أي قتلوه. يقال نامت الشّاة وغيرها من الحيوان إذا ماتت ونامت السّوق إذا كسَدَت، وقال الفرّاء: النائمة الميتة ومن حديث على ﵁ أنه حثّ على قتال الخوارج فقال إذا أتيتموهم فأَنِيمُوهُمْ أي اقتلوهم.
وأما قوله: "واحصِدوهم".
يقال حَصَدت الشيء والقوم بالسّيف حصدا وحصادا وَحَصِد الأمر والحبل (٥٩) حَصَدا صار وثيقا، وأحصد الشيء حان حصاده.
٨٣٨ - وأما قوله: "أُبِيدَت خضراء قريش".
قال أحمد بن عبيد معنى قوله: "أباد الله خضراءهم" أي جماعتهم قال الأصمعي: الخضراء اسم من أسماء الكتيبة. قال ابن الأعرابي: (معناه أباد الله سَوادَهم قال ابن الأنباري: سواد القوم معظمهم. قال ابن الأعرابي) (٦٠): الخضرة عند العرب السواد: يقال لليل: أخضر لسواده. وأنشد: [الرجز]
يَا نَاقُ خُبِّي خَبَبا زِوَرًّا ... وَعَارِضِ اللَّيل إذَا مَا اخضرَّا
стр. 1087
(ويقال: أباد الله خضراءهم أي حصدهم وشعبهم) (٦١).
قال النابغة: [الطويل]
يَصونونَ أبدَانا قَدِيما نَعِيمُها ... بِخَالِصةِ الأردان خُضرِ الَمنَاكِبِ
٨٣٩ - وقوله: "كتب عليّ الصلح يوم الحديبيَة فكتب هذا ما كاتب عليه محمَّد رَسول الله فقالوا: لا تكتب رسولُ الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك فقال النّبيء ﷺ لعليّ: امحُه" الحديث (ص ١٤٠٩).
قال الشّيخ وفّقه الله: أنكر بعض المتأخّرين أن يقال في افتتاح الوثائق هذا ما اشترى فلان وهذا ما أصدق فلان وشبه ذلك هروبا من أن يدل ذلك على الجَحْد والنفي وهذا الحديث حجة عليهم لأنّه كتب باللّفظ الذي كرهوه فقال: هذا ما كاتب.
وفي هذا الحديث دلالة على أن للإمام أن يَعقِدَ الصلح على ما يراه صلاحا للمسلمين وإن كان يظهر في بادىء الرأي أنّ فيه ما ظاهره اهتضام للحق لأنّه ﷺ محا اسمه، وعاقدهم على ما ذكر مسلم فيمن جاء منهم إلينا ومنّا إليهم وقد قال عمر: "يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فَلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ " الحديث (ص ١٤١١).
стр. 1088
ومذهبنا أنّه إذا عاقد الإِمام على الردّ لمن جاء مسلما ينفذ عقده في الرّجال دون النساء لقوله تعالى ﴿فإن علمتموهنَّ مؤمِنَات فَلَا تَرجعوهنَّ إلى الكفَّار﴾ (٦٢) ولكن اختلف الناس إذا طلب زوجته التي جاءت مسلمة هل يَعاض عنها الصداق الذي كان أعطاها فقال بعض الناس يعاض عنها لقوله ﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ (٦٣) وقال بعضهم: لا يَعَاض عنها والآية منسوخة وقد قال بعض الناس إنَّ منع ردّ النساء بالقرآن (٦٤) نسخ لما تقدم من السنة وفيه نسخ السنة بالقرآن. وفي ذلك خلاف بين أهل الأصول.
٨٤٠ - وأمّا قوله: "ولا يدخلوها إلاّ بجُلبَّان السِّلاحِ السّيفِ وقِرابهِ" (ص ١٤١٠).
قال الأزهري: القراب غِمد السّيف والجلبَّان شبه الجراب من الأدَم يوضع فيه السيف مغمودا فيطرح فيه الراكب سَوطه وأداته ويعلّقه في آخِرَة الرَّحل أو واسطته، وقال شَمِر: كأنَّ اشتقاق الجلبَّان في الُجلبة وهي الِجلدة التي تجعل على القَتِبِ والجلدة التي تغشي التَّميمة لأنهَّا كالغشاء للقراب يقال: أجلب قتبه إذا غشاه الُجلبة وروى ابن قتيبة في هذا الحرف جُلُبَّان بضم اللام وتشديد الباء قال: والجُلبَّان أوعية السّلاح بما فيها قال: ولا أراه يسمى به إلا لجفائه ولذلك قيل للمرأة الجافية الغليظة جُلُبّانة قال الهروي: والقول ما قال الأزهري وشَمِر.
стр. 1089
٨٤١ - قوله: "مَا فتَحْنَا مِنْهُ من خُصْم إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا" (ص ١٤١٣).
قال الشّيخ: خُصْمُ كلّ شيء: طرفه وناحيته، ومنه قيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما يأخذ في ناحية من الدعوى غير ناحية صاحبه.
٨٤٢ - قوله: "لا تَذْعَرْهُمْ عليّ" (ص ١٤١٤).
معناه لا تُنفِّرْهُمْ.
٨٤٣ - وقوله: "قُرِرْتُ (ص ١٤١٤).
أي أصَابَنِي القُرّ. يقال قُرَّ الإنسان قُرًّا.
٨٤٤ - قول المُشركين: قد وُدّع محمّد فأنزل الله عليه ﴿ماودَّعَك ربّك وما قَلىَ﴾ (٦٥) (ص ١٤٢١).
قال الشّيخ وفّقه الله: قال ابن عباس: معناه ما قطعك منذ أرسلك وسمّي الوداع وداعا لأنه فراق ومتاركة. وفي الحديث "الحمد لله غَيْرَ مُوَدَّعَ ربي ولا مكفورٍ" أي غير تارك طاعة ربّي.
стр. 1090
٨٤٥ - قوله: "لقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرةِ أن يتوّجوه" (ص ١٤٢٢).
البُحَيْرة مدينة النبيء ﷺ والبِحَارُ القُرَى قال الشاعر: [الخفيف]
وَلَنَا البَدْوُ كُلّه والبِحَار.
أي والقُرَى.
٨٤٦ - وقوله "يُعَصِّبُوه" (ص ١٤٢٢).
أي يُسوِّدوه كانوا يسمون السيّد المطاع معصَّبا لأنّه يعصَّب بالتّاج أو يعصَّب به أمور الناس وكان أيضاً يقال: المعمَّم والعمائم تيجان العرب وهي العصائب.
٨٤٧ - وقوله "شَرِق بذلك" (ص ١٤٢٢).
أي غُصّ به. يقال: شَرِقَ بكسر الراء يَشْرق شرقًا فالشرق الغَصَص واسم الفاعل شَرِقٌ على مِثَالِ حَذِر قال الشاعر: [الرمل]
لَو بغَير الَماءِ حلقِي شَرِق ... كنتُ كالغصَّان بالماء اعتِصَاري
стр. 1091
٨٤٨ - ذَكَرَ "قَتْلَ كعب بن الأشرف" الحديث المشهور (ص ١٤٢٥).
قال الشيخ: إنَّما قتل كعب على هذه الصّفة لأنه نقض عهد النبيء ﷺ وهجاه وسبّه وعاهده أن لا يُعين عليه أحدا وجاءه مع أهل الحرب مُعينا عليه. وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه والجواب ما قلناه.
٨٤٩ - ذَكَرَ حديث "فتح خيبر" الحديث المشهور (ص ١٤٢٦).
