وقوة معرفتهم وإمامتهم أعلى منزلة ولم يدعوا الاجتهاد، ومن دونهم يدعون الاجتهاد وينسب لهم ابن عرفة الاجتهاد وينفيه عمن هو أعظم منهم وهو المازري.
وما تعقب به على ابن عرفة حق. والغريب من ابن عرفة ومكانته العلمية واطلاعه كيف يقف هذا الموقف من المازري، لكن إن التمسنا لابن عرفة عذراً نقول: إنه لما لم ير للمازري آراء فقهية خاصة به تردد في إثبات الاجتهاد له مع أنه يرى لابن عبد السلام الهواري التونسي نظرات تحكم له بالاجتهاد. وهذا موقف يحتاج إلى تحرير لأننا إذا نظرنا ما للمازري من آراء لا نتردد في بلوغه درجة الاجتهاد ويكفي تدليلا على هذا أنه أحد الأربعة عند خليل الذين أكثروا التصرف بالاختيار. ثم هو مميز على بقية الأربعة كما تقدم.
стр. 107
المازري الأشعري
نجد المازري في شرحه للمعلم أشعرياً يتقلد قول الأشعري، وقول أصحابه، ويذبّ عما رأوه من آراء فهو خالص في أشعريته. وقد انتهج المنهج الذي سنه مقلَّده (بفتح اللام) وهو منهج أهل السنة والاستقامة (٩٠).
وإنما مال المازري إلى الأشعرية لما نذكره بعد أن نعرّف بالأشعري وأين منبته.
ولد الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بكر الأشعري بالبصرة سنة (٢٦٠). وتلقى معارفه بالبصرة ودرس مذهب الاعتزال على أبي علي الجُبَّائي رئيس معتزلة البصرة. وعاش مدة من الزمن وهو معتزلي يدرس ويؤلف.
وليس من غرضنا أن نحقق السبب الأصلي الذي من أجله اعتزل مذهبه القديم وسلك مسلكاً آخر بذكر ما رواه المؤرخون من سبب مقتصرين على
стр. 108
أنه هو المحرك لهذا الانتقال، وإنما نذكر ما بنى عليه مذهبه فإنه يوضح لنا غاية الوضوح سبب الانتقال.
وقبل ذكر هذا نبين أنه لماذا فارق الاعتزال ولم يعد إليه وشمّر عن ساعد الجد لنصرد السنة والذبّ عنها، ومقاومة الاعتزال إلى أن لقي ربه في سنة (٣٢٤).
فالأشعري حين تمسك بالسنة تمسك بها بعد أن تَاهَ طيلة ثلاثين سنة في الاعتزال، وعرف دخائله فحين فارقه، فارقه وهو مطلع على دقائقه، خبير بأدلته، فكانت مفارقته مفارقة من لم يقتنع بما جاء فيه. وما يذكر مما دار بينه وبين شيخه أبي علي الجُبَّائي نراه حادثة تنبىء عن آخر المطاف الفكري له، وهو معتزلي قد ملكت على نفسه الطريقة السنية.
وبعد هذه الجولة الفكرية والتراجع عما كان عليه قد اتخذ مذهباً جديداً في العقيدة لم يقف من الأدلة موقفا سلبياً يمرّ بهَا على الأفكار دون بحث فيها، بل كان له موقف خاص، وهو الموقف الفكري الذي يغوص في الأدلة ليستخرج منها النظرة الملائمة للعقل الصحيح المقنعة للنفوس المتشبعة بالمبادىء النظرية العميقة. وهو في أنظاره لا يبعد عن الأدلة الشرعية الثابتة بل يأخذ بها ويطبقها تطبيق حكيم دارس، فلم تمر بذهنه دون أن يكون لها وزنها.
ولم يجعل هذه الأدلة القاطعة خاضعة لما رآه بل أخضع ما رآه للأدلة بلباقة نادرة، وفكرة نيرة. وهذا ما جعل المفكرين المتشبعين بالأدلة القرآنية والحديثية يقبلون على مذهبه، وينتصرون له في كل ما يكتبون على اختلاف أقطار ومذاهب فقهية، وهو ما دعا الكثير من أهل المذاهب أن يركزوا أنه من أهل مذهبهم، فالشافعية يدّعونه لأنفسهم ويرون أنه كان شافعياً، والمالكية يدّعونه لأنفسهم.
стр. 109
وبهذا أدخله إبراهيم بن فرحون في كتابه الذي خصه بعلماء المذهب المالكي، وهو "الديباج المُذْهب، في معرفة أعيان علماء المذهب".
فذكر أنه من الطبقة الرابعة ممن لم ير مالكاً، والتزم مذهبه من العراق من غير آل حماد بن زيد، قال: "علي أبو الحسن الأشعري بن إسماعيل كان مالكياً، صنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنن وما نفاه أهل البدع" (٩١).
فابن فرحون يجزم بأنه مالكي من أهل العراق، ولم يذكر الخلاف في مذهبه، ولم يذكر دليلاً على ذلك.
أما من جهة الشافعية فقد ذكر ابن خلِّكان في الوفيات أنه كان يجلس أيام الجُمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ببغداد (٩٢).
وما ذكره ابن خلكان في وفياته ذكره السمعاني في كتاب الأنساب فأفاد أنّه كان يجلس أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المرزوني (٩٣).
ثم إن جلوسه في حلقة أبي إسحاق المروزي ببغداد ليس فيه دلالة على أنه كان شافعياً.
لكن تمسك بهذا تاج الدين عبد الوهاب السبكي في طبقات الشافعية فذكر ما يأتي: "وقد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكيَ المذهب، وليس ذلك بصحيح: وإنما كان شافعياً تفقه على أبى إسحاق المروزي" نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في طبقات المتكلمين والأستاذ
стр. 110
أبو إسحاق الإسفراييني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني في شرح الرساله (٩٤).
ويجعل التاج السبكي ادعاء كون الأشعري مالكياً إلى الاشتباه التاريخي وذلك أن المالكي هو القاضي أبو بكر بن الباقلاني، وهو شيخ الأشاعرة (٩٥).
فعند السبكي أن هذا القائل لما رأى أن شيخ الأشعرية كان مالكياً ظنه أبا الحسن الأشعري وهو في ذلك لم يميز بين الرجلين أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الأشعري تقليداً.
والقريب أنه في الفقه ربما كان من المجتهدين الذين كانوا من ذوي الوقوف على أصول الشريعة، فكوَّنوا لأنفسهم شخصية فقهية مع انبناء هذه الشخصية على قواعد المذهبين المالكي والشافعي.
ومن أجل هذا لم يعدّه القاضي عياض في المدارك من رجال الطبقة الرابعة من أهل العراق، فقد عد القاضي أبا الحسن من آل حمَّاد بن زيد وابنيه وأبا الطاهر الذهلي والتستري وبكر بن العلاء القشيري، ولم يعدّه لأنه وإن أخذ بشيء من مذهب مالك إلا أنه لا يعدّ متقلداً لمذهب مالك، والظاهر أنه كذلك بالنسبة للمذهب الشافعب كما قدمنا.
لماذا كان المازري أشعرياً:
نتساءل عن أشعرية المازري أهي نتيجة تقليد علماء عصره من أهل السنة الذين كانوا متقلدين في العقيدة طريقة الأشعري، أم ذلك لسبب خاص جعله يميل إلى الأشعرية دون غيرها، من المذاهب الكلامية كالمعتزلة أو غيرهم؟
стр. 111
هذا التساؤل نجزم بأنه ليس له جواب في تراجم المازري لأنه من الأمور التي لا يهتبل لها الكاتبون، ولعلهم لا يجدون لها حلاّ لأن المترجم نفسه لم يكتب عن نفسه، وعن الأسباب التي دعته إلى ذلك، وربما نظفر بذلك تلميحاً في بعض كتبه حين نتعمق في الدراسة وهذه جهة يفترق فيها المازري عن الغزالي فإن هذا الأخير كتب عن نفسه وفكرته، وكيف حصلت له المعرفة التي لم تلتق بقلبه دفعة واحدة، بل تدرجت نفسه في المعرفة تدريجا وصل به إلى نقطة النهاية حتى أصبح الغزالي يسبح في بحار المعرفة الحقة دون أن يخاف من هذه السباحة أو يخشى الغرق كما يحصل للجاهلين الذين يخوضون في بحار المعرفة دون أن تكون لهم براعة في السباحة فيضِلوا في تلك البحار فيصبحوا من الغرقى.
وقد حدثنا الغزالي عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال فإنه شفى الغلة، وأبرد تعطش الباحث حين أخبرنا عن نفسه: "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقتُ البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، أتوغل في كل مظلمة، وأتهجَّم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، واستكشف أسرار كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومستنن ومبتدع"، إلى أن يقول: "وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دَأبي، وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وُضِعَتَا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا" (٩٦).
لكن وإن لم نظفر بمثل هذا النص الفريد الذي كتبه الغزالي عند المازري
стр. 112
لم يمنعنا ذلك من النظر في المازري تصيدا من خلال كتابته هنا في المعلم في شرح كتاب الإِيمان، أو من غيره.
