← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الإِحياء شيئاً نذكره على سبيل المثال، وهو ما ذكره من الكيفية الخاصة في قص الأظفار: "ولكن سمعت أنه ﷺ بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى. وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإِبهام". "ولما تأملت في هذا خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداء إلا بنور النبوة. وأما العالم فغايته أن يستنبطه من العقل بعد نقل الفعل إليه. فالذي لاح لي فيه، والعلم عند الله سبحانه، أنه لا بد من قلم أظفار اليد والرجل، واليد أشرف من الرجل فيبدأ بها ثم اليمنى أشرف من اليسرى فيبدأ بها ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة أشرفها إذ هي المشيرة في كلمة الشهادة من جملة الأصابع ثم بعدها ينبغي أن يبتدىء بما على يمينها إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمنى وإن وضعت ظهر الكف على الأرض فالإِبهام هو اليمين وأن وضعت بطن الكف فالوسطى هى اليمنى واليد اذا تركت بطبعها كان الكف مائلاً إلى جهة الأرض إذ جهة حركة اليمين إلى اليسار واستتمام الحركة إلى اليسار يجعل ظهر الكف عالياً فما يقتضيه الطبع أولى. ثم إذا وضعت الكف على الكف صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة فيقتضي ترتيب الدور الذهاب عن يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة فتقع البداءة بخنصر اليسرى والختم بإبهامها ويبقى إبهام اليمنى فيختم به ترتيبها وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف أو وضع ظهر الكف على ظهر الكف فإن ذلك لا يقتضيه الطبع" (١٢٤). هذا الذي ذكره في الإِحياء انتقده المازري ورده بأنه "يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له مثل قوله في قص الأظفار أن تعبدأ بالسبّابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة إلى آخر ما ذكر من الكيفية وذكر فيه أثرا" (١٢٥).

стр. 142

والمنصف الذي يقف على كلام صاحب الإِحياء وما ذكره من تطويل في كيفية قص الأظفار وما صوره من صور هندسية في قلم الأظفار وقصها بصور متنوعة لا تفهم إلا بصعوبة يحكم أن ما رماه به صاحبنا وشنع عليه به هو عين الإِنصاف إذ أن ذلك ليس له مستند شرعي وحاشا الشرع الحكيم أن يذهب إلى ما ذهب إليه صاحب الإِحياء من تلك الصور الغريبة المترتبة على أمر من البساطة بمكان وهو إزالة أوساخ الأظفار. وليس هو أمرا عظيماً حتى تكون له هذه العناية البالغة المذكور في الإِحياء من البدء بالسبابة ثم الرجوع إلى إصبع أخرى ثم الانتقال إلى جهة أخرى مما هو من التفاهات. وما نفاه المازرى من أن ما ذكره الغزالي لا مستند له قد أيده الحافظ العراقي في كتابه المغني عن الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإِحياء من الأخبار: "حديث البداءة في قلم الأظفار بمسبحة اليمنى والختم بإبهامها وفي اليسرى بالخنصر إلى الإِبهام لم أجد له أصلاً". وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الردّ على الغزالي وشنع عليه (١٢٦). ثم إن انتقاده على الغزالي في اعتماد الأحاديث الضعيفة أو الأحاديث التي لا أصل لها ليس مقصوراً على قلم الأظفار بل كان انتقاده عاماً حسبماً نقله عنه ابن السبكي في الطبقات. ثم ذكر توهينه ما في الإِحياء من الأحاديث. وقال: عادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، قال الشافعي، فيما لم يثبت عندهم. إن انتقاده هذا وجيه حيث إنه أورد أحاديث واهية مع أن المتورع يتحرج من إيراد أقوال الأئمة مثل مالك والشافعي إذ لم يثبت شيء منها عنده فما بالك بحديث النبيء ﷺ فالتورع عن إيرادها أشد من غيرها.

стр. 143

وما انتقده المازري انتقده كذلك الحافظ ابن الجوزي في منهاج القاصدين: "فاعلم أن في كتاب الإِحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة وإنما نقلها كما اقتراها (١٢٧). لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع والاغترار بلفظ مصنوع". وكيف أرتضى لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله ﷺ . وكيف تؤثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به ما لا حاصل له: من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابي المسمى تلبيس إبليس (١٢٨). وإذا نظرنا إلى الانتقادين الموجهين إلى الإِحياء نرى أن صاحبنا عبر بعبارة لطيفة وهي أن التورع يمنع صاحبه عن أن يعزو إلى الأمة ما لم يقولوه فضلاً عن إيراد الأحاديث الواهية. والتورع معناه: التحرج وليس هناك لفظة ألطف في الانتقاد من هذه لأنه لم يهجم عليه الهجوم العنيف في إيراد الأحاديث الموضوعة أو الموقوفة مع أنه يرويها مرفوعة وإنما قصارى ما عبر به أنه كان الحري به أن يتحرج من إيراد تلك الأحاديث حتى لا يدخل في زمرة الذين ورد فيهم تشديد الوعيد. وإذا نظرنا إلى ابن الجوزي نراه لم يترك في كنانته سهماً انتقادياً إلا رماه به إذ يقول: "في كتاب الإِحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة". فقد جرد كتاب الإِحياء من كل فضيلة إذ نسب إليه

стр. 144

الآفات ولم يقتصر على آفة واحدة وإنما جعله مصدر الآفات ثم إنه جعل أقل الآفات الأحاديث الباطلة. وإذا كانت الأحاديث الباطلة أقلها فما هي البقية وما عظمتها. وهذا تهويل من ابن الجوزي وحط من الإِحياء حيث إنه لم يكن بالدرجة التي وصفه بها بل هو كتاب له قيمته وله تأثيره وله إصلاحه وإنما لم يسلم من انتقادات في طالعتها ما رواه من الأحاديث الواهية كما عبر عنها المازري. ثم إن هناك أشياء ليست بالدرجة التي تدعو إلى الإِعراض عن الكتاب ونبذه نبذا كلياً، فإن الإِلقاء به في سلة المهملات كما يرى ابن الجوزي خسارة عظمى. هذا الموقف الذي وقفه الرجل الأول وهو الغزالي في أشياء لا حقيقة لها في الشريعة الحكيمة ولا في الواقع. وبجانبه موقف آخر للمازري بعيد كل البعد عن هذا الموقف يتجلى فيه أن هذا الأخير يريد أن يبني الفقه على الواقعية دون الفروض التي هى خارجة عن ذلك. وها أنه لما صور بعض الفقهاء اجتماع صلوات مختلفة في وقت واحد أو أوقات متقاربة ذكروا ما يقدم منها على الصورة الآتية: ١) الفرض الذي خيف فواته. ٢) صلاة كسوف الشمس. ٣) صلاة العيد. ٤) الاستسقاء ويؤخر إلى يوم بعد يوم العيد. فأثار المازري حول هذا الترتيب إشكالاً، وهو أنه لا يصح اجتماع عيد وكسوف لأن الكسوف لا يكون إلا في آخر الشهر في التاسع والعشرين

