم واجبًا مثل أن يشترط ألا نفقة لها ولا يطأها فهذا يفسد النكاح، وكل شرط يترك فعلًا لو لم يشترط لكان في الحكم مباحًا فلا يفسد النكاح مثل: شرط ألا يتزوج عليها، أو لا يخرجها عن بلدها.
стр. 9962
٩ - باب الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي الحُدُودِ
٢٧٢٤ و ٢٧٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵃ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ. فَقَالَ الخَصْمُ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُلْ". قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَتْ. [انظر: ٢٣١٤، ٢٣١٥ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح: ٥/ ٣٢٣]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ في حديث العسيف السالف قريبًا (١)، ويأتي في الرجم أيضًا (٢)، وفيه: "أما غنمك، وجاريتك فرد عليك".
وقوله: (فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه): هو من كلام أحد الراويين، وإنما أراد أفهم منه. وكأن الرجل علم أن ذلك لا يجوز فكان أحسن إيرادًا للقصة.
قال المهلب: كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله، فلا يجوز منه شيء، ولا يجوز فيه صلح ولا فدية، وذلك مردود كله (٣).
стр. 9963
١٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِالبَيْعِ عَلَى أَنْ يُعْتَقَ
٢٧٢٦ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ المَكِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَتْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي فَأَعْتِقِينِي. قَالَتْ نَعَمْ. قَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ. فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ، فَقَالَ: "مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟ " فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا". قَالَتْ: فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ". [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ٣/ ٢٥١ - فتح: ٥/ ٣٢٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة وأنه ﵇ قال لعائشة: "اشتريها فأعتقيها"، وقال: "الولاء لمن أعتق".
وترجم له أيضًا فيما يأتي باب المكاتب، وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله (١)، وقد سلف ما فيه في الكتابة قريبًا (٢) وغيره أيضًا.
وقول بريرة: (إِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي) قال الداودي: ليس أرى هذا محفوظًا؛ لأن أكثر الروايات (جاءت تستعينها).
وقوله: ("وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا": وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا) هذا تفسير يرد تأويل أن (لهم) بمعنى (عليهم).
قال الداودي: وذلك مستحيل أن يؤثر في الشروط بالمشكلات.
стр. 9964
١١ - باب الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وَالحَسَنُ وَعَطَاءٌ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّلَاقِ أَوْ أَخَّرَ فَهُوَ أَحَقُّ بِشَرْطِهِ.
٢٧٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: نُهِيَ. وَقَالَ آدَمُ: نُهِينَا. وَقَالَ النَّضْرُ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: نَهَى. [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥ - فتح: ٥/ ٣٢٤]
وقال ابن المسيب والحسن وعطاء: إن بدأ بالطلاق أو أخر فهو أحق بشرطه.
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وفيه: وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.
(تابعه- يعني: تابع ابنَ عرعرةَ معاذٌ وعبدُ الصمد، عن شعبة. وقال غندر وعبد الرحمن: نُهي، وقال آدم: نهينا، وقال النضر وحجاج بن منهال: نهى.
أسند النسائي (١) منها متابعة حجاج فقال: حدثنا عبد الله (بن) (٢) محمد، عن حجاج.
стр. 9965
والآثار السالفة: قال ابن أبي شيبة: أخبرنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن في الرجل يحلف بالطلاق، فيبدأ به قالا: له ثنياه قدم الطلاق أو أخر (١).
وحدثنا هشيم: حدثنا يونس، عن الحسن وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي قالا: إذا قدم الطلاق أو آخره فهو سواء إذا وصله بكلامه (٢).
ومعنى قول ابن المسيب وغيره: أن يقول: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فأنت طالق. فالطلاق يلزمه عند جماعة الفقهاء.
قال تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
وإنما يُروى الخلاف في ذلك عن شريح وإبراهيم قالا: إذا بدأ بالطلاق قبل يمينه فإنه يلزمه الطلاق، وإن برت يمينه (٣)، وإن بدأ باليمين قبل الطلاق فإنه لا يلزمه الطلاق إذا بدأ، وخالف بعضهم في قوله: إن بدأ بالطلاق لزمه ولم ينفعه الشرط. حكاه ابن التين قال: وقد اختلف إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار؛ هل يعد بادئًا؟ وهذا لطول ما بينهما بخلاف الأول.