وإن كان هذا النص لا يعطينا الفكرة الأخيرة التي استقر عليها المازري لأنه كان في أواسط حياته فلم يكن نصاً أخيراً مما كتبه، حتى نجد فيه ما استقر عليه رأيه سواء في العقائد أو الفقه ولكنه مع ذلك لا نَعْدم الفائدة منه لأنه وثيقة من وثائق حياته.
وإذا كان الغزالي قد جال جولته في المذاهب المختلفة حتى ظَفِر بالحقيقة المرجاة؛ فإن المازري لم يكن مثله، بل له اتجاه خاص، التقى فيه مع الأشعري.
وهو أن الأشعري كان في ذبه عن السنة يجمع بين النصوص ويعرضها عرضا يتماشى هو والعقل، وذلك ما نراه من المازري في جولته التي تصدى فيها للتوفيق بين المبادىء التي نادى بها الأشعري وبين ما جاء في الحديث وإن لم يبد تطابقه مع تلك المبادىء ظاهراً، وأما في نفس الأمر فإنه لا تخالف بينها.
فالظاهرة الأولى في الأشعري هي التوفيق بين مقتضيات العقل، ومقتضيات السمع هي بعينها التي وافقت هوى المازري، فهو قبل كل شيء عقلي متشبع بما يدركه العقل ولا يحب أن يكون العقل مكبوتا، بل يريد من العقل الإنساني أن يكون منطلقاً يجري مع الواقع كما هو شأن العقل في استنتاجه.
فالمازري يحب العقل الواقعي ويجري وراءه سواء في الفقه أو علم الكلام فحين يجعل بعض الفقهاء الحامل المُقرب (٩٧) ملحقة بالمريض المرض المخوف الذي يمنع من النكاح، فإن المازري لا يرتضي منهم ما ذهبوا
стр. 113
إليه مبينا أن ذلك غير معقول فيعرض مذهبهم على الواقع محكماً له، حتى يتضح أن الواقع ليس في جانبهم.
وذلك أن السيوري (٩٨) ذكر في المطلقة طلاق الخلع (٩٩) وهي قد جاوزت ستة أشهر: لا يراجعها زوجها لأنها كالمريضة، ورأى غيره أن هذا ليس بصحيح فقال المازري وهذا هو الذي نختاره لأن مستند هذه المسألة العوائد. والهالك من الحمل قليل من كثير، وأنت إذا بحثت عن مدينة من المدائن لوجدت أمهات أهلها أحياء، أو موتى من غير نفاس ومن مات منهن في غاية من الندور (١٠٠).
نستنتج من كلام المازري هذا أنه يعتمد على البحث لإِظهار الحقيقة فهو يراها مجنية منه دون أن يراها كما يراها الغزالي في الإِلهام أو البصيرة حيث وجد العقل يخطىء، وكذلك الحواس تخطىء.
وهذا هو ما عند صاحبنا في الوصول إلى الصواب والحكم الحق؛ وإن كنا غير جازمين بذلك لأن ما رآه الغزالي موصلاً هو في العقيدة، وما رآه المازري هو في الأحكام الفرعية، وشتان ما بين العقيدة والحكم الفرعي، لكن مسلك الرجل لا يختلف في منهجه حيث إنه إذا أجرى ذلك في الأحكام، فهو يرتضي ما أجراه فيها في غيرها لأن الأحكام الفقهية وإن لم تكن من الأمور العقائدية إلا أنها أحكام متبعة أدى إليها الاجتهاد فلا بد فيها من التحري حتى لا تخرج عن منهج الشرع الحنيف لأن الناس تتقلدها على أنها أحكام شرعية مستنبطة مما سنّه الإِسلام من مبادىء قائمة ممتدة غاية الامتداد بسبب أنها أصول جامعة تحتوي على ما وراءها.
стр. 114
فالجمع بين أمرين قد يبدو أنهما متناقضان حسب النظرة العجلى غير المثبتة، وهما العقل والنصوص الواردة فيما تنبني عليه العقيدة هو الذي جعل هذا الرجل المتزن في عقله وسلوكه وتواضعه يمشي مع الأشعرية حيث الدين والعقل يسلكان بالإِنسان إلى ما يجعل إيمانه راسخاً في نفسه رسوخاً لا يتزلزل لأن الإِيمان إذا لم يصادمه العقل كان إِيمانا يجد المستقر الدائم في قرارة النفوس.
فلهذا تجنب المازري الاعتزال لأنه لم يتأت له هذا التوفيق الذي وجده في غيره. فمثل من كان مستجمعاً لهذه القيم لا يكون في اعتقاده الذي أملاه في دروسه وكتاباته إلا مطمئناً لما بين جنبيه، ولما يجري على لسانه، ولما يخطه قلمه.
فليس هناك عامل دافع للآراء المتزنة المتمثلة في هذا الأشعري الرصين غير الدافع الفكري الذي يزن بين الأشياء بميزان العدل الصحيح المظهر للأشياء على وجهها الحقيقي. والكثير يتهاون بأمر هذا الجمع الذي هو التوسط بين أصحاب السنة والمعتزلة في النظر في العقيدة وأصول الدين ويرونه أمراً ليس له كبير أثر في عقائد الناس مع أنه لولا هذا الجمع بين التسليم بعقيدة أهل السنة مع التدليل عليها والنظر فيها نظر المتكلمين باستعمال أدلتهم لا في تحريف السنة، بل في شرح السنة لكان الأمر ضد السنة. وسندرك الإِدراك البين كيف أن هذه الطريقة دافعت عن العقيدة الإِسلامية الغوائل الكثيرة، وكيف أنها حافظت على عقيدة الجماهير بما نأَتي به من مناظرة الإِمام أبي بكر الباقلاني الأشعري.
اعتنى الملك عضد الدولة فناخسرو بن بويه الديلمي (١٠١) بأن يكون
стр. 115
مجلسه مجمعاً علمياً، وكان مجلسه يحتوي على عدد عظيم في كل فن، واجتمع عنده الكثير من الفقهاء والمتكلمين، وكان قاضي قضاته بشر بن الحسين معتزلياً، وأحب عضد الدولة أن يرى مناظرة بين يديه تقع بين أشهر المعتزلة في عصره وهو قاضي قضاته، وبين الأشعرية أهل الحديث، فتلكّأ قاضيه المذكور في تحقيق تلك الرغبة ولكنه أمام إلحاح عضد الدولة لم يسعه إلا أن يذكر له أشهر رجال السنة، فذكر له أبا الحسن الباهلي وهو شيخ، وأبا بكر الباقلاني وهو شاب، فامتنع الباهلي، فرد عليه الباقلاني بأن امتناع المحاسبي في عصر المأمون من الحضور للمناظرة مما أدى إلى محنة ابن حنبل، فلو أن المحاسبي وغيره ناظروا بين يديه لكفُّوه عن هذا الأمر.
وكان مما اعتذر به قاضي عضد الدولة لما تلكأ عن أن يخبره عن أبرز أهل السنة: أنهم ليسوا أهلا للمناظرة لأنهم أصحاب تقليد ورواية، ويروون الخبر وضده ويعتقدونه جميعاً، ولا أعرف أحداً منهم يقوم بهذا الأمر (١٠٢).
وأراد قاضي عضد الدولة المعتزلي ذم أهل السنة ورميهم بالعجز عن التوفيق بين الأخبار الواردة، ولكنه انكشف الواقع عن أن الاستدلال على السنة وشرحها الشرح الملائم لها أبكت المعتزلة ورفع منار السنة.
وفعلا لما ذهب الباقلاني وتصدى للمعتزلة أمام عضد الدولة تحولت فكرة عضد الدولة فبعد أن كان ناقماً على الباقلاني حيث لم يلتزم التشريفات أصبح مكبراً له حتى قال: إنه الأحق بمكاني لأنه لم يزل يحلو له كلام الباقلاني حيث رأى علاوة على فصاحته وقدرته أن الأشعرية لا تترك لقائل مقالاً في الانتقاد عليها حيث لم تهمل العنصرين الأساسيين: النص والعقل، وهما الرائدان إلى الخير، وبهما تنفتح المغلقات، وتُزال المشكلات.
فالمازري حين أخذ بالأشعرية كان على بينة، وكان على شريعة من الأمر لا التواء فيها، ولا تنالها المطاعن، ولا تؤثر فيها الانتقادات.
стр. 116
الأشعرية الإِفريقية:
وما ذهب إليه هذا الرجل قد كان محل اتفاق بينه وبين من سلف من العلماء الأفارقة، وبالأخص القابسي (١٠٣) الذي كان من رجالات القيروان الأفذاذ في نقلهم وأفكارهم ونظرهم الشامل المتكامل، فقد كان ناشراً للأشعرية مبينا منهجها الواضح، وأنها مبنية على السنة الصحيحة بناء متيناً حيث كان الأشعري متثبتاً في كل آرائه وازنا لها مدققا في وزنه حتى لا تخرج عن المراد من السنة على الوجه الظاهر دون الالتواء في تلك البُنَيَّات التي تاه فيها الكثير، فأصبحوا ضالين مضلين يتيهون في الدين حتى يخرجوا بآراء لا يمت لها الدين بسبب.