قال الشّيخ: قوله: "انحسر الإزار عن فَخِذِ النّبِيء ﷺ فإنيّ لأرى بياض فَخِذِهِ" استدلّ به بعض أهل العلم على أن الفَخِدَ ليس بعورة لانكشافه من النّبيء ﷺ فإن كان عن قصد فذلك آكد في الدّلالة وإن كان عن غير قصد فكأنه منزّه عن انكشافها وقد ذكر الراوي أنّه رآه.
وقوله: "أَصَبْنَاهَا عَنْوَةً (ص ١٤٢٦).
ظاهره أصبناها عنوة على الإطلاق. وقد قال ابن شهاب فيما حكى مالك عنه "بعضُها عنوة وبعضها صلح".
والكَتِيبَةُ وهي أرض خيبر نفسها بعضها أيضاً صلح قال مالك وفيها أربعون ألف عَذق يريد نخلة، وقد تقدّم أن العَذْق بفتح العين اسم النخلة وبكسرها الكِبَاسة. وقد يشكل من هذا ما روي في كتاب أبي داود أنّه قسّمها نصفين نصفا لنوائبه وحاجته ونصفا للمسلمين. وقال بعضهم كان حولها من الضِّياع والقرى ما أُجلي عنه أهله. فكان خاصّا للنبى ﷺ وما سواه للغانمين فكان تقدير ما أجلي عنه أهله النّصفَ فلهذا قسّمها نصفين.
стр. 1092
٨٥٠ - ذَكر شِعْرَ ابن الأكوع (٦٦). [الرجز]
اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
فاغفر فداء (٦٧) لك ما اقتفينا (ص ١٤٢٧).
قال الشّيخ وفّقه الله: وقع في بعض النّسخ: فداء لك، وفي بعضها: فاغفر لنا بذاك ما ابتغينا. وهذه الرواية الثانية سالمة من الاعتراض وأما "فداء لك" فإنّه لا يقال أفدي الباري تعالى ولا يقال للباري سبحانه فديتك لأنّ ذلك إنّما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله ببعض الأشخاص فيحب شخص آخر أن يحلَّ به ويفديه منه. ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه كما يقال: قاتَلَه الله، وكما قال ﷺ : "تَرِبت يَمِينكِ" و"ويلُ أمّه مسعرَ حرب" وقد تقدم أو يكون فيه ضَرب من الاستعارة لأنّ الفادي لغيره قد بالغ في طلب (٦٨) رضا الَمفْدِي حتى بذل نفسه في محابه فكَأنَّ المراد بهذا الشعر أنيّ أبذل نفسي في رضاك وعلى كل حال فإن المعنى وإن صرف إلى جهة يصح فيها فإطلاق اللّفظ واستعارته والتجوّز به يفتقر إلى شرع أو يكون المراد بقوله "فداء لك" رجلاً يخاطبه وقطع
стр. 1093
بذلك من الفعل والمفعول فكأنّه يقول: فاغفر: ثم عاد إلى رجل ينبهه فقال: فداء لك ثم عاد إلى الأوّل فقال ما اقتفينا وهذا تأويل يصح معه اللّفظ والمعنى لولا أنّ فيه تعسفا اضطرَّ إليه تصحيح الكلام إن صحت الرواية وقد يقع في لسان العرب من هذه الفواصل بين الجملة المعلّق بعضها ببعض ما يسهل هذا التأويل.
٨٥١ - وأما ما وقع بعد هذا من قوله ﷺ : "على أيّ شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: أي لحم؟ قالوا: لحم الحمر الإنسية فقال رسول الله ﷺ : أهْريقُوها واكسروها فقال رَجل أو يُهرقونها ويغسلونها فقال رسول الله ﷺ أو ذاك" (ص ١٤٢٧).
فإن من الناس من تأوّل في ذلك أنهّم أخذوها من المغنم قبل القسمة ومنهم من يقول: أراد استبقاءها للحاجة إليها ومنهم من يقول لأنها حرام لحمها.
٨٥٢ - قوله: [مجزوء الرجز]
أنَا ابن الاكوعِ ... واليوم يوم الرضَّعِ (ص ١٤٣٢)
معناه يوم هلاك اللّئام من قولهم لئيم راضع. ومعنى لئيم راضع أي
رضع اللّؤم في ثدي (٦٩) أمّه وقيل: إنه يمتص الدّرَّ حتى لا يسمع للّبن وقع في الحلاب فَيُسْتقْرَى.
стр. 1094
٨٥٣ - وقوله: "ورآني رسول الله ﷺ عُزُلاً" (ص١٤٣٣).
بمعنى ليس معه سلاح، قال الشيخ: كما يقال: ناقة غلظ وجَمَلٌ فُنُق والجمع أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سدم ومياه أسدام.
٨٥٤ - وقوله: "فجَاشَت" (ص ١٤٣٣).
معناه ارتفعت يقال: جاش الشيء إذا ارتفع يجيش جيشانا قال الشّاعر: [الطويل]
وقولِي كلَّما جَشأت وجاشت ... مكانك تحُمدي أو تستريحي
وقوله: "جَبَا الرَّكِيَّةِ" (ص ١٤٣٤).
الجبا: ما حول البئر والماء والجبا الماء والركيّة البئر.
٨٥٥ - وقوله: "وأحسُّه" (ص ١٤٣٣).
معناه: أنفض عنه التّراب يريد عن الفرَس.
стр. 1095
٨٥٦ - وقوله: "فَكَسَحتُ شوكَهَا" (ص ١٤٣٣).
قال ابن القوطية: كَسَح الشيء كَسحًا كنسه وكَسِحَ كَسَحا عَرِجَ.
٨٥٧ - وقوله: "فأخذتُ سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي" (١٤٣٣) الضّغث في اللّغة الحزمَة.
٨٥٨ - وقوله: "وخرجت معه بفرس طلحة (٧٠) أندِّيهِ مع الظَّهر" (١٤٣٣).
قال الشّيخ: قال أبو عبيد عن الأصمعي التندية أن يوردَ الرجل الإبل حتى تشَربَ فتشرب قليلاً ثم يرعاها سَاعَة ثم يردّها إلى الماء وهو في الإبل والخيل أيضاً قال الأزهري وأنكره القُتَبِي وقال الصَّواب لأبَدِّيَه. أي لأخرجه إلى البدو قال: ولا تكون التّندية إلا للإبل قال الأزهري: أخطأ القتبي والصواب ما قال الأصمعي. وللتندية معنى آخر وهو تضمير الفرس وإجراؤه حتى يسيل عرقه ويقال لذلك العرق إذا سال النّدى (٧١).
٨٥٩ - وقوله: "أردّيهم بالحجارة" (ص ١٤٣٣).
أي أرميهم بها.
стр. 1096
٨٦٠ - وقوله: "جَعَلت عليها أراما من الِحجَارة يعرفها رَسول الله ﷺ (ص ١٤٣٣)
يشبه أن يريد بها الأعلام. قال الأعشى: [المتقارب]
وبيداءَ تحَسِب آرامَهَا ... رِجَالَ إيَاد بأجلادهَا
يعني بأشخاصها. فالآرام الأعلام والأرآم بالهمز بعد الراء الظباء قال زهير: [الطويل]
بها العِين والأرآم يمشين خِلفةً ... وأطلاؤها ينهضنَ من كل مجثَم
وقوله: "لقينا من هذا البَرْح" (ص ١٤٣٣).
يعني الشدّة وقد تقدم.
٨٦١ - وقوله: "يَتَخَلَّلُون الشَّجَرَ" (ص ١٤٣٣).
стр. 1097
أي يدخلون بين خلال الشَّجر وخلالهُا أوساطها والخلال جمع خَلَل مثل جبل وجبال ومنه ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ (٧٢) يَعنِي وَسَطَكم.
