الكلب لأن السّهم يقتل بالرمية الواحدة والكلب يقتل على جهات مختلفة.
وأمَّا قوله: "ما لم يُنْتِنْ" فإنّ ذلك لأنَّ النفوس تعافه وتستقذره الطباع فنهي عنه تنزيها أو يكون ذلك يضر بالأجسام ويسقمها فينهى عنه تحريما. وقد روي أنَّه ﷺ أكل إهالة سَنِخَة والسَّنِخَة المتغيرة ومحملها على أنهّا لم
تضر ولم تستقذر فلا يكون ذلك مخالفا لهذا الحديث.
٩٠٨ - قوله: "نهَىَ رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي ناب من السباع وفي طريق آخر كلّ ذي ناب من السباع أكله حرام".
(وفي طريق آخر: "نَهَى عن كل ذي ناب من السّباع) (١٥) وكل ذي مخلب من الطَّير (ص ١٥٣٣ - ١٥٣٤).
قال الشيخ. وفّقه الله: اختلف النّاس في السباع ففي ذلك روايتان التّحريم والكراهية وبالتّحريم قال أبو حنيفة والشّافعي، وهذا الحديث الذي أورده مسلم نصّ في التَّحريم.
وكأنَّ أصحابنا تعلّقوا في الكراهية قوله سبحانه ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (١٦).
стр. 1122
وليس فيها ذكر السِّباع. وهذا فيه نظر لأنه إنَّما أخبر عن أنه لا يجد محُرَّما إلَاّ مَا ذُكر وقد يمكن أن يوجد فيما بعد وقد ذكر أنّ الحديث ورد بعد لأنَّ الآية مكيّة وهو مدنيّ، وأيضاً فَإنّ الآية خَبَرٌ عن أنه لم يجد، وتحريم السّباع حكم والأحكام يصحّ نسخها (والأخبار لا يصح نسخها) (١٧) ولا يمكن تعارضها إلَاّ على وجه يمكن فيه البناء فإذا أخبر أنه لا يجد محرّما ووجدنا نحن محرّما حملناه على أنّه أوحي إليه به فيما بعد لأنّه لو كان أوحي إليه به فيما قبل وكان الخبر عاما صار الخبر كذبا وهذا لا يصح.
وأيضاً فإن قوله ﴿قل لَا أجِد في ما أوحي إلى محُرَّما﴾ لا يقضي بتحليل سوى المستثنى (١٨) لأنه إذا نفي التّحريم لم يكن ذلك نصا في إثبات التحليل ونحن نقول: إنّ الأشيَاء قبل ورود الشّرع لا نثبتها محرمة ولا يكون ذلك مِنَّا تصريحا بأنهَّا محلَّلَة بل الغرض نفي ورود الحكم وتكون باقية على أصلها قبل الشّرع، وفيه خلاف بَين أهل الأصول لكن إن كان المراد من الاحتجاج بالآية نَفيَ وجود التّحريم الشّرعي في زمن نزولها فهذا صحيح ولكن إثبات حكم معيّن أو نفي نزول حكم فيما بعد لا يصح ادّعَاؤه.
وأمّا نهيه عن كلّ ذي مخلب من الطّير، فيه قال أبو حنيفة والشّافعي، ومذهبنا أن أكلها ليس بحرام ولعلّ أصحابَنَا يحملون هذا النّهي على التّنزيه ويرون أنهّا قد تكون تتصيّد من السّموم ما يخشى منه على أكلها.
стр. 1123
وهذا ضعيف ولا يمكن ترك الأحاديث بمثل هذا التّقدير؛ لكن إنَّما يجب النّظر بين الآية وهذا الحديث وهل تكون الآية تقتضي جوازَ أكل كل ذي مخلب أو لا تقتضيه وقد نبَّهنا على التّحقيق في ذلك فإن كانت لا تقتضيه نُظِر في النّهي. هل يحمل على التّحريم أو الكراهية وفيه خلاف بين أهل الأصول ونُظر أيضاً في قول الرَّاوي نهي ولم ينقل لفظ النبيء ﷺ هل يؤخذ بذلك على ظاهره أم لا؟ وهذا أيضاً مشروط (١٩) في كتب الأصول فهذا التّحقيقّ فيه.
٩٠٩ - قوله: "فَرُفِعَ لَنَا عَلىَ سَاحِل البَحر دَابَّة تدعَى العَنبَرَ".
قال أبو عبيدة ميتة ثمَّ قال: "لَا بَل نحن رُسُل رَسُول الله ﷺ وفي سَبِيل الله وَقَدِ اضطُررتم ثم قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتّى سَمِنَّا" الحديث.
وفيه: "فلماّ قدمنا المدينة أتينَا النَّبيءَ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ له فقال: هو رزق أخرَجه الله لكم فَهَل مَعَكم من لحَمِهِ شيء فَتطعِمونا؟ قال: فأرسَلنَا إلى رسول الله ﷺ منه فَأكَلَه" (ص ١٥٣٥).
قال الشّيخ وفّقه الله: جميع ما في البحر مباح عند مالك على الجملة على اختلاف أشكاله وأسمائه حيّة وطافية لكنّه توقّف في خِنزير الماء واستثنى الشّافعيّ الضَّفدَعَ وقال أبو حَنِيفة: ما سوى السمك لا يؤكَل وَمَنَعَ من أكل الطَّافي وأجاز ما مات لسبب كالذي يجزر عنه الماء فيموت
стр. 1124
أو يموت من شدة حَرٍّ أو بَرد ولَنَا في إبَاحة جميع ما فيه على الإطلاق قَوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٢٠) فَعَمَّ وَإنَّما توقَّف مالك في خنزير الماء لأنَّ هذه الآية يقتضي عمومها إباحته، وقوله ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٢١) يقتضي تحريمه إن صَحَّ أنه يسمَّى خِنزيرا في اللّغة فلماّ تعارض العمومان توقّف أو يكون لم يتوقّف من ناحية التّعارض لكن من ناحية التّسمية هل هي ثابتة في اللّغة أم لا؟.
ولنا في إباحة الطّافي منه قوله ﷺ : "هو الطَّهور مَاؤه الِحلّ مَيْتَتُهُ ". وحديث أبي عبيدة هذا وقد ذَكر أن النبيء ﷺ أكل منه اختيارا. وتضمَّن حديث أبي عبيدة أيضاً الردّ علي أبي حنيفة في منعه ما سوى السمك لأنّ هذه الدَّابة التي تسمى العنبر الظّاهر أنها ليست من السَّمك.
وأما منع الشافعي وأبي حنيفة الضَّفدعَ فلعلَّهما تَعَلَّقَا بما خرَّجه النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبيء ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتله ولعل هذا لم يثبت عند مالك أو يحمل إن ثبت على الاستحباب.
٩١٠ - وأمَّا قوله: "كنّا نَضِرب بِعِصِيِّنَا الَخبَطَ " (ص ١٥٣٥).
هو ان يضرب الشّجر بِعِصِيٍّ لِتَتَحَاتَّ ورقه واسم الورق المخبوط خَبَطٌ وهو من علف الإبل.
стр. 1125
٩١١ - قوله: "من وقبِ عَينِه" (ص ١٥٣٥).
يعني داخل عينه من قوله سبحانه ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٢٢) يعني دخل في الظّلمَة.
٩١٢ - وقوله: "تَزوَّدنَا مِن لحَمِه وَشَائقَ" (ص ١٥٣٥).
قال أبو عبيد: هو اللّحم يؤخذ فيغلى إغلاء (٢٣) ويحمل في الأسفار ولا ينضج فيتهرّأ يقال وشقت اللّحم فاتَّشق والوشيقة القدّيد ومنه الحديث "فتواشقوه بأسيافهم" أي قطّعوه كما يقطع اللّحم إذا قدّد.
٩١٣ - وقوله: "حَتَّى ثَابت أجسامنا" (ص ١٥٣٦).
أي رجعت إلى ما كانت عليه والرَّاجع وهو الثائب من ثاب يثوب.
٩١٤ - وقوله: "في حجَاجِ عَينهِ" (ص ١٥٣٦).
يقال: حَجاج وحِجاج بفتح الحاء وكسرها.
٩١٥ - قوله: "نَهَى عن أكل لحَمِ الحمر الأهليَّة وفي بعض طرقه حرّم لحومَ الحمر الأهليّة" (ص ١٥٣٨).