ولو أراد أن المشيئة بالله تؤثر في رفع الطلاق، فهو قول أبي حنيفة والشافعي خلافًا لمالك.
والشروط في الطلاق كالشروط في النكاح؛ فمنهم من كرهها، ومنهم من أجازها إذا وقعت يمين، وسيأتي بسطه في النكاح إن شاء الله.
стр. 9966
وفي قوله: ("لا تشترط المرأة طلاق أختها") حجة لمن أجاز الشروط المكروهة؛ لأنه لو لم تكن هذِه الشروط عاملة إذا وقعت لم يكن لنهيه عن اشتراط طلاق أختها معنى، ولكان اشتراطها ذلك اشتراطٍ.
فكذلك ما شابه ذلك من الشروط، وإن كانت مكروهة فهي لازمة، لقوله ﵇: "إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج" (١).
وقوله: (وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ) فيه: بيان أن النهي في بيع الحاضر للبادي يتناول الشراء.
وقوله: (وَعَنِ التَّصْرِيَةِ) سلف بيانها، وهل هي من صرى يصري أو من صرَّ يصر فهي تصرورة، ولا يكون إلا من الأول كالتزكية.
стр. 9967
١٢ - باب الشُّرُوطِ مَعَ النَّاسِ بِالقَوْلِ
٢٧٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُوسَى رَسُولُ اللهِ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢] كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧٣]. ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤] ﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴿فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ. [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٥/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُوسَى رَسُولُ اللهِ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥] كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾. ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ ﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. قَرَأَهَا ابن عَبَّاسٍ: (أَمَامَهُمْ مَلِكٌ).
هذا الحديث رواه الإسماعيلي بقصة في أوله من حديث هشام، عن ابن جريج: إنا لعند ابن عباس إذ قال: سلوني. قال ابن جبير قلت: جعلني الله فداك، بالكوفة قاص يقال له: نوف يزعم أنه ليس بموسى
بني إسرائيل، أما عمرو فقال: كذب عدو الله، وأما يعلى فقال: حدثني أبي .. فساقه.
стр. 9968
أراد البخاري بهذا الباب -والله أعلم- ليدل على أن ما يقع من الناس في محاوراتهم مما يكثر وقوعه بينهم، فإن الشرط بالقول يغني في ذلك بالكتاب والإشهاد عليه.
ألا ترى أن موسى لم يُشهد أحدًا على نفسه حين قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، وكذلك الخضر حين شرط على موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا، لم يكتب بذلك كتابًا، ولا أشهد شهودًا.
وإنما يجب الإشهاد والكتاب في الشروط التي يعم المسلمين نفعها، ويخاف أن يكون في انتقاضها والرجوع فيها جرم وفساد، وكذا ما في معناها مما يخص بعض الناس، فاحتيج فيها إلى الكتاب والإشهاد خوف ذلك، ألا ترى أن سيد الأمة كتب الصلح مع سهيل بن عمرو وأهل مكة؛ ليكون حاجزًا للمشركين من النقض والرجوع في شيء من الصلح، وشاهدًا عليهم إن همُّوا بذلك.
وفيه: أن النسيان لا يؤاخذ به، ووجوب الرفق بالعلماء، وأن لا يهجم عليهم بالسؤال عن معاني أقوالهم في كل وقت إلا عند انبساط نفوسهم، وانشراح صدورهم لا سيما إذا شرط ذلك العالم على المتعلم.
وفيه: أنه يجوز سؤال العالم عن معاني أقواله وأفعاله؛ لأن موسى سأل الخضر عن معنى قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار، فأخبره بعلل أفعاله، ووجه الحكمة فيها، وإنما كان شرطه ألا يسأل عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا -والله أعلم- أنه أراد أن يتأدب عليه في تعلمه، ويأخذ عفوه فيه حتى ينشط إلى الشرح والتفسير، ففي
стр. 9969
إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغي أن تعرف معانيها، ووجه ما صنعت له، لمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] أي: إنك سترى ما ظاهره منكر، ولا تصبر عليه؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يصبرون على ذلك.
وقوله: (وكَانَتِ الوُسْطَى شَرْطًا) يريد ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] أي: لا تلحق بي عسرًا من رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني، وقيل: لا تضيق علي و [تشدد] (١).