стр. 145

منه. والعيد إما أن يكون في أول الشهر وهو عيد الفطر وإما أن يكون في العاشر منه وهو عيد الأضحى معللاً ذلك بما يذكره علماء الهيأة. والكسوف كما يعرفه علماء الفلك حجب جرم سماوي لآخر فيحدث كسوف الشمس حين مرور الأرض في الظل الذي يحدثه القمر باعتراضه بينها وبين الشمس ولا يستمر الكسوف وقتاً طويلاً وإنما يستمر وقتاً قصيراً ويكون في العادة الكسوف جزئياً وقد أحال علماء الهيأة اجتماعهما عقلاً لاختلاف وقتيهما كما اتضح. ومن أجل هذه الاستحالة التي قررها علماء الهيأة قال المازري: "لا يتفق هذا عادة ولا معنى لتصوير خوارق العادة إلا أن يراد معرفة فقه المسألة" (١٢٩). هكذا أراد إرجاع من يقول بذلك إلى الجادة. ثم إنه على عادته من التلطف لم ينكر الإِنكار البات فلذلك اعتذر لهم بأن يجوز في صورة معرفة فقه المسألة. وقد انقسم الفقهاء قسمين منهم من يناصر ما نادى به المازري وغيره، وهو القرافي فإنه بين وشرح ما ذهب عليه صاحب المعلم وغيره. وكذلك ابن عرفة حيث عبر عما لابن العربي في خلاف هذه المسألة بالزعم: "زعم ابن العربي بطلان كسوف الشمس بحيلولة القمر وكون خسوفه بدخوله في ظل القمر خلاف قول المازري والجماعة" (١٣٠). وأيد ما ذهب عليه المترجم ابن تيمية وقواه بأن ذلك مما اعتيد بخلق

стр. 146

الله تعالى ككون الشهر ثلاثين أو تسعاً وعشرين، بمعنى أنه لا منافاة بين ما وضعه علماء الهيأة وما جاءت به الشريعة الحكيمة لأن الله خلق أشياء وخلق لها نظامها فهي تسير على وفق ذلك النظام وطبقه فلا مدعاة لأن تهمل لأنه سبحانه أجرى العالم على نظام محكم لا خلل فيه. والقسم الآخر لا يرى رأيه وهو ما ذهب إليه ابن العربي وذلك أنه لما تكلم على كسوف الشمس تعرض لرد قول علماء الهيأة غير متعرض للمسألة الفقهية وهي الترتيب بين العيد والكسوف الشمسي. فبعد أن ذكر قول من يقول: إن الكسوف أمر معقول رد عليهم وافتتح رده بقول الشاعر: كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ الله لَا تَعْرِفُونَهَا ... مَتَى حَاضَ حُجْرَاهَا وَضَلَّ فُؤَادُهَا ثم رد قول علماء الهيأة بسبعة أجوبة. ومنها: أن لكل واحد مجرى فلا يعدو مجراه. ولم يقبل ابن عرفة ما ذهب إليه ابن العربي ورد عليه بكلام المازري المتقدم. فقد رأينا أن بين الموقفين للغزالي والمازري متباينا وإن كان كل منهما تكلم في مسألة غير مسألة الآخر إلا أن هذا أنموذج ندرك به الاختلاف والتباين بين موقفيهما في النظرة الشرعية. إنصاف وتحليل: لم ينتقد المازري الغزالي دون أن يتعرف عليه معرفة صحيحة بل بحث عنه بحث فاحص باحث فسأل عنه الكثير من تلاميذه كما قال: "فقد رأيت تلامذته وأصحابه فكل منهم يحكي لي نوعاً من حاله وطريقته فأتلوح

стр. 147

بها مذهبه وسيرته ما قام لي مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حال الرجل وحال كتابه" (١٣١). ودعاه إلى التعرف على تلاميذه وأصحابه أنه لم يطلع إلا على كتاب الإِحياء خاصة دون غيره من كتبه وقد صرح بهذا فيما جاء عنه: "ومصنف الإِحياء هذا الرجل (أي الغزالي) وإن لم أكن قرأت إلا كتابه فقد رأيت إلخ ... " (١٣٢). فإنه لم يكتف بمطالعة الإِحياء ليعطي رأيه فيه بل أضاف إلى ذلك شيئاً آخر وهو مسألة عارفيه لأنه يرى أن مطالعة كتاب واحد من كتب مثل الغزالي لا مقنع فيها لكثرة تآليفه وتنوعها فلا بد من إحاطة شاملة بما ألفه حتى يحكم عليه. وبعد فحصه عنه في كتابه وتلاميذه ذكر جملة وإن كانت مختصرة فهي في الواقع تعريف بما تقلب فيه الغزالي: "فأنا أقتصر على ذكر الرجل وذكر حال كتابه وذكر جمل من مذاهب الموحدين والفلاسفة والمتصوفة وأصحاب الإِشارات فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق لا يعدوها" (١٣٣).

стр. 148

فالغزالي عند المازري صورة من آراء الموحدين مع الفلاسفة والمتصوفة فهو متأثر بكل ذلك يدور في فلكهم، ويقتبس من أولئك وأولئك. وبالطبع أن يتأثر الشخص بما يقف عليه ويدرسه فإنه وإن حاول التخلص من ذلك فإنه لا يستطيع أن يخلص نفسه منه كله إذ تعلق فكره بالبعض لا مناص منه، وترقى المازري فذكر أن الغزالي متأثر برسائل إخوان الصفاء وابن سينا، وقد نازعه السبكي نافياً تأثره بذلك. وتحليله هذا لصاحب الإِحياء قد أنصف في بعضه وكان غير ناظر إليه بالعين التي ينبغي أن ينظر بها إليه في البعض الآخر، وذلك في اتهامه الأخير بأنه متأثر بإخوان الصفاء مع أنه بعيد عنهم كل البعد. بين المازري والسبكي: أراد التاج السبكي أن ينتصر للغزالي برد كلام المترجم مع الطرطوشي حيث إن كلا منهما انتقد الإِحياء وصدَّر ردَّه بأنهما إنما حملا على الغزالي وكذلك الإِمام الجويني صاحب البرهان لأن هذين الأخيرين قد بلغا في العلم والدقة فيه منزلة عظيمة فربما خالفا الأشعري في آرائه والمغاربة ومنهم الطرطوشي والمازري لا يقبلان نقداً في آراء الأشعري، ولا يرون مخالفة أبي الحسن الأشعري في نقير ولا قطمير. ثم إن المذكورين ضعفا مذهب مالك في كثير من المسائل كما فعلا في مسألة المصالح المرسلة كذلك ضعفاه عند ذكر الترجيح بين المذاهب فعند التاج السبكي أن هذين الأمرين نفرا المازري بالخصوص منهما فنقدهما وبالأخص الغزالي. فالتاج السبكى يُرجع انتقاد المازري للغزالي إلى المخالفة المذهبية في الأحكام حيث إن الأول مالكي والثاني شافعي وهو يضعف مذهب مالك، فلذا حمل عليه بهما أن الأول شديد في أشعريته بينما الثاني يخالفه في بعض النظريات.

стр. 149

وما ذهب إليه التاج السبكي من هذا التعليل بعيد كل البعد لأن انتقاد المازري ليس متوجهاً في هاتين الناحيتين، وإنما هو متوجه نحو ناحية خارجة عنهما وهي رواية الأحاديث الواهية دون تثبت فيها بإثبات ما ثبت إسناده، ورد ما لم يثبت. فأي دخل في المذهبية واختلافها في هذه المسألة، وقصارى ما ذكره المترجم نقداً للإِحياء هو أن التورع يقتضي أن يتحَرَّى غاية التحري في الرواية حتى لا يُنسب قول إلى النبيء ﷺ وهو لم يصدر عنه، والتشديد في الوعيد في التساهل في أمر الحديث لا يخفى. ثم إن المازري في رده عليه لم ينسب إليه الوضع والكذب على رسول الله ﷺ لأنه بريءٌ من هذا وإنما لم ينقد ما رواه فجاءت بعض الأحاديث مروية في كتابه الإِحياء وهي محل نظر. وحاشا المازري أن يحط من مقام عالم مصلح مثل الغزالي وإنما مراده أن هذا الكتاب لو نقي من الأحاديث الواهية والنظريات التي رآها مجارية للفلسفة وغيرها مما لا يرتضيه لكان حريا بالإقبال عليه. ولو أردنا تقريب المسافة بين التاج السبكي وصاحبنا لا تّضح لنا أن الأول يرى أن تلك النقائص في الإِحياء لا تشينه ولا تمنع من مطالعته على علاته إذ هي من قبيل ما لا تسلم منه المؤلفات حسبما ذكره والده جواباً عن انتقاد ابن الصلاح وغيره على الغزالي. واللائق بابن الصلاح وأمثاله أن يشكر الله على ما أنعم به من الخير، وما قيض الله له من الغزالي، وأمثاله الذين تقدموه حتى حفظوا له ما يتعبد به وما يشتغل به، وما يحتمل هذا الموضع بسط القول في ذلك وإذا كان في الإِحياء أشياء يسيرة تنتقد لا تدفع محاسن أكثره التي لا توجد في كتاب