стр. 1126
قال الشّيخ وفّقه الله: المذهب عندنا على قولين في الحمر الإنسية فقيل بالتّحريم وقيل بالكَرَاهية المغلظة فمن قال بالتحريم تعلق بالحديث المذكور فيه التحريمُ وهو نصّ في بابه فيكون هذا النصّ مؤكّدًا لظاهر القرآن وهو قوله ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَ﴾ (٢٤) فذكر المنافع التي ذكرها لها (٢٥) ولو كان أكلها مباحا لنَبَّه عَلَيه سبحانه وذكر وجه المنة به على عباده كما ذكر غيره من المنافع ووجه القول بالكراهية ما وقع من الاضطراب بين الصّحابة في هذا النّهي فذكر مسلم قال: "تحدّثنا بيننا فقلنا حرّمها البتة أو حرّمها من أجل أنّها لم تَخمّس".
وفي بَعض طرقه "فقال ناس: إنما نَهَى عنها لأنهّا لم تخمّس وقال آخرون: نهى عنها البتّة".
وذكر عن ابن عباس قال: لا أدري أنَهَى عنها رسول الله ﷺ من أجل أنها كانت حمَولَةَ النّاس فكره أن تذهب حَمُولَتُهُم أو حَرّمه في يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية.
وفي بعض طرقه: "جَاءَ فقال يا رسول الله أُكِلَت: ثم جاء آخر فقال يا رسول الله أفْنِيت الحمر فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى أنّ الله ورسولَه يَنْهَيانكم (٢٦) عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس". وفي بعض طرقه: "لماّ فتح خيبر أصبنا حمارا خارجا من القرية فنادى منادي رسول
стр. 1127
الله ﷺ : "ألا إنّ الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنهَّا رجس من عمل الشيطان فأكفئتِ القدور بِما فيها" (ص ١٥٣٧ - ١٥٤٠).
وقد خرّج أبو داود: "قلت يا رسول الله أصابتنا سَنَة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِماَنُ حُمُرٍ وَإنَّك حَرَّمتَ لحوم الحمر الأهليَّة فَقَال: أَطعم أهلَكَ من سمين حمرك وإنّما حرّمتها من أجل جَوَّال القَرْية".
فلما رأى بعض أصحابنا هذا الاضطراب في علّة النّهي هل لأنها لم تخمّس أو لأنهّا فنيت أو من أجل جوّال القرية قالوا بالكراهة المغلظة دون التّحريم لأنّ هذه العلل قد تذهب فيذهب التّحريم بذهابها، ولكن يبقى على هذا سؤال يقال: لو كانت هذه علّة التحريم لما أمر بإكفاء القدور وكسرها ولا عدل عنه لمّا روجع إلى غسلها بل هذا يشير إلى ما وقع في الطريق الأخرى في قوله فإنهّا رجس أو نجس قيل لأجل هذا التعليل الآخر قوي التّحريم عند بعض أصحابنا وقد تكون العلل المتقدّمة أسبابًا نزل عندها الحكم معلَّلا بما ذكر مناديه ﷺ .
وقوله في حديث أبي داود: من أجل جوال القرية مأخوذ من الجَلَّة وهي العَذِرة سمّيت بذلك لأكلها لها وأشدّ ما في هذا قوله عند أبي داود: "أطعِم أهلَكَ من سمين حمرك" ولعلّ الحديث لم يثبت عند أصحابنا أو تكون قضية في عين لا تَتَعدَّى أو القَصد منه نفي التحريم وإن كان لحومها مكروهة وقد ذكر أنه ما عنده ما يطعم أهله إلّا الحمر وهذه ضرورة.
٩١٦ - قال الشّيخ وفقّه الله خَرّج مسلم في حديث البراء "أصَبنَا يَومَ خيبر حُمرا" الحديث عن ابن مثنّى وابن بشَّار وذكر السّند قال البرَاء:
стр. 1128
"أصَبنا يوم خيبر حمرا فنادى منادي النّبيء ﷺ أن اكفؤوا القدور" (ص ١٥٣٩).
وقال أبو مسعود: لهذَا الحديث تعليل وهو مرسل.
قال الشّيخ وفّقه الله: وهذا مما يجب النّظر فيه لأنّه لم يعين المنادي ولا ذكر إضافة نصّ قوله للنّبيء ﷺ . ولكنّ الأظهر أنّ النّداء في الجيش لا يخفى عن الإِمام، والصاحب أضافه إلى النَّبِيء ﷺ فهذا مّما يعلم بقرينة الحال وقد قال بعد هذا: فأمر النّبيء ﷺ أبا طلحة فنادى أن الله ورسولَه فأضاف الأمر إلى النّبيء ﷺ على الجملة وسمَّى المنادي وذكر ما نادى به والظّاهر أن النّبيء ﷺ أمره بذلك اللّفظ.
قوله: "اكفؤوا القدور".
يقال: كفأت القِدر كببتها وقلبتها لتُفرغ ما فيها وكفأت الإناء إذا أملته، قال ابن السكّيت: يقال كفأت وأكفأت.
٩١٧ - قوله: "نَهَى عن لحوم الحمر الأهليّة وأذن في الخيل (ص ١٥٤١).
قال الشّيخ وفّقه الله: أمّا الحمر فقد فرغنا من ذكرها وأما الخيل فاختلف النّاس فيها فأباح أكلها الشافعيّ ومذهبنا أنهّا مكروهة وقال الحكم: حرّم القرآن الخيل وتلا الآية فتعلّق الشافعي بقوله وأذن في الخيل والإذن إباحة. وقد خرَّج النسائيّ وأبو داود عن خالد بن الوليد
стр. 1129
أنه سمع النبيء ﷺ يقول: "لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير" قال النّسائيّ: يشبه إن كان هذا صحيحا أن يكون منسوخا لأنّ قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك ولما رأى أصحابنا اختلاف هذه الأحاديث وكان حديث جابر أصحّ قدّموه في نفي التّحريم وقالوا بالكراهية لأجل ما وقع من معارضته بالحديث الآخر ولما يقتضيه ظاهر الآية وقد ذكر فيها الخيل كما ذكر الحمير ونبّه على المنة بما خلقت له ولم يذكر الأكل.
٩١٨ - ذكر أحاديث الضبّ (٢٧).
قد ذَكَر أنه ﷺ قال: "لا آكله ولا أحَرِّمه".
وفي بعض طرقه "أحرام هو يا رسول الله قال: لا ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" (ص ١٥٤١ - ١٥٤٣).
قال الشّيخ: اختلفت طرق الأحاديث في علّة امتناعه ﷺ من أكله فذكر مسلم أنّه تركه لأنّه ﵇ عَافَه وذكر في طريق أخرى أنّه قال: "لا أدري لعلّه من القرون التي مسخت" (ص ١٥٤٥).
وفي غير كتاب مسلم أنه قال ﷺ : "إني تحضرني من الله حاضرة يريد الملائكة ﵈ فأحترمهم لأنّ له رائحة ثقيلة" واتّقاه لأجلهم كما يتّقى الثّوم وأمَّا التّعليل بأنه يخاف أن يكون من المسوخ فإنّ هذا لم يتحقق وفيه التوقّي لأجل الشك وقد تقدم أصل هذا.
стр. 1130
وقوله: "أعافه" معناه أكرهه يقال: عفت الشيء أعافه عَيْفا إذا كرهته وعفته أعيفه عيافة من الزّجر وعاف الطّير يعيف إذا حام على الماء ليجد فرصة فيشرب (ص ١٥٤٣).
والمحنوذ المشويّ وقيل المشوي على الرَّضْفِ وهي الحجارة المحماة قال أبو الهيثم: أصل المحنوذ من حِنَاذ الخيل وهي أن يظاهر عليها جُل فوق جُل لتعرق تحته، قال ابن عرفة في قوله ﴿فَجاء بِعجْل حَنيذ﴾ (٢٨) أي مشوي بالرّضاف حتى يقطر عرقا يقال: حنذته الشمس والنّار إذا شوته.
٩١٩ - وقوله: "في غائط مَضَيّة" (ص ١٥٤٦).
يريد أرضا متطامنة ذاتُ ضباب.