وقد احتفظ لنا التاريخ بسبب ما كتبه الميورقي (١٠٤) عن الأشعرية، احتفظ برسالة من القابسي يوضح فيها مذهب الأشعري، وأنه المذهب الذي يجب تقلده، وقد نقل بعضها أبو نصر عبد الوهاب السبكي ومما جاء فيها: "اعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت عن علم الكلام إلا ما أراد به إيضاح السنن والتثبت عليها".
ثم يقول: "وما أبو الحسن إلا واحد من جملة القائمين في نصرة الحق ما سمعنا من أهل الإِنصاف من يؤخره عن رتبة ذلك، ولا من يؤثر عليه في عصره غيره، ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيله".
ثم يقول: "لقد مات الأشعري يوم مات، وأهل السنة باكون عليه، وأهل البدع مستريحون منه".
فالقابسي يرى الأشعري شارحاً للسنة العقائدية، فهو لم يخرج عنها، وإنما هو موضح لها لم يقف عند النصوص وقفة غيره إما مجرد النظر وإما
стр. 117
التلاعب بل توسط في نظرته وشرحها الشرح الذي لا يخرج بها عن معناها ولا يذهب بها كل مذهب.
ومثله في هذا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني الذي يقول: "ما الأشعري إلا رجل مشهور بالرد على أهل البدع وعلى القدرية، وعلى الجهمية متمسك بالسنن".
وليس ببعيد أن المازري حبب إليه الأشعرية ما وجده فيها من شرح السنة كما رآه ابن أبي زيد والقابسي، فإن الأفارقة لما تقلدوا مذهب مالك في الفقه، وهو مذهب أهل السنة، مالوا إلى الأشعري لأنه كالمذهب المالكي في العقائد حيث إن كليهما مبني على السنة الصحيحة مع الملاءمة بين الأحاديث العديدة، وهي المزية التي امتاز بها المذهب المالكي حيث إنه وفق ما بين ما يبدو أنه معارض بعضه لبعض. والأمثلة على ذلك في الفقه المالكي كثيرة مثل البيع والشرط حيث وفق مالك بين الأحاديث الواردة، ولم يلغ منها حديثاً واحداً كما أشار إليه ابن غازي في بيتيه:
بيع الشُّرُوطُ الحنفيُّ حرَّمهْ ... وجَابِرٌ سوَّغَ لابن شُبُرْمَهْ
وَفَصَّلَتْ لابن أبِي لَيْلَى الأمَه ... ومالكٌ إلَى الثلاث قَسَّمَه (١٠٥)
وهذه الظاهرة الجامعة تجعل العقيدة والفقه سائرين في مسلك واحد لا يفرق بينهما فارق، والتلاؤم بين أصول العقيدة وأصول العمل محبب إلى النفوس لأن العقيدة هي المحرك للعمل.
ولم يلتق في هذا الجامع خصوص الأئمة الثلاثة: ابن أبي زيد والقابسي والمازري بل غيرهم من أئمة المالكية كلهم على هذا المنهاج سواء في الشرق أو الغرب فهذا الإِمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني مثلهم كما
стр. 118
يقول فيه القاضي عياض في المدارك: "هو الملقب بسيف السنة، ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث، وطريق أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهت رئاسة المالكيين في وقته. وكان حسن الفقه عظيم الجدل، وكانت له بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة" (١٠٦).
الذب عن الأشعرية:
اشتمل المعلم على جملة صالحة من المسائل التي اختلفت فيها الأشعرية مع المعتزلة وانتصر فيها المازري لمذهبه العقائدي، ولكنه في انتصاره كان معتدلاً حتى أنك لا تشعر بأنه مائل إلى مذهب دون آخر، فحين يضع لديك مذهب المعتزلة الذين هم خصومه لا تدري أنهم خصومه حيث يأتي بمذهبهم دون تحامل عليهم؛ فها هو في طالعة كتابه يتعرَّض لمذهب الأشاعرة والمعتزلة في الكذب فيأتي أولاً بمذهب الأشاعرة، ثم يأتي بعد ذلك بمذهب المعتزلة فلو أنك تقتصر على بعض كلامه لا تدري أهو أشعري أم معتزلي لأنه لم يزلق قلمه في شتمهم ولا في النيل منهم.
وحين ينتقدهم كذلك ينتقدهم بدون أن يكون هناك تحامل أو إظهار ميل فكان رصيناً في عرضه للمذهبين كما كان رصيناً في انتقاده على المعتزلة.
فدونك شاهداً على ما نقول: قوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
قال الشيخ أيده الله: "الكذب عند الأشعرية الإِخبار عن الأمر على ما ليس هو به، هذا حد الكذب عندهم ولا يشترطون في كونه كذباً العَمد والقصد إليه خلافاً للمعتزلة في اشتراطهم ذلك. ودليل هذا الخطاب يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب".
стр. 119
مال في شرحه هذا إلى مسألة خلافية بين الأشاعرة والمعتزلة، وهي مسألة حقيقة الكذب فقد اختلف فيها الطرفان في اشتراط العمد وعدمه فإلى الأول ذهب المعتزلة وإلى الثاني ذهب الأشاعرة.
هكذا ذكر مذهب المعتزلة في الكذب بأنهم يشترطون العمد والقصد إلى جانب مخالفة الواقع وهو ما عبر عنه بالإِخبار عن الأمر على ما ليس هو به.
ولإِيضاح ما يقصده من المعتزلة نذكر المذاهب في الصدق والكذب حتى يتبيَّنَ لنا من هم المعتزلة الذين يرد عليهم.
المذهب الأول: مذهب أهل السنة الذي يرى أن النسبة الذهنية المفهومة من الكلام في الكلام الخبري إذا كانت متطابقة مع النسبة الخارجية بأن تكون النسبتان ثبوتيتين أو سلبيتين فذلك الصدق وإن اختلفتا في الثبوت والسلب بأن كانت إحداهما ثبوتية والأخرى سلبية فذلك الكذب فلا نظر عند الأشاعرة في الصدق والكذب إلا إلى التطابق بين الكلام ونسبته الخارجية، وهذا ما أشار إليه في المعلم بإجمال.
المذهب الثاني: مذهب النظّام (١٠٧) ومن تابعه: أن الصدق مطابقة الكلام لاعتقاد المخبر ولو كان الاعتقاد خطأ، بمعنى أنه غير مطابق للواقع، والكذب عدم مطابقته لاعتقاد المخبر. والمراد بالاعتقاد ما يشمل الظن، فلو قال قائل: السماء تحتنا، وهو يعتقد ذلك كان صدقاً، ولو قال: السماء فوقنا، وهو لا يعتقد ذلك كان خبره كذباً.
واحتج النظّام لمذهبه بقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: ١).
стр. 120
وأجاب الأشاعرة عن استدلال النظّام على مذهبه بهذه الآية الكريمة
بثلاثة أوجه (١٠٨):
الوجه الأول: أن التكذيب راجع إلى الشهادة لأنهم كأنهم قالوا إن شهادتنا وَاطَأتْ فيها قلوبناً ألسنتناً، وهذا كذب لأن المنافقين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فتكذيبهم راجع إلى ادعاء المواطأة لا إلى المشهود به الذي هو ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كما يدعي النظّام فإنه وإن كان مطابقاً للواقع إلا أنه غير مطابق لاعتقادهم، وإذا كان غير راجع للمشهود به كما يدعي النظام بل هو راجع للمواطأة سقط استدلاله.
والعجب من النظّام كيف يستدل بهذه الآية مع أنّها لا تحتمل إلا الوجه الذي حملها عليه الأشاعرة، وها أن الزمخشري وهو من الاعتزال بمكان ومع ذلك يقول: والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم ﴿نَشْهَدُ﴾ وادعائهم فيه المواطأة (١٠٩).
وكأنَّ صاحب المعلم عدل إلى ما عدل إليه كما سيأتي ولم يعرج على رد استدلال النظّام لأنه رآه كما بيّنا لا يستحق أن يرد عنه، وقد أوضحنا بُعْدَهُ وأنه لا سبيل إلى القول الذي ذهب إليه النظّام.
وهذا منه ترفعاً عن رد الأقوال المردودة في ذاتها حيث لا يلتفت إليها اشتغالاً بغيرها.
وإنما وضحناً رد قول النظّام بعد شرحه حتى لا يعتقد أنه أغفل الكلام عليه واعتنى بغيره إذ بان أن هذا القول في عداد المهملات وإنما العناية بغيره.
الوجه الثاني: من أوجه الرد على النظّام أن تكذيبهم راجع إلى تسمية إخبارهم (بكسر الهمزة) شهادة إذ هي ما تكون على وفق الاعتقاد.
стр. 121
الوجه الثالث: أنه على فرض التنزل مع النظّام بأن يكون التكذيب من الله تعالى راجعاً للمشهود به وهو ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ﴾ لكن ليس على ما ذهب إليه، بل إظهار لما هو في قرارة نفوسهم من زعمهم الكاذب في عدم الإِقرار بالنبوة فيكون المعنى أنهم يزعمون أنهم كاذبون في هذا الخبر الصادق.
المذهب الثالث: مذهب الجاحظ (١١٠) وهو محط النظر لأنه هو الذي تناوله في المعلم، وإنما بإجمال، وهذا تفصيله مع دليله.