стр. 150

غيره. وكم من منة للغزالي، وسواء عرف من أخذ عنه التصوف أم لا فالاعتقادات هي هبة من الله تعالى ليست رواية (١٣٤). وأن الثاني يرى أن الأشياء المنتقدة تحط من قيمة الكتاب رغم ما فيه من محاسن فهي جديرة بالحذف والطرح لأنه قد حاسب بدقة غلطات الإِحياء لما سئل عن الكتاب وبالطبع أن السؤال يرمي إلى أنه كتاب يمكن الاعتماد عليه في الدين والتعبد بمقتضاه أو لا فأبدى رأيه فيه. تحقيق: ولتحقيق اختلاف الاتجاهين نشرح باختصار نظرية المنتقِد (بالكسر) ونظرية المنتقَد (بالفتح). أما الأول فإنه يحب التمسك بالسنة الصحيحة ويجاريها في النقير والقمطير دون أن يحيد عنها قيد أنملة مع تفتح عقلي لا يخرج بصاحبه عن المبادىء المسطرة والمستخرجة من الكتاب الكريم والسنة النبوية ولهذا نراه كثير التوفيق بين النقل والعقل وهو ما انبنى عليه الإِسلام لأنه ما كانت المبادىء الإِسلامية في كثيرها وقليلها مخالفة لما منحنا الله من عقل سليم تفضلاً منه ومنة. وهو في علمه الانسجامي لا يلتقي مع التصوف وما جاء به من آراء شاذة بقطع النظر عن التصوف السليم من الغموض والقول بالوحدة الوجودية والتصوف المرتطم في ذلك حتى ذهب بأصحابه إلى الغلوّ بل إلى الاقتراب من المروق من الدين. فعدم الالتقاء مع التصوف مهما كان نوعه جعل منتقد الإِحياء ينحي باللائمة على صاحب كتاب الإِحياء في مزجه الإِسلام بالتصوف فهو يريده إِسلاماً مجرداً من كل شائبة وإِسلاماً خالصاً من كل ما يعلق به مما يراه خارجاً عنه، ويريده كما أستخلصه الإِمامان مالك والأشعري صافياً غير

стр. 151

ممزوج بشيء كالماء النمير، فكما لا نقبل الوضوء بما يخالط الماء ولو كان عطراً كذلك لا نقبل الدين إلا كما هو بدون مزجه بأي شيء. وإنما وقف منتقد الإِحياء عند ما حدده الإِمامان مالك والأشعري لمحافظتهما على روح الشريعة بدقة بدون إدخال شيء خارجي عنها وإن كان لا يمس بجوهرها. والنظرية المذكورة نظرية شدة التمسمك بالمفاهيم القرآنية والحديثية هى التي لا تبتعد عن المبادىء الأساسية التي حددتها الشريعة. وأما الثاني: وهو الغزالي فإنه وإن كان واقفاً عند ذلك إلا أنه تأثر غاية التأثر في كتابه الإِحياء بشيء يراه غيره من الفقهاء ليس من علوم الشريعة وهو التصوف لأنه يرى أن العبادة إن كانت خالية منه كانت خالية من الحياة بل يرى أن الدين كله لا فرق بين عبادات ومعاملات لا حياة له إلا بالتصوف لأنه يراه هو السبيل الوحيد للانتفاع بالعلم دون غيره ومن لم ينتفع بعلمه اندرج في سلك الذين جاء في حقهم الحديث النبوي المروى عن أبي هريرة ﵁: "أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ الله سُبْحَانَهُ بِعِلْمِهِ"، والوصول إلى الانتفاع بالعلم هو الإِخلاص لله لأن "ما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد" (١٣٥). وهذا ما لا يخالف فيه المازري ولا يرده وإنما يختلفان في نقطة الوصول إلى الإخلاص، فالغزالي يراه من طريق التصوف وهو يراه من غير ذلك. ويوضح رأي من يرى السلوك التصوفي أن الطريق وعرة ولا بد فيها من دليل مرشد خرّيت وإلا تاه السائر وذهبت به بُنيات الطريق في غير ما يريد ووقع في حيص بيص، ويعبر عن هذا ما جاء في أول كتابه: "وسلوك طريق الآخرة

стр. 152

مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب، ومكد، فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسّمون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان. واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد منهم بعاجل حظه مشغوفاً، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، حتى كان علم الدين مندرسا، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً" (١٣٦). ولما كانت الحال على هذه الصفة في المشرق كما يراها الغزالي احتاج إلى أن ينصب لمريدي الآخرة عَلَمًا يهتدون به كي لا يضلوا ويصبحوا على ما قدموا نادمين حيث ضاعت الأعمال سبهللا لان الأعلام المهتدى بها قد ضلت وأضلت، وهم العلماء المتكالبون على الدنيا. والعَلَم الذي نصبه هو كتاب الإِحياء فجعله صوى يهتدى به، فتتابع الخطوات في هدى ونور كما عبر عنه: "فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة وعلماً وضياء ونوراً، وهداية، ورشدا فقد أصبح من بين الخلق مطوياً، وصار نسياً منسياً. ولما كان هذا ثلماً في الدين ملما، وخَطْبا مدلهما، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما، إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين، وإيضاحاً لمناهل العلوم النافعة عند النبيئين والسلف الصالحين" (١٣٧). ولعل المازري يرى أن طريق الخلاص كما يراه الفقهاء السلفيون وهو ما كان عليه علماء لمتونة الذين أمروا بإحراق الإِحياء واستحلفوا. الناس عليه لأنهم يرون أنه مخالف لما جرى عليه منهاج السنة منذ العهد النبوي ثم ما تمسك به مالك وأصحابه وبالأخص الأفارقة كسحنون الذي مثل المذهب المالكي في أجلى مظاهره وأتم صوره حتى أصبح ماثلاً للأعين في

стр. 153

غير حاجة إلى ما يلم شتات المذهب إلا في القليل النادر وهو ما ذهب عليه علامة المذهب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي القيرواني فإنه كان يذهب إلى إنكار كرامات الأولياء ولكنه كان لا ينكر سائرها، وإنما ينكر بعضها كما اعتذر عنه القاضي أبو بكر الباقلاني (١٣٨). ويدل على أن ابن أبي يزيد لم يذهب إلى إنكارها بتاتاً وإنما أنكر تلك الكرامات التي لم تثبت صحتها، والتي هي من قبيل المخارق التي يدعيها الكذّابون. أما استجابة الدعاء فذلك مما لا ينكره. ولهذا ألّف كتاباً في كرامات الأولياء كما قال الدباغ في المعالم (١٣٩). فالطريقة المازرية هي طريقة الفقهاء الذين يقفون عند الحدود الظاهرة من الشريعة، ولا يذهبون إلى الأذواق التي يراها المتصوفة وهم فيها بين متغال ومعتدل ومن الصنف الأخير الغزالي. والتحقيق أن لكلّ وجهة، ونظرة تختلف عن نظرة الآخر وإذا أردنا أن نحكم لهؤلاء أو هؤلاء نذهب إلى أن التصوف كالملح في الطعام فإن الإِكثار منه يملح الطعام وانعدامه يجعله كَفْنًا (١٠٤) لا يستسيغه الحلق. فلذلك كان التَّصوف الإِكثار منه يفسد الشريعة وربما يُخرج إلى الحلول، والإِقلال منه يقصي القلب ويجعله ربما ينسي الآخرة إذا قامت المغريات وهاجت الفتن.