٩٢٠ - قوله: "غزونا مع النبيء ﷺ سبع غزوات نَأكل الجراد" (ص ١٥٤٦).
قال الشّيخ وفقه الله: اضطرب المذهب عندنا فيه واختلف النّاس أيضاً هل تحرم ميتته لعموم قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢٩) أو يحلّ لقوله ﵊: أحلّت لي مَيتَتَان الحوت والجراد" والمشهور عندنا افتقاره إلى الذَكاة وقال مطرِّف: يؤكل بغير ذكاة، عامّة
стр. 1131
السلف أجازوا أكل مَيِّت الجراد وعلى القول بافتقاره إلى الذّكاة اختلف في ذكاته فقال ابن وهب: أخذه ذكاته، وابن القصار يقول: لا يؤكل ميّته ولو وقع في قِدر أو نار وهو حيّ لأكُل وفي المدوّنة لا يؤكل إلَاّ أن يموت من فعل من يفعله بها بقطع أرجلها وأجنحتها أو بطرحها في نار فيسلقها أو يقليها، وقال أشهب في مدوّنته: لا يؤكل إذا قطعت اجنحته أو أرجله ثم مات قبل أن يسلق فلا يؤكل إلَا أن يقطع رأسه. أو يعتمل حيّا يريد يطرح في نار أو ماء واختلف إذا سلقت الأحياء مع الأموات أو الأرجل معها فقال أشهب في مدوّنته: يطرح كله وجميعه حرام وقال سحنون: تؤكل الأحياء بمنزلة خشاش الأرض يموت في القدور وقد روي عن النبيء ﷺ أنّه سئل عن الجراد فقال: "أكثَرُ جنودِ الله لَا آكله ولا أحرّمه".
٩٢١ - قوله: "فاستَبعجْنا (٣٠) أرنَبًا بمَرّ الظَّهرَانِ فَسَعوا عليه فَلَغَبوا" (ص ١٥٤٧).
قال ابن القوطية: بعَجَ بطنَه بَعْجًا شَقَّه تَبَعَّج السَّحاب بالمطر وبعجه حبُّ كذا اشتدّ وجده به (٣١).
وقوله: "فلَغَبوا"
اللّغوب الإعياء يقال: لغَب بفتح الغين يلغَب لغوبا ولَغِبَ بكسر الغين لغة.
стр. 1132
٩٢٢ - قوله: "نَهَى عن الَخذْفِ" (ص ١٥٤٧).
قال اللّيث: الَخذْفُ رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سَبَّابَتَيك أو تجعل محِذَفة من خشَبة ترمي بها بين إبهامك والسَّبَّابة.
٩٢٣ - قوله: "نهانا أن نَصبر البَهَائمَ" (ص ١٥٤٩).
معناه أن نحبسها وهي حيّة ثم نَرميها وكلّ من حُبس لقتل أو يمين فهو قتل صبر أو يمين صبر.
стр. 1133
كتاب الضحايا (١)
٩٢٤ - قوله: "شَهِدتُ الأضْحى مع النبّيء ﷺ فَلَم يَعْدُ أن صَلىَّ وفرغ من صلاته وسلّم فَإذا هو يرى لحم أضاحيَّ قد ذُبِحَت قبل أن يفرغ من صَلَاتِهِ فقال: من كان ذَبَح أضحيته قبل أن يصلِّيَ أو نُصليَ فلْيذبح مكانها أخرى ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله (ص ١٥٥١).
قال الشيخ: اختلف النّاس في الأضحية فعندنا أنهّا سنة مؤكّدة وقال أبو حنيفة والأوزاعي واللَّيث: إنهّا واجبة واشترط أبو حنيفة في الوجوب أن يكون المضحّي يملك نصابا، وقد زعم بعض شيوخنا أنّ المذهب على قولين في وجوبها وخرَّجَ القول بالوجوب من قوله في المدوّنة: "إذَا اشتراها ولم يضحّ حتى ذهبت أيام الأضحَى أثِم" وكان شيخنا ينكر هذا الاستقراء ويقول لعلّه رآه باشترائها ملتزما بذبحها فأثم
стр. 1134
لترك ما التزم وخرّجوا القول بالوجوب أيضاً من قوله في الموازية: هي سنّة واجبة وهذا قد يقال فيه أيضاً إنهّم ربّما يطلقون هذا اللّفظ تأكيدا للسنّة لكن ابن حبيب نصّ على هذا التّأثيم وهو من كبار أصحاب مالك ولكن قد وقع أيضاً لأصحابنا التأثيم بترك السّنن على صفةٍ، وقد يكون هذا النّحوَ نحا ابن حبيب وإن كان الأظهر حمل مثل هذا الجواب على إفادة الإيجاب وقد تعلّق من نَفَى الوجوب بقوله ﷺ : "من رأى هلال ذي الحجّة وأراد أن يضحّي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتّى يضحّي فوكَّل الأضحية إلى إرادته وذلك يدلّ على نفي وجوبها وهذا قُدح فيه بأنه قد يستعمل مثله في الواجب فيقال: من أراد أن يحجّ فليلبّ ومن أراد أن يصليّ الظّهر فليتوضّا، وتعلّقوا أيضاً بقوله ﷺ : "أمرت بالنّحر وَهو لكم سنّة" وروي "ثلاث هنَّ علي فرائض وهنَّ لكم تطوع النّحر والوتر وركعتا الفجر" وتَعلّق من أثبت الوجوب بقوله ﷺ لأبي بردة: "اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك" (ص ١٥٥٣).
وقوله فيمن ذبح قبل الصلاة: "فليذبح مَكَانَهَا أخرى" (ص ١٥٥١).
وهذا الأمر وذكر الأجزاء يدلان على الوجوب وقُدح في هذا بأنّه لما خالف السّنة بأن أوقعها على غير الجهة المشروعة بيَّن له الجهة المشروعة فقال اِذبح مكانها وقال لن تجزي يعني عن السنَّة التي شرعت، وقد خرّج التّرمذي والنسائي وغيرهما "على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعَتِيرة أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس الرّجبية" ولفظة على تفيد الوجوب. وهذا الحديث لعلّه لم يثبت عند من أنكر الوجوب. وقد قال بعض المحدثين هو ضعيف المخرج وأظنه لكون أحد رواته مجهولا لا سيما وقد عطف على الأضحية العتيرة وهي غير واجبة باتّفاق ولو صح
стр. 1135
نسخ وجوب العتيرة كما قال أبو داود لأمكن أن يحمل قوله "على أهل كل بيت أن المراد به عليهم إذاَ أرادوا إقامة السنّة وقد قال في المتعة ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ولم يحمل ذلك مالك على الوجوب لأدلّة قامت عليه فكذلك هذا وأما العتيرة فقد فسرها في الحديث بأنهّا الشاة التي تذبح في رجب وهو الذي يشبه في معنى الحديث وأما العتيرة التي يعرفها الجاهلية فهي الشاة التي تذبح ويصبّ من دمها على رأس الصنم والعتر بمعنى الذبح قال الحارث بن حلِّزة. [الخفيف]
عَنَتًا بَاطِلاً وَظلمًا كما تُعْتَرُ ... عن حَجرة الرَّبيض الظّباء
قال أبو عمرو الشيباني: سمعت الأصمعي ينشد هذا البيت. فصحف تُعتر بتعنز فقلت له وما تعنز فقال: تنحر بالعَنَزة وهي الرّمح الصغير فقلت إنما هي تعتر فصاح علي فأكثر فقلت له إنك لا ترويها بعد اليوم إلَاّ كما قلت لك وذكر بقية الحكاية وفيها أنّ الأصمعي أيضاً ألقى عليه بيتا غلَّطه فيه ذُكر فيه الفرّاء ففسّره الشيباني على أنّه جمع فرو، فقال الأصمعي: أخطأت. إنما هو جمع فَرَاء وهو حمار الوحش.