٨٦٢ - قوله: "مَذقَة لَبَن" (ص ١٤٣٣).
يقال: مذقت اللَّبَنَ أي خلطته بالماء ومذق المودّة لم يخلصها ومذقها أيضاً ملّها.
٨٦٣ - وقوله: "شاكُّ السّلاح" (ص ١٤٣٣).
أي تام السلاح يقال: رجل شَائِك السلاح وَشَاك السلاح، وشاكي السلاح وشاكٌ في السلاح من الشكة وهي السلاح أجمع وشوكة الإنسان شدته وقال الله سبحانه ﴿غير ذَاتِ الشَّوكة﴾ (٧٣) أي غير ذات السلاح.
٨٦٤ - وقوله: "بَطَلٌ مغَامر" (ص ١٤٣٣).
يشبه أن يكون أراد يركب غمرات الحرب وهي شدائدها. وقول علي ﵁: [الرجز]
أنَا الَّذي سَمَّتني أُمِّي حَيدَرهْ (ص ١٤٣٣).
стр. 1098
قيل: إنما تمثل عليّ بهذا عند مبارزة مَرْحَبٍ هذا لأنه كان رأى في المنام أن مرحبا يقتله سبع، وكان عليّ سمّي أول ما ولد أسدا أو سبعا وحيدرة الأسد فارتجز بذلك ليُنَبّهه على المنام ويذكِّره به حتى تضعف مُنَّتُهُ ويخاف.
٨٦٥ - وقوله: "أُوفِيهُمُ بالصّاع كَيْلَ السَّندَره" (ص ١٤٣٣).
معناه اقتلهم قتلا واسعا لأن السَّندرة مكيال واسع وقيل السَّندرة العَجَلَة فيكون معناه على هذا أقتلهم قتلا عاجلا قال القتَبِي ويحتمل أن يكون مكيالا اتخذ من السّندرة وهي شجرة يعمل منها النَّبل والقِسِيُّ.
٨٦٦ - قولها: "بَقَرتُ بِهِ بَطنَه" (ص ١٤٤٢).
أصل التبقّر التوسّع والتفتح، ومنه يقال: بقرت بطنه وفي الحديث: "نِهيَ عن التبقّر في الأهل والمال قال أبو عبيد: يراد به الكثرة والسعة.
٨٦٧ - وقوله: "مجوِّب" (ص ١٤٤٣).
يعني مترِّسا يقيه بالَحجَفَةِ وهي التُّرْسُ والَجوْبُ الترُّس.
٨٦٨ - وقوله: "شَديدُ النَّزعِ" (٧٤) (ص ١٤٤٣).
стр. 1099
يعني شديد الرّمي بالسهم.
٨٦٩ - وقوله: "أَرَى خَدَم سوقِهِماَ" (ص ١٤٤٣).
الَخدَم الَخلَاخيل وفي حديث سلمان (٧٥): "أنه رُؤي على حمار وخدمتاه تَذَبذَبَان" أراد بخدمتيه ساقيه فسمّيتا بذلك لأنهّما موضع الخدمتين وهما الخلخالان. ويقال: أريد بهما مخرج الرِّجل من السرَّاويل ومنه الحديث: "بَادِية خِدَامهن" أي ظاهرة خلاخلهن. ومنه قيل: فرس مُخدَّم إذا كان أبيض الرّسغين.
٨٧٠ - وقوله: "يحُذينَ من الغنيمة" (ص ١٤٤٤).
أي يُعطَين. قال ابن ولَاّد: الحذْيا والحُذَيَّا، ما يعطى الرَّجل من الغنيمة أو من الجائزة وكذلك الحُذوة.
٨٧١ - قال الشّيخ: خرَّج مسلم في غزوة خَيبر: "حدّثنا أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن أبي شهاب قال أخبرني عبد الرحمن قال مسلم ونسبه غير ابن وهب فقال ابن عبد الله بن كعب بن مالك أن سلمة ابن الأكوع قال لما كان يوم خيبر" الحديث (ص ١٤٢٩).
قال الشّيخ: قال بعضهم: كان ابن وهب يهم في إسناد هذا الحديث فيقول عن الزهري عن عبد الرحمن وعبد الله ابني كعب فغيرَّه مسلم
стр. 1100
وأصلحه. ولذلك قال ونسبه غير ابن وهب قال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره عن ابن وهب وقال الدارقطني: خالف ابن وهب في هذا القاسم بن مبرور رواه عن يونس عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب قال: وهو الصواب. قال الشّيخ: قال بعضهم وقد نبّه أبو داود في كتاب السّنن على وهم ابن وهب في هذا الإسناد وكذلك فعل أبو عبد الرحمن النّسائي وذكر الصواب في ذلك.
٨٧٢ - قال الشّيخ: وخرّج مسلم في عدد غزوات النبيء ﷺ قال: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال نا يحي بن آدم نا زهير عن أبي إسحاق (٧٦). قال بعضهم: هكذا روي هذا الإسناد عن الكسائي على الصواب. وفي نسخة السّجزي والرّازي عن أبي أحمد (٧٧) نا يحي بن آدم نا وهيب، وكذلك كان في نسخة ابن ماهان فغيره. قال عبد الغني: الصواب زهير وأما وهيب فخطأ لأن وهيبا لم يلق أبا أسحاق.
стр. 1101
كتاب الإمارة والجماعة (١)
٨٧٣ - قوله: "ما نقمنا شيئًا" (ص ١٤٥٨).
أي ما كرهنا أو ما في معناه.
٨٧٤ - وقوله: "شَرُّ الرِّعَاء -الحُطمة" (ص ١٤٦١).
يعني الّذي يكون عنيفا برعيه الإبل يحطّمها يلقي بعضها على بعض ويقال أيضاً: حُطَم بلا هاء. ومنه قول الحجّاج في خطبته: [الرجز]
قَد لَفَّها اللَّيل بِسَوَّاق حطَم
стр. 1102
٨٧٥ - وقوله: "بعير له رُغَاء" (ص ١٤٦١).
الرُّغاء صوت البعير وكذلك ما ذكر بعده صوت كل شيء وَصَفَه به.
٨٧٦ - وقوله: "لَا يأتي أحَدكم وَعَلىَ رَأسِهِ رِقاعٌ تخفِق" (ص ١٤٦١).
فيه دلالة على زكاة العروض. وقد يَستَدلّ أيضاً من يَرى الزّكاة في الخيل بذكره الفرس في هذا الحديث، وقد تقدّم الكلام على ذلك.
٨٧٧ - وقوَله "حَتَّى رَأَينَا عُفرتيَ إبْطَيْهِ" (ص ١٤٦٣).
قال الأصمعي: العُفرة هو البياض وليس بالناصع ولكنه لون الأرض. ومنه قيل للظِّباء عُفْر سمّيت بِعَفَرِ الأرض وهو وَجههَا قال شَمِر: هو البياض إلى الحمرة قليلاً.
٨٧٨ - قوله: بايعنا رسولَ الله ﷺ على السَّمعِ والطَّاعَةِ (الحديث ص ١٤٧٠).
٨٧٩ - وفيه "ولا تنازع (٢) الأمرَ أهلَه" قال: "إلا أن تَروا كفرا بَوَاحا، عندكم من الله فيه برهان" (ص ١٤٧٠).
قال الشّيخ الإِمام العدل: لا يحلّ الخروج عليه باتفاق، والإِمام إذا
стр. 1103
فَسَقَ وجار (٣)، فإن كان فسقه كفرا وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنّة أنّه لا يخلع واحتجّوا بظاهر الأحاديث وهي كثيرة ولأنه قد يؤدّي خلعه إلى إراقة الدّماء وكشف الحريم فيكون الضرّر بذلك أشَدَّ من الضرّر به وعند المعتزلة أنّه يخلع وهذا في إمام عُقد له على وجه يصحّ ثم فَسَق وجار، وأمّا المتغلّبون على البلاد فالكلام فيهم يتّسع وليس هذا موضعه.