ينكر الجاحظ انحصار الخبر في الصدق والكذب كما هو مذهب أهل السنة وكما هو مذهب سلفه النظّام الذي لا مخالفة بينه وبين أهل السنة في الانحصار، وإنما مخالفته فيما هو المراد بالتطابق، وأمّا الجاحظ فيرى أن هناك واسطة بين الصدق والكذب لأنه يرى أن الصدق يتوقف على مطابقة أمرين، وهما الواقع واعتقاد المتكلم، والكذب هو عدم المطابقة فيهما فكأنه أراد التوفيق بين سلفه النظّام، وما عليه غيره (١١١) أو هو رأي ذهب إليه دون قصد التوفيق وهو الأقرب.
وبناء على رأي الجاحظ فإنه يلزم عليه أن تكون هناك أخبار لا توصف بصدق ولا كذب، وهي الأخبار التي تكون مطابقة للواقع لكن يعتقد المتكلم أنها غير مطابقة، أو يكون غير معتقد شيئاً، وكذلك في عدم المطابقة للواقع والمتكلم يعتقد المطابقة، أو ينتفي اعتقاده بأن لا يكون له اعتقاد أصلاً.
وذهب الجاحظ إلى ما ذهب إليه إعتماداً على ما استنتجه من قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ سبأ (٨)، من أن هناك تلك الواسطة لترديد المناوين للنبيء ﷺ إخباره بالحشر والنشر كما جاء في قوله تعالى:
стр. 122
﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ سبأ (٧)، بين الافتراء والإِخبار حال الجنة أي حال الجنون، وذلك لأن المراد بالثاني وهو الإِخبار حال الجنة غير الكذب لأنه قسيمه، وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه لأنهم منازعون في الرسالة فكيف يعتقدون مقاله فإذا خرج عن كونه صدقاً لما ذكر، وعن كونه كذباً لأنه في مقابلته، فلم يبق حينئذ إلا أنه قسم برأسه فلا يكون صدقاً ولا كذباً، وبذلك تثبت الواسطة بين الطرفين المتضادين وهما الصدق والكذب.
والمذهب الجاحظي هذا قد رده المفسرون واقتصروا في ردهم على إبطال دليله وذلك بأن المقصود: أم لم يفتر، لأن الافتراء أخص من الكذب إذ هو الكذب عن عمد فحينئذ يكون القسيمان مندرجين تحت أعم وهو مطلق الكذب.
وهذا تحليل ما أجاب به البيضاوي في تفسيره، والخطيب في تلخيصه للمفتاح وعند هذه الردود يقف الكاتبون من المتأخرين حتى أن بعضهم وهو الشيخ ياسين يتساءل لماذا لم يدعم مذهب الأشاعرة بدليل بخلاف مذهب النظّام فقد ذكر دليله ورده، ومذهب الجاحظ كذلك وأجاب جواباً لا يقنع وهو أن مذهب أهل السنة له أدلة كثيرة حتى أصبح لا يحتاج إلى دليل وهو كما ترى غير مقنع لأنه وإن كثرت أدلته إذ يمكن أن يقتصر على ما هو منها أهم حتى لا تميل النفوس مع المذهب المستدل عليه.
وفي الحقيقة أنه أجاب جواب التخلص هذا حيث لم يقف على دليل يؤيد مذهب الأشاعرة.
في هذه النقطة الهامة بالذات نجد المازري قد كفى المؤونة ولم يلتفت إلى رد أدلة الخصم، بل أثبت دليلاً قاطعاً على صحة ما قاله الأشاعرة، وهو الحديث الذي هو بصدد شرحه. وهو قوله ﷺ : "مَن كذَب عليّ متعمداً فليتبوأ مَقْعَدَهُ من النار".
стр. 123
استخرج من قوله ﵊ أن الكذب يكون تارة عن عمد وتارة عن غير عمد، فأتى بجملة غاية في الاختصار وهي قوله: "ودليل هذا الخطاب يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب".
فاستنتاجه على اختصاره محكم الرد مقنع غاية الإِقناع لمن تأمله وتدبر فيه.
وتحليل جوابه: أنه ﵊ أفصح العرب أخبر أن الكاذب عليه إن تعمد الكذب، فليتبوأ مقعده من النار. ومن كذب ولم يتعمد فحكمه غير حكم الكاذب المتعمد، فهو قد أطلق اسم الكاذب على المتعمد وغيره، وهو إطلاق واضح لا يحتمل وجهاً آخر ولو مع التكلف.
وإذا أخذنا هذا في جانب الكذب فالصدق لا يخرج عنه إذ أنهما من واد واحد.
فما ادعاه الجاحظ من أن الكذب لا يكون كذباً وكذلك الصدق إلا إذا طابق الكلام الواقع والاعتقاد أو خالفهما ليس بشيء حيث أطلق ﷺ اسم الكذب على الكلام المخالف للواقع وإن لم يطابق الاعتقاد. وبهذا يظهر أن لا مدخل لمطابقة الاعتقاد في إطلاق الكذب إذ هذا الاسم يطلق على ما طابق الاعتقاد وما خالفه، وإنما المراعى مطابقة الواقع.
وقد ذكرنا هذه المسألة مسألة الكذب التي ناصر فيها المازري الأشْعرية الطريقة التي سلكها من كتب من الأشاعرة وما هو أسلوبهم فيها، وما ذكرة المازري ليظهر الفرق بين الأسلوبين بينما غيره يطيل في الردود، ويظهر جوانب متعددة حتى يرد على كل جانب جانب منها، نرى المازري لا يسلك تلك الطريقة وإنما يعمد إلى أقرب الأبواب في تثبيت ما يراه دون إطالة مع إحكام الرد كما وضحناه بحيث لا يبقى للخصم مقال، فإنه يهجم من أول وهلة إلى الغاية المرادة دون تضييع الفرصة السانحة في إبكات خصمه إذ
стр. 124
نرى غيره رغم إطالته في الرد لم يأت بدليل محكم كالدليل الذي يأتي به صاحب المعلم.
ولو سلك علماء الكلام ما سلكه المازري لكَفْوا المطلع تلك الإِفاضة التي ربما يتيه فيها النظر ولا يقف على الغاية إلا بعد الجهد المضني والانتقال في شتى الأدلة التي لا يمكن أن يستقل دليل منها بالإِقناع بخلاف ما ذهب إليه فإنه يرمى إلى روح المسألة ويكتفي بما هو مقنع بنفسه دون احتياج إلى ضميمة أمر آخر إليه. وفي هذا ضمان لتنقية العقيدة بأبسط الطرق وأمتنها وأقربها إلى عقل الباحث.
القضاء والقدر
من المباحث التي هي محل خلاف بين الأشعرية والمعتزلة مسألة القضاء والقدر، وهي من الأهمية بمكان فقد شغلت أقلام الكثير من الكاتبين في الأعصر السالفة والأعصر الحاضرة مما يدل على أنها لا تزال تشغل أفكار الكثير من الباحثين وهي مما يحق أن يتناولها قلم صاحب المعلم لأنها من أهم ما هو حقيق بالتصدي للذب عن الأشعرية فيه.
وسنرى ما هو موقف المازري من هذه القضية الشائكة التي لا بد فيها من قول فصل، في رد شبهات المتسورين على القضاء والقدر، فإن هناك رمياً للقول على عواهنه، وزجاً بالأفكار في مزالق قد تفضي إلى زيغ القلوب وحيرة الأفكار.
ولأهمية هذه القضية سلك مسلم في صحيحه وهو الكتاب المعلق عليه بالمعلم مسلكاً رضياً نقياً، وفي الآن نفسه كان حكيماً حيث بادر بحديث ابن عمر الذي جر إليه أن يحيى بن يعمر (١١٢) الذي تحير في الموقف حين
стр. 125
انطلق القائلون بالقدر في البصرة، وكان رأسهم معبد الجهني، إذ في مبادرة مسلم بتصدير كتابه بهذا الحديث أنه عنده الأحق بأن يتوج به كتابه لضرورة هذه المسألة في الإِيمان، إذ كيف يصح الإِيمان وأهم ركن فيه بين الأخذ والرد، واليقين والشك، والاطمئنان والتحيّر.
ولكن المازري في تعليقه على هذا الحديث تكلم عليه من جوانب خاصة تتناول بعض جهاته الداعية للكلام عليها وهي الناحية اللغوية مثل: يتقفرون العلم، وأن الأمر أنف، وأشبع في ذلك القول تبعاً للهروي.
ثم تعرض لمسألة كفر المعتزلة على عادته في الاختصار بأن نفَى عنهم الكفر على قول ابن عمر كما سيتضح.
ولا يدرى الباحث لماذا أغفل الكلام على هذه المسألة الهامة الحرية بأن يخوض فيها قلمه، ولعل ذلك لأسباب نتصيدها من هناك وهناك من غير أن نعتمد فيها على شيء ثابت إذ لم نقف لحد الآن على ما هو شبيه بكلام الغزالي عن نفسه حتى نستطيع أن نستخلص منه ما هي الدواعي الباعثة لإِغفال هذه المسألة الهامة مع أن مباحث لها قيمتها تطرق إليها الحديث الذي ذكره مسلم: مثل أول من أحدث القدرية في الإِسلام، ومثل ما هو القدر الذي قالوا به.