стр. 1136
هذا الكلام في وجوب الضحيّة، وأمَّا تفسير البيت فمعنى عنتًا إعراضا وكانوا في الجاهليّة إذا طلب أحدهم أمرا نذر إن ظفر به ذَبَحَ عددًا من غنم في رَجَبٍ وهي العَتَاير فإذا ظفر به قد يَضَنُّ بغنمه وهي الرّبيض، فَيذبَح عددها ظباء فيُضْرب مثَلاً لمن أُخذ بذنب غيره، وأمّا ما تضمّنه الحديث من إعادتها إذا ذَبَح قبل الصّلاة فاختلف النّاس فيه فعند مالك لم يشرع (٣) الذبح إلا بعد صلاة الإمام وذبحه إلا ان يؤخّر تأخيرا يتعدّى فيه فيسقط الاقتداء به، وعند أبي حنيفة الفَراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح. وعند الشّافعي إذا حلّت الصلاة وذهب مقدارما توقّع فيه فبانصرام وقتها شرعت الذّبيحة فأعتبر الوقت دون الصلاة. وأعتبر أبو حنيفة الصّلاة (دون الوقت واعتبر مالك) (٤) الصّلاة والذبح جميعاً، فأمّا أصحابنا فيتعلّقون بما ذكره مسلم عن جابر قال صلىَّ بنا النبيء ﷺ يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أنَّ النبيء ﷺ قد نحر فأمر النّبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا تنحروا (٥) حتى ينحر النبي ﷺ ، وهذا نصّ في مذهب مالك لأنه أمر بالإعادة من نحر قبله ونهى عن النّحر قبله وذكر أنهّم ظنوا أنه ﵇ نحر فلهذا نحروا فدلَّ على أنّ هذا الحكم (٦) مشهور عندهم ولم يعذرهم لظنّهم وغلطهم وهذا يؤكّد ما قاله مالك.
وأما أبو حنيفة فتعلّق بهذا الحديث الذي أخذنا في الكلام عنه وهو
стр. 1137
قوله من ذبح قبل أن يصلي أو نصلي فليذبح مكانها أخرى وفي بعض طرقه: "من ذبح قبل الصّلاة فليذبح شاة مكانهَا"، وفي بعض طرقه: "ومن ذَبح بعد الصّلاة فقد تَمَّ نسكه وأصاب سنَّة المسلمين فاعتبر في هذه الأحاديث الصّلاة دون الذبح وقد قال في بعضها: "فمن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكه واشتراط الذبح زيادة تفتقر إلى دليل. وأما الشّافعي فرأى أنّ المراد بذكره الصلاة الوقت وجعل الفراغ منها علماً عليه (٧) فلهذا اعتبر الوقت.
هذا الكلام في مبتدأ زمن الذّبح وأما منتهاه فمن الناس من قال: يوم النحر خاصة ومنهم من قال: يوم النحر ويومان بعده وهو مذهب مالك ومنهم من قال: يوم النّحر وثلاثة بعده ومنهم من قال: إلى آخر الشهر.
وقال أصحابنا: قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا (٨) اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٩) يردّ قول من قال يوم النّحر خاصة لأنَّ الأيام جمع لا يعبرّ به عن اليوم الواحد وأقل الجمع ثلاثة على رأي كثير من أهل الأصول فيحمل على هذا المتيَقَّنِ وزيادة أيام عليه تفْتقر إلى دليل.
٩٢٥ - وقوله في بعض طرقه: "إنّ عندي جذَعة من المعزِ فقال ﷺ : ضحّ بها وَلَا تَصلح لِغَيركَ".
стр. 1138
وفي بعض طرقه: "إنّ عندي عَنَاقَ لَبَنٍ هي خير من شاتَيْ لحمٍ فقال هي خير من نَسِيكَتَيْك (١٠) ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك" (ص ١٥٥٢).
ففيه دلالة على أنّ الجذع من المعز لا يجزي في الضّحايا.
وأمّا الجذع من الضّان فيضحَّى به خلافًا لمن منعه والحجّة في الإجزاء ما ذكره مسلم بعد هذا عن عقبة بن عامر أنّ النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على أصحابه ضحايا فبقي عَتُود فذكره لرسول الله ﷺ فقال ضحّ به أنت (ص ١٥٥٥).
وفي بعض طرقه "عن عقبة بن عامر قال قَسَمَ فينا رسول الله ﷺ ضَحَايَا فأصَابَنِي. جذع فقلت يا رسول الله إنَّه أصَابَنِي جَذَع فقال ضحّ به" (ص ١٥٥٦).
وعند النَّسائي وأبي داود أنّه ﵇ كَان يقول: (إنَّ الجذَعَ يوفي بما يوفي منه الثّنيّ، وعند التّرمذي عن أبي هريرة سمعت النبيء ﷺ يقول: "نِعْمَ أو نِعْمَتِ الأضحِيَة الَجذَع مِنَ الضّأن فإن تعلّق المخَالف بقوله في كتاب مسلم" لا تذبحوا إلَاّ مسنَّة إلَاّ أن تعسر عليكم فتذبَحوا جَذَعَةً من الضَّأن (ص ١٥٥٥).
стр. 1139
قيل يصحّ حمل هذا (١١) على الاستحباب للمُكثر أن يذبح فوق سنّ الجذعة لا على أنهّا لا تجزي اصلا كيف وقد قال ﷺ : "إلاّ أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن فلو كانت لا مدخل لها في الأضاحي لم يقل هذا كما لم يقل ما لا يجزي من الحيوان.
والأصناف الّتي يضحّى بها غنم وإبل وبَقَر، وعندنا أن الغنم أفضل اتّباعا لفعل النّبيء ﷺ في أضحيته وعند المخالف الإبل أفضل لأنهّا أكثر ثَمَنًا وأعمّ نفعا ولم يُرِد عند مالك في الشرع هذا الذّي ظَنَّه المخالف وإنّما أراد ما هو أرطب لحماً واختلف المذهب عندنا إذا عدل عن الغنم ما الذي يليها في الفضل فقيل الإبل وقيل البقر.
وقوله: "هي خير من نَسِيكَتَيْكَ " (١٢) (ص ١٥٥٢).
قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي. (١٣) ﵀: فيه دلالة على أنَّ ما ذبح قبل الإمام أنه لا يباع وإن كان لا يجزي لأنّه سماَّه نَسيكة والنَّسيك لا يباع.
٩٢٦ - قول أنس "وقام النَّاس إلى غنيمةٍ وتوَزَّعوهَا وقال فَتَجَزَّعوهَا".
قال الشيخ: أما توزّعوها فمعروف وأمّا تَجَزَّعوها فبمعنى اقتسموها قطعة قطعة والجَزْعَة القطعة وقيل البَقِيَّة.
стр. 1140
٩٢٧ - قوله: "ضحَّى بكبشين أملَحين" تقدّم تفسيره، وقوله "وَضَعَ رجله على صفاحهما (ص ١٥٥٦).
صفح كلِّ شيءٍ وجهه وَنَاحِيَته.
٩٢٨ - قوله: "يا رسول الله إنّا لَاقو العدوِّ غَدّا وليست معنا مُدّى قال أعجل أو أَرِنْ (١٤) ما أنهر الدَّم وذكر اسم الله فكل ليس السِّنَّ والظّفر وسأحدِّثك أمَّا السِّنّ فعظم وأما الظّفر فَمُدَى الَحبَشَةِ.
قال: وأصبنا نهب إبِلٍ وغَنَمٍ فَنَدَّ منها بَعِير فَرَمَاه رجل بِسَهمٍ فَحَبَسَه.
فقال له النبيء ﷺ : إن لهذه الإبل أوَابِدَ كَأوَابِدِ الوحش فإذا غَلبَكم منها شيء فاصنعوا به هكذا.
وفي بعض الطرق: "وإنا لاقو العَدوّ غَدّا وليس معنا مدى فنذكّي باللِّيطِ فَذَكَر الحديث وقال: "فنَدَّ علينا بعير عنها فرمينَاه بالنَّيْل فَوَهَصنَاه". وفي بعض طرقه "أفنذبح بالقَصَبِ" (ص ١٥٥٨ و١٥٥٩).
قال الشّيخ: كلّ ما تمكن التّذكية به وينهر الدّم وليس فيه معنى يمنع من حصول التّذكية فالتّذكية به تصحّ.
وأما مَا استثناه رسول الله ﷺ من السنّ والظُّفُر فقد اضطرب العلماء
стр. 1141
في ذلك والذي وَقَع في مذهبنا منصوصا التّفرقة بين المتّصل في ذلك والمنفصل فيمنع حصول التّذكية بالسنّ والظفر المتّصلين بالإنسان (١٥)، وتحصل التّذكية بالمنفصلين عنه إذا تأتّت بهما التّذكية وقد وقع في بعض ما نقل عن مالك المنع مطلقا.