وقوله: "إلَاّ أن ترَوا كفرا بَوَاحا" (ص ١٤٧٠).
هذا الاستثناء يؤكّد ما قلناه من التّفرقة بين الكفر وغيره.
وقوله: "بَواحا" البواح الِجهار يقال: باح بالشّيء (٤) وأباحه جهر به.
٨٨٠ - قوله: "وَمِنَّا من يَنْتضِل وَمِنَّا من هو في جَشَرِه" (٥) (ص ١٤٧٢).
المناضلة معروفة وهي المراءاة والَجشر خروج القوم بدوابّهم للمرعى فلعلّه هذا المعنى أراد.
٨٨١ - قوله: "قال: نَعَم وَفيهِ دَخَن" (ص ١٤٧٥).
стр. 1104
قال أبو عبيد: أصل الدّخن أن يكون في لون الدّابة كدورة إلى سواد وفي الحديث "هُدنة على دَخَن" يريد، لا تصفو القلوب بعضها لبعض ولا ينصع حبُّها كما كانت. وتفسيره في الحديث وهو قوله: "لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه"، والدخن أيضاً الدخان. ومنه الحديث وذكر فتنة فقال: "دَخَنُها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي" يعني إثارتها وهيجها. شبّه (٦) بالدخان الذي يرتفع.
٨٨٢ - وقوله: "ومن قاتل تحت راية عُمِيَّة يَغضَب لِغَضَبِهَا" (ص ١٤٧٦).
قيل: هو الأمر الأعمى كالعَصَبِيَّة لَا يَستَبِين مَا وجهه قاله ابن حنبل.
وقال ابن إسحاق: هذا في تجارح (٧) القوم وقتل بعضهم بعضا وكأنه أصله من التّعمية وهو التّلبيس وفي حديث الزبير "لئلا يموت ميتَةً عِمّيّة" أي ميتة فتنة وجهل.
٨٨٣ - قوله ﷺ : "إذا بويع لخلِيفَتَين فاقتلوا الأخير (٨) منهما. (ص ١٤٨٠).
قال الشّيخ ﵀: العَقْدُ لإمامين في عصر واحد لا يجوز. وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلى أنَّ ديار المسلمين إذا اتّسعت
стр. 1105
وتباعدت وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإِمام ولا تدبيره حتى يضطرّوا إلى إقامة إمام يدبّرهم فإن ذلك يسوغ لهم.
ومحمل هذا الحديث على أنّ الثَّاني امتنع من العزلة ودعا إلى طاعته حتى صار ذلك سببا للفتنة وشقَّ العصا فإنه يقاتل لينخلع وإن أدّى قتاله إلى قتله، ولو كان عقد لهما ولم يعلَم الأول لم يستحق أحَدهما الاستبداد بالإمامة (٩) لجواز أن يكون هو الثاني والعقد له باطل ويكون كمسألة المرأة زوَّجها وليَّاها من رَجلين ولم يعلم الأوَّل منهما فإنه لا يثبت نكاح أحدهما إذا لم يقع دخول.
٨٨٤ - قوله: "فَجَثَا على ركبَتَيه واستقبل القبلَةَ" (ص ١٤٨٢).
يقال: جَثَا يجَثو جثوّا إذا جلس على ركبتيه وأما جذا بالذّال المعجمة فأن (١٠) يجلس على أطراف أصابعه والجاذي أشد استيفازا من الجاثي. وقد وقع في بعض الروايات فإذا بذال معجمة.
٨٨٥ - قال الشّيخ أيَّده الله خرّج مسلم في باب كَرَاهية الإمارة: "حدّثنا عبد الملك نا أبي نا اللّيث حدّثني يزيد بن حبيب عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد هكذا روي هذا الإسناد عن أبي أحمد" (ص ١٤٥٧).
стр. 1106
ووقع عند ابن ماهان: "حدّثني يزيد بن أبي حبيب وبكر بن عمرو بواو العطف والصواب عن بكر بن عمرو كما تقدّم قاله عبد الغني.
٨٨٦ - قال الشّيخ أيده الله: خرّج مسلم في هذا الباب أيضاً: "حدثنا زهير وإسحاق كلاهما عن المقرىء قال زهير نا عبد الله بن يزيد نا سعيد ابن أبي أيوب (١١) عن عبيد الله بن أبي جعفر عن سالم ابن أبي سالم عن أبيه عن أبي ذرّ". قال الدّارقطني في كتاب العلل: وذكر الحديث (ص ١٤٥٨).
اختلف فيه على عبيد الله بن أبي جعفر فرواه سعيد بن أبي أيوب عنه فذكر كما تقدم قال: وخالفه عبد الله بن لهيعة فرواه عن عبيد الله عن مسلم بن أبي مريم عن أبي سالم الجيشاني عن أبي ذرّ، والله أعلم بالصواب.
قال الشيخ قال بعضهم: لم يحكم الدارقطني فيه بشيء، قال بعضهم وأبو سالم هو سفيان بن هاني الَجيشَانيِ يروي عن عليّ وأبي ذرّ.
٨٨٧ - قوله ﷺ : "لا هجرة ولكن جهاد ونيّة وإذا استُنفِرتم فانفِروا" (ص ١٤٨٧).
قال الشّيخ: كانت الهجرة فرضا في أوّل الإِسلام لِيَسلموا بها مِن ذلّ الكفار لغلبتهم على الدار وليكونوا له ﷺ من الأعوان والأنصار يشدّون
стр. 1107
أزره ويدفعون عنه فلماّ فتحت مكة سَقَطَ فرض الهجرة لزوال الذّلِّ عَمَّن يسكنها من المسلمين ولاستغناء النّبيء ﷺ بمن معه عمّن يحامي عنه. وصارت ندبا لما في القرب من النّبيء ﷺ ومشاهدته والصّلاة معه وتلقّي الوحي منه من الفضيلة على الغيبة عن ذلك.
وأما قوله ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفِروا" فإنه إذا استنفِر النّاس للجهاد وجب عليهم إذا كان قعودهم عنه يؤدّي إلى استباحة الحريم والأموال، وان كان طلبا للاستظهار على العدوّ وقد قام بالجهاد من يكفي كان ندبا في حقّ الباقين.
٨٨٨ - قوله: "فإنّ الله لن يَتِرَك من عملك شيئاً" (ص ١٤٨٨).
يعني ينقصك ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكم أعمالَكم﴾ (١٢) يقال: وترته إذا نقصته.
٨٨٩ - قال الشّيخ أيَّده الله: وخرّج مسلم في باب المسابقة بين الخيل: "حدّثنا عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر، ثم ذكر من حديث اللّيث عن نافع وحماد بن زيد عن أيوب عن نافع، ثم قال وحدّثني زهير بن حرب قال نا إسماعيل عن أيوب عن نافع قال بعضهم: هكذا في الكتاب من جميع الطّرق التي رويناها (ص ١٤٩١ - ١٤٩٢).
وذكره أبو مسعود الدمشقي: "عن مسلم عن زهير عن إسماعيل عن
стр. 1108
أيّوب عن ابن نافع عن نافع فزاد في الإسناد ابن نافع وهو المحفوظ عن جماعة من أصحاب ابن علية.
٨٩٠ - قوله: "كانَ يَكرَه الشِّكَالَ مِنَ الخَيل" (ص ١٤٩٤).
