وعد منهم عدداً وافراً، ومن أبرز هؤلاء الشيوخ: أبو محمد الرُّشاطي، وأبو الحجاج القُضاعي، وأبو عبد الله بن وَضَّاح، وأبو بكر بن العربي، وأبو محمد بن السيِّد البطليوسي.
وكتب إليه السِّلَفِي، وكتب إليه من المهدية المازري. وله رواية عن أبي الفضل عياض،
قال ابن الأبّار: كان فقيها نظاراً أديباً حافظاً يبصر الحديث ورجاله.
مصنفاته:
يقول ابن الأبّار في "التكملة": "وقد صنّف وألف مع براعة الخط وحسن الوِراقة".
والمعروف من مصنفاته: "مطالع الأنوار على صحاح الآثار" وهو كتاب على غرار "مشارق الأنوار" للقاضي عياض كما أفاده في الوفيات.
وقد غلط في التعريف بكتابه إسماعيل باشا البغدادي في "هديه العارفين" حيث جعله كتابين الأول "مطالع الأسرار في شرح مشارق الأنوار" و"مطالع الأنوار على صحاح الآثار" إذ لم نر من ذكر أنه شرح "مشارق الأنوار" للقاضي عياض. وإنما في "جذوة الاقتباس" أنه أغار على "المشارق" حيث كان مسوّدة فجرد ما فيه ونسبه لنفسه (٥٣).
ميلاده ووفاته:
ولد سنة خمس وخمسمائة (٥٠٥). وتوفي بفاس سنة (٥٦٩).
وقُرْقُول (بضم القافين وسكون الراء بينهما وبعد الواو لام).
стр. 72
* كُوزَان (٥٤):
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن المخزومي الشاهد يعرف بكوزان. لم يتحدث عنه ابن الأبّار إلّا عن "رحلته". فإنه رحل حاجا فسمع بالإِسكندرية من أبي عبد الله الرازي وأبي طاهر السِّلفى.
رحلته إلى المهدية:
ذكر ابن الآبّار دخوله المهدية، لكن لم يبين دخوله إليها في ذهابه أو إيابه، وإنما اكتفى بأنه لقي بالمهدية أبا عبد الله المازري فحمل عنه تأليفه المترجم بـ "المعلم" من إملائه (٥٥) على "صحيح مسلم".
والظاهر أن ابن الأبّار تلقى خبر دخوله المهدية من شيخه ابن حوط الله.
وقد أجاز أبو إسحاق كوزان أبا سليمان بن حوط الله المذكور وكانت إجازته له سنة (٥٧٦).
واستفاد مترجمه ابن الأبّار أنه كان حيا في تلك السنة. فلما لم يقف على وفاته ذكر إجازته تلك التي يستفاد منها حياته في حدود تلك السنة إذ لم يعرف له خبرٌ بعدها. فكوزان من شيوخ ابن الأبّار بواسطة شيخه أبي سليمان ابن حوط الله.
نقف هنا وقفة استفسار لماذا لم يكن للمازري طلبة مثل سحنون من قبله وابن عرفة من بعده، فقد أحيا هذين الإِمامين تلاميذهما فأصبح لكل منهما مدرسة شهيرة والمازري لا يقلّ عن سحنون. ثم إن منزلته في توسعه العلمي تفوق منزلة ابن عرفة رحم الله الجميع.
стр. 73
في ظني أن تلاميذه كثيرون وتأثرهم به تأثر بالغ، لا يقل عمن تقدمه أو تأخر عنه، وإنما لم يتمكنوا من نشر علمه في الناس بسبب ما وقع من سقوط المهدية العاصمة وغيرها من البلدان الساحلية في يد النرمان ومن أحداث أخرى بلبلت الأفكار فإنهم لا شك قد تفرقوا شذر مذر لقرب ما بين وفاته وسقوط المهدية وغيرها، فوفاته سنة ٣٦، في القرن السادس وسقوط المهدية سنة ٤٣ في القرن نفسه.
ثم إن الفوضى التي كانت عليها البلاد لا تدع وقتا لطلبته أن يبثوا علمه حتى يشار إليهم بأنهم تلاميذ المازري الذين يحملون فكرته كما هو الأمر مع سحنون وابن عرفة فإن تلاميذهما كانوا تعريفا بالغا بهما. وهناك أمر آخر لا شك أن له تأثيره، وهو أن إفريقية انضوت تحت لواء الموحدين وهم محاربون لمذهب مالك وداعون الناس للعمل بالحديث، وكان اعتمادهم على "سنن أبي داود"، ففي هذا الجو المعاكس تضاءل المذهب المالكي فلم يستطع رجاله أن يشتهروا كما اشتهر غيرهم في الأزمنة السابقة واللاحقة.
تفوّق المازري تفوقاً لا ارتياب فيه، وإنما هناك أمر آخر غير ما تقدم يدعو إلى قلة تلاميذه عن الإِمامين سحنون وابن عرفة، وهو أن المهدية التي عاش فيها لم تصل في اتساع العمران مثل القيروان وتونس في عصرهما.