ووقع لبعض أصحابنا ما يشير إلى صحّة التّذكية مطلقا إذا أمكنت بهما فمن منع على الإطلاق أخذ الحديث على عمومه لا سيما والإشارة للتّعليل فيه بالعظم تدلّ على المساواة بين المتّصل والمنفصل لكون السنّ عظما في الحالين، وأمّا الإجازة على الإطلاق فيحمل الحديث على أنّ المراد به سنّ يصغر عن التّذكية به ولا يسلَّم القول بالعموم فيه وكذلك ندعي (١٦) التّخصيص في التعليل فيقول لما علم أن العظم لا تتأتّى به الذّكاة وأن ذلك مما يعلمونه أحال التّعليل عليه.
وأمّا المنصوص من المذهب فهو التّفرقة فكأنَّه يرجع إلى هذا القول الآخر الذي هو الإجازة على الإطلاق لأنّ المجيز على الإطلاق يشترط كون التّذكية متأتّية بهما ولكنه لم يعينّ وجه التّأتيّ وَعَيَّنه في المنصوص فرأى أنّ كونه متّصلاً يمنع من التأتي وكونه منفصلاً لا يمنع منه فلهذا فرَّق بينهما.
وأمّا العظم فإنه تحوز التّذكية به إذا أمكن ذلك ولم أر فيه نصَّ خلاف، وتعليل النّهي في الحديث به يقتضي أن يقال فيه ما قيل في السنّ
стр. 1142
وقد كان بعض شيوخنا يشير إلى هذا ويجريه مجرى السنّ ويعتلّ بما ذكرناه من التّعليل به في الحديث.
فإن قيل ما وجه أمره ﷺ الذّابح ها هنا بالعجلة قيل: يحتمل أن يكون ذلك لأنّ الحديد يجهز القتل لحدّته وغيره لا يفعل ذلك فإذا لم يسرع الذبح به خُشي أن تقتل (١٧) الذّبيحة بالضغط والخنق فكان الأحوط الإسراع في الفعل وهذا يظهر صوابه للحِسِّ. وأمَّا قوله: "فنَدَّ علَينا بَعِير منهَا فرماه رَجل بسهم فحبسه".
فقد اختلفْ النّاس في الإنس إذا توحّش حتى صار غير مقدور عليه فمذهب مالك أن لا يذَكّى إلاّ بما تذكّى به الإنسية والحجّة له استصحاب الأصل الذي كان عليه قبل استحاشه ولأنّ الأحكام باقية عليه كبقاء الملك إلى غير ذلك فكذلك يجب أن يبقى عليه حكم المنع من التّذكية بالعقر، وأمّا أبو حنيفة والشّافعي فإنهّما أخرجاه عن الأصل ورأيا تذكيته بما يذكّى به اعتبارا بالحالة التي هو عليها ووجود العلّة الّتي من أجلها أبيح العقر في الوحش وهو عدم القدرة عليه. وكذلك هذا المستوحش قد صار غير مقدور عليه، واعتمد على هذا الحديث وقد قال فيه ﷺ : إنّ لهذه الإبل أوابدَ كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا فقد أباح ﷺ اصطياد البعير إذا ندّ بالرَّمي وهذا نفْس ما قالا، وقد قال بعض أصحابنا في الانفصال عن هذا إنّ الحديث خبر عن فعلة واحدة لا يُدْرَى كيف وقعت وجوابه ﷺ محال عليها فيقع في جوابه في الاحتمال ما وقع فيها. ويحتمل أن يكون هذا البعير حبسه السّهم ولم يقتله فكأنّه ﷺ
стр. 1143
أخبرهم أنّ حبسه بالرّمي وغيره مماّ فيه ألم له وتعريض لتلفه يجوز لا على أنّه تحصل التّذكية به وإذا احتمل الحديث سقط التعلّق به، وقد يتعلّق المخالف بما خرّجه الترّمذي عن رجل ذكره "قلت: يا رسول الله أما تكون الذّكاة إلاّ في الحلق واللَّبَّة؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك. قال يزيد بن هارون هذا في الضرورة وهذا الحديث لم يسلِّم بعض أصحابنا ثبوته وقال بعضهم يمكن أن يراد به الصّيد الذي لا يقدر عليه وكأنّه ﷺ فهم عن السّائل بقرينة حال أنّه سأله عن صيد أراد أن يتصيّده هل لا يذكّى إلا في الحلقْ واللّبّة؟ فأجابه ﷺ بما قال.
وأمّا ابن حبيب المجيز لقتل ما سقط في مهواة بالطّعن في الجنب ونحوه فإنّه قد يحمل هذا الحديث على مثل هذا الذي انفرد بإجازته دون أصحاب مالك، وقد أُلزم على هذا الذي انفرد به جواز صيد البعير إذا ندّ بالعقر كما حكيناه عن المخالف وقد لا يلزمه ذلك لأنّه إذا سقط في مهواة تَيَقَّنَّا تلفه فقد تبيح (١٨) صيانة المال عن التّلف هذا النوع من التذكية والبعير إذا نَدَّ قد يعود إلى التأنّس وإلى الملك كما كان أول مرّة فيذكّى ذكاة الإنسية وقد يتحيّل عليه قبل أن يعود بنفسه حتى يحصل سليما أو جريحا جرحاً يؤمّن عليه معه فَيذَكَّى حينئذ ذكاة الإنسية فلا يلزمه عندي أن يقول فيما نَدَّ ما قاله المخالف.
وأما قوله: "عجّل أو أَرِنْ" (١٩).
стр. 1144
فإنّ هذه اللّفظة تفيد قريبا من معنى الأول وهي بمعنى النْشاط والسّرعة من قولهم أرِن المُهْر يَأرَنُ وقال بعض أهل اللّغة صوابه أن يكون مهموزا.
وقوله: "أوابد كأوابد الوحش".
فإنّ الأوابد التّي تأبدت أي توحّشت ونفرت من الإنس وقد أبِدَت تَأبِد وتأبُد وتأبَّدت الدّيار توحّشت وخلت من قطانها ومنه قولهم جاء بأبدة أي بكلمة أو بخصلة يُنفر منها ويستوحش قال ابن الأنباري: وقد أبَدَ الشّاعر إذا أتى بالعويص في شعره ومالا يكاد يعرف معناه، وهي أمثال موبدة إذا كانت وحشيّة معتاصة على المخرج بها والباعث عنها.
٩٢٩ - وأمّا قوله: "تُذكّى باللّيط" (ص ١٥٥٩).
قال عيسى اللِّيطة فلقة القصبة والشطير فلقة العصا والظُرَر فلقة الحَجر فكلّ ما ذبح به من هذا فلا بأس به إذا قطع الأوداج والحلقوم قال: والشظاظ عود محدّد الطّرف، والذّكاة به جائزة في حال الضرورة.
٩٣٠ - وأمّا قوله: "وهَصنَاه" (ص ١٥٥٩).
فإنّ في الحديث "إلَاّ وَهَصه الله إلى الأرض" قال بعض أهل اللّغة: أي حطَّه ودقَّه يقال: وهصت الشيء ووقصته ووطسته ومنه الحديث "أنّ آدم ﵇ حين أُهبط من الجنّة وهصه الله إلى الأرض" قال أبو حمزة رُمي رَميًا عَنِيفُاً وكلّ من وضع قدمه على شيء فشدخه فقد وهصه.
стр. 1145
٩٣١ - قوله: "كنَّا لا نمسِك لحومَ الَأضَاحِي فَوق ثلاث فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزوّد منها ونأكل منهَا" (ص ١٥٦٢).
قال الشّيخ وفّقه الله: جمهور الفقهاء على أنّ الأكل من الأُضحية غير واجب وشذّ بعضهم فأوجَبَ الأكل منها لظاهر هذه الأوامر، والجمهور لما كانت عندهم جاءت بعد الحظر حمُلت على الإباحة كقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢٠) ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٢١).
٩٣٢ - قال الشّيخ: خرَّج مسلم في حديث لحوم الأضاحي: "حدّثنا محمد بن مثنى نا عبد الأعلى نا سعيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الُخدْري هكذا عند أبي العلاء وأما عند الُجلودي والكسائى فهو: "حَدَّثَنَا ابن مثنى نا عبد الأعلى نا سعيد عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد" فزاد في الإسناد قتادة (ص ١٥٦٢).