قال أبو عبيد: يعنِي أن تكون ثلاث قوائم منه مُحَجَّلَة وواحدة مطلقة أخِذ من الشِّكال الذّي تشكَّل به الخيل. شبّهه به لأنّ الشِّكال إنّما يكون في ثلاث قوائم وقد فسرَّه في كتاب مسلم.
٨٩١ - قوله: "فَهوَ عليّ ضَامِنٌ أن أدخِلَه الَجنَّةَ" (ص ١٤٩٥).
قال الشّيخ: قد يجيء فاعل بمعنى مفعول كقوله ﴿مِن مَّاء دافِق﴾ (١٣) أي مدفوق و ﴿عيشة رَاضِيَة﴾ (١٤) بمعنى مرضية فعلى هذا يمكن أن يكون "ضامن" بمعنى مضمون.
٨٩٢ - قوله: "وجُرْحُه يَثْعَبُ دَما" (ص ١٤٩٦).
يقال: ثَعبت الَماء إذا فجّرته فانثعب.
٨٩٣ - قال الشّيخ أيّده الله: خرَّج مسلم في فضل الشُّهَدَاء: "حَدَّثَنَا أبو بَكر بن أبي شيبة نا أبو خالد الأحمر عن شعبة عن قتادة وحمُيد عن أنس عن النبيء ﷺ " (ص ١٤٩٨).
стр. 1109
قال الشيخ: قال بعضهم: ظاهر هذا الإسناد أن شعبة يرويه عن قتادة وحميد عن أنس، وباطنه أن أبا خالد الأحمر يرويه عن حميد عن أنس وعن شعبة عن قتادة عن أنس. وهكذا قال فيه عبد الغني بن سعيد.
٨٩٤ أ - قوله: "كلما سمع هَيْعَةً طَارَ إلَيهَا" (١٥) (ص ١٥٠٣).
قال أبو عبيد: الهيعَة الصّوت الذّي يفزع منه. يقال: هاع يهيع
هيوعا وهَيَعَانا إذا جَبُن، وهاع يهاع إذا جاع وإذا تهوّع.
٨٩٤ ب - قوله: "في رأس شَعَفَة" (ص ١٥٠٣).
الشَّعَفَة بعين غير معجمة واحدة الشَّعَفِ (١٦) وهي رؤوس الجبال.
٨٩٥ - قوله: "إنيّ بُدِّعَ بيِ" (١٧) (ص ١٥٠٦).
أي هَلَك فَرَسيِ يقال للرّجل: إذا كلّت ركابه أو عَطِبت وبقي منقطَعًا به قَد بدِّعَ بِهِ.
٨٩٦ - قوله: "فأخرَجَ تَمَرات مِن قَرَنهِ" (ص ١٥٠٩).
стр. 1110
أي مِن جَعبَة وفي حديث "صَلِّ في القَوس واطرَحِ القَرَنَ" قال الهروي: القَرَن جعبة من جلود تشقّ ثم تخرز وإنما تشقّ كي يصل إليها الرّيح ولا يفسد الرّيش، وأمره بنزع القَرَن لأنّه كّانَ من جِلد غير ذَكيّ وَلَا مَدبوغ ومن حديث عمر ﵁ قال للرجل: مَا مَالُكَ؟ فقال: أقرن وأدَمَةٌ من الَمنِيئَةِ.
الأقْرُنُ (١٨) جِمع قَرَن وهي جَعبَة من جلود تكون للصيّادين فيشق جانب منها كما فسَّرْنا.
٨٩٧ - قوله: "فقال له نَاتِل أهلِ الشّامِ" (ص ١٥١٣).
قال الهروي: في الحديث "أنَّه رأى الحسين يلعب ومعه صبية في السكّة فاستَنتَلَ رسول الله ﷺ أمام القوم" أي تقدّم، قال أبو بكر: وبه سمّي الرّجل ناتلا ونتيلة أمّ العباس بن عبد المطلب. ومنه حديث أبي بكر "أنه ارتاب بلبن شربه" أي لم يحل له فاستنتل يتقيّا أي يتقدّم. وذكر الهروي أنّه يقال: نتل أيضاً إذا تقدّم ومنه أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر برز يوم بدر فقال: هل من مبارز؟ فتركه النّاس لكرامة أبيه ﵁ فَنتل أبو بكر ومعه سيفه، أي تقدَّم.
٨٩٨ - قوله: "ما مِن غَازِيَة أو سرِيَّة تخَفِق" (ص ١٥١٥).
стр. 1111
قال أبو عبيد: الإخفاق أن يغزو فلا يغنمَ شيئاً وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقضها فقد أخفق وأخفق الصائد إذا خاب.
٨٩٩ - قوله: "يَركَبونَ ثَبَجَ هَذَا البَحرِ" (ص ١٥١٨).
الثَّبج الوسط قال أبو زيد: ضرب بالسيف ثبج الرجل، أي وسطه، والثَّبَج ما بين الكتفين، وفي حديث وائل بن حجر وأنطوا الثَّبَجَةَ (١٩) يقول: أعطوا الوَسَطَ في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذَالته.
٩٠٠ - قوله: "الشّهَدَاء خمَسَة "المَطعون والمَبطون" الحديث (ص ١٥٢١).
قال الشّيخ: المطعون هو الذّي يموت في الطّاعون ولم يرد المطعون بالسّنان لأنه قال في آخره والشّهيد في سبيل الله وفي طريق آخر ومن مات في الطّاعون فهو شهيد.
٩٠١ - قوله: "إذَا سَافَرتم في الِخصب فأعطوا الإبِلَ حَظَّهَا من الأرض وإذَا سَافرتم في السَّنَةِ فبادروا بها نِقيها وإذَا عَرَّستم فاجتنبوا الطريق فإنّها طرق الدوَابِ ومَأوى الهَوَامِّ باللَّيل" (ص ١٥٢٥).
قال الشيخ: أما قوله: "إذا سافَرتم في السَّنة" فالمراد به القَحط قال
стр. 1112
الله سبحانه ﴿ولَقَد أخَذنا آل فِرعَون بِالسِّنينَ﴾ (٢٠)، أي بالقحوط والسَّنَة الأزمة ومنه حديث عمر ﵁ "كان لا يجيز نِكَاحَ عَام سَنَة يقول: لعلَّ الضَّيقة تحملهم أن ينكِحوا غَيَر الأكفَاءِ" وكذلك حديثه كان لا يَقطَع في عَامِ سَنَة.
وأمّا قوله: "فبادروا بها نِقْيَهَا يعني مخها. يقال: نقوت العظم ونقيته وانتقيته إذا استخرجتَه.
٩٠٢ - قال الشّيخ -أيَّدَه الله-: وخرّج مسلم في باب لَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو روحَة "قال حدثنا ابن أبي عمر نا مروان بن معاوية" (ص ١٥٠٠).
قال بعضهم في نسخة أبي العلاء: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا مروان بن معاوية جعل ابن أبي شيبة بدل ابن أبي عمر والصواب ما تقدم أنه من رواية ابن أبي عمر وهي رواية الجلودي.
٩٠٣ - وخرّج أيضاً مسلم في باب أرواح الشّهداء عن يحيى بن يحيى وأبى بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي معاوية قال وحدثنا إسحاق ارنا (٢١) جرير وعيسى عن الأعمش ونا ابن نمير واللّفظ له ونا أسباط وأبو معاوية قال نا الأعمش عن عبد الله بن مرَّة عن مسروق قال سألنا عبد
стр. 1113
الله عن هذه الآية ﴿ولا تحسبَنَّ الَّذينَ قتِلوا فيِ سَبِيل الله أموَاتا﴾ (٢٢) الآية (ص ١٥٠٢) الحديث موقوف. وهكذا أتى سألنا عبد الله غير منسوب قال بعضهم قال أبو مسعود الدِّمشقي. ومن النّاس من ينسبه فيقول: عبد الله بن عمرو والله أعلم وذكره أبو مسعود في مسند ابن مسعود.