وترجع قلة تلاميذه إلى أمر آخر، وهو أنه عاش في ضعف الدولة، بخلافهما فإنهما عاش كل منهما في دولة قوية خاصة سحنون فإنه عاش في عصر الدولة الأغلبية وهي لم تفقد شبابها حتى قرب عصر انقراضها، بخلاف الدولة الصنهاجية فإنها توالت عليها المحن من الزحف المتدفق من الأعراب، ومن انقسام الدولة، ومن التفكك المريع نتيجة الوثوب على السلطان.
يدعو كل من الأمرين أن دروسه لا تزخر بالطلبة كما زخرت دروس سحنون وابن عرفة، والكثرة لا تخلو من نبغاء بخلاف القلة فإنها مظنة عدم وجود النبغاء إلا في القليل النادر.
стр. 74
وإلى وجود النبغاء في تلاميذ الإِمامين المتقدمين أشار المقري في "أزهار الرياض": "والإِمام ابن عرفة انتفع به جماعة فكان أصحابه كأصحاب سحنون أئمة في كل بلد. فمنهم أيضاً من بلغ درجة التأليف ووقع الاتفاق على إمامته وتقدمه وسمو رتبته. كشيخنا الإِمام الحافظ المحصل أبي القاسم ابن أحمد البرزلي مفتي البلاد الإِفريقية ومؤلف كتاب الأسئلة "الحاوي للنوازل والفتاوي" (٥٦).
ومنهم شيخنا الإِمام الحافظ المجتهد، صاحب التصانيف المفيدة أبو عبد الله محمد بن مرزوق، له "المنزع النبيل في شرح مختصر خليل" و"شرح التهذيب" وغير ذلك من المسائل العلميّة".
وإذا نظرنا إلى تلاميذ كل منهما نجدهم لا يقتصرون على بلد واحد بل هم من بلدان عدة بخلاف المازري فإنه أصبح في دائرة ضيقة. وهو وإن قلّت تلاميذه الأفارقة فإنه رزق البخت في الأندلسيين الوافدين على المهدية، ولكن شتان بين التلاميذ النابتين في بلد الشيخ وبين الغرباء الوافدين. ومع هذا منحه الله إماما من طلبته بالإِجازة الذي نشر علمه وهو القاضي عياض.
стр. 75
طريقة المازري في التدريس والتأليف
اتحدت طريقته في التدريس والتأليف لأن تآليفه كلها مأخوذة من إملائه يتلقى أصحابه الآخذون عنه ما يدرسه فيدونونه، وبذلك تألف "المعلم بفوائد مسلم" و"شرح التلقين" و"شرح الجوزقية"، وحينئذ لا يمكن الفصل بين الطريقتين. وإنما ذكر مترجموه أن قلمه كان فيه أبلغ من لسانه، وفي ذلك ما يشير إلى أن بين طريقتيه في التدريس والتأليف بعض مميزات لكن عند التحقيق أبلغية قلمه على لسانه إنما هي في الإِفصاح، أما نفس الطريقة فهى هي.
وإذا بحثنا في طريقة المازري نجدها متمثلة غاية التمثيل في كتابيه "المعلم" و"شرح التلقين".
ففي "شرح التلقين" سبق ما تقدم في بيان طريقة الكتاب من انبناء "شرح التلقين" على إثارة أسئلة ثم الإِجابة عنها.
وأما "المعلم" لما كان مؤسسا على الأحاديث النبوية فهو قد تركز
стр. 76
على فقه الحديث بطريقة اجتهادية في فنون الفقه كما عبر عنه ابن خلدون: "وأملى عليه (أي "الجامع الصحيح لمسلم") الإِمام المازري من فقهاء المالكية شرحاً، وسماه "المعلم، بفوائد مسلم" اشتمل على عيون من علم الحديث، وفنون من الفقه" (٥٧).
امتاز المازري بكونه يعمد أساسا إلى عيون المسائل ولبّها دون الاشتغال بقشورها شأن الجلة من العلماء المجتهدين، وهذا ما عبر عنه القاضي عياض في "الغنيه" ونقله ابن فرحون في "الديباج": "وكان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد، ودقة النظر" (٥٨).
حكم التطلعات الجوية:
وله تفوق في المواطن الدقيقة حيث تجده يأتي بتحريرات بارعة تكشف ما هو الصواب وعين الحقيقة مما لا تجده عند غيره، وهي المواطن التي تزل فيها الأفكار، مبرزاً من فن الاجتهاد الفكري ما يعزّ، مثل شرحه لما ثبت عنه ﷺ في الحديث القدسى:
" قال ربّكم: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر الحديث" (٥٩).
قال الشيخ وفقه الله: هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكوكب وخلقه دون أن يكون خلق الله سبحانه، كما يقول بعض الفلاسفة من أن الله سبحانه لم يخلق إلا شيئاً واحدا وهو العقل الأوّل عندهم وكان عن العقل الأول غيره. وهكذا عن واحد آخر إلى أن كان
стр. 77
عن كل فلك ما تحته حتى ينتهي الأمر إلى الإِمطار وإلينا في تخليط طويل ليس هذا موضع ذكره.