стр. 154

المعلم بفوائد مسلم صحيح مسلم انبنى المعلم على شرح صحيح مسلم، ومن الضروري قبل التكلم على المعلم أتى نتحدث على مسلم وصحيحه. الإِمام مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القشيري النيسابوري. هو الإِمام الحافظ حجة الإِسلام، أحد حفاظ الدنيا، وكان أبو زرعة وأبو حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشائخ عصرهما. وابتدأ سماعه سنة ثماني عشرة ومائتين فأكثر عن يحيى بن يحيى التميمي (١)، والقعنبي أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة، وإسماعيل بن

стр. 155

أويس، وسعيد بن منصور أبي عثمان المرْوَزي، وعون بن سلام، وأحمد ابن حنبل وخلق كثير (٢). وذكر في الطبقات بعض من روى عن الإِمام مسلم: روى عنه الترمذي حديثاً واحداً. وروى عنه ابن خزيمة، وأبو عوانة وخلق سواهم. تحري مسلم: اعتنى مسلم بالعلل فلما يوجد له الغلط في ذكر الرجال، وإلى اعتنائه هذا أشار أبو عمرو بن حمدان حيث قال: "سألت ابن عقدة أيهما أحفظ البخاري أو مسلم؟ فقال: كان محمد عالماً، ومسلم عالم، فأعدت عليه مراراً، فقال: يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها، فربما ذكر الرجل بكنيته، ويُذكر في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين. وأما مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل. تآليفه: لمسلم تآليف عدّة: - أوهام المحدثين. - الجامع الصحيح. - رباعيات في الحديث، لم يذكره الذهبي في الطبقات. - طبقات الرواة، وذكره الذهبي بكتاب الطبقات. - كتاب الأسماء والكنى. - كتاب أفراد الشاميين. - كتاب الأفراد. - كتاب الأقران. - كتاب الانتفاع بأُهب السباع، وفي هدية العارفين بجلود السباع.

стр. 156

- كتاب أولاد الصحابة. - كتاب التاريخ، لم يذكره الذهبي في الطبقات. - كتاب التمييز، لم يذكره في هدية العارفين. - كتاب الجامع على الأبواب، قال الذهبي: رأيت بعضه. - كتاب السؤالات عن أحمد بن حنبل. - كتاب العلل. - كتاب حديث عمرو بن شعيب. - كتاب المخضرمين. - كتاب من ليس له إلا راو واحد. - كتاب الوحدان، وجاء في هدية العارفين الوجدان (بالجيم) وهو تحريف. - المسند الكبير على الرجال، قال الذهبي: ما أرى أنه سمعه منه أحد. - مشايخ الثوري. - مشائخ شعبة. - مشائخ مالك. وذكر كتبه الذهبي في الطبقات، وإسماعيل البغدادي، وقد أشرت إلى ما انفرد به كل واحد منهما. الجامع الصحيح: هو أحد الصحيحين اللّذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، والثالث من الأصول الستة (٣). قال بن الصلاح: جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب فهو

стр. 157

مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه أو وفاقه في الإِجماع (٤). أفاد النووي طرق مسلم في جميع الأحاديث: "سلك مسلم في صحيحه طرقاً بالغة في الاحتياط والإِتقان والورع والمعرفة، وذلك مصرح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه، وتفقده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع معارفه، وتبريزه في صناعته، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه التي لا يهتدي إليها إلا الأفراد في الأعصار" (٥). القطع بتأليف مسلم له: تواتر عن مسلم نسبة الجامع الصحيح له. فالعلم القاطع حاصل بأنه من تصنيفه حيث اتصلت الروايات بالإِسناد إلى مؤلفه، فالإِسناد بين المؤلف ورواة كتابه متعددة في طرق كثيرة مما أفاد ذلك العلم القاطع. من مميزاته: امتاز مسلم بسهولة مراجعاته، وذلك كما أشار إليه النووي في شرحه: "وقد تفرد (أي مسلم) بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولاً من حيث إنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها فاختار ذكرها: وأورد فيه أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها، وتحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه بخلاف البخاري" (٦). فجمعه للمتون كلها بطرقها في موضع واحد لا يفرقها في الأبواب من مميزاته. وكذلك يسوقها تامة، ولا يقطّعها في التراجم، ويحافظ على

стр. 158

الإِتيان بلفظها، ولا يروي بالمعنى حتى إذا خالف راوٍ في لفظة فرواها بلفظ آخر مرادف بيَّنه. وكذا إذا قال راوٍ: حدثنا، وقال آخر: أخبرنا، فإنه يبينه. ولم يخلط مع الأحاديث شيئاً من أقوال الصحابة ومن بعدهم حتى الأبواب والتراجم، كل ذلك حرصاً على أن لا يدخل في الحديث غيره فليس فيه بعد المقدمة إلا الحديث. أفاده السيوطي في الديباج. عدد أحاديثه: بلغت أحاديث الجامع الصحيح بالمكررات سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثاً كما أفاده في الحطة (٧). تراجمه وأبوابه: ألف مسلم كتابه مقتصراً فيه على الأحاديث كما أفدناه فلم يخلط بها التراجم والأبواب، كما صنع البخاري حتى قيل فقه البخاري في تراجمه، ومع ذلك لم يكن كتابه مختلطاً في أحاديثه بحيث يختلط باب بباب، وإنما هي مميزة إذ أنه حين وضع كتابه وضعه مفصلاً دون أن يذكر الأبواب فهو في الحقيقة مبوَّب. وما هو عليه اليوم من التبويب هو من وضع غيره. واعتنى بتبويبه جماعة ولذلك اختلفت تراجمه وأبوابه. وأشار إلى هذا الإِمام النووي في شرحه فذكر أن هذه التراجم بعضها جيّد، وبعضها ليس بجيد إما لقصور في العبارة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك. ثم إن الإِمام النووي اضطلع بوضع أبواب له فبين أنه حريص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها.

стр. 159

روايات مسلم اعتمد الإِمام المازري في صحيح مسلم روايات متعددة، لكنه اعتمد أساساً رواية الجُلُودي ، والرواية التي ثنى بها هي رواية ابن ماهان، ولم يغفل رواية الكسائي. رواية الجلودي: هذه الرواية منسوبة إلى الراوي أبي أحمد الجُلُودي، وهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الجُلُودي. والجُلُودي (بضم الجيم بلا خلاف) كما قال النووي: قال الإِمام أبو سعيد السمعاني: هو منسوب إلى الجُلُود المعروفة جمع جلد. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: هو عندي منسوب إلى سكة الجُلُوديين بنيسابور الدارسة، وهذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يمكن حمل كلام السمعاني عليه. قال النووي: وإنما قلت: إن الجلودي هذا بضم الجيم بلا خلاف،