٩٠٤ - وخرّج أيضاً مسلم في باب ركوب البحر للغزو حدّثنا محمد بن رمح نا اللَّيث. وفي نسخة الرّازي: "حدّثنا محمد بن رمح ويحي بن يحيى قال (٢٣) أخبرنا اللّيث وسقط ذكر يحي بن يحيى لابن ماهان وللسّجزي عن أحمد (٢٤) (ص ١٥١٩).
٩٠٥ - وخرّج أيضاً مسلم في باب السّفر قطعة من العذاب: "حدّثنا عبد الله بن مَسْلمَةَ بن قعنب وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعَب ومنصور وقتيبة قالوا حدثنا مالك" هكذا عن الجلودي والكسائي (ص ١٥٢٨).
وأمّا عند ابن ماهان فقال: "عن مسلم نا عبد الله بن مسلمة وابن أبي الوزير وأبو مصعب ومنصور وقتيبة قالوا حدّثنا مالك بهذا هكذا عنده جعل ابن أبي الوزير بدل إسماعيل بن أبي أويس واسم ابن أبي الوزير إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير يكنّى أبا إسحاق ممّن روى عن مالك قال بعضهم: لم يدركه مسلم ولا أعلم لمسلم عنه رواية قال. وأما البخاري فقد خرّج عنه عن عبد الله الجعفي عن ابن أبي الوزير مقرونا بالحسين بن الوليد عن ابن الغسِيل في كتاب الطلاق حديث الَجوْنيّة التّي تزوجها رسول الله ﷺ فاستعاذت منه.
стр. 1114
كتاب الصّيد (١)
٩٠٦ - قول عدي (٢) ابن حاتم: "يا رسول الله إنيّ أرسل الكِلَابَ المعَلَّمَة فيمسكن عَليَّ وأذكر اسم الله فقال: إذا أرسلت كلبَكَ المعَلَّمَ وَذَكَرتَ اسم الله فكل قلت: وان قَتلنَ قال: وان قتلن ما لم يشركها كلب ليس مَعَهَا (٣).
قلت له: فإني أرمِي بالِمعراض الصَّيدَ فَأصيب قال: إذا رَمَيْتَ بالِمعراضِ فَخَرَقَ فَكُله وإن أصابه بِعَرْضه فلا تأكله.
стр. 1115
وفي بعض طرقه: "إلَاّ أن يَأكل الكَلب فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأكل فإنيّ أَخَاف أن يَكونَ إنَّماَ أمسك عَلى نَفسه".
وفي بعض طرقه: "فَإنَّه إنَّماَ أمسَكَ على نفسه قلت فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر لا أدري أيهما اخَذَه قال: فلا تأكل فإنَّماَ سَمَّيتَ على كلبك وَلمَ تسمِّ عَلى غيره.
وفي بَعض طرقه في المِعرَاض: "إذا أصَابَ بِحَدِّهِ فَكل وإذا أصاب بعرضه فَقَتَلَ فإنَّه وَقيذ فَلَا تَأكل" (ص ١٥٢٩ - ١٥٣١).
قال الشّيخ وفّقه الله: الحيوان الذي يحلّ أكله لا يُستَبَاح في الشّرع إلا بتذكية والتّذكية عقر أو ذبح أو نحر، فأمّا الذّبح والنَّحر ففي المقدور عليه وأمّا العقر فكلّ حيوان مأكول اللّحم متوحّش طبعا غير مقدور عليه فذكاته العَقر: فقلنا حيوان لأنَّ ما ليس بحيوان لا يذَكَّى، وقلنا مأكول اللّحم لأنّ الخنزير وما يحرم من الحيوان لا تصحّ تذكيته، وقلنا متوحش احترازا من الإنسي كالبقر والشّاة فإنه لا يذكَّى بالعقر. وقلنا طبعا احترازا من الإنسي إذا نَدَّ (٤) فإنّه لا يستباح بالعقر لأنّ التوحش ليس من طبيعته وقلنا غير مقدور عليه احترازا من الوحشي إذا حصل في قبضة الصّائد فإنه لا يذكّى بالعقر. [هذا ضبط ما يذكّى بالعقر] (٥).
وأمَّا الآلة التي يعقربها فكلّ حيوان يصيد ويقبل التّعليم فإنّه يجوز به الصيد عندنا وما وقع من النّهي عن التصيّد ببعضه في المذهب فمحمول على أنّه لا يقبل التّعليم هذا مذهب مالك وأصحابه ومن النّاس من قصر
стр. 1116
الاصطياد على الكلاب خاصّة تعلّقا بقوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمتم مِنَ الَجوَارِحِ مكَلِّبين﴾ (٦) ومنهم من يستثني الكلب الأسود.
والدّليل عليه قوله في كتاب مسلم: "وان رميت سهمك فاذكر اسم الله "الحديث: وخرّج التّرمذي عن عدي بن حاتم: سألت النبيء ﷺ عن صيد البازي فقال ما أمسك عليك فكل فثبت بهذه الأحاديث جواز الصيد بالرّمي والطير.
وأما قوله: "وإن أكل فلا تأكل" فمذهب مالك أنه يأكل وإن أكل ومذهب الشافعي في أحد قوليه: أنه لا يأكل، وهو مذهب أبي حنيفة وهذا الحديث الذي ذكره مسلم من آكد ما يحتجّون به ويتعلقون أيضاً بظاهر قوله تعالى ﴿فكلوا مماّ أمسكن عليكم﴾ (٧) ولو أراد كلّ إمساك لقال: فكلوا مما أمسكن. فزيادة "عليكم" إشارة لما قالوه لما كان الإمساك يتنوّع عندهم خصّص الجائز منه بهذه الزيادة قالوا: ولو كان القرآن محتملا لكان هذا الحديث بيانا لأنه أخبر أنه إنَّما أمسَكَ على نفسه وأمَّا أصحَابنَا فلا يسَلِّمون كون الآية ظاهرة فيما قالوه ويرون أن الباقي بعد أكله ممسك علينا. وفائدة قوله "عليكم" الإشعَارُ بأنَّ مَا أمسكه من غير إرسَال لا نأكله.
وأمّا الحديث الّذي خرجه في مسلم فيقابلونه بحديث أبي ثَعلَبَة (٨) وقد
стр. 1117
ذكره أبو داود وغيره وفيه: "إباحة الأكل مما أمسك وإن أكل" ومحمل حديث مسلم في النهي عن التَّنزيه والاستحباب. وحديث أبي ثعلبة على الإباحة حتى لا تتعارضَ الأحاديث.