قال بعضهم: الصّواب عندي ما عند أبي العلاء وكذلك خَرَّجه الدّمشقي في كتاب الأطراف عن مسلم عن محمد بن مثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن أبي نضرة ليس فيه عن قتادة.
٩٣٣ - قوله: "لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيَرةَ" (ص ١٥٦٤).
أمّا الفرع فقد فسرّه مسلم بأنّه أول النَّتاج في سياق الحديث كان يُنتج
стр. 1146
لهم فيذبحونه قال غيره يذبحونه لآلهتهم، قال أبو عُبيد عن أبي عمرو: الفَرع والفَرَعة بنصب الرّاء هو أوّل ما تلده النّاقة وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم فَنُهي المسلمون عن ذلك وقد أفرع القوم إذا فعلت إبلهم ذلك وقال شَمِر: قال أبو مالك: كان الرَّجل في الجاهليّة إذا تمّت إبله مائة قدّم بكرا فنحره لصنمه فذلك الفَرَع.
وذكر أبو عبيد: تفسير العتيرة التي ذكر أنهّا الرّجبيّة ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرّب بها أهل الجاهلية ثم جاء الإِسلام فكان ذلك ثم نسخ بَعْدُ وذكر أنّ هذا الحديث فيما يُرى هو النّاسخ لقوله: "على كلّ مسلم في كلّ عام أضحَاة وعتيرة وذكر في موضع آخر من كتابه في حديث النّبيء ﷺ أنّه سئل عن الفَرَعِ فقال: حقّ وإن تتركه حتى يكون ابن مخاض وابن لبون زُخْزُيًّا خير من أن تكفأ إناءك وتولّه ناقتَكَ وتذبحه يلصق لحمه بوبره، فقال: الفَرَع أول شيء تنتجه الناقة وكانوا يجعلونه لله فقال النّبيء ﷺ : "هو حق" ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد وفيه من الكراهية أنَّه لا ينتفع به ألا ترى قوله "وتذبحه يلصق لحمه بوبره" وفيه أيضاً أنَّ ذهاب ولدها يرفع لبنها ألا ترى قوله: "خير من أن تكفا إناءك" يعني إذا فعلت ذلك فكأنَّك كفأت إناءك وهَرَقته وإشارته إلى ذهاب اللّبن قال وفيه أيضاً أن يكون فجَعَهَا به فيكون إثما ألا تراه يقول: "وتولّه ناقتك" ومنه الحديث في السّبي "أنه نهى أن تُوَلَّهُ والِدَة عَلىَ وَلَدِها" فأشار ﷺ بتركه حتى يكون ابن مخاض وهو ابن سنة ثم يذبح وقد طاب لحمه واستمتع بلبن أمه سنةً ولا يشقّ عليها مفارقته لأنّه استغنى عنها والزُخزبّ هو الذي غلظ جسمه واشتد لحمه.
٩٣٤ - قوله: "من كان له ذِبح يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا
стр. 1147
يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي" وذكر بعد هذا قال: "كنَّا في الحماَّم فاطَّلىَ بعضهم فقال بعضهم: إنّ ابن المسيَّب يكره هذا أو ينهى عنه يعني في الأضحى فلقيتُ ابن المسيّب فذكرت ذلك له فقال: يابن أخي هذا حديث نُسي وترك حدّثَتني أم سلمة ﵂ قالت: قال النّبي ﷺ وذكر الحديث (ص ١٥٦٦).
قال الشيخ: مذهبنا أنّ الحديث لا يلزم العمل به واحتجّ أصحابنا بقول عائشة ﵂ كان النبّي ﷺ يهُدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب الُمحْرِم وظاهر هذا الإطلاق أنّه لا يحرم تقليم الأظفار ولا قصّ الشعر، ومذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيّب المنع أخذا بالحديث المتقدّم ويرون أنَّ النَّصَّ على ما ذكر فيه أولى من التمسّك بالإطلاق الذي وقع من لفظ عائشة ﵂ ومذهب الشّافعي حمله على النّدب وحُكي عن مالك، ورَخَّص فيه أصحاب الرأي.
٩٣٥ - ذكرَ حديثَ "حمَزَة وإنشادَ القَينَة له [الشِّعر] " [الوافر]
ألَا يا حمزُ للشُّرُفِ النِّوَاء ... وهنَّ معَقَّلَات بالفِنَاءِ
(ص ١٥٦٨) (٢٢)
стр. 1148
قال الشّيخ ﵀ الشّارف المسنّ من الإبل وكذلك النّاب وجمع الشارف شرف والنِّواء السّمان يقال: نوت الناقة تنوي إذا سَمِنَت.
стр. 1149
كتاب الأشربة
٩٣٦ - ذَكَرَ حَديث أنس وكَوْنَهُ يسقي الَخمر في بيت أبي طَلحَة يوم حُرِّمت وما شرابهم إلاّ الفَضِيخُ البُسْرُ والتَّمر فإذا منادٍ ينادي (١) أن الخمر قد حرِّمَت فقال لي أبو طَلحَةَ أهرِقهَا وفي بعض طرقه جاء رجل فقَال هَل بَلَغَكم الَخبُر؟ قلنا: لا قال إنّ الَخمر قد حُرِمِّت فَقَال يا أنس أرق هذه القِلَال وفي بعض طرقه قم إلى هَذِه الجرَّة فاكسرها فَفَعَلتُ" (ص ١٥٧٠ إلى ١٥٧٢).
قال الشّيخ وفّقه الله: قد حصل الاتفاق على تحريم عصير العنب إذا اشتَّد فأسكر. واختلف النّاس فيما سواه فمذهب مالك والشّافعي وجماعة من الصّحابة والتّابعين لا يحصون كثرَةَ تحَريم كلّ مسكر من أيّ نوعٍ كان مطبوخًا كَانَ أونَيّا، وذهب قوم من البَصريّين إلى قصر التّحريم على عصير
стр. 1150
العِنب ونقيع الزَّبيب النَّي فأما المطبوخ منهما والنّي والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكَار.
وذهب أبو حنيفة إلى قصر التّحريم على المعتصر من ثمرات النّخيل والأعناب وتحليل ما سواهما ما لم يقع الإسكار وله في ثمرات النّخيل والأعناب تفصيل فيرى أنّ سُلافة العِنَب يحرم قليلها وكثيرها إلاّ أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها وأما نَقِيع الزَّبيب والتّمر فيحل مطبوخهما وإن، مسّته النَّار مسًا قليلاً من غير اعتبارٍ بحدٍّ كما اعتبر في سُلافة العنب، وأمّا النّيّ منهما فحرام ولكنّه مع تحريمه إياه لا يوجب الحدَّ فيه، وهذا كلّه ما لم يقع الإسكار فإن وقع الإسكار استوى الجميع عند الجميع.
فالحجة لجمهور العلماء الاستنباط من الكتاب وظواهر الآثار، فأمّا المستنبط من الكتاب فإنّ الله سبحانه نَبّه على أنَّ علّة تحريم الخمر كونها تصدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة وتوقع العداوة والبغضاء على حسب ما قال الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (٢) وهذا المعنى بعينه موجود في كل مسكر على حدّ سواء لا تفاضل بين الأشربة فيه فيجب أن يكون حكم جميعها واحداً فإن قيل إنّما يتوقّع هذا في الإسكار المغيرّ للعقل وتلك حالة اتّفق الجميع على منعها قلنا قد اتّفق الجميع على منع عصير العنب وإن لم يسكر وقد علّل الباري سبحانه تحريمه بما ذكرناه فإذا كان ما سواه في معناه فيجب أن يجري في الحكم مجراه وصار التّحريم للجنس وعلّلَ بما يحصل من الجنس على الجملة وهذا
стр. 1151
وجه صحيح هذا مأخذ التّعليل من تنبيه الشرع وتلقّي التّعليل من سياق التنزيل أولى وآكد من سائر ما يُتعلّق به في هذا النوع، وللتّعليل مأخذ ثان وهو أنّا نقول: إذا شُربت سلافة العنب عند اعتصارها ولم تشتدّ وهي حِلوهٌ (٣) فهي حلال إجماعا فإن اشتدّت وغلت وأسكرت حرِّمَت إجماعا فإن تخلّلت من قبل الله سبحانه حلَّت أيضاً فنَظَرنَا إلى تبدّل هذه الأحكام وتجدّدها عند تجدّد صفات وتبدّلها فاشعر ذلك بارتباط الأحكام بهذه الصفات وقام هذا مقام النّطق بذلك، فوجب جعل ذلك علّةً وَحُكم يكون الشدّة والإسكار علّة للتّحريم لماَّ رأينا التّحريم يوجد بوجودها. ويفقد بفقدها وإذا وَضَح ذلك ثبت ما قلناه هذه إحدى الطريقتين من تصحيح ما عليه الجمهور، والطّريق الأخرى الأحاديث الكثيرة منها ما ذكره مسلم كقوله ﷺ : "نَهَى عن كلّ مسكر أسكر عن الصّلاة وقوله إن الله عَهِد لمن شرب المسكر أن يَسقِيَه من طينة الخبَال قالوا: يا رسول الله وما طينة الَخبَال؟ قال: عَرَق أهل النّار أو عصارة أهل النّار"، وقولِه ﷺ "كل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدّنيا فمات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة، وقوله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (ص ١٥٨٧) (٤).