стр. 160

لأن ابن السكيت وصاحبه ابن قتيبة ذكرا أن الجَلُودي (بفتح الجيم) نسبة إلى جَلُود قرية بإفريقية، وقال غيرهما: إنها بالشام، وأما أبو أحمد هذا فليس منسوباً إليها بل منسوب لما تقدّم. تلقيه: سمع أبا بكر بن خزيمة، وشيخه إبراهيم بن محمد بن سفيان. مذهبه: كان يتمذهب بمذهب سفيان الثوري ... وفاته: توفي يوم الثلاثاء (٢٤) من ذي الحجة سنة (٣٦٨)، وهو ابن ثمانين سنة فيكون ميلاده سنة (٢٨٨). تصوفه: قال الحاكم: كان أبو أحمد هذا الجُلودي شيخاً صالحاً زاهداً من كبار عباد الصوفية، صحب أكابر المشائخ من أهل الحقائق، وكان ينسخ الكتب، ويأكل من كد يده. روايته لمسلم: أفاد الحاكم ختم سماع صحيح مسلم بوفاته، وهو يروي عن ابن سفيان: وكلُّ من حدث بعد الجلودي عن ابن سفيان فليس بثقة. والجلودي لا يروي عن مسلم مباشرة، وإنما يروي عنه بواسطة شيخه ابن سفيان. وهو قد حدث عنه رواة منهم الفارسي، ومنهم الرازى، ومنهم السجزي. وله روايتان نقلتا عنه، إحداهما مشرقية وهي التي ذكرها الإِمام النووي في شرحه لمسلم، والأخرى مغربية. ١ - الرواية المشرقية: تبتدىء هذه الرواية بأبى إسحاق إبراهيم بن سفيان المروزي. وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري . قال الإِمام النووي: الفقيه الزاهد، ونقل عن الحاكم أبي عبد الله بن البَيّع: سمعت محمد بن

стр. 161

يزيد العدل يقول: كان إبراهيم بن محمد مجاب الدعوة، وكان من الصالحين، ومن العباد المجتهدين، وكان من الملازمين لمسلم بن الحجاج. وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأي، الفقيه الحنفي. سماعه ورحلاته: سمع إبراهيم بن سفيان في رحلات عدة، فسمع ببلده نيسابور وهي معدن الفضلاء، ومنبع العلماء كما سمع بالحجاز، والرّي، والعراق. روايته لصحيح مسلم: ذكر إبراهيم بن سفيان أنه سمع من مسلم صحيحه وفرغ من سماعه عنه في شهر رمضان سنة (٢٥٧) قبل وفاة مسلم بأربع سنين فهو قد سمعه منه في أخريات أيام حياته. وفاة ابن سفيان: قال الحاكم النيسابوري: توفي محمد بن إبراهيم في رجب سنة (٣٠٨) ولبقائه بعد مسلم بمدة طويلة رغب الناس في السماع منه (٨). رُواة ابن سفيان: رواه عنه جماعة منهم الجُلودي . ٢ - الجلودي: اشتهرت رواية ابن سفيان برواية الجُلودي، وهو قد تقدمت ترجمته وقد أخذ عنه جماعة منهم الفارسي . ٣ - الفارسي: هو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد ابن سعيد الفارسي الفَسَوِي ثم النيسابوري.

стр. 162

سماعه: وقد اشتهر برواية صحيح مسلم، وغريب الخَطَّابي في عصره، وسمع الخطابيَ وغيره من أهل عصره. وكان سماعه صحيح مسلم من الجلودي سنة (٣٦٥). فهذا السماع كان بعد وفاة مسلم بأزيد من مائة سنة لأن مسلما توفي سنة (٢٦١). الرواية عنه: كان مقصوداً من الآفاق سمع منه الأئمة والصدور، وقرأ عليه الحافظ الحسن السمرقندي نيفاً وثلاثين مرة صحيح مسلم. وقرأ عليه أبو سعيد البحيري نيفاً وعشرين مرة، وقرأ عليه من مشاهير الأئمة أبو القاسم القشيري، والواحدي. وفاته: توفي سنة (٤٤٨) وقد استكمل خمساً وتسعين سنة، وألحق أحفاد الأحفاد بالأجداد. وذكره حفيده أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل ابن عبد الغافر الفارسي الذي ترجم له الذهبي في طبقاته، وذكر له المفهم لشرح غريب صحيح مسلم، وكان أديباً. وقال حفيده هذا في حق جده المتقدم: كان شيخا ثقة صالحا صائنا محظوظاً من الدين والدنيا. ٤ - أبو عبد الله الفراوي: وهو أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الفراوي، ثم النيسابوري. منسوب إلى فراوة بليدة عن ثغر خراسان. ويجوز في فائها الفتح والضم، والفتح أشهر لاستعمال أهل الحديث له وكذلك غيرهم، وهو ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح. ونقل الفتح عن شَيخه أبي منصور ولد حفيد أبي عبد الله الفراوي، وحكى ضم الفاء أبو سعيد السمعاني في كتابه الأنساب، وكذا حكاه غيره. منزلته: قال النووي كان أبو عبد الله الفراوي ﵁ إماماً

стр. 163

بارعاً في الفقه والأصول فقد اختلف إلى مجلس إمام الحرمين، ولازم درسه وتفقه عليه وعلَّق عنه الأصول وصار من جملة المذكورين عن أصحابه. كما أخذ عن أبي الحسين عبد الغافر روايته . الرواية عنه: كان كثير الروايات بالأسانيد الصحيحة العالية، ودعت وفرة رواياته رحلة الطلبة إليه مع أسانيده العالية وطول عمره فإنه عاش تسعاً وثمانين سنة، وانتشرت الروايات عنه (في الأقطار حتى قالوا: للفراوي ألف راوي. رحلاته: رحل إلى حرم مكة وانتشرت الروايات عنه وشاعت حتى قيل له فقيه الحرم، وكذلك أفاد بحرم المدينة. روايته لمسلم: كما اتضح من أنه توسع في الرواية، وأقبل الناس عليه اشتهرت روايته لمسلم فقد رواه عن شيخه أبي الحسين عبد الغافر الفارسي في السنة التي توفي فيها الشيخ عبد الغافر الفارسي، وهي سنة (٤٤٨) بقراءة أبي سعيد البحيري. وممن رواه عنه ولد حفيده أبو القاس أبو بكر أبو الفتح منصور. وفاة أبي عبد الله الفراوي: توفي سنة (٥٣٠) وميلاده سنة (٤٤١). ٥ - ولد حفيده: أبو منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن أبي عبد الله محمد الفراوي صاحب الكنى المتقدمة. روايته: كان شيخاً مكثراً، ثقة، صحيح السماع. روى عن أبيه، وجده، وجد أبيه. وهو شيخ شيخ الإِمام النووي، وقد أخذ عنه أبو إسحاق الواسطي. مولده ووفاته: ولد في (٥٢٢) وتوفي سنة (٦٠٨).

стр. 164

٦ - أبو إسحاق الواسطي: وهو أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي. عرّف به تلميذه الإِمام النووي بأنه كان من أهل الصلاح والمنسوبين إلى الخير والفلاح، معروفاً بكثرة الصدقات وإنفاق المال في وجوه المكرمات، ذا عفاف وعبادة ووقار وسكينة وصيانة بلا استكبار. وفاته: توفي بالإسكندرية سنة (٦٦٤). ٧ - الإِمام النووي: أبو زكرياء يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين الحِزَامي النووي محيي الدين. منزلته وتآليفه (٩): امتاز الإِمام النووي بمنزلتين ممتازتين في العلم والصلاح. أما علمه فكما قال ابن السبكي: شيخ الإِسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين. كان إماماً في الحديث ومتعلقاته، ففاق في ذلك كله حتى كانت مؤلفاته عمدة الدارسين والباحثين محررة مع التدقيق في العبارة السهلة العذبة. وشرحه على مسلم طار في الآفاق، وأقبلت عليه أجيال. وقد جمع فيه زبدة الشروح المتقدمة عليه مثل شرح المازري والقاضي عياض وغيرهما مع أنه لم يخله مما أتى به من تحريراته. ومن كتبه النفيسة تهذيب الأسماء واللغات، وهو في أربعة أجزاء يعد في الأسماء واللغات من عمدة الكتب في الناحيتين: الأسماء واللغات.