وأما من اعتقد أن لا خالق إلا الله سبحانه ولكن جعل في بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى عادة جرت في ذلك، فلا يكفر بهذا إذا عبَّر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها والظن بمن قال من العوام: هذا نوء الثُّريّا ونوء الراعي، أنه إنما يريد هذا المعنى، وقد أشار مالك ﵀ في "موطئه" (ج١ ص١٩٢) إلى هذين المعنيين، وأوردهما في بابين فأورد في المعنى الأول الحديث الذي نحن فيه، وأورد في المعنى الثاني "إذا أنْشَأتْ بَحْرِيَّة ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ" (٥٩ مكرر). حيث وضح مذهب الفلاسفة القائلين بخلق العقل الأول وهو ما لا يقبله الدين الصحيح، ولا العقل الرجيح.
ثم لم يقف موقف الجمود فيمنع ما يفيده علم الأنواء من ارتباطات بين ظواهر منبئة عن حدوث الأمطار مثلا. واستدل على عدم منع التطلعات الجوية بما ثبت في حديث آخر وهو: "إذاً أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة".
واستخرج هذا الارتباط من صنيع مالك ﵁ في "الموطأ" إذ جمع بين الحديثين، وهو وقوف منه على معرفة أسرار جمع الأحاديث في "الموطأ"، وهو من خصائص الإِمام في الربط بين الأحاديث سواء في العقيدة أو الفقه.
تحريره الاجتهادي لمواطن الخلاف:
يظهر امتياز المازري الاجتهادي الذي أعجب به العلماء في مواطن الخلاف. وامتيازه هذا موزع بكثرة في "المعلم". ونذكر نموذجا من
стр. 78
ذلك في شرحه لما جاء في حديث بشير بن أبي مسعود: "أمَا عَلِمْتَ أنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَزَل فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ " الحديث (٦٠).
علق الإِمام المازري على أن هذا الحديث احتج به من يقول بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل فذكر ما يأتي: "واحتج بهذا الحديث من يقول بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل فقال: صلاة جريل كانت نافلة.
واعتضدوا برواية من روى في حديث جبريل: "بهذا أمرتَ" بالنصب؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن كنتم أخذتم ذلك من مقتضى الحديث لأجل إخباره أن رسول الله ﷺ مأمور بذلك فلا حجة فيه، إذ ليس في إخباره له أنه أمر بذلك، دليل على أن جبريل لم يؤمر بذلك بل يصح أن يكون أمر أيضاً، وإن كنتم أخذتم ذلك من أن جبريل لا يكلف ما كلفناه من شريعتنا.
قيل: ولا يتعبد أيضاً على جهة التنفل فتكون في حقه نافلة، ويصح أن يقال أيضاً: إنما يتم لكم ما احتججتم به إذا سلم لكم أن تلك الصلاة كانت واجبة على رسول الله ﷺ . فلو قيل إنما استقر عليه وجوبها بعد بيان جبريل له في اليومين جميعاً، فلا تكون واجبة في حقه حين صلاها مع جبريل بل لم يكن في الحديث تعلق في هذا.
وأما رواية من روى: "بهذا أمرتُ" بالرفع فهي حجة على رأي من يرى أن المأمور به هو الواجب، فيقول: لا يخلو أن يكون جبريل ﵇ أمر أن يبلغ ذلك قولاً أو فعلاً، أو خير فيما شاء منهما، فلا يقال: إنه أمر أن يبلغ قولاً فخالف إذ لا يليق به ذلك. فإذا كان أمر أن يبلغه فعلاً أو خيّر فاختار الفعل صار بيانه واجباً وكأن المؤتمّ به ائتمّ بمن وجب عليه الصلاة.
стр. 79
وأما على رأي من يرى أن المأمور به ينطلق على غير الواجب فيكون الجواب على ما قدمناه قبل هذا.
لم يترك المازري نقطة يتعلق بها المخالف للمذهب المالكي القائل بجواز صلاة المفترض وراء المتنفل إذ استخرج الاحتمالات كلها فنوّعها أولاً على الروايتين:
الأولى: رواية "بهذا أمرتَ" (بتاء الخطاب) في "أمرتَ" لأن هذه الرواية تقتضي أن النبيء ﷺ هو المأمور بالصلاة فهي واجبة عليه دون جبريل إذ لم يؤمر.
وحين نزول تعليم الصلاة أمَّ جبريل النبيء ﷺ وهو متنفل لأنه لم يؤمر بها وإنما المأمور بها النبيء ﷺ فهي واجبة عليه، وبهذا تكون صلاة المفترض وراء المتنفل، ويؤخذ من ذلك الجواز.
وأجاب المازري عن هذه الرواية بأنها لا تفيد المتعلق بها بأجوبة تطرق فيها لكل الاحتمالات.
وكذلك تطرق لاحتمالات الرواية الثانية وهي التي جاء فيها قوله: "وبذلك أمرتُ" (بضم تاء المتكلم) فيكون جبريل مأموراً أيضاً.
الإِشادة بطريقة المازري:
تمثل طريقة المازري الفقهية الطريقة القيروانية الأصيلة وإلى هذه الطريقة أشار في "أزهار الرياض". والعلة في ذلك -أي في التمكّن من ملكة التصرف- كون صناعة التعليم وملكة التلقي لم تبلغ فاسا كما هي بمدينة تونس، اتصلت إليهم من الإِمام المازري، كما تلقاها عن الشيخ اللخمي عن حذاق القيروانيين، وانتقلت ملكة التعليم إلى الشيخ ابن عبد السلام مفتي
стр. 80
البلاد الإِفريقية وأصقاعها، المشهود له برتب التبريز والإِمامة، واستقرت تلك الملكة في تلميذه ابن عرفة رحمه الله تعالى (٦١).