والحديث الذي بدأنا بذكره أنها حرمت وما شرابهم إلا الفضيخ وبادر الصحابة ﵃ لإراقته عند نزول التحريم وهم أفهم عن الله بما يقول وقد شاهدوا التنزيل وحاضروا الرسول، واللّغة لغتهم واللسان لسانهم والتّحريم نزل وهذا شرابهم وهذا كله واضح جليّ. وهذه
стр. 1152
الأحاديث كلها التي خرَّجها مسلم ترد على المخالف من كل وجه لأنهّم إن منعوا التّسمية حتى لا يتعلّق بظاهر القرآن فقد قال ﷺ "كلّ مسكر خمر وكلّ خمر حرام" فهذا إثبات التّسمية ومبادرة الصّحابة لإراقة الفضيخ عند نزول الآية يدلّ أيضاً على إطلاق التّسمية عندهم على ما أراقوه، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: أمّا بعد فقد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتّمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل. والحديث مشهور ولأنّ الاشتقاق يوجبه لأنّ الخمر مشتقّ من التغطية ومنه سمّي خمار المرأة ومنه خمِّروا الإناء أي غطّوه ودخلت في خمار النّاس أي في كثرتهم حتى غطوه فقد ثبت انطلاق التّسمية من جهة الاشتقاق ومن جهة فهم الصحابة ومن جهة نصّ الحديث الذي ذكرناه، وفي الترمذي وأبي داود عن النَّبيء ﷺ أنَّ من الحنطة خمرا ومن الشَّعير خمرا ومن التمر خمرًا ومن الأرز خمَرًا ومن العَسل خمرا، زاد أبو داود ومن الذّرة وقال ولكن أنهاكم عن كل مسكر وهذا يؤكد ما نحن فيه.
٩٣٧ - وخرّج مسلم سئل عن البِتعْ من العسل والِمزر من الشّعير فقال "كلّ مسكر حرام" (ص ١٥٨٥ و ١٥٨٦).
ولا وجه لتعسّفهم مع هذا كلّه وحملهم بعض هذه الظواهر على أنّ المراد القدر الذي يقع به الإسكار وأن قوله: "كلّ ما أسكر كثيره فقليله حرام" يعني قليل ما يقع به الإسكار لأنّ هذا خروج عن الظّاهر وقد قال: "كلّ مسكر" وهذا إشارة لجنس الشراب ولم يقل كلّ إسكار.
وقد خرّج أبو داود "كلّ مسكر حرام وما أسكر منه الفَرَق فملء
стр. 1153
الكفّ منه حرام" وتحديده بملء الكفّ يمنع من تأويلهم ويبعده ويستدلّ أيضاً بنهيه عن الخليطين وعن الانتباذ في الأوعية وما ذاك إلَاّ مخافة أن يبلغَ الإسكار وإن لم يُتحقّق فيهما فلو كان التّحريم معلّقا بالسكر خاصّة، والقليل الذي لا يسكر حلال لم يكن في النهي عن الخليطين والأوعية معنى يعلَّل به ويصير كالشرع الذي لا يعلَّل.
وإن تعلّقوا بما خرَّجه مسلم الخمر من هاتين الشَّجَرتين النَّخلَةِ والعِنَبَة (ص ١٥٧٣). قلنا قد قدّمنا ما يدلّ على أنهّا تكون من سواهما فلا بد من حمل هذا الحديث على أنّ المراد به الخمر المستعمل عندكم أو ما يقرب من هذا المعنى لئلا تتعارض الأحاديث، وإن تعلقوا بقوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٥) ففيه ثلاثة أجوبة: أحدها أن يكون ذلك زَمَن إباحتها، والثّاني أن يكون السكر النحل أو غيره مماّ أبيح (٦)، والثالث أن يكون نَبَّه على المنفعة وإن لم تكن محلّلَة بدليل تخصيصه الرزق بوصفه حسنًا.
وأما قوله في كتاب مسلم "كلّ مسكر خمر وكل خمر حرام" فإن نتيجةَ هاتين المقدمتين أن كلّ مسكر حرام وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذَا بشيء من علم أصحاب المنطق فيقول: إن أهل المنطق يقولون لا يكون القياس ولا تصحّ النّتيجة إلا بمقدّمتين فقوله "كل مسكر خمر" مقدمة لا تنتج بانفرادها شيئا وهم يسمّون اللفظة الأولى من المقدمة موضوعا. واللفظة الثانية محمولا بمعنى أنّ اللّفظة الأولى وضعت لأن
стр. 1154
تحمل الثانية عليها فيكون المحمول في المقدمة الأولى هو الموضوع في المقدمة الثانية وتكون النتيجة موضوع المقدمة الأولى ومحمول الثانية فيصير كل مسكر حرام. ويجعل أصحاب المنطق هذا أصلا يسهّلون به معرفة النتائج والقياس، وهذا وإن اتفق لهذا الأصولي ها هنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة فإنّه لا يستمرّ في سائر أقيستها، ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يسلك فيها هذا المسلك ولا يعرف من هذه الجهة وذلك أنّا مثلا لو علّلنا تحريمه ﷺ التفاضل في البُرّ بأنه مطعوم كما قال الشّافعي لم يقدر أن يعرف هذه العلّة إلا ببحث وتقسيم فإذا عرفناها فللشّافعي أن يقول حينئذ كل سفرجل مطعوم وكل مطعوم ربوي فتكون النتيجة السّفرجل ربوي على حسب ما قلناه من كون النّتيجة موضوع الأولى ومحمول الثّانية ولكن هذا ما يفيد الشّافعي فائدة لأنّه إنّما عرّف هذا وصحة هذه النّتيجة بطريقة أخرى فلماَّ عرّفها من تلك الطريقة أراد أن يضع عبارة يعبرّ بها عن مذهبه فجاء بها على هذه الصّيغة ولو جاء بها على أيّ صيغة أراد مماّ تؤدي عنه مراده لم يكن لهذه الصيغة مزيّة عليها وإنما نبّهنا على ذلك لماَّ ألفينا بعض المتأخرين صنّف كتابا أراد أن يردَّ فيه أصول الفقه لأصول علم المنطق وقد وقع في بعض طرق مسلم "كلّ مسكر حرام" وهذا نتيجة تينك المقدّمتين من غير أن تذكرا وتانِك المقدمتان ذكرتا في طريقة أخرى من غير نتيجة وفي طريق ثالثة "كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام" وهذا ذكر فيه إحدى المقدّمتين مع نتيجتهما لو اجتمعتا وهذا يشعرك بأنّ الشرع لا يلتفت إلى النّاحية التي نحا إليها هذا المتأخّر.