стр. 165

وقد اشتهرت الأربعون حديثاً من كتبه واعتنى بها بعض الكاتبين عليها حتى أنها أصبحت زاداً للراغبين في الحديث من أول الكتب التي يعتنون بها، والكاتبون عليها كثرة. واشتهر له كتابان آخران وهما رياض الصالحين وهو كاسمه رياض للصالحين، وحلية الأبرار المعروف بالأذكار النووية، وكلاهما مما أقبل عليه الكثير. ومؤلفاته ستون ذكرها السخاوي في مؤلفة الذي استوفى فيه أحوال الإِمام النووي. تلاميذه: سمع منه خلق كثير من العلماء والحفاظ والصدور والرؤساء. وتخرج به خلق كثير من الآفاق، وسار علمه وفتاويه في البلدان. وقد أفرد الكثير ترجمته بالتأليف. ميلاده ووفاته: ميلاده في نوا من قرى حوران في العشر الأوسط من المحرم سنة (٦٣١)، وتوفي في الرابع عشر من رجب سنة (٦٧٦). الرواية المغربية: لم نظفر برواية المازري لمسلم فاكتفينا برواية القاضي عياض، ونظن أنها تتفق مع رواية المازري لأن القاضي عياضاً أخذ رواية الجُلودي عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي، وهي تتفق مع رواية الإِمام المازري، كما أخذ رواية الرازي وهي التي اعتمدها المازري أيضاً وقد تقدمت ترجمة إبراهيم ابن سفيان وكذلك رواية الجلودي في ذكر الرواية المشرقية. * أبو العباس الرازي: هو أبو العباس أحمد بن الحسن بن بندار بن عبد الرحمن بن جبريل الرازي. أخذ عنه أبو العباس العذري حين رحل الأخير إلى المشرق. ذكر ذلك الضبي في بغية الملتمس (ص ١٨٣).

стр. 166

* أبو العباس العذري (١٠): أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس الأندلسي الدلائي من دلاية. وهي ولاية من عمل المرية. وصف بالحفظ والإِتقان وكان من رجال الحديث. رحلته: رحل إلى الحج مع أبويه، وجاور ثمانية أعوام، وكان من أصحاب أبي ذر فتخرج به. ومن شيوخه بالمشرق أبو العباس الرازي، وأبو الحسن بن جهضم، كما أخذ عن أبي حفص الثمانيني. تلاميذه: أبو على الصدفي ، وابن عبد البر، وابن حزم. مؤلفاته: دلائل النبوة. وفاته: توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٤٧٨). * أبو علي الصدفي (١١): من رواة العذري. القاضى الشهيد هو أبو على حسين بن محمد بن فيّره بن حيون بن سكرة الصدفي ويعرف بابن سكرة. من أهل سرقسطة. سكن مرسية. روايته ورحلته: من المكثرين للرواية أخذ عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي العباس العذري سمع منه ببلنسية.

стр. 167

ورحل إلى المشرق فسمع من الكثير ومنهم أحمد بن الحسين بن خيرون مسند بغداد، وأبي فراس طراد بن محمد الزينبي، وأبي عبد الله الحميدي. وسمع بمصر من القاضي علي بن الحسين الخِلَعِي. تحديثه: قعد بمرسية يحدث بها، ورحل الناس من البلدان إليه وكثُر سماعهم عليه ومنهم القاضي عياض. وكتب بخطه صحيح البخاري في سِفْر، وصحيح مسلم في سِفْر، وكان قائماً على الكِتابين. وأخرج له القاضي عياض معجماً ل تلاميذه . وكذلك ابن الأبّار. استشهاده: استشهد في واقعة قتندة بثغر الأندلس سنة أربع عشرة وخمسمائة (٥١٤). ومن رواة العذري الذي روى عنه أبو علي الصدفي كما تقدم. * أبو بحر بن العاص (١٢): من رواة العذري، أبو بحر سفيان بن العاص بن أحمد بن العاص الأسدي. سكن قرطبة. شيوخه: روى عن أبي عمر بن عبد البر الحافظ، وأبي العباس العذري وأكثر عنه، وأبى الليث السمرقندي، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبى الوليد هشام بن أحمد الكناني واختص به. منزلته: كان من أهل الرواية والدراية سمع الناس عنه، وكان ضابطاً لكتبه، صدوقاً في روايته. تلاميذه: سمع الناس منه كما قال ابن بشكوال في كتابه ومن هؤلاء

стр. 168

الذين سمعوا منه ابن بشكوال قائلاً في تاريخه: واختلفت إليه وقرأت عليه وسمعت كثيراً من روايته، وأجاز لي بخطه سائرها غير مرة. ومن جملة الآخذين عنه القاضي عياض ، وقد ذكره في سنده لكتاب مسلم، كما ذكر في الغنية أنه من شيوخه . ميلاده ووفاته: ولد سنة (٤٤٠)، وتوفي سنة (٥٢٠). وسنه ﵀ ثمانون سنة. القاضي عياض: روى مسلما عن ابن سكرة، وأبي بحر سفيان بن العاص، وقد تقدمت ترجمته. رواية عبد الغافر الفارسي: ومن روايات القاضي روايته عن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن أبي إسحاق إبراهيم ابن سفيان: وهي رواية تتفق مع رواية الإِمام النووي وكلاهما قد تقدمت ترجمتهما ولكنها تختلف بعد أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي. فقد روى عن أبي الحسين المتقدم. * نصر السمرقندي (١٣): وهو أبو الفتح: وأبو اللّيث نصر بن الحسن بن أبي القاسم بن أبي حاتم ابن الأشعث السِّكِشِي (١٤) (بكسر السين والكاف والشين المعجمة) نسبة إلى سكة سِكِش بنيسابور. شيوخه: روى عن عبد الغافر بن محمد العدل صحيح مسلم بن

стр. 169

الحجاج، وعن أبي بكر أحمد بن منصور المغربي، وعن أبي بكر أحمد ابن، ثابت الخطيب. وسمع ببلنسية، إذ قدمها، من أبي العباس العذري، وأبي الحسن طاهر بن مفوز، والقاضي ابن المطرف بن حجاب. الرواية عنه: أخذ عنه أبو بحر سفيان بن العاص، وحدث عنه. وممن حدث عنه القاضي عياض، وابن بشكوال، قال: أخبرنا بجميع ما رواه. وذكر أبو بحر أن نصرا السمرقندي دخل الأندلس سنة ثلاث وستين تاجراً، وصدر عنها سنة ست وستين وأربعمائة. وصفه: وصفه أبو بحر شيخ ابن بشكوال بأنه كان عظيم اليسار، كريم النفس، منطلق اليد بالعطاء، كثير الصدقات. رواية الحميدي عنه: قال الحميدي: نصر بن الحسن نزيل سمرقند دخل الأندلس وحدث بها بكتاب مسلم بن الحجاج في الصحيح. وسمع هناك من أبي العباس العذري وجماعة من المشائخ ولقيه الحميدي ببغداد وسمع منه. ووصفه الحميدي بأنه كان رجلاً مقبول الطريقة، مقبول اللقاء، ثقة فاضلا. وكذلك وصفه بالثقة غير الحميدي. مولده ووفاته: ذكر الحميدي أنه أخبره بميلاده سنة من وأربعمائة. وأما وفاته فذكر ابن بشكوال أنه بلغه أن وفاته سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وإنما الصحيح ما جاء في شذرات الذهب من أن وفاته سنة من وثمانين وأربعمائة (٤٨٧) عن ثمانين سنة. وأخذ عن أبي الفتح السمرقندي المتقدم أبو بحر سفيان الذي تقدمت ترجمته.