وأما قوله: "وذكرتَ اسم الله" [فكل فإن التّسمية عند] (٩) التذكية اختلف الناس فيها. فمن الناس من ذهب إلى أنّ الحيوان المذكَّى إن تركت التّسمية عند تذكيته سهوا أو عَمدا لم يؤكل، وهذا مذهب أهل الظاهر، ومنهم من لا يحرّم أكله وإن تركها عمدا. قاله بعض أصحاب مالك في تاركها عمدا غير مستخِفّ، ومنهم من منع الأكل مع العمد وأباحه مع النسيان وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، فأمَّا أهل الظاهر فتعلّقوا بظاهر قوله ﴿ولا تأكلوا مِمَّا لمَ يذكَرِ اسم الله عليه﴾ (١٠) ولم يفرق، وأصحابنا يرون الآية إنما وردت في تحريم الميتة ويذكرون قول الجاهلية واعتراضهم على الشرع بأنا نأكل ما قتَلناه ولا نأكل ما قتله الله فردّ الله عليهم بهذه الآية. وقد يتعلَّق أهل الظاهر بهذا الحديث وقد علَّق إباحة الأكل بذكر اسم الله تعالى والنّاسي غير ذاكر وقال أيضاً فيمن وجد كلبا آخر مع كلبه لا يدري أيهما أخذه فَلا تأكل إنما ذكرت اسمَ الله على كلبك ولم تذكره على غيره وهو في تركه التسمية على كلب غيره أعذرُ من تركه إيّاها على كلب نفسه نسيانا، وأصحابنا يحملون التّسمية في هذا وأمثاله على ذكر القلب وقصده فيكون المراد ها هنا قصدَ القلب إلى التَّذكية ولا شك أنّ الصّائد الغير المقاصد إلى الاصطياد لا يأكل ما صاد وإذا لم يسلِّم أصحابنا كون هذه الظواهر دلالة على منع
стр. 1118
الأكل مع النسيان وقد ورد رُفع عن أمّتي خطؤها ونسيانها وقد أباح كل ما يأتي من اللّحوم ولا يدرى هل سمَّى الله عليه أهله أم لا الحديث المشهور قالوا: ولو كانت شرطا لم يستبح ذلك للشكّ في حصول التّذكية، والجمهور من أصحابنا المانعون من أكلها مع العمد يَتَمَسَّكون بالظواهر المتقدّمة ويرون أنَّ العامد غير معذور قاصدا لمخالفة ما عليه الشرع وعمل المسلمين فوجب أن يمنع.
وأمّا قوله: "فَإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه"، وقوله: "فإن وجدت عنده كلبا آخَر فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل".
فإنّ ذلك أصل في أنّ الشك في التّذكية يمنع من تأثيرها ويبقي الحيوان على المنع وهو الأصل الذي كان عليه فيما قبل لأنَّه علق هذا بالشك والجواز ومحمَل قوله: "فإن وجدت عنده كلبا آخر" على أنّه كلب غير مرسل على الصّيد، وأما لو كان كلبا معَلَّما أرسله رجل آخر على هذا الصّيد فأخَذَاه معا لكان مذَكّى ويكون شركة بينهما.
وقوله: "وإن وجدت عنده كلبا آخر فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل".
وقوله في الِمعرَاضِ: "إذا أصَابَ بِعَرضِه فقتل فإنَّه وَقيذ".
فيه إشارة إلى أحد القولين في أن الموقوذة والمنخنقة وما صار إلى حالة لا تدوم حياته معها فإنه يذكّى لأنّه قَيّدَهَا هنا بالقتل وذلك يشير إلى أنّ
стр. 1119
القتل إذا لم يقع لم يحرم الأكل بالتّذكية وقد ذكر مسلم أيضاً: "وما أصبت بكلبك الذّي ليس بمعَلّم فأدركت ذكاته فكل" ولم يشترط أن يدركها وبها حياة تدوم مع أنّ قوله "أدركت" إشارة إلى أنّه لو لم يدرِكه لفات.
وأمّا قوله في الِمعرَاض: "إذا أصاب بعَرضه فإنه وقيذ" فإنّ من شرط العقر عندنا أن يقع على صفة فيها تنييب (١١) وإدماء أو ما في معنى ذلك فإن مات الصيد انبهارا أو روعا من غير مماسة أداة الصائد لم يؤكل بغير خلاف وإن كان بعد مُماسَّة أدَاة الصَّائد وإدمائها على ما ذكرناه أكل بغير خلاف وإن كان بمماسّتها مصادمة أو ما في معناها ففي أكله قولان إذا كان ذلك من الكلاب فوجه المنع قوله سبحانه ﴿ومَا عَلَّمتم منَ الَجوَارِحِ مكَلِّبِين﴾ (١٢) وظاهر ما جرح ولأنّه في معنى المعراض، وقد ورد به الحديث ووجه الجواز قوله تعالى ﴿فَكلوا مِماَّ أمسَكنَ عَلَيكم﴾ (١٣) وهذا إمساك.
وقوله ﷺ لعديّ: "فإنَّ ذكاته أخْذه" أورَدَه مسلم (ص ١٥٣٠) ولأنّه فعل حيوان غير مميّز ولا مضاف للصايد الذّي هو مميِّز وهو مما يقتل أحيانا فوجب أن لا يمنع قياسا على التّنييب والإدماء بخلاف المعراض الوارد به الحديث الذي يصير الصيد به موقوذة قال الهروي: المعراض سهم لا ريش فيه ولا نصل.
стр. 1120
وقوله "خَزَق" معناه نفذ يقال سهم خازق وخاسق للنّافذ. والوقيذ والموقوذة يعني التي تقتل بعصا أو حجارة لا حدّ لها فتموت بلا ذكاة يقال وقذتها أقذها إذا أثخنتها ضربا وفي حديث عائشة ﵂ "تصف أباها رضوان الله عليه فوقذ النّفاق" تريد أنه دمغه وكَسَّره.
٩٠٧ - قوله: "فإن رَمَيت سَهما فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلاّ أثر سهمِكَ فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فَلَا تأكل، وفي بعض طرقه إلاّ أن تجده قد وقع في ماء فإنّك لَا تَدرِي الَماء قتله أو سهمك وفي بعض طرقه وقال في الكلب كُلْهُ بَعَدَ ثَلاث إلاّ أن ينتنَ فدعه" (ص ١٥٣١ - ١٥٣٣).
قال الشّيخ وفّقه الله: من شرط استباحة الصّيد أن يتبعه الصائد رجاء أن يدركه فيذكّيه فإن لم يفعل وتأخَّر عنه من غير عذر ثم أتاه فوجده ميتّا وفيه أثر سهمه أو كلبه فالمشهور من المذهب أنه لا يؤكل لجواز أن يكون لو اتبعه لأدركه وصار أسيرا له حتى لا تجوز (١٤) تذكيته بالعقر. وحكى ابن القصّار جواز أكله وكأنّه رأى أنه لا تسقط التّذكية المحقَّقة بهذا الأمر المجوِّز، وقد قال في كتاب مسلم فإنَّ أخذه ذَكَاته ولم يشترط أيضاً في هذا الذي بات ولم ينتن أن يكون اتبعه أو لم يتبعه. وأمّا إن بات عنه الصّيد ثم وجده بعد ذلك وفيه أثر سهمه أو كلبه ففي المذهب ثلاثة أقوال أحدها أنه يؤكل لهذه الأحاديث والثّاني أنه لا يؤكل لقول ابن عباس: "كل ما اصْمَيْتَ ولا تأكل ما أنميت". ومعنى ما أصميت ما لم يغب عنك وما أنميت ما غاب عنك والقول الثالث إجازة ذلك في السّهم ومنعة في
стр. 1121
الكلب لأن السّهم يقتل بالرمية الواحدة والكلب يقتل على جهات مختلفة.
وأمَّا قوله: "ما لم يُنْتِنْ" فإنّ ذلك لأنَّ النفوس تعافه وتستقذره الطباع فنهي عنه تنزيها أو يكون ذلك يضر بالأجسام ويسقمها فينهى عنه تحريما. وقد روي أنَّه ﷺ أكل إهالة سَنِخَة والسَّنِخَة المتغيرة ومحملها على أنهّا لم
تضر ولم تستقذر فلا يكون ذلك مخالفا لهذا الحديث.
٩٠٨ - قوله: "نهَىَ رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي ناب من السباع وفي طريق آخر كلّ ذي ناب من السباع أكله حرام".