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: يسقط بسرعة، وروي: (ينقاص) بصاد غير معجمة (٢)، وقرأه ابن عباس: (أمامهم) (٣) وقرأه الجماعة ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ قيل: المعنى واحد، وقيل: هو بمعنى: خلف على بابه، كأنه على طريقهم إذا رجعوا، والأول أولى لتفسيره في قراءة ابن عباس، واللغة تجوزه؛ لأن ما يوارى عنك فهو وراء، وإن كان أمامك، وقد اختلف فيه: هل هو من الأضداد؟ فقال أبو عبيدة وقطرب والأزهري وابن فارس، وغيرهم: نعم (٤).
وقال الفراء (٥) وأحمد بن يحيى: أمام ضد وراء، دائمًا يكون من الأضداد في الأماكن، والأوقات، يقول الرجل: إذا وعد وعدًا في
стр. 9970
رجب لرمضان، ثم قال: من ورائك شعبان يجوز وإن كان أمامهم؛ لأنه يخلفه إلى وقت وعده، وكذلك وراءهم ملك يجوز؛ لأنه يكون أمامهم، وطلبهم خلفه فهو من وراء مطلبهم.
وهذا الحديث يدل أن عمر إنما أخرجهم لعدوانهم على المسلمين ونصبهم الغوائل لهم اقتداءً به ﵇ في إجلائه بني النضير، وأمره لهم ببيع أرضهم حين أرادوا الغدر برسول الله ﷺ ، وأن يلقوا عليه حجرًا مع أنه بلغه أن النبي ﷺ قال عند موته: "لا يبقين دينان بأرض العرب" ذكرها مالك في "موطئه" بأسانيد منقطعة (١).
وفي مسلم من حديث [عمر] (٢): "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣).
فرأى عمر إنفاذ وصية رسول الله ﷺ عندما بدا منهم من فدعهم لابنه، وخشي منهم أكثر من هذا.
وقال الخطابي: اتهم عمر أهل خيبر بأنهم سحروا عبد الله (٤)، وقال الصغاني: رموه من فوق بيت ففدعت قدمه.
وقال صاحب "المطالع": في بعض تعاليق البخاري فدع يعني: كسر. والمعروف ما قاله أهل اللغة. وسيأتي أن ذلك وقع ليلًا، ولا يدرى فاعله.
ولأبي داود: كان رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا فمن كان له مال فليلحق به فإني مخرج يهود (٥)، وفي "الموطأ" قال مالك: وقد أجلى عمر يهود خيبر وفدك، ثم ساق الثاني (٦)، وفي كتب السير لما أثقل بأهل فدك ما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر بعثوا إليه
стр. 9974
ليؤمنهم، ويتركوا الأموال فأجابهم إلى ذلك، وكانت مما لم توجف عليه الخيل ولا الركاب فلم تقسم لذلك. فوضعها رسول الله حيث أمره ربه.
وحديث حماد ذكره الحُميدي بلفظ: قال حماد: أحسبه عن نافع، عن ابن عمر قال أتى رسول الله ﷺ أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصورهم، وغلبهم على الأرض .. الحديث، وفيه: فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ..
الحديث (١)، وكذا ذكره المزي (٢).
والذي في البخاري ما سقناه، وكذا هو في المستخرجين واعلم أن البخاري روى هذا الحديث عن أبي أحمد، واختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: المراد بن حمويه بن منصور الهَمَذَاني النهاوندي، قتل سنة أربع وخمسين ومائتين عن أربع وخمسين سنة، كذا ذكره البيهقي في "دلائله" (٣) وأبو مسعود وأبو نعيم الأصبهاني وابن السكن وأبو ذر
الهروي.
ثانيها: محمد بن يوسف البيكندي، وقد أكثر البخاري الرواية عنه، وهو من أفراده، ولا يحضرني وفاته.
قال الحاكم: أهل بخارى يزعمون أن أبا أحمد هذا هو محمد بن يوسف البيكندي.
стр. 9975
قال أبو عبد الله: وقد حدثونا بهذا الحديث عن (محمد) (١) بن هارون، حدثنا أبو أحمد مرار بن حمويه، حدثنا أبو غسان (٢).