والظاهر أن طي البحث في القدر يرجع إلى أن المازري يذهب إلى عدم الخوض فيه ويرى أن الأجدى في إرساخ الإِيمان الرجوع إلى القرآن بالتلاوة والتفهم ودراسة الأحاديث فإن في ذلك مقنعاً لمن يريد أن يتشبع بالإِيمان الصحيح الخالي من الشوائب حيث إن السلف لما ساروا على ذلك استقامت عقائدهم، وانسجمت العقائد مع الأعمال.
ويتضح من استدلالاته في هذا الكتاب أنه لا يميل إلى ما يميل إليه المجادلون من أرباب الكلام وأنه يأخذ بالأحوط لحفظ عقيدة المسلم لأن ضرر الجدل أكثر من نفعه، وبالأخص مع كافة الطبقات لأن المجادلين
стр. 126
كثيراً ما تزل بهم القدم، وكثيراً ما تعلق بنفوسهم ما يخوضون فيه من بحوث يثيرها المخالفون بقصد إيقاع الشك وزلزلة الإِيمان ذهاباً منهم إلى التعمق فى الذي يثيرونه وإن كانوا عالمين بأنهم لا تقوم لهم حجة أمام الحق الساطع، والبراهين القوية.
ولهذا ذهب إلى تحريم الخوض في الكلام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان، وجماعة من أهل الحديث وحكى الغزالي أن الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال: سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه (١١٣).
وإنما كانت النظرة إلى أهل الكلام بهذه الشدة لأن الاشتغال بذلك يؤدي إلى ترك الكتاب والسنة وهما العمودان الأصليان في إقامة دعائم الدين.
ومن الأقرب أنه تأثر بما جاء عن مالك ﵁ فإنه قال: أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدَعُ دينه كل يوم إلى الدين الجديد؟ وصدر هذا عن مالك لأن المتجادلين تتفاوت أقوالهم (١١٤) وتختلف أيضاً قوتهم على الجدل فربما يفحم من هو على حق فتميل به الأهواء فيترك ما عليه ثم يبدو له وجه الحقيقة فينزع ما لبسه من الضلال للرجوع إلى ما هو صحيح.
ثم إن الحديث ينهى عن التنطع كما جاء من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيء ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ المُتَنَطعُونَ". والمراد بالمُتَنَطِّعين المتعمقون فيما لا ينفع فيه التعمق وإن كان التعمق له مكانه، وله مجالاته، ولكن إن كان في الحقائق الناصعة فإنه يؤدي إلى خلاف المقصود.
стр. 127
ولكي لا تذهب بنا الظنون إلى أن المازري ليس مستبحراً في أصول الدين بل الأمر بالعكس فإنه من الغواصين ولكنه كان يرى أن الاشتغال بجلب حجج الخصم وتفصيل الكلام بدقة ربما لا يتفطن لها أربابها. ثم بعد ذلك يأتي في دور الرد عليها وفيه ما يضر أكثر مما ينفع فإن تلك الحجج التي للخصم حين توضع في صدر الكلام تصادف قلباً خالياً فتتمكن منه فإذا ما أتى الرد ربما لا يجد مساغاً في النفس وإن كان قوياً ثابتاً مقنعاً.
فلذلك نراه يعمد إلى الرد من أول وهلة سالكاً مسلكاً خاصاً في الرد مخالفاً فيه لمذاهب غيره، وهو ما أداه إلى انتقاد سلوك بعض المؤلفين الذين يريدون إظهار اطلاعهم على مذاهب غيرهم ليظهروا بذلك أنهم لا يجهلون مذاهب الخصم فإذا ماكرّوا عليها بالانتقاد كان ذلك عن بينة وهو ما صنعه الكثير وبالأخص الغزالي لكن وراء ذلك ما وراءه.
فهذه طريقة خاصة في تدعيم آرائه وهي الطريقة التي تقلدها وهي عند تدقيق النظر وصل إليها بالاجتهاد وإنما كان في اجتهاده مسايراً لما هو المذهب الحق.
وهذه الطريقة إنما هي للمتشبع الممتلىء من النظر المتمكن من بحثه إذ تكفيه لأنه يكتفي بالإِيجاز ويقنع بدون ذلك حتى بالإِشارة. وذهب صاحب المعلم إلى ما ذهب إليه قياساً على ذكائه وسعة اطلاعه فإنه غواص نبيه يقع على مراده من أقرب السبل وأسهلها فلذلك اكتفى في الكثير من ردوده ومسائله بالإِيجاز لا الإِيجاز المعقّد وإنما الإِيجاز في الاقتصار على عين المقصود دون بسط أو تمهيد ينسى الغرض منه، فهو لم يكن كأصحاب الكتب المؤلفة على طريقة أشبه بالإِلغاز منها بالكلام المقصود منه البيان ومسلكه هذا خاص بالمعلم دون بقية كتبه.
ومن أجل هذه الطريقة الخاصة وضع القاضي عياض كتابه إكمال المعلم حتى يلتقي معه في آرائه وبذلك يكتمل هذا الكتاب. وسنوضح المسلكين
стр. 128
المتكاملين بين المازري وعياض في المعلم وإكماله مخصصين ذلك بناحية خاصة وهي ناحية في علم الكلام.
وسيتضح للناظر حين نبرز تجاذب الرجلين للمسائل العامة وفي طالعتها مسألة القضاء والقدر.
بين المازري وعياض
لم يتعرض الأول لهذه المسألة إلا من ناحية خاصه وهي ناحية تكفير المعتزلة فذكر: "وأما قوله: لا قدر فلا تقول به المعتزلة على الإِطلاق وإنما يقولون: إن الشر والمعاصي تكون بغير قدر الله تعالى لكن من لم يتشرع من الفلاسفة ينكر القدر جملة".
وأما ما ذكر من تبري ابن عمر منهم وقوله: "لا يقبل من أحدهم ما أنفق، فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة، أو على وجه التكفير للقدرية على أحد القولين في تكفيرهم عندنا إذ كان أراد بهذا الكلام تكفير من ذكر" (١١٥).
هكذا يقف في الفقرة المتقدمة موقفاً من المعتزلة لا يذهب فيه إلى الغلو في الرد عليهم إلى حد التكفير، ويحيل ما صدر من ابن عمر ﵄ وناهيك به إلى أنه لا يقصدهم بالذات وإنما يقصد من لم يتشرع من الفلاسفة أي من لم لم يكن متبعاً للشريعة من الفلاسفة فيقصي كلامه عن المعتزلة إلى غيرهم. ولم يصنع هذا الصنيع في كلام ابن عمر ﵄ إلا لأنه يرى أنهم لم يبلغوا إلى درجة تؤدي إلى كفرهم فهو يعذرهم وإن كان لا يوافقهم ولا يجاريهم، وإنما لصعوبة المسلك تاهوا لا عن قصد إلى الضلال
стр. 129
وإنما عن اجتهاد خاطىء وإن كان الخطأ في الاجتهاد في العقائد لا يغتفر لأنه ليس كالخطإ في الاجتهاد في استخراج الأحكام وإنما دقة المسألة تهون الحكم عليهم.
وبجانب موقف صاحب المعلم موقف القاضي عياض، وهو موقف دقق فيه البحث مع صاحبنا فذكر أن ما جاء في مسلم من نفي القدر جملة، بمعنى أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وجودها وإنما يعلمها بعد أن تقع، هو الذي فسر به مالك مذهب القدرية فيما رواه بعضُ أصحابه.
فالقاضي يريد إثبات ما نفاه المازري عن المعتزلة فنفي القدر جملة هو من مذهب المعتزلة وهم قائلون به وبذلك فسر مذهبهم مالك. وقصد بنقل تفسير مالك مذهبهم توضيح أن ما جاء في كلام المازري ليس بالأمر الصحيح.
ثم وضح القاضي أن نفى القدر جملة قالت به الجهمية وقوم من الرافضة وطائفة من المعتزلة.
ثم إن القاضي عياضا نقل عن البلخي أن القائلين بنفي القدر جملة كما تقدم قد انقرضوا جميعاً.
ثم بين أن مذهب معبد الجهني الذي حكى عنه يحيى بن يعمر ما جاء في مسلم هو مذهب المعتزلة في القديم، أخذوه من الفلاسفة كعادتهم في بنائهم أكثر مذاهبهم على منزع الفلاسفة في الإِلهيات، لكن لقبحه رجعت جميع طوائفهم عنه مع بقائهم على أصل الاعتزال من إثبات منزلة بين المنزلتين ويسمونه عدلاً، ونفي الصفات التي أطبقت طوائفهم عليه وأخذوه أيضاً من الفلاسفة ويسمُّونه توحيداً ليدرؤوا عن أنفسهم اسم المجوسية التي سماهم بها صاحب الشرع في قوله ﷺ : "القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذِهِ
стр. 130
الأمَّةِ" (١١٦). وزعموا أن القدر المذموم المعني في الحديث إنما هو القدر الأول، وليس المعني في الحقيقة الأهم لأنهم شاركوا المجوس والثنوية (١١٧) في إثبات فاعل غير الله تعالى حيث قالوا: العبد يخلق أفعاله، والخير من الله والشر من غيره، والقدرية الأول داخلون في هذه الرذيلة، ويختصون بتلك الأشنوعة، فالقدر الأول والاعتزال أصلان مفترقان، وكا هوى بنفسه.