٩٣٨ - وذَكَرَ مسلم بعد هذا أنّه ﷺ نَهَى أن ينبذ الزّبيب والتّمر جميعاً ونَهَى أن يُنبَذ البُسر والتّمر جميعا وفي بعض طرقه من شربَ النّبيذ منكم فليشربه زَبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسًرا فردًا وقد اختلف العلماء في الخليطين
стр. 1155
ومذهبنا النّهي عنهما وبعض المتقدّمين من أصحابنا يشدّد في ذلك ويعاقب عليه وبعض المتأخّرين منهم يشير إلى أن لا يبلغ به ذلك، وقد يتعلّق من يرخّص في ذلك بقول عائشة ﵂ أنّه ﷺ كان ينبذ له زبيب فيلقَى فيه تمر أو تمر فيلقَى فيه زبيب. وهذا إذا كان الخليطان كلّ واحد منهما لو انفرد صار منه نبيذا فأما إذا كان أحدهما لو انفرد لم يصر منه نبيذ فاضطرب المذهب في ذلك في مسائل ذكروها.
٩٣٩ - وكذلك ذَكَر مسلم أنَّه ﵇ نهى عن الدُّبَّاء والَحنْتَمِ والمزَفَّتِ والنَّقِير (ص ١٥٧٧).
وبالنّهي عن الانتباذ (٧) في الأوعية التي ورد النّهي عنها قال مالك ﵁ وأجاز ذلك ابن حبيب فقال: لم يكن بين نهيه عن ذلك واباحته إلا جمعة.
٩٤٠ - وقد ذكر مسلم: "نهيتكم عن الظّروِف وان الظُّروف -أو ظرفُا لا يحِلُّ شيئا ولا يحرِّمه (٨) وكلّ مسكر حرام (ص ١٥٨٥).
فنهاهم أوَّلاً حمايةً للذَّريعة لِئَلَاّ يقع الإسكار لكون هذه الأوعية معِينَة عليه وأباح مرّة ووكّلهم إلى أمَانَتِهم ولهذا قال في آخره وكلّ مسكر حرام.
стр. 1156
وأما ما وقع في الحديث الذي قدّمناه أوّلا أنّه لما جاء رجل بتحريم الخمر أراقوها وكَسَّروا الِجرار فإنّه إن كان التّحليل ثابتا عندهم بالشرع المقطوع به فإن هذا قبول نسخ من خبر الآحاد وقد قدَّمنا أنّ الإجماع على مَنع النَّسخ به (٩) بعد زمن النبي ﷺ وأن بعض الأيمة زعم أن النّسخ كان يجوز به في زمن النّبي ﷺ هذا على أنّه يتأوّل (١٠) الأمر في ذلك على تأويلات يصحّ معها ما فعلوه من منع النسخ.
٩٤١ - وأمّا ما ذكره مسلم من أنّه ﵊ سئل عن الخمر تتّخذ خلاّ فقال: لا (ص ١٥٧٣).
فقد اختلف النّاس في تحليلها فمنعه قوم والمشهور عندنا أنّه مكروه فإن فعل أكلت وقال بعض أصحابنا لا تؤكل وهذا الحديث حجّة في النّهي.
٩٤٢ - وقد خرَّج مسلم في حديث الفضيخ حدّثنا يحي بن أيوب نا ابن عليَّة ارنا عبد العزيز بن صهيب قال سألوا أنس بن مالك عن الفضِيخ (ص ١٥٧١).
ووقع في بعض النّسخ حدَّثنا يحي بن يحيى بدل يحي بن أيوب وهو وهم ووقع في أصل ابن ماهان حدثنا ابن عيينة بدل ابن علية وهو وهم والصّواب ابن عليّة نبّه عليه عبد الغنيّ وقال: (١١) ليس عند ابن عيينة عن عبد العزيز بن صهيب شيء.
стр. 1157
٩٤٣ - وخرّج مسلم في الأشربة أيضاً: "نا ابن أبي شيبة وابن أبي عمر قال نا سفيان عن سليمان الأحول عن مجاهد عن أبي عياض عن عبد الله بن عمر قال: لماّ نهى رسول الله ﷺ عن النّبيذ في الأوعية" الحديث هكذا عند ابن ماهان ووقع في النّسخة عند أبي العباس الرازي عن عبد الله بن عمر يعني ابن الخطاب ﵁ قال بعضهم هكذا عند السّجزي والكسائي كلّهم قال فيه: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب والمحفوظ لعبد الله بن عمرو بن العاص وكذلك جعله الحميدي وابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص" (ص ١٥٨٥).
٩٤٤ - وخرّج مسلم في حديث تغطية الإناء: "حدّثنا عمرو الناقد نا هاشم بن القاسم نا اللّيث بن خالد نا يزيد بن عبد الله عن يحي بن سعيد عن جعفر هكذا إسناده عن الرّازي والكسائي وفي النّسخة المقروءة على الجلودي حدّثني يزيد بن عبد الله ويحي بن سعيد بواو العطف (١٢) (ص ١٥٩٦) وكذلك عند ابن ماهان والمحفوظ في هذا الإسناد اللّيث عن يزيد عن يحي وهكذا خرَّجه أبو مسعود عن مسلم.
٩٤٥ - وخرّج مسلم أيضاً في حديث التّنفس في الإناء: "حدّثنا ابن أبي عمر نا الثّقفي عن أيّوب عن يحي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه (ص ١٦٠٢).
قال بعضهم هكذا روي إسناده مجوَّدا ووقع في النّسخة عن الجلودي
стр. 1158
فيه وهْم قال عن يحي عن أبي كثير عن عبد الله عن أبي قتادة (١٣) وليس هذا بشيء وإنّما هو عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
واتّفق الرّازي مع الكسائي وابن ماهان على الصواب.
٩٤٦ - قوله: "فلماّ فرغ من الطعام أماتته فسقته" وقع في بعض النّسخ أماتته بتاءين كل واحدة منهما معجمة باثنتين فوقها (١٤)، وفي بعض النّسخ أماثَتْهُ بالثّاء المعجمة ثلاثا وتاء بعدها معجمة باثنتين (ص ١٥٩١).
ومعناه أذابته قال ابن السّكيّت: يقال ماث الشيء يميثه ويموثه موثا (١٥) وموثانا أذابه ولكن ابن السِّكيّت حكاه ثلاثيا والذي وقع في الحديث ها هنا رباعيا.
٩٤٧ - وقوله: (وفَحمة العشاء) أي سواده.
(والفواشي): البهائم ثم هكذا فسره بعض النّاس (ص ١٥٩٥).
٩٤٨ - "ذكر أنّه ﵊ نهَى عن اختناث الأسقية وفسره بأن يقلب رأسها ثم يشرب منها.
стр. 1159
قال الشيخ وفّقه الله: أصل هذه الكلمة من التكسر والتثنّي واللّين ومنه سمّي الرجل المشبّه بالنساء في طبعه وكلامه مخنّثًا لتكسرّه ولين معاطفه. ويحتمل أن يكون نهى عنها لئلا ينال الشارب أذى لما يكون في الماء ولا يشعر به لأنّه يشرب ما لا يبصر أو يكون ذلك لأنه يغيرّ رائحة السقاء ممَّا (١٦) يكتسبه من نكهة الشارب.
٩٤٩ - قال الشّيخ وفّقه الله: خرَّج مسلم في كتاب الأطعمة: "حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة نا خَلَف بن خَلِيفة عن يزيد بن كَيسَان عن أبي حَازم عن أبي هريرَة قال خَرج علينا (١٧) رسول الله ﷺ ذَاتَ يَوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر الحديث ثم عقب بعده: "حدّثنا إسحاق بن منصور نا أبو هشام (١٨) يعني المغيرة بن سلمة نا عبد الواحد بن زياد نا يزيد بن كيسان نا أبو حازم قال: سمعت أبا هريرة الحديث (ص ١٦٠٩ و١٦١٠).
هكذا روي هذا الإسناد الثاني مجوّدا عن أبي أحمد الجلودي (١٩) من طريق السّجزيّ وسقط عنه في رواية ابن ماهان والرّازي رجل وهو عبد الواحد بن زياد ولا يتّصل السند إلَاّ به، وكذلك خرَّجه أبو مسعود عن مسلم عن إسحاق عن مغيرِة عن عبد الواحد عن يزيد عن أبي حازم عن أبي هريرة.
стр. 1160
قال الشّيخ وفّقه الله: قال بعضهم (٢٠) والذي عند ابن ماهان خطأ بين قال البخاري: مغيرة بن سلمة أبو هشام سمع عبد الواحد بن زياد ووهيبا، ومروان الفزاري مات سنة مائتين.