نقل صاحب "الأزهار": هذا من تعليق لبعضهما أشاد فيه بالطريقة التونسية التي واسطة عقدها الإِمام المازري، فهو الإِمام المتسلسلة منه إلى تلاميذه.
ونشير إلى الفرق بين الاصطلاح العراقي والاصطلاح القروي، وإلى ذلك أشار في "أزهار الرياض":
"وقد كان للقدماء، ﵃، في تدريس "المدونة" اصطلاحان: اصطلاح عراقي، واصطلاح قَرَوي.
فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل "للمدونة" كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى أفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر ميت الأصوليين.
وأما الاصطلاح القَرَوي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف، على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإِعراب أو خالفها.
فهذه كانت سيرة القوم رضوان الله عليهم، إلى أن عمّ التكاسل، وصار رسم العلم كالماحل، ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللّطيفة
стр. 81
المنزع، واللخمي. في "تبصرته" البارعة الختام والمطلع، إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين، من شيوخ الإِقريقيين.
وقد سلك القاضي عياض في "تنبيهاته" مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين والمذهبين، وذلك لقوة عارضته، نفعه الله بذلك، وأعاد علينا من بركاته" (٦٢).
لا يتطرق الشك في أن القاضي عياضاً سلك مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين لكن سبقه إلى ذلك المازري ومع كون المازري كان سابقاً للجمع بين الطريقتين له منزع خاص اجتهادي ذكره له القاضي عياض نفسه، ومنزعه الاجتهادي مستقى من الإِمام مالك ﵁.
الاستجمام في دروسه:
أخذ الإِمام المازري في دروسه بالطريقة النبوية بالاستجمام حيث يأتي بحكايات قصد الترفيه على طلبته حتى لا يكلوا من تتابع المسائل مما يؤدي بهم إلى الملل، وقد ذَكر له طريقة دروسه المتخللة بالاستجمام من ترجم له.
واعتنى أحد طلبته وهو أبو الحسن طاهر بن علي من أهل سوسة الذي صاحب أبا عبد الله المازري بالمهدية فجمع من حكاياته ما التأم منه جملة تلقاها القاضي أبو عبد الله ابن حميد، وهي التي قرأها ابن الأبّار بخطه، وبذلك تعرف على أبي الحسن طاهر بن علي السوسي حتى ترجم له.
ومن لطائف دروسه أن بعض طلبة الأندلس ورد على المهدية وكان يحضر مجلس المازري، ودخل شعاع الشمس من كوُّة فوقع على رجل الشيخ المازرى فقال الشيخ:
هَذَا شُعَاعٌ مُنْعَكِسْ
стр. 82
فذيله الطالب المذكور حين رآه متزنا، فقال:
هذَا شُعَاعٌ مُنْعَكِسْ ... لِعِلَّةٍ لَا تَلْتَبِسْ
لَمَّا رَآكَ عُنْصُرًا ... مِن كُلّ عِلْمِ يَنْجَبِسْ
أتَى يَمُدُّ سَاعِدًا ... مِنْ نُورِ علْم يَقتَبِسْ
ذكر هذه القصة التي حكاها الطالب الأندلسي المقري في "أزهار الرياض" (ج٣ ص ١٦٦).
تآليفه:
وأما كتبه فقد ذكرها المقري في "أزهار الرياض" في أخبار القاضي عياض ونسوقها مرتبة حسب ترتيبه:
ا) المُعلم بفوائد مسلم.
٢) كتاب التَّعليقة على المدونة.
٣) كتاب شرح التَّلْقين.
٤) كتاب الرد على الإِحياء للغزالي المسمى بكتاب الكشف والإِنباء عن المترجم بالإِحياء.
٥) كشف الغطاء عن لمس الخطا.
٦) كتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول.
٧) تعليقة على أحاديث الجَوْزَقي.
٨) إملاء على شيء من رسائل إخوان الصفا، سأله السلطان تميم عنه.
стр. 83
٩) كتاب النكت (٦٣) القَطْعِيّة في الرد على الحَشْوية والذين يقولون بقدم الأصوات والحروف.
١٠) فتاوى (٦٤).
نجد المقري أوفى المترجمين للمازري إذ يذكر كتبه. ويأتي بعد المقري ابن فرحون فيذكر له أربعة تآليف لكنه زادنا كتابا آخر على هذه القائمة وهو:
١١) نظم الفرائد في علم العقائد:
قال: نسب له هذه العقيدة أبو العباس أحمد بن يوسف اللِّبلي في "مشيخة" التجيبي فذكر أن من شيوخه المازري وأن من تآليفه العقيدة المذكورة (٦٥) وكتبه المتصلة بالفقه أشد اتصال والمتعلقة به وهي من الأصول دون الرسائل أربعة.