ويظهر من هذا أن القاضي يحقق أن القدرية طائفتان: القدرية الأولى والقدرية الثانية، وأن المعتزلة القُدامى أخذوا بقول القدرية الأولى واقتدوا في ذلك بالفلاسفة، وهو منه رد لطيف على المازري إذ ينفي عن المعتزلة القول بقول معبد موضحاً له أنهم تدرجوا في نفي القدر، فأولا: نفوه جملة كما يقول معبد، وهو قول الفلاسفة، ثم أدركوا شناعته فذهبوا إلى نفي البعض من القدر وهو الشر. وأثبتوا لله الخير ونفوا عنه الشر وقالوا: إن العبد يخلق أفعاله.
ومع كونهم لم يبقوا على مقالتهم الأولى وانتقلوا إلى ما انتقلوا إليه لم يخرجوا عن كونهم مجوس هذه الأمة كما جاء به الحديث لأنهم شاركوا الثنوية في إثبات فاعل غير الله . ويأتي الأبِّي الذي ذيل إكمال القاضي عياض في إِكمال الإِكمال، ويريد أن يقف موقفاً يؤيد به ما ذهب إليه المازري بأن القدر الأول يقول به معبد، والقدر الثاني وهو عبارة عن تأثير قدرة العبد والقائل به المعتزلة.
стр. 131
لكل وجهة:
والتحقيق أن صاحب المعلم نظر إلى المعتزلة الذين هم معتزلة اليوم -أي في عصره- وصاحب الإِكمال لم يقصر نظره على المعتزلة المتأخرين بل عمَّم النظر وقسمهم على حسب عصورهم وذلك هو المعروف كما حققه أحد المتأخرين من الكاتبين في علم الكلام فذكر: أن المعتزلة هم القدرية، وهم قدريتان:
الأولى: وهي التي تنكر سبق علمه تعالى بالأشياء قبل وجودها وتزعم أن الله تعالى لم يقدر الأمور أزلاً، ولم يتقدم علمه تعالى بها، وإنما يأتنفها علماً حال وقوعها، وهؤلاء انقرضوا قبل ظهور الشافعي (١١٨).
فهؤلاء هم الذين يقولون: إن الأمر أنف، يستأنف الله علمه حال وقوعه وهم الذين يسمون بالقدرية. وتسميتهم بالقدرية قد سبق إليها الحديث النبوي وقد طبّقه عليهم أهل السنة. وإنما سموا قدرية أنهم بالغوا في نفيه، وجعلوا ذلك ديدنهم وهم الذين أثاروا هذه البدعة، فهم حريون بأنهم هم القدريون وإن كانوا لا يثبتونه لله وينفونه ولا يقولون به، ثم إن هناك وجهاً آخر في تسميتهم بذلك، وهو أنهم يثبتون القدر لأنفسهم فهم أحق بهذه التسمية.
وأطلق عليهم اسم "القدرية الأولى" تمييزاً لهم عن الطائفة الأخرى من المعتزلة الذين لم يشاركوهم في قولهم إن الأمر أنف.
والطائفة الأخرى من المعتزلة: هم الذين أطلقوا على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها ولكنهم خالفوا السلف فزعموا أن أفعال العباد
стр. 132
مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال بواسطة الإِقدار والتمكين وهو مع كونه مذهباً باطلاً أخف من المذهب الأول (١١٩).
وهذه الطائفة هى القدرية الثانية.
فصاحب المعلم أراد أن يكون واقعياً فتعرض للمعتزلة الذين لم ينقرضوا فلذلك تحدث عنهم بخصوصهم دون المعتزلة الأولى وهذا إذا أردنا أن يكون كلامه مطابقاً لما ثبت عن المعتزلة من كونهم طائفتين طائفة غالت، وطائفة سلكت مسلكاً آخر.
توقف في كلام المازري:
غير أن النظرة المدققة تحتار في كلام المازري حيث أراد أن يحمل كلام ابن عمر على الفلاسفة الذين لم يتشرعوا لأنه من أين له هذا حيث إن ابن عمر إنما يتحدث عن معبد، فكيف تصح عبارته وهي: "وقوله لا يُقبل من أحدهم ما أنفق، فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة" فلا سبيل أن نحملها على الفلاسفة لأنهم لا مدخل لهم في هذا الحديث لأن يحيى بن يعمر لم يجر على لسانه حديث عنهم حين حدث ابن عمر، وهاك ما جاء في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر قال: " أوَّلُ مَنْ قَال بِالقَدَرِ بالبَصَرةِ مَعْبَدُ الجُهَنِيُ".
ثما قال محدثا لابن عمر: "أبا عبدِ الرحمن قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن ويَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ وَذَكَرَ مِنْ شَأنِهِمْ وأنهُمْ يَزْعَمُونَ أن لَا قَدَرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفُ".
فأجابه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: "فإذَا لَقِيتَ أولَئِكَ فَأخْبِرهُمْ
стр. 133
أنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وأنَّهُمْ بُرَاءُ مِنِّي وَالِّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ لَوْ أنَّ لأحَدِهِمْ مِثْلُ أُحْدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ مَا قبِلَ الله مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" (١٢٠).
لا تشم رائحة التعرض للفلاسفة غير المتشرعين في هذا النص، فكيف يمكن أن نجعلهم هم المقصودين دون غيرهم، كذلك لا يمكن أن نجعل معبدا منهم لأن يحيى بن يعمر جعله من أهلِ القبلة لأنه ذكر أنه وجماعته يقرؤون القرآن ولم يكتف بذلك بل عظم من شأنهم ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد فيه.
ثم إن معبدا كان من التابعين كما يقول الذهبي في الميزان، ثم إنَّه مع ذلك صدوق، وقد روى عنه ابن ماجه في سننه (١٢١).
وعندي: أن المتلقي عن المازري لم يفهم كلامه فذكر ما ذكر إذ لا يجوز أن نصرف كلام ابن عمر عن غير ظاهره، وندعيه للفلاسفة، وربما يكون المازري قال: إن هذا التكفير إنما ينطبق على الفلاسفة غير المتشرعين لأنهم هم الذين ينفون القدر جملة أما معتزلة زماننا فليسوا كذلك.
هذا ما يمكن أن نقيم به عبارة المعلم حتى تكون متفقة مع النص المعلق عليه وهو صحيح مسلم، وإلا كان هناك فرق بين ما في التعليق، وما في النص المعلق عليه.
تكفير المعتزلة:
دعا إلى حمل كلام ابن عمر على الفلاسفة غير المتشرعين أن صاحب المعلم لم يكن بالقاسي على مخالفيه فهو لا يذهب إلى أن هؤلاء الذين ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه عن مروق من الدين، وإنما هي أفكار لم يوفّقوا فيها إلى ما طلبوه.
стр. 134
وقد وضع المعتزلة في الميزان اللائق حيث إنه ردد كلام ابن عمر بين كونه يحمل على التكفير أو لا يحمل عليه، وعلى فرض أنه يدل على تكفيرهم فهذا على أحد القولين في القدرية فيجعل تكفيرهم افتراضاً لأنه افترض أنه يدل على التكفير كما افترض أنه لا يدل عليه حين قال: "إن كان أراد بهذا الكلام تكفير من ذكر". ويقصد "بمن ذكر" القدرية.
ولم يبين كيف يمكن حمله على التكفير وغيره اكتفاء منه بنباهة المستمع والقارىء، وما قاله يتضح بالتدبر في كلام ابن عمر ﵁.
ويدل موقفه المتقدم من المعتزلة أنه له ميل شديد إلى كونهم لم يمرقوا من الإِسلام كغير المتشرعين من الفلاسفة إذ هؤلاء وضعوا لأنفسهم خطة خاصة بهم، وهي أنهم لم ينهجوا منهجاً دينياً. وأما المعتزلة فإنهم كانوا في آرائهم متصيدين لها من القرآن والسنة غير أنهم التوت عليهم الطرق فتاهوا فهم لم ينبذوا الدين جملة، وإنما حرَّفوا في بعض أفهام لهم خاصة، فشتَّان بين الفريقين.
وكما تناول هذه المسألة صاحب المعلم تناولها مثله القاضي عياض في إكماله لهذا الكتاب وكان في تناولها باحثا مع أصله ولم يخرج في مناقشاته عن الإكبار له.
فناقشه أولاً في أن قول ابن عمر: إن القدرية لا تقبل نفقاتهم يدل على أنهم كفار عنده، لأن الأعمال إنما يحبطها الكفر.
وناقشه ثانياً: أن القدرية الأولى لا خلاف في كفرهم، وإنما الخلاف في قدرية اليوم.
فالقاضي يجنح إلى أن القدرية الأولى ليست محل خلاف بين المتكلمين لأنهم نفوا القدر جملة، ومن نفاه جملة لا يشك في مروقه من الدين.