стр. 170

* أبو علي الحسين بن علي الطبري (١٥): ممن أخذ عن أبي الحسين عبد الغافر الراوي عن ابن سفيان. جاء في شذرات الذهب: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين. وصفه: وصف بالفقيه الشافعي وبمحدث مكة ونزيلها، والمعرفة بمذهب الأشعري. شيوخه: تفقه على ناصر العمري بخراسان، وعلى القاضي ابن الطيب ببغداد. ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حتى برع في المذهب والخلاف وصار من عظماء أصحابه. وروى عن عبد الغافر بن محمد الفارسي صحيح البخاري هذا ما ذكره في الشذرات وكذلك روى عنه صحيح مسلم. تدريسه بالنِّظامية ومكة المكرمة والمدينة المنورة: درس بالمدرسة النّظامية نظامية بغداد قبل الغزالي ودرس بالحرمين الشريفين. ولقب كذلك إمام الحرمين لأنه جاور بمكة نحو ثلاثين سنة يدرس ويفتي ويسمع. محنته: جرت له فتن وخطوب مع هياج ابن عبيد وأهل السنة بمكة. مؤلفاته: ألف كتاب العدة في خمسة أجزاء ضخمة. وفاته: توفي بمكة سنة تسع وتسعين وأربعمائة (٤٩٩).

стр. 171

* أبو محمد بن أبي جعفر (١٦): وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخشني المعروف (بابن أبي جعفر) وأخذ عن أبي علي الطبري. منزلته: كان شيخ فقهاء وقته بشرق الأندلس، وأحفظهم للمذهب مع المعرفة بالتفسير لكتاب الله، والتفنن في المعارف، والمشاركة في علوم، بهذا وصفه القاضي عياض في الغنية. شيوخه: سمع أباه محمد بن عبد الله الخشني، وأبا القاسم الطرابلسي، وأبا الوليد الباجي، وابن سعدون القروي. ولقى فقهاء طليطلة وقرطبة. رحلته: سمع بمكة من أبي عبد الله الطبري كتاب مسلم. الرواية عنه: من أخص من روى عنه القاضي عياض. لقيه بسبتة عند صدوره من الحج، ثم لقيه ببلده مرسية فقرأ عليه جميع كتاب مسلم بن الحجاج، وقرأ عليه كتاب المُلخص للقابسي كما أخذ عنه كتاب الشهاب للقُضَاعي، وحضر عنده مجالسه في المناظرة في المدونة. ميلاده ووفاته: ولد سنة سبع وأربعين وأربعمائة (٤٤٧). وتوفي بمرسية سنة ست وعشرين وخمسمائة (٥٢٦). * ومن الآخذين عن الجلودي أبو سعيد السّجْزِي: أبو سعيد عمر بن محمد السجزي قال القاضي عياض السجزي منسوب إلى سجستان والسجزي (بالكسر والسكون) وهذه النسبة على غير قياس، وأسمع بمكة وفيها تلقى عنه من يأتي.

стр. 172

* وعن أبي سعيد السجزي هذا أخذ أبو محمد الشنتجيالي (١٧): هو أبو محمد عبد الله بن سعيد الأموي الشنتجيالي. سماعة: سمع بقرطبة من أبي عمر الطلمنكي وغيره. رحلته: رحل إلى المشرق سنة (٣٩١) فسمع بمكة من أبي القاسم السقطي، وأبي الحسن أحمد بن فراس. وصحب أبا ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ، واختص به وأكثر عنه. ولقي أبا سعيد السجزي فسمع عنه صحيح مسلم. مكانته: وصفه أبو المطرف بأنه كان خيراً عاقلاً حليماً جواداً زاهداً متبتلاً، منقطعاً إلى ربه منفرداً به ... رحل إلى مكة وجاور بها أعواماً. حكي عنه أنه كان يسرد الصوم. رجوعه إلى الأندلس: ورجع إلى الأندلس في سنة (٤٣٠). ولحق بقرطبة سنة (٤٣٣) فَقُرِىء عليه مسند مسلم بن الحجاج الصحيح في نحو جمعة بجامع قرطبة. وفاته: توفي سنة (٤٣٦) بقرطبة. * وأخذ عن الشنتجيالي أبو حفص الهوزني: أبو حفص عمر بن الحسن بن عمر بن عبد الرحمن بن عمر الهوزني من أهل إشبيلية. شيوخه: أخذ ببلده عن أبي بكر العواد، وأبى القاسم بن عصفور،

стр. 173

وابن الأحدب، وابن قابوس، وأبي محمد الشنتجيالي، وأبي عبد الله الباجي. رحلته: رحل إلى المشرق سنة (٤٤٤). منزلته: كان متفننا في العلوم وقد أخذ من كل فن بحظ وافر، مع ثقوب فهمه وصحة ضبطه. مولده ومقتله: ولد في سنة (٣٩٢). وقتله المعتضد بالله عباد بن محمد ظلماً بقصره بإشبيلية ودفنه بثيابه وقلنسوته، وهيل عليه التراب من غير غسل ولا صلاة. ﵀ وذلك سنة (٤٦٠). * وأخذ عن الهوزني: أبو عبد الله محمد: وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخشني. قال القاضي: كان مفتي موضعه مع ابنه. تلقيه: تلقى عن أبي حفص الهوزني. وفاته: توفي سنة (٤٩٤). * وأخذ عنه ابنه المعروف بابن أبي جفر (١٨): أبو محمد عبد الله وتقدمت ترجمته. * وعن أبي محمد أخذ القاضي أبو الفضل عياض . * وممن أخذ عن السجزي: حاتم الطرابلسي (١٨م): أبو القاسم حاتم بن محمد بن عبد الرحمان بن حاتم التميمي يعرف بابن الطرابلسي. وأصله من طرابلس الشام. وهو من أهل قرطبة.

стр. 174

مشيخته بالأندلس: أخذ عن أبي حفص بن حسين بن نائل، وأبي بكر التجيبي، والقاضي أبي المطرف بن فطيس، ومحمد بن عمر بن الفخار، وأبي عمر الطملنكي وغيرهم. رحلته إلى المشرق والقيروان: كانت رحلته إلى القيروان سنة (٤٠٢) وبقي بالقيروان عند أبي الحسن القابسي الفقيه، ولازمه في السماع والرواية حتى سمع عليه أكثر روايته إلى ان توفي الشيخ أبو الحسن في جمادى الأولى سنة (٤٠٣). فرحل إلى مكة حرسها الله وأخذ عن أحمد بن إبراهيم بن فراس وكان أحد المسندين الثقات ولقي أبا سعيد السجزي راوي كتاب مسلم فحمله عنه. عودته إلى القيروان: وعاد إلى القيروان سنة (٤٠٤) وبقي بها في مقابلة كتبه، وانتساخ سماعاته من أصول الشيخ أبي الحسن. وأخذها عن أبي عبد الله محمد ابن مناس القروي، وأبي جعفر محمد بن مسمار. وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن سفيان المقري كتاب الهادي في القراءات. وجالس أبا عمران الفاسي، وأبا بكر بن عبد الرحمان الفقيه، وأبا عبد الملك مروان بن علي البوني. قال ابن بشكوال: وأخذ عنهم كلهم، وهم جلة أصحابه عند أبي الحسن القابسي. منزلته: كان شيخاً جليلاً فاضلاً، وكانت كتبه في نهاية الإِتقان. وقال في شذرات الذهب: مؤرخ الأندلس ومسندها. الرواية عنه: أخذ عنه الكبار والصغار لطول سنه.