١) تعليقه على المدونة:
وكنت غير مطمئن لما ذكره المقرى من نسبة هذه التعليقة على المدونة إليه لانفراده بذكرها دون غيره وبالأخص ابن فرحون الذي يعني "بكتب المالكية التي يوليها عناية أكثر لم يذكرها لكن اطمأنَّت نفسي حين وقفتُ في "معالم الإِيمان" لابن ناجي على ما يدل على أنه اطلع عليها. وهذا نص ما جاء في "المعلم" في ترجمة السيوري:
(قلت): قال عياض: وله أي السيوري تعليق على نكت المدونة أخذه عنه أصحابه (٦٦). ويريد -والله أعلم- أنه لم يؤلفه وإنما أصحابه قيدوا عنه ذلك مما يسمعونه منه في درسه لقول المازري في تعليقه على المدونة
стр. 84
لم يؤلف السيوري إلا كراسة وليس له تأليف وسببها أنه بلغ من ورعه ما تقدم (٦٧).
يفيد كلام (ابن ناجي) هنا أنه اطلع على تعليق المازري الذي نقل منه ما نقل.
٢) شرح التلقين:
والتلقين للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي (٤٢٢). ومن التلقين نسخة كاملة في خزانة كاتبه عدد صفحاتها (١٧٤). وبواسطة هذه النسخة من التلقين يمكن معرفة ما شرحه المازري وبذلك نعرف النقص من كتاب شرح التلقين هذا.
وطريقة الإِمام المازري في شرح التلقين طريقة مبتكرة وهي أنه يذكر ما ذكره القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين ثم يعقب ذلك بأسئلة، ثم يجيب بإطناب على كل سؤال في المسألة. وذلك مثل غسل الوجه في الوضوء يورد عليه خمسة أسئلة وهي:
١) هل حد الوجه الذي ذكره القاضي في التلقين صحيح؟
٢) هل اللحية من الوجه أم لا؟
٣) هل يجب تخليلها؟
٤) هل البياض الذي بين الوجه والصدغ من الوجه أم لا؟
٥) ثم نبه عن العنفقة والحاجب.
وقد تبلغ هذه الأسئلة على المسألة الواحدة نيفا وعشرين سؤالا. وفي جواب كل سؤال يطيل المازري حتى أن الجواب الواحد يستغرق صفحات قد تصل إلى سبع.
стр. 85
فالإطناب في المسائل عادة هذا الشرح فهذا كتاب الحجر والتفليس بلغت صفحاته قرابة مائة وخمسين من القالب الكبير بالخط الدقيق وهي بحسب الطبع تزيد على ٣٠٠ صفحة.
والكثير من أجزاء الكتاب يوجد بالمدينة المنورة بمكتبة الحرم من أوقاف المرحوم الشيخ محمد العزيز الوزير المهاجر التونسي وقد تمكنت من معرفة اتصال بعضها ببعض فيمكن أن نستخرج نسخة لكنها غير تامة لأن الجزء الثاني على حسب ما وقفت عليه مفقود وقد اسخرجت له فهرسا، وبالمكتبة الوطنية مثل ذلك ثم إن هذا الكتاب هل أتمه المازري أم لم يتمه؟ الذي في الديباج المُذْهَب، في معرفة أعيان علماء المذهب أنه لم يتمة حيث يقول: لم يبلغنا أنه أكمله (٦٨).
وما قاله ابن فرحون صحيح حيث إني وقفت على نسختين من الجزء الأخير وكلتاهما تبتدئان بالحجر والتفليس وتنتهيان بكتاب الرهن وجاء في النسخة المدنية: نجز ما وجد من كتابة الإِمام الشيخ المازري بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه.
وبالرجوع إلى متن التلقين نجد أن هناك الشيء الكثير مما لم يشرحه المازري، أي ما يقارب ثلث الكتاب.
ولا بد هاهنا من التعرض إلى عدم إقبال الكثير على هذا الكتاب بالخصوص حتى يكون مثل الأمهات المتعبرة في الفقه المالكي مثل تهذيب البراذعي حتى يكون من الكتب المدروسة لا الكتب المرجوع إليها عند الخاصة ويرجع ذلك لأمور:
أولاً وأساسا: أنه لم يجعل كتابه أصلاً بل جعله فرعاً لما كتبه القاضي عبد الوهاب، فلذلك لم يكن مثل تهذيب البراذعي أو الجواهر لابن شاس،
стр. 86
أو مختصر ابن الحاجب، فطول مباحثه وكونه شرحاً لغيره جعلا الهمم تتقاصر عنه.
ثانيا: أنه لم يكن كتابه على طريقة الكتب التي جاءت مبنية على الطريقة القيروانية لأخذه أساسا طريقة العراقيين التي من أشهر أئمتها القاضي عبد الوهاب، وهذه الطريقة وإن لم تُهجر لكنها في التدريس لم تُتخذ أساسا مثل ما كتب على الطريقة القيروانية.
ثالثاً: أنه اعتمد الأدلة كثيرا والطلبة في العصور بعده أعرضوا عن الأدلة اكتفاء بنصوص المذهب، إذ كانوا يميلون إلى الفقه المجرد المختصر كما يتضح ذلك بالإِقبال على المختصر الخليلي فلا يميلون إلى معرفة الخلاف في المذهب فضلا عن الخلاف خارج المذهب الذي اعتنى به المازري، وذلك أنه لما ظهر مختصر خليل المقتصر على ما به الفتوى أعرض الناس عن مختصر ابن الحاجب لذكره للخلاف.