ثالثها: محمد بن عبد الوهاب ابن عم عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
قال الحاكم: قرأت هذا الحديث أيضًا بخط شيخنا أبي عمرو المستملي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العبدي الفراء النيسابوري، عن أبي غسان (٣). وذكره ابن حزم من رواية محمد بن يحيى الكناني عن أبي غسان (٤).
وزعم الهروي وعبد الغافر في "مجمعه" أن ابن عمر أرسله عمر إلى أهل خيبر ليقاسمهم الثمر ففُدع.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: الفدع بفاء ثم دال مهملة ثم عين مهملة أيضًا ذكر بعد أنه فُدعت يداه ورجلاه.
قال الأزهري في "تهذيبه" عن الليث: ميلٌ في المفاصل كلها كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها وأكثر ما يكون في الأرساغ. قال: وكل ظليم أفدع؛ لأن في أصابعه اعوجاجًا.
وقال النضر بن شميل: إنه في اليد أن تراه يعني: البعير يطأ على أم قِردَانِهِ فأشخص (صدر) (٥) خفه، ولا يكون إلا في الرسغ. وقال غيره:
стр. 9976
الفدع أن يصطك كعباه وتتباعد قدماه يمينًا وشمالًا. وقال ابن الأعرابي: الأفدع: الذي يمشي على ظهر، قدميه، وعن الأصمعي: هو الذي ارتفع أخمص رجله ارتفاعًا لو وطئ صاحبها على عصفور ما آذاه (١).
وقال ثابت في "خلق الإنسان": إذا زاغت القدم من أصلها من الكتب وطرف الساق فذاك الفدع، رجل أفدع وامرأة فدعاء، وقد فدع فدعا.
وقال في "المخصص": هو عوج في المفاصل أو داء، وأكثر ما يكون في الرسغ فلا يستطاع بسطه. وعن ابن السكيت: الفدعة موضع الفدع (٢).
وقال القزاز وصاحب "الجامع" وابن دريد في "الجمهرة"، وأبو المعالي في "المنتهى": هو انقلاب الكف إلى إنسيها (٣)، زاد القزاز وقيل: هو التْوِاء رسغ الفرس من قبل الوحش، وإقبال مركب الشظاة
في الجهة من وجنتها على ما يليها من رأس الشظاة من اليد الأخرى، ووطءٍ منه على وجنتي يديه جميعًا.
وقال الخطابي: أصل الفدع في الرجل وهو زيغ ما بينها وبين عظم الساق، يقال: رجل أفدع إذا التوت رجله من ذلك الموضع قال: والكوع في اليدين هو (تعوج) (٤) اليدين من قبل الكوع، وهو رأس الزند مما يلي الإبهام (٥).
стр. 9977
وقال الجوهري: رجل أفدع بيِّن الفدع، وهو المعوج الرسغ من اليد والرجل فيكون منقلب الكف أو القدم إلى إنسيهما (١).
وقال ابن فارس: هو عوج في المفاصل كأنها زالت عن أماكنها قال: وقيل: إنه انقلاب الكف إلى إنسيهما. يقال: فدع بكسر الدال (٢).
وقال الداودي: فدعت رجلاه أي ضربت حتى أثر فيهما.
ثانيها: قوله: (عامل يهود خيبر على أموالهم) يعني: التي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين.
قال الداودي عن مالك: كانت خيبر صلحًا، وإنما أخرجهم عمر؛ لقوله ﵇: "لا يبقين دينان بأرض العرب" (٣) والصحيح أن خيبر أخذت عنوة، وقد صالحهم على النصف لما تخوفوا أن يصنع بهم ما صنع.
والذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن مالك الثاني (٤) وهو قول جماعة من المؤرخين: البخاري ومسلم، وحكاه ابن سعد، عن بشير بن يسار (٥)، وقاله غير واحد أيضًا.
وقال بعضهم: فتح بعضها عنوة وبعضها صلحًا.
وقوله: ("نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ") أي: إذا أمرنا في حقكم بغير ذلك فعلناه كما قاله ابن الجوزي.
وفيه: جواز العقد مشاهرة ومشافهة خلافًا للشافعي. واختلف أصحاب مالك: هل يلزمه واحد مما سمى أو لا يلزمه شيء؟
стр. 9978
ويكون كل واحد منهما بالخيار كذا في "المدونة" والأول قول عبد الملك فإذا شرع في العمل في النخل لزمه سنة.