стр. 175

مولده ووفاته: ولد سنة (٣٧٨) وتوفي سنة (٤٦٩). * وأخذ عن أبي حاتم الطرابلسي: الغساني، و ابن عتاب: وقد ذكرت ترجمة أبي علي الغساني صاحب تقييد المهمل وتمييز المشكل في بحث مصادر المعلم. ابن عتاب (*): أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن الجذامي. سمع أباه، وأبا القاسم الطرابلسي. وأجازه جماعة: منهم أبو عمر بن الحداد، وأبو محمد السنتجيالي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر السفاقسي، وأبو مروان بن حبان. منزلته: وصفه القاضي عياض بأنه كان قائماً على الفتوى، عارفاً بالنوازل. تأليفه: شفاء الصدور، وهو كتاب في الرقائق. الرواية عنه: كانت الرحلة إليه للسماع لعلو سنده وانقراض طبقته آخر عمره بقرطبة. وممن روى عنه القاضي عياض. ميلاده ووفاته: ولد سنة (٤٣٣) وتوفي سنة (٥٢٠). وأخذ عنه بهذا السند رواية السجزي القاضي عياض. رواية الكسائي وهي من الروايات التي اعتمدها المازري كرواية الجُلودي. وهذا سند القاضي عياض فيها.

стр. 176

الكسائي: أبو بكر محمد بن إبراهيم الكسائي، وقد أخذ الكسائي عن إبراهيم بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج. وأخذ عن الكسائي: عبد الملك الصقلي، هو عبد الملك بن الحسن الصقلي. وأخذ عن عبد الملك الصقلي: حاتم الطرابلسي. وقد تقدمت ترجمته. وأخذ عن حاتم الطرابلسي: أبو علي الغساني، وأبو محمد بن عتاب. وقد تقدمت ترجمتهما. وعنهما أخذ القاضي عياض. رواية القلانسي اختص بهذه الرواية أهل المغرب، وأشار الإِمام النووي إلى أن الديار المشرقية لا تعرف إلا رواية ابن سفيان عن مسلم. فقد عقد فصلاً لإثبات أن الصحيح المنسوب إلى مسلم بن الحجاج هو ثابت له تواتراً وهو: "فصل: صحيح مسلم ﵀ في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعِلْم القطعي حاصل بأنه من تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج. وأما من حيث الرواية المتصلة بالإِسناد المتصل بمسلم فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان والأزمان في رواية أبى إسحاق إبراهيم بن محمد ابن سفيان عن مسلم. ويُرْوَى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم". فالمغرب من شدة عنايتهم بمسلم لم يُهملوا روايته من طريق أخرى وهي غير الطريق المشتهرة مع أنهم لم يغفلوا الطريق المشتهرة عند المشرق. ودخلت رواية القلانسي عند أهل المغرب كما ذكر ابن الصلاح: "وأما

стр. 177

القلانسى فوقعت روايته عند أهل المغرب ولا رواية له عنه عند غيرهم، دخلت روايته إليه من جهة أبي عبد الله محمد بن الحَذّاء التميمي القرطبي وغيره سمعوها بمصر". وأفاد القاضي عياض في الغُنية أن كتاب مسلم لم يصل إلى هذه البلاد (أي المغرب والأندلس) إلا من طريقي القلانسي وابن سفيان (١٩). ومن القريب أن ما ذكره ابن الصلاح، والنووي كان استفاداه من القاضي عياض. وهذا سند القلانسي إلى القاضي عياض: مسلم بن الحجاج أخذ عنه أبو محمد أحمد بن محمد القلانسي، وعنه أخذ أبو بكر أحمد بن محمد الأشقر، وعنه أخذ أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي، ثم المصري (٢٠). روى عن الأشقر صحيح مسلم إلّا ثلاثة أجزاء من أجزاء الكتاب يرويها عن الجُلودي (٢١) وتوفي ابن ماهان سنة (٣٨٨). وروى ابن ماهان عن الأشقر بنيسابور سنة (٣٥٣) (٢٢)، وعنه أخذ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أحمد التميمي يعرف بابن الحذّاء من أهل قُرطبة ومن أخصّ شيوخه قبل الرحلة الأصيلي الذي لازمه واختصّ به، وانتفع بصحبته، وذكر ابن بشكوال روايته لمسلم عن أبي العلاء بن ماهان. وتوفي ابن الحذاء سنة عشر وأربعمائة (٢٣). وعنه ابنه أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى بن أحمد التميمي ويعرف

стр. 178

بابن الحذاء من أهل قرطبة، روى عن أبيه أكثر روايته وندبه صغيراً إلى طلب العلم، وحصل له سماع عال أدرك به درجة أبيه، وتوفي سنة (٤٦٧) (٢٤). وعن ابن أبي الحذّاء أخذ أبو علي الغساني الجياني. وتقدمت ترجمته. وعن أبي علي الغساني الجياني أبو عبد الله بن عيسي التميمي وهو أبو عبد الله محمد بن عيسى بن حسين التميمي السبتي. له ثلاث رحلات إلى الأندلس. قال القاضي عياض: لازمته كثيرا في المدونة والموطأ وسماع المصنفات، وأجازني جميع رواياته. وفاته: توفي سنة (٥٠٥) وعنه أخذ القاضي عياض. وجاء هذا السند في الغنية. ونصه كما في ترجمة المتقدم: قال الجياني: وحدثني به القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى ابن الحذاء، قال حدثني أبي، نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى قال نا أبو بكر أحمد بن محمد الأشقر، نا أبو محمد أحمد بن القلانسي، نا مسلم (٢٥). نسخة القلانسي تعد هذه الرواية من المفقودات إذ لم أظفر بها إلى أن اشتراها العلامة المفتى شقيقي الشيخ أحمد المهدي النيفر وأطلعني عليها. وجاء في أول نسخة هذه الرواية:

стр. 179

بسم الله الرحمان الرحيم ... صلى الله على محمد وآله وسلم أخبرنا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماهان البغدادي، قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الفقيه الأشقر الشيخ الصالح بنيسابور قراءة عليه وأنا أسمع في شهر شعبان من سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. قال: نا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسين بن المغيرة ابن عبد الرحمن القلانسي قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري. وهي نسخة تونسية وأصلها أندلسي وهي على ما أظن فريدة ووحيدة. وإنما أرجعتها إلى الأندلس لأن عليها تملّكا لسعيد بن محمد الكناني ويعرف بابن صاحب الصلاة، وهذه العائلة اشتهرت في الأندلس بالمؤرخ عبد الملك ابن محمد بن أحمد، ويعرف بابن صاحب الصلاة المتوفي سنة (٥٩٤) تقريباً. ولا نستطع الجزم بأن المعروف بصاحب الصلاة هذا أندلسي لأن التلقب بصاحب الصلاة لا يختص بالأندلس إذ عرف هذا اللقب في القيروان، فقد ذكر الخشني: "بينما محمد بن سحنون يمشي يوما مع جماعة من أصحابه لقيه ابن صاحب الصلاة في ذلك الوقت المعروف بابن الحواجب فأومأ إلى أذن ابن سحنون وقال له: يا زاني يا ابن الزانية" (٢٦). وعلى هذا يحتمل أن مالكها سعيد بن محمد المعروف بابن صاحب الصلاة من إفريقية وعلى هذا ليس ببعيد أن تكون هذه النسخة إفريقية أصالة. وعليها تملك أحد الحفصيين وهو المثبت في أعلى الصفحة ونصه: ملك عبيد الله محمد الحسين لطف الله به ابن مولانا أمير المؤمنين أبو فارس

стр. 180

عبد العزيز تغمده الله برحمته. ولهذا صارت تونسية إلى أن آلت إلى شقيقي حفظه الله. وهذه سلسلة عياض لمسلم من رواية القلانسي. مسلم بن الحجاج أبو بكر الأشقر أبو محمد القلانسي أبو عبد الله الحذاء ابنه أبو عمر أحمد أبو علي الجياني أبو عبد الله بن عيسى القاضي عياض
следующие страницы →