رابعاً: أن طريقة ابن شاس وابن الحاجب وهي طريقة المدرسة المصرية التي اتبعت طريقة الغزالي في وجيزه، قد طغت على غيرها فتناسى الناس طريقة المازري وحتى طريقة التهذيب التي اتبعها المالكيون مدة ليست بالقصيرة كما يدل لذلك الكتابات المتعددة على التهذيب.
٣) تعليقه على أحاديث الجوزقي:
وهو الحافظ أبو بكر محمد ابن عبد الله بن محمد بن زكرياء النيسابوري، محدث نيسابور، وجوزق (بفتح الجيم) ناحية من نيسابور، توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (٣٨٨) هـ.
مؤلفاته:
الأربعون في الحديث، الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، الصحيح المخرَّج على مسند مسلم، كتاب المتفق الكبير في ثلائمائة جزء، المتفق في الفروع (٦٩).
стр. 87
قراءة المازري كتاب الجوزقي:
حكى ابن غازي في تعليقه على البخاري عن المازري أنه قرأ كتاب الجوزقي على ابن المنيصر فقد حكى عنه أنه اجتمع في داره أبو إسحاق التونسي، وأبو القاسم السيوري.
تعليقه على الكتاب: علق المازري على كتاب الجوزقي تعليقا، وليس شرحاً لأن الشرح فيه استيعاب بخلاف التعليقة فإنها تتناول مواضع خاصة.
ثم إن تعليقته هذه لم يكتبها بقلمه وإنما علقها بعض تلاميذه كما أفاده ابن غازي حيث قال: فيما عُلق عنه على كتاب الجوزقي.
ولم نقف على ما يفيد الكتاب الذي علق عليه المازري من كتب الجوزقي ما هو، لأن للجوزقي كتباً متعددة كما تقدم.
ومن الأقرب حسبما يبدو أنه الجمع بين الصحيحين له لأن المازري شرح مسلماً بعد ذلك فليس هو كتابه الصحيح المخرج على مسند مسلم لأنه إذا كان هو الصحيح المخرج يكون هناك تكراراً في خدمته لمسلم.
لكن لا يبعد أن يكون علّق على الصحيح المخرج حين إقرائه له بعد قراءته على بعض شيوخه. ثم لما طلب منه قراءة صحيح مسلم في رمضان شرحه بعد أن علق تعليقا غير شامل على الصحيح المخرج للجوزقي وإنما لم نستبعد أن يكون الصحيح المخرج لأن عناية أهل المغرب بمسلم عناية فائقة، دون بقية كتب الحديث.
ولا نشك أن كتاب الجوزقي الكبير الذي في ثلثمائة جزء لم يعلق عليه المازري لأنه كتاب ربما لم يصل إلى إِفريقية، ثم إنه كتاب كبير جداً لا يمكن أن يدرس.
وعندما يقع الظفر بهذه التعليقة يتضح اليقين ما هو الكتاب الذي علق عليه.
стр. 88
اعتماد هذه التعليقة: اعتمد هذه التعليقة ابن غازي في تعليقه على صحيح البخاري فذكر أنه يشير بحرف (ز) إلى هذه التعليقة.
نموذج من تعليقته: نقل ابن غازي فيما كتبه على قوله: "باب الوضوء ثلاثاً" (ز) ثم قال الباجي: لا ينوي بالثانية إكمال فرض الأولى.
وأبو إسحاق التونسي ينوي إن بقي شيء من الفرض فهذا له. وعابه أبو القاسم السيوري، وذلك أنه قال لتلامذته: لما مات شيوخنا وبقينا بلا مذاكرة قلت لصاحبي أبى إسحاق: عسى أن نجتمع للمذاكرة في موضح يكون منتصفا بين دارينا ففعلنا (ز). فحكى لي ابن المنيصر الذي قرأت عليه الجوزقي أنهما اجتمعا بداره حتى أكملا قراءة الموازية، قال السيوري: فلما شاركني في الكلام على الموازية سبقني للتأليف عليها فلذلك كان تعليقه عليها خيراً من تعليقه على المدونة.
ثم قال لتلامذته: اقرأوا عليَّ تعليقه على المدونة فابتدروا بهذه المسألة فبين لهم وجه نقصها فأرادوا أن يزيدوا فأبى وقال: الرجل ميت (٧٠).
اعتناء أهل المغرب بكتب المازري:
بلغت هذه التعليقة إلى المغرب حتى اعتمدها ابن غازي حين علّق على البخاري فنقل منها ما أبقى شيئاً من هذه التعليقة التي أفادتنا طريقة المازري فيها بأنها غير طريقته في المعلم إذ يظهر منها أنه اعتمد فيها على شيوخه.
٤) شرح البرهان:
اعتنى الإِمام المازوي بكتاب هامّ من كتب أصول الفقه، وأظهر قيمته وهو كتاب البرهان الذي يصفه ابن السبكي: "وأنا أسميه لغز الأمة لما فيه من مصاعب الأمور، وإنه لا يُخْلي مسألة عن
стр. 89
إشكال، ولا يخرج إلا عن اختبار يخترعه لنفسه وتحقيقات يستبدُّ بها" (٧١).