(وفي طريق آخر: "نَهَى عن كل ذي ناب من السّباع) (١٥) وكل ذي مخلب من الطَّير (ص ١٥٣٣ - ١٥٣٤).
قال الشيخ. وفّقه الله: اختلف النّاس في السباع ففي ذلك روايتان التّحريم والكراهية وبالتّحريم قال أبو حنيفة والشّافعي، وهذا الحديث الذي أورده مسلم نصّ في التَّحريم.
وكأنَّ أصحابنا تعلّقوا في الكراهية قوله سبحانه ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (١٦).
стр. 1122
وليس فيها ذكر السِّباع. وهذا فيه نظر لأنه إنَّما أخبر عن أنه لا يجد محُرَّما إلَاّ مَا ذُكر وقد يمكن أن يوجد فيما بعد وقد ذكر أنّ الحديث ورد بعد لأنَّ الآية مكيّة وهو مدنيّ، وأيضاً فَإنّ الآية خَبَرٌ عن أنه لم يجد، وتحريم السّباع حكم والأحكام يصحّ نسخها (والأخبار لا يصح نسخها) (١٧) ولا يمكن تعارضها إلَاّ على وجه يمكن فيه البناء فإذا أخبر أنه لا يجد محرّما ووجدنا نحن محرّما حملناه على أنّه أوحي إليه به فيما بعد لأنّه لو كان أوحي إليه به فيما قبل وكان الخبر عاما صار الخبر كذبا وهذا لا يصح.
وأيضاً فإن قوله ﴿قل لَا أجِد في ما أوحي إلى محُرَّما﴾ لا يقضي بتحليل سوى المستثنى (١٨) لأنه إذا نفي التّحريم لم يكن ذلك نصا في إثبات التحليل ونحن نقول: إنّ الأشيَاء قبل ورود الشّرع لا نثبتها محرمة ولا يكون ذلك مِنَّا تصريحا بأنهَّا محلَّلَة بل الغرض نفي ورود الحكم وتكون باقية على أصلها قبل الشّرع، وفيه خلاف بَين أهل الأصول لكن إن كان المراد من الاحتجاج بالآية نَفيَ وجود التّحريم الشّرعي في زمن نزولها فهذا صحيح ولكن إثبات حكم معيّن أو نفي نزول حكم فيما بعد لا يصح ادّعَاؤه.
وأمّا نهيه عن كلّ ذي مخلب من الطّير، فيه قال أبو حنيفة والشّافعي، ومذهبنا أن أكلها ليس بحرام ولعلّ أصحابَنَا يحملون هذا النّهي على التّنزيه ويرون أنهّا قد تكون تتصيّد من السّموم ما يخشى منه على أكلها.
стр. 1123
وهذا ضعيف ولا يمكن ترك الأحاديث بمثل هذا التّقدير؛ لكن إنَّما يجب النّظر بين الآية وهذا الحديث وهل تكون الآية تقتضي جوازَ أكل كل ذي مخلب أو لا تقتضيه وقد نبَّهنا على التّحقيق في ذلك فإن كانت لا تقتضيه نُظِر في النّهي. هل يحمل على التّحريم أو الكراهية وفيه خلاف بين أهل الأصول ونُظر أيضاً في قول الرَّاوي نهي ولم ينقل لفظ النبيء ﷺ هل يؤخذ بذلك على ظاهره أم لا؟ وهذا أيضاً مشروط (١٩) في كتب الأصول فهذا التّحقيقّ فيه.
٩٠٩ - قوله: "فَرُفِعَ لَنَا عَلىَ سَاحِل البَحر دَابَّة تدعَى العَنبَرَ".
قال أبو عبيدة ميتة ثمَّ قال: "لَا بَل نحن رُسُل رَسُول الله ﷺ وفي سَبِيل الله وَقَدِ اضطُررتم ثم قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتّى سَمِنَّا" الحديث.
وفيه: "فلماّ قدمنا المدينة أتينَا النَّبيءَ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ له فقال: هو رزق أخرَجه الله لكم فَهَل مَعَكم من لحَمِهِ شيء فَتطعِمونا؟ قال: فأرسَلنَا إلى رسول الله ﷺ منه فَأكَلَه" (ص ١٥٣٥).
قال الشّيخ وفّقه الله: جميع ما في البحر مباح عند مالك على الجملة على اختلاف أشكاله وأسمائه حيّة وطافية لكنّه توقّف في خِنزير الماء واستثنى الشّافعيّ الضَّفدَعَ وقال أبو حَنِيفة: ما سوى السمك لا يؤكَل وَمَنَعَ من أكل الطَّافي وأجاز ما مات لسبب كالذي يجزر عنه الماء فيموت
стр. 1124
أو يموت من شدة حَرٍّ أو بَرد ولَنَا في إبَاحة جميع ما فيه على الإطلاق قَوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٢٠) فَعَمَّ وَإنَّما توقَّف مالك في خنزير الماء لأنَّ هذه الآية يقتضي عمومها إباحته، وقوله ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٢١) يقتضي تحريمه إن صَحَّ أنه يسمَّى خِنزيرا في اللّغة فلماّ تعارض العمومان توقّف أو يكون لم يتوقّف من ناحية التّعارض لكن من ناحية التّسمية هل هي ثابتة في اللّغة أم لا؟.
ولنا في إباحة الطّافي منه قوله ﷺ : "هو الطَّهور مَاؤه الِحلّ مَيْتَتُهُ ". وحديث أبي عبيدة هذا وقد ذَكر أن النبيء ﷺ أكل منه اختيارا. وتضمَّن حديث أبي عبيدة أيضاً الردّ علي أبي حنيفة في منعه ما سوى السمك لأنّ هذه الدَّابة التي تسمى العنبر الظّاهر أنها ليست من السَّمك.
وأما منع الشافعي وأبي حنيفة الضَّفدعَ فلعلَّهما تَعَلَّقَا بما خرَّجه النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبيء ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتله ولعل هذا لم يثبت عند مالك أو يحمل إن ثبت على الاستحباب.
٩١٠ - وأمَّا قوله: "كنّا نَضِرب بِعِصِيِّنَا الَخبَطَ " (ص ١٥٣٥).
هو ان يضرب الشّجر بِعِصِيٍّ لِتَتَحَاتَّ ورقه واسم الورق المخبوط خَبَطٌ وهو من علف الإبل.
стр. 1125
٩١١ - قوله: "من وقبِ عَينِه" (ص ١٥٣٥).
يعني داخل عينه من قوله سبحانه ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٢٢) يعني دخل في الظّلمَة.
٩١٢ - وقوله: "تَزوَّدنَا مِن لحَمِه وَشَائقَ" (ص ١٥٣٥).
قال أبو عبيد: هو اللّحم يؤخذ فيغلى إغلاء (٢٣) ويحمل في الأسفار ولا ينضج فيتهرّأ يقال وشقت اللّحم فاتَّشق والوشيقة القدّيد ومنه الحديث "فتواشقوه بأسيافهم" أي قطّعوه كما يقطع اللّحم إذا قدّد.
٩١٣ - وقوله: "حَتَّى ثَابت أجسامنا" (ص ١٥٣٦).
أي رجعت إلى ما كانت عليه والرَّاجع وهو الثائب من ثاب يثوب.
٩١٤ - وقوله: "في حجَاجِ عَينهِ" (ص ١٥٣٦).
يقال: حَجاج وحِجاج بفتح الحاء وكسرها.
٩١٥ - قوله: "نَهَى عن أكل لحَمِ الحمر الأهليَّة وفي بعض طرقه حرّم لحومَ الحمر الأهليّة" (ص ١٥٣٨).