ثم إن ابن عمر وإن لم يصرح بالتكفير فعبارته كالصريحة في ذلك لأن
стр. 135
الأعمال لا يحبطها شيء غير الكفر، وأما مع وجود الإِيمان فالأعمال متقبلة وإنما تختلف باختلاف الإِخلاص، والقيام بالصالحات على الوجه الأتم.
ولأهمية هذه المسألة التي ينبني عليها أمر جليل وهو أن هؤلاء المعتزلة من المسلمين أو غيرهم شارك فيها علم تونس وهو الأبي في إكمال الإِكمال معلقاً على كلام القاضي ومؤيداً للإِمام في رأيه وفي تعليقه ويبدو أنه يقتبس من سعة صدر صاحب المعلم في عدم التغالي في الرد على المخالفين.
وكان الأُبي في تعليقه على النقاشين من القاضي مركزاً بحثه على أصول مسلّمة بين فكرية ونقلية.
أما تعليقه علي النقاش الأول فهو أن كلام ابن عمر لا يدل على تكفير القدرية لأنه لم يحكم عليهم بإحباط أعمالهم، وإنما قصارى ما أخبر به أنهم لا تقبل أعمالهم وفرق بين عدم قبول العمل، وإحباط العمل، لأن القبول أخص من الصحة فإذا لم يكن هناك قبول للعمل فقد يصح فإذا كان كذلك لم يصر عدم القبول إحباطاً. ومعنى كون القبول أخص أنه عبارة عن حصول الثواب على الفعل، والصحة عبارة عن سقوط القضاء.
وتعمق الأُبي في بحثه هذا فأشار إلى أنّ تعليقه هذا لا ترد عليه الآية الكريمة وهي: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ التوبة (٥٤)، لأنها إنما تدل على أن الكفر دليل على عدم قبول العمل من صاحبه. وهذا ليس محل النزاع، وإنما النزاع في كون عدم القبول دليلاً على الكفر، وهذا هو محل النزاع، والآية لا تدل عليه.
وأما تعليقه على النقاش الثاني وهو أن الخلاف في تكفير المعتزلة إنما بالنسبة لمعتزلة اليوم لا القدرية الأولى منهم، فإنه رد عليه بكلام الآمدي وهو من عُمد علم الكلام بأن الخلاف في أهل الأهواء مطلقاً دون تخصيص بأولى وثانية.
стр. 136
رأينا كيف اختلفت أنظار هؤلاء العلماء الثلاثة في المعتزلة، وما ذاك إلا لشدة اختلاف آراء المعتزلة أنفسهم، وأنهم لم يكونوا على وتيرة واحدة في آرائهم ونظراتهم، واختلافهم مما يصعب معه الحكم عليهم فالموضوع يحتاج إلى بحث خاص تحرر فيه آراء المعتزلة المختلفة، وتعرض هذه الآراء على محك النظر حتى يتبين ما هو مخالف تمام المخالفة لقواعد الإِسلام العقائدية وما هو لا يلتقي معها في بعض النقط مما لا يصطدم معها الاصطدام المنافي.
стр. 137
بين الغزالي والمازري مفكري الإِسلام
سئل المازري عن حال كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فتكلم فيه تكلم منصف دون أن يموه أو يذكر ما ليس واقعاً. فذكر لنا الغزالي وكيف تقلب بين أحوال مختلفة ...
وهاهنا نقطة هامة وهي أن هذا التقلب ذكره الغزالي ونسبه لنفسه على جهة اطلاعه بحيث لم يعلق بأفكاره شيء من ذلك بل مرت عليه هذه الأحوال مرًّا خفيفاً بحيث لم تترك أثرا في نفسه كما وضحه في كتابه المنقذ من الضلال.
ووقف عند هذه النقطة المازري، وجعله متأثراً بذلك تأثراً عميقاً، ونضع أيدينا على كلام المازري حتى نعرف مدى هذا التأثر الذي وقع فيه الغزالي، ولم يتفطن له نفسه بل ظن كما ذكرنا أنه استطاع أن يخلّص نفسه من مطالعاته وجولاته المتعددة في ميادين شتى وعلوم مختلفة.
فهذا ما يذكره المازري عنه: "وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين فإنه صنّف فيه أيضاً وليس بالمستبحر، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره وذلك أنه قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين فأكسبته قراءة
стр. 138
الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلاً للهجوم على الحقائق لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها حكم شرعي ترعاه ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها" (١٢٢).
ينبغي أن نقف عند التصوير الدقيق الذي صوره لنا المازري وأبرز فيه نفسية الغزالي، وكيف أنها لها جرأة تامة على الحقائق دون تثبت في الخطى.
ونستطيع من هاهنا أن ننبعث ونتعرف على نفسية الرجلين وتكييف انطلاقهما في الميادين العلمية: فالغزالي صاحب جرأة في إبداء آرائه بدون أن يقيسها على خطوات الأئمة المتقدمين القيس الذي يراه صاحبنا فهو متحرر في ذلك لا يرى لأية سلطة نفوذاً على نفسه، فهو في أجواء واسعة يصنعها لنفسه كيف يشاء بينما المازري قد قيّد نفسه بالخوف من مخالفة الأئمة الذين يتبعهم.
ولا يُظن أن المازري يسوّي بين الغزالي الفلاسفة في عدم مراعاة الأحكام الشرعية والتقيّد بها حيث يقول: "فأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلاً للهجوم على الحقائق لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها حكم شرعي ترعاه، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها".
وإنما يقصد أنه اكتسب منهم الجرأة على التكلم في الحقائق بدون مراعاة الظروف المحيطة. وندرك من هذه الانطلاقة لماذا لم يجتهد صاحبناً ولم يكوّن لنفسه مذهباً خاصاً به وإن كانت أسباب الاجتهاد متوفرة عنده ووسائل الاستنباط والاستخراج لا تنقصه فهو مجتهد لا يرى لنفسه حق الاجتهاد لأن أقواله
стр. 139
وأفكاره كلها تدل على ما له من قوة الاجتهاد لكنه وقف عند مدرسة إمامه مخافة أن يخالفها.
والغزالي وإن لم يجتهد ويخالف مذهب إمامه الشافعي إذ كان من رجال المذهب الشافعي حتى ألّف فيه كتبه الشهيرة التي من أشهرها الوجيز الذي هو عمدة المذهب الشافعي (١٢٣) لكنه اجتهد من ناحية أخرى، وأحدث طريقة جديدة في الاعتقاد والأحكام.
مغالاة الغزالي وتواضع المازري:
ونلمس ما جاء في حق الغزالي من التغالي والاعتداد بالنفس في تسمية كتبه مثل كيمياء السعادة حيث إن فيه جرأة وادعاء لأنه خص هذا الكتاب بأنه السر المكتوم لمن يريد السعادة.
وكأنّه يقصد به أن قارئه يحصل به ما يحصّله علم الكيمياء من سلب الخاصية المعدنية وجلب خاصية جديدة حتى تنقلب الأعيان ويصير النحاس ذهبا والرصاص فضة، فكذلك قارئه ينقلب من إنسانية إلى أخرى فيصير إنساناً عارفاً بما جهله العالم كله فيعرف نفسه وربه، ودنياه وعقباه.
فالغزالي يرى من نفسه أنه يستطيع أن يخطو بالإِنسان هذه الخطوة الشاسعة ويصير إلى حيث يلتقي مع سعادته بانقلاب عينه كما تنقلب المعادن الرخيصة إلى جواهر ثمينة، وهو أمر عجيب في تكوين البشرية تعجز عنه العوامل الكثيرة فضلاً عن غيرها.
ثم إنه لم يتحقق هذا الأمر إلا لكتاب الله تعالى الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي
стр. 140
بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة (١٦).
لم نعرف شيئاً سلب خاصية الإِنسان وأعطاه خاصية أخرى إلا كتاب الله الكريم وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم، فهما المصدران اللذان حققا للإِنسان أن يعرف ما كان يجهله، وأن يحيط بنفسه علماً.
أما كيمياء السعادة فلم نعرف له من التأثير شيئاً مذكرراً خرج بإنسان عصره إلى حياة أخرى كما صنع القرآن بالأمم التي اعتنقت الإِسلام واقتدت به.
فلم يكن المازري مخطئاً فيما عرف به الغزالي فإنه كان ينظر إلى مجتمعه نظرة غير النظرة التي ينظر بها غيره إلى مجتمعاتهم فهو يرى كلَّ الأصناف مخطئة محتالة كما عبر عنه في أول الإِحياء.
بينما صاحب المعلم يتواضع ولا يَجْري وراء التعالى والتعاظم ويبدو هذا في كتاباته وعناوين تآليفه نرى صاحبه يعنون بمثل إحياء علوم الدين وهو نجده يعنون بما يدل على التواضع في كتابه هذا حيث سماه بالمعلم بفوائد مسلم.
وشتان بين التسميتين فذاك يرى أن تأليفه إحياء لعلوم الدين التي أماتها الأصناف الثلاثة: وهم العلماء المترسمون الذين استحوذ عليهم الشيطان فحصروا العلم في الفتاوى بفصل الخصام والانصراف للجدل، وزخرفة السجع في الوعظ لاستدراج العامة، وهذا يتصاغر وَيرى أنه مجرد معْلِم بالفوائد وحتى إذا احتاج إلى الرد على مخالفيه رد عليهم بلطف ولين فلا يهاجم مهاجمة صاحب الإِحياء.