صاحب البرهان:
هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف ابن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه السَّنْبِسِي المشتهر بإِمام الحرمين.
تلقيه:
تلقى أولاً على والده أبي محمد عبد الله العلامة.
ومن شيوخه غير أبيه أبو القاسم الإِسفراييني.
وسمع الحديث من أبى بكر الأصبهاني، ومن أبي سعيد النَّضروي وغيرهما.
وأجاز له أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية.
رحلاته:
رحل إمام الحرمين قبل أن يرحل إلى الحرمين رحلات، ثم رحل إلى الحجاز وهناك جاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتي. ثم جاور بالمدينة، وبمجاورته بالحرمين لقب بإمام الحرمين.
منزلته:
وقف إمام الحرمين مواقف لنصرة السنة أظهرت منزلته العالية.
وأضاف إلى دروسه ومناظراته، وخطبه التأليفَ. ألّف مؤلفات عدة تزيد على الأربعين نقتصر على البعض منها في أصول الفقه الكتابان المشهوران البرهان، (٧٢) والورقات وطبع بعض شروحها. وفي علم الكلام الإِرشاد.
ميلاده ووفاته:
ولد سنة (٤١٩) وتوفي سنة (٤٧٨).
стр. 90
البرهان وشرحه للمازري:
يعد البرهان لإِمام الحرمين من العمد في كتب أصول الفقه وقد سلك فيه صاحبه مسلكاً اخترعه لنفسه وحرر فيه تحريرات نفيسة؛ إلا أنه صعْب في استخراج مسائله فهو كما قدمنا عن السبكي لغز من الألغاز، وهذا اللغز تصدى له الإمام المازري، وأظهر فيه إشكالات.
ودعا الإِمام المازري أن يتولى ذلك أنه انتقد الإِمام مالكاً ﵁ وحمل عليه في مسألة القول بالمصلحة المرسلة، كما في طبقات ابن السبكي.
ويشرح ما بيناه تعجب ابن السبكي لمَّا شرحه المازري ومن سلك مسلكه ولم يشرحه علماء الشافعية حيث قال: "وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم فليس منهم من انتدب لشرحه، ولا لكلام عليه إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السمعاني في كتاب القواطع وردها على الإِمام. وإنما انتدب له المالكية فشرحه الإِمام أبو عبد الله المازري شرحاً لم يتمه، وعمل عليه أيضاً مشكلات. ثم شرحه أيضاً أبو الحسن الأبياري من المالكية (٧٣).
ثم جاء شخص مغربي يقال له الشريف أبو يحيى جمع بين الشرحين، وهؤلاء كلهم عندهم بعض تحامل على الإِمام من جهتين:
стр. 91
إحداهما: أنهم (أي المغاربة) يستصعبون مخالفة الإِمام أبي الحسن الأشعري ويرونها هجنة عظيمة، والإِمام (أي أبو المعالي الجويني) لا يتقيد بالأشعري، ولا بالشافعي لاسيما في البرهان، وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعري وأتى بعبارة عالية على عادة فصاحته فلا تحمل المغاربة أن يقال مثلها في حق الأشعري.
والثانية: "أنه ربما ينال من الإِمام مالك رضي الله تعالى عنه كما فعل في مسألة الاستصلاح والمصالح المرسلة، وغيرها" (٧٤).
وما ذهب إليه ابن السبكي في الطبقات محل نظر، وذلك لأن. المازري في مسألة المصالح المرسلة قد أغمض الجفن عما قاله أبو المعالي الجويني كما وضحناه في بحث لنا نشر مع المحاضرات التي ألقيت في ملتقى ابن عرفة (٧٥).
وإنما الداعي إلى الإِمام المازري لشرح (البرهان) لإِمام الحرمين الجويني هو أنه درَّسه على عادته في تدريس الكتب المعتمدة، والبرهان كتاب معتمد في أصول الفقه اجتهد فيه صاحبه حتى انه لم يتبع الشافعي في أصول الفقه ولا أبا الحسن الأشعري، فيما يتصل بأصول الدين والمازري ميال إلى الاجتهاد فلذلك في درّس هذا الكتاب ولما وجد فيه إشكالات أثارها كما أشار إليه ابن السبكي كما قدمنا من قوله: "وعمل عليه إشكالات". وأثار المازري الإِشكالات لا من باب التحامل كما يقول ابن السبكي، وإنما لما درس الكتاب وقف على تلك الإِشكالات فأبداها في درسه.
أليس يحق له أن يُبدي الإِشكالات حين يرى أن إمام الحرمين يبدو من كلامه إنكار علم الله تعالى بالجزئيات مثلا؟
стр. 92
وهو إشكال أثاره الإِمام المازري وإن أجاب عنه ابن السبكي بجواب مطول فيه شيء من التحامل على الإِمام المازري ومن اقتفى وأخذ برأيه لا يمكن إغفاله.