وقوله: (هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا)، أي: عدواتهم متحققة في صدورنا.
وفيه: أن المسلمين لم يروا أن ذلك منهم نقض للعهد أو لعلهم لم يتمالئوا عليه.
وفيه: أن أموال المسلمين كانت مقسومة.
والتهمة: أصلها الواو؛ لأنها من الوهم، وهي محركة الهاء، وضبطت في بعض النسخ بالسكون.
وقوله: (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) يقال: جلا القوم عن مواضعهم جلاءً، وأجليتهم أنا إجلاءً وجلوتهم (١). قاله ابن فارس (٢)، وقال الهروي: يقال جلا عن وطنه، وأجلى وجلا بمعنى واحد، والإجلاء: الإخراج من الوطن والمال على وجه الإزعاج والكراهة.
وقوله: (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ)، أي: عزم. يقال: أجمع الأمر إجماعًا إذا عزم؛ قاله ابن عرفة وابن فارس (٣)، ويقال: أجمع على أمره عزم عليه.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي: جعله جميعًا بعدما كان متفرقًا.
وكان إجلاؤه إياهم إلى تيماء وأريحاء من أرض الشام، وبنو الحقيق هم رؤساؤهم.
ثالثها: القلوص: الأنثى من النعام والإبل، وقيل: هي الناقة من
стр. 9979
النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم.
وقوله: (كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ)، قيل: حلف عمر، وقال: ما هو بالهزل، ولكنه الفصل يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (١٤)﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤].
وفيه: دلالة أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات، كما طالبهم عمر بفدعهم ابنه.
ورجح ذلك بأن قال: (ليس لنا عدو غيرهم)، فعلق المطالبة بشاهد العداوة، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به رسول الله ﷺ ، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص في فدع ابنه، لأنه فدع ليلًا وهو نائم، كما قاله المهلب، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من فدعه، فأشكل الأمر كما أشكل أمر عبد الله بن سهل حين وداه رسول الله ﷺ من عند نفسه (١).
وفيه: أن أفعال النبي ﷺ وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها لا على الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض، وإنما أقر ﵇ يهود خيبر على أن سالمهم في أنفسهم، ولا حق لهم في الأرض، واستأجرهم على المساقاة، ولهم شطر الثمرة، فلذلك أعطاهم عمر قيمة شطر الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها؛ إذ لم يكن لهم في رقعة الأرض شيء.
رابعها: استدل بعضهم من هذا الحديث أن المزارع إذا أكرهه رب الأرض بجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ في العمل، ويعطيه
стр. 9980
قيمة عمله، ونصيبه كما فعل عمر، وقال غيره إنما يجوز إخراج المساقي والمزارع عند رءوس الأعوام وتمام الحصاد والجداد.
خاتمة:
الترجمة على جواز اشتراط الخيار من المالك إلى غير أمد، والحديث لا يدل على ذلك كما نبه عليه ابن المنير.
قال: والصحيح أن الخيار لا بد من تقييده بمدة يجوز مثلها الخيار، وإن أطلق نزل في كل عقد على ما يليق به من المدة التي في مثلها يقع الخيار. والحديث غير متناول للترجمة لاحتمال أن يريد: نقركم ما لم يَشَأ الله إجلاءكم منها؛ لأن المقدور كائن، ولا ينافي وجود استرسال الأحكام الشرعية، وقد تنفسخ العقود اللازمة بأسباب طارئة، وقد لا تنفسخ، ولكن يمتنع مباشرة أحد المتعاقدين لاستيفاء المنفعة كما لو ظهر فساد العامل على المساقاة وجنايته، فإن مذهب مالك إخراجه، وكذلك مستأجر الدار إذا أفسد، فهذا -والله أعلم- مراد الحديث؛ أي يستقرون فيها ما لم يجاهروا بفساد، فإذا شاء الله إجلاءكم تعاطيتم السبب المقتضي للإخراج فأخرجتم، وليس في الحديث أنه ساقاهم مدة معينة إما لأنهم كانوا عبيدًا للمسلمين، ومعاملة السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبي؛ لأن العبد
مال السيد، وله على ماله سلطنة الانتزاع فكان الجميع ماله، وإما لأن المدة لم تنقل مع تحررها حينئذٍ (١).