واقعية وخيالية:
يقف الرجلان من الشريعة الإِسلامية موقفين متباينين فالغزالي يذكر في
стр. 141
الإِحياء شيئاً نذكره على سبيل المثال، وهو ما ذكره من الكيفية الخاصة في قص الأظفار: "ولكن سمعت أنه ﷺ بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى. وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإِبهام".
"ولما تأملت في هذا خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداء إلا بنور النبوة. وأما العالم فغايته أن يستنبطه من العقل بعد نقل الفعل إليه. فالذي لاح لي فيه، والعلم عند الله سبحانه، أنه لا بد من قلم أظفار اليد والرجل، واليد أشرف من الرجل فيبدأ بها ثم اليمنى أشرف من اليسرى فيبدأ بها ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة أشرفها إذ هي المشيرة في كلمة الشهادة من جملة الأصابع ثم بعدها ينبغي أن يبتدىء بما على يمينها إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمنى وإن وضعت ظهر الكف على الأرض فالإِبهام هو اليمين وأن وضعت بطن الكف فالوسطى هى اليمنى واليد اذا تركت بطبعها كان الكف مائلاً إلى جهة الأرض إذ جهة حركة اليمين إلى اليسار واستتمام الحركة إلى اليسار يجعل ظهر الكف عالياً فما يقتضيه الطبع أولى. ثم إذا وضعت الكف على الكف صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة فيقتضي ترتيب الدور الذهاب عن يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة فتقع البداءة بخنصر اليسرى والختم بإبهامها ويبقى إبهام اليمنى فيختم به ترتيبها وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف أو وضع ظهر الكف على ظهر الكف فإن ذلك لا يقتضيه الطبع" (١٢٤).
هذا الذي ذكره في الإِحياء انتقده المازري ورده بأنه "يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له مثل قوله في قص الأظفار أن تعبدأ بالسبّابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة إلى آخر ما ذكر من الكيفية وذكر فيه أثرا" (١٢٥).
стр. 142
والمنصف الذي يقف على كلام صاحب الإِحياء وما ذكره من تطويل في كيفية قص الأظفار وما صوره من صور هندسية في قلم الأظفار وقصها بصور متنوعة لا تفهم إلا بصعوبة يحكم أن ما رماه به صاحبنا وشنع عليه به هو عين الإِنصاف إذ أن ذلك ليس له مستند شرعي وحاشا الشرع الحكيم أن يذهب إلى ما ذهب إليه صاحب الإِحياء من تلك الصور الغريبة المترتبة على أمر من البساطة بمكان وهو إزالة أوساخ الأظفار.
وليس هو أمرا عظيماً حتى تكون له هذه العناية البالغة المذكور في الإِحياء من البدء بالسبابة ثم الرجوع إلى إصبع أخرى ثم الانتقال إلى جهة أخرى مما هو من التفاهات.
وما نفاه المازرى من أن ما ذكره الغزالي لا مستند له قد أيده الحافظ العراقي في كتابه المغني عن الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإِحياء من الأخبار: "حديث البداءة في قلم الأظفار بمسبحة اليمنى والختم بإبهامها وفي اليسرى بالخنصر إلى الإِبهام لم أجد له أصلاً".
وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الردّ على الغزالي وشنع عليه (١٢٦).
ثم إن انتقاده على الغزالي في اعتماد الأحاديث الضعيفة أو الأحاديث التي لا أصل لها ليس مقصوراً على قلم الأظفار بل كان انتقاده عاماً حسبماً نقله عنه ابن السبكي في الطبقات.
ثم ذكر توهينه ما في الإِحياء من الأحاديث. وقال: عادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، قال الشافعي، فيما لم يثبت عندهم.
إن انتقاده هذا وجيه حيث إنه أورد أحاديث واهية مع أن المتورع يتحرج من إيراد أقوال الأئمة مثل مالك والشافعي إذ لم يثبت شيء منها عنده فما بالك بحديث النبيء ﷺ فالتورع عن إيرادها أشد من غيرها.
стр. 143
وما انتقده المازري انتقده كذلك الحافظ ابن الجوزي في منهاج القاصدين: "فاعلم أن في كتاب الإِحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة وإنما نقلها كما اقتراها (١٢٧). لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع والاغترار بلفظ مصنوع". وكيف أرتضى لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله ﷺ .
وكيف تؤثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به ما لا حاصل له: من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابي المسمى تلبيس إبليس (١٢٨).
وإذا نظرنا إلى الانتقادين الموجهين إلى الإِحياء نرى أن صاحبنا عبر بعبارة لطيفة وهي أن التورع يمنع صاحبه عن أن يعزو إلى الأمة ما لم يقولوه فضلاً عن إيراد الأحاديث الواهية.
والتورع معناه: التحرج وليس هناك لفظة ألطف في الانتقاد من هذه لأنه لم يهجم عليه الهجوم العنيف في إيراد الأحاديث الموضوعة أو الموقوفة مع أنه يرويها مرفوعة وإنما قصارى ما عبر به أنه كان الحري به أن يتحرج من إيراد تلك الأحاديث حتى لا يدخل في زمرة الذين ورد فيهم تشديد الوعيد.
وإذا نظرنا إلى ابن الجوزي نراه لم يترك في كنانته سهماً انتقادياً إلا رماه به إذ يقول: "في كتاب الإِحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة". فقد جرد كتاب الإِحياء من كل فضيلة إذ نسب إليه
стр. 144
الآفات ولم يقتصر على آفة واحدة وإنما جعله مصدر الآفات ثم إنه جعل أقل الآفات الأحاديث الباطلة.
وإذا كانت الأحاديث الباطلة أقلها فما هي البقية وما عظمتها. وهذا تهويل من ابن الجوزي وحط من الإِحياء حيث إنه لم يكن بالدرجة التي وصفه بها بل هو كتاب له قيمته وله تأثيره وله إصلاحه وإنما لم يسلم من انتقادات في طالعتها ما رواه من الأحاديث الواهية كما عبر عنها المازري. ثم إن هناك أشياء ليست بالدرجة التي تدعو إلى الإِعراض عن الكتاب ونبذه نبذا كلياً، فإن الإِلقاء به في سلة المهملات كما يرى ابن الجوزي خسارة عظمى.
هذا الموقف الذي وقفه الرجل الأول وهو الغزالي في أشياء لا حقيقة لها في الشريعة الحكيمة ولا في الواقع.
وبجانبه موقف آخر للمازري بعيد كل البعد عن هذا الموقف يتجلى فيه أن هذا الأخير يريد أن يبني الفقه على الواقعية دون الفروض التي هى خارجة عن ذلك.
وها أنه لما صور بعض الفقهاء اجتماع صلوات مختلفة في وقت واحد أو أوقات متقاربة ذكروا ما يقدم منها على الصورة الآتية:
١) الفرض الذي خيف فواته.
٢) صلاة كسوف الشمس.
٣) صلاة العيد.
٤) الاستسقاء ويؤخر إلى يوم بعد يوم العيد.
فأثار المازري حول هذا الترتيب إشكالاً، وهو أنه لا يصح اجتماع عيد وكسوف لأن الكسوف لا يكون إلا في آخر الشهر في التاسع والعشرين
стр. 145
منه. والعيد إما أن يكون في أول الشهر وهو عيد الفطر وإما أن يكون في العاشر منه وهو عيد الأضحى معللاً ذلك بما يذكره علماء الهيأة.
والكسوف كما يعرفه علماء الفلك حجب جرم سماوي لآخر فيحدث كسوف الشمس حين مرور الأرض في الظل الذي يحدثه القمر باعتراضه بينها وبين الشمس ولا يستمر الكسوف وقتاً طويلاً وإنما يستمر وقتاً قصيراً ويكون في العادة الكسوف جزئياً وقد أحال علماء الهيأة اجتماعهما عقلاً لاختلاف وقتيهما كما اتضح.
ومن أجل هذه الاستحالة التي قررها علماء الهيأة قال المازري: "لا يتفق هذا عادة ولا معنى لتصوير خوارق العادة إلا أن يراد معرفة فقه المسألة" (١٢٩).
هكذا أراد إرجاع من يقول بذلك إلى الجادة. ثم إنه على عادته من التلطف لم ينكر الإِنكار البات فلذلك اعتذر لهم بأن يجوز في صورة معرفة فقه المسألة.
وقد انقسم الفقهاء قسمين منهم من يناصر ما نادى به المازري وغيره، وهو القرافي فإنه بين وشرح ما ذهب عليه صاحب المعلم وغيره. وكذلك ابن عرفة حيث عبر عما لابن العربي في خلاف هذه المسألة بالزعم: "زعم ابن العربي بطلان كسوف الشمس بحيلولة القمر وكون خسوفه بدخوله في ظل القمر خلاف قول المازري والجماعة" (١٣٠).
وأيد ما ذهب عليه المترجم ابن تيمية وقواه بأن ذلك مما اعتيد بخلق