اقتفاء الأبياري وغيره للمازري:
اقتفى أبو الحسن الأبياري كما قدمناه آثار المازري في شرحه للبرهان، واتبعه في إثارة إشكالات عليه. وهذا الشرح الأبياري يوجد منه الجزء الأول الذي نسخ في عصر مؤلفه سنة (٦١٤) والمؤلف كما قدمنا توفي سنة (٦١٦)، وهي نسخة محفوظة بمكتبة مراد ملا، ويسمى هذا الشرح باسم "التحقيق والبيان، في شرح البرهان".
ولا يخرج هذا الشرح عن طريقة الإِمام المازري في تعقب كلام إمام الحرمين لرد آرائه. ولم يقف على ترجمته الدكتور عبد العظيم الديب محقق كتاب البرهان مع أن ترجمته في الديباج المُذْهب، في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المدني كما قدمنا، ولم يقف عليها لأن الأبياري من علماء المالكية، ثم أنه ضبط الإِبياري (بكسر الهمزة) مع أن الأبياري (بفتح الهمزة) كما نص على ذلك ابن فرحون، وأصله من أبيار مدينة من بلاد مصر على شاطئ النيل بينها وبين الإِسكندرية أقل من يومين، وهي بفتح الهمزة.
أتى أبو يحيى الشريف الحسني وجمع بين شرح الإِمام المازري وشرح أبي الحسن الأبياري كما أفاده ابن السبكي في الطبقات حيث قال: "ثم جاء شخص مغربي يقال له الشريف أبو يحيى جمع بين الشرحين" (٧٦).
هكذا عبر ابن السبكي عن أبي يحيى الشريف الحسني بأنه شخص
стр. 93
مغربي، وقوله هذا تحقير من ناحيتين للشريف نفسه ولمن ينسب للمغرب، وهذه عادة في البعض نرجو أنها اليوم زالت من العقول والألسنة.
ولم يصنع هذا الصنيع مع المازري لأنه أقر له بالتقدم والمكانة والإِمامة لأنه من فحول العلماء.
ويوجد شرح أبى يحيى الشريف الحسني في مكتبة جامع القرويين كما أفاده الدكتور الديب في مقدمة البرهان الذي حققه، وهو مبتور من الأول كما يقول فهرس جامع القرويين وهذا الشرح يسمى كفايه طالب البيان في شرح البرهان وهو لا شك أنه شرح لبرهان أبي المعالي الجُويني. وتردد الدكتور الديب في غير محله لأن ابن السبكي في طبقاته صرح بأن الشريف أبا يحيى جمع بين الشرحين وزيادة على ذلك نقل عنه، فهو قد اطلع عليه.
وشرح المازري لم أقف إلى الآن على وجود نسخة منه فلذلك يعد مفقوداً حتى نظفر بنسخة منه، والذي يعوضه ويقوم مقامه شرح الشريف أبى يحيى حيث يوجد في مكتبة القرويين بفاس، وأفادنا أنه جمع بين الشرحين ابن السبكي وهو وإن كانت له إضافات فهو لا يخلّ بما في كل شرح، والجمع بين كتابين فأكثر طريقة أقبل عليها المؤلفون في القرن السابع وولعوا بها أيما ولوع.
فتاوى المازري
يتجلى فقهه في فتاويه وهذه ناحية هامة من المازري تحتاج إلى بحث خاص. ولي في ذلك بسطة تتعلق بفتاويه وبيان مميزاتها وإنما نشير بإيجاز إلى إحداها، وهي التي أجاب بها لمّا سئل عن أحكام تأتي في زمانه من صقلية من عند قاضيها أو شهود عدولها هل يقبل ذلك منهم أم لا مع أنها ضرورة ولا تُدرى إقامتهم هناك تحت أهل الكفر هل هي اضطرار أو اختيار؟
стр. 94
وقد أجاب المازري عن هذا بجواب يدل على تقديره للظروف دون تسرع إلى القدح في أولئك الحكام الذين أولاهم أهل الكفر.
ومن أحسن ما علل به هو أن أولئك الباقين في دار الكفر قد يكون بقاؤهم هنالك لغاية شريفة وهي: أنهم أقاموا بدار الحرب اضطراراً، وإقامتهما هذه لا إشكال أنها لا تقدح في عدالتهم.
والمهم الأمر الثاني الذي يدعو إلى عدم نفي العدالة عن المقيمين بدار الحرب وهو أنهم إذا كان لهما تأويل صحيح وهو أن إقامتهم بدار الحرب برجاء هداية أهل الحرب ونقلهم عن ضلالتهم وبذلك لا تنفى عنهم العدالة.
واستدل على صحة ما ذهب إليه بما أشار إليه الباقلاني من أيمة المالكية وبما أشار إليه أصحاب مالك في تجويز الدخول لدار الحرب لفكاك الأسير.
فأنت ترى في هذا الجواب ما يدل على أن المازري يعرف كيف يطبق الأحكام في الظروف الحرجة التي تنتاب المسلمين حتى يخفف من المصيبة الحالة بهم، فهو إذ لما يفت بعدم عدالة قضاة دار الحرب كان قد حافظ على الإِسلام في تلك الديار. ولنفاسة هذه الفتوى نأتي بها بنصها.
"القادح في هذا وجهان: الأول يشتمل على القاضي وبيّناته من ناحية العدالة، فلا يباح المقام في دار الحرب في قياد أهل الكفر، والثاني من ناحية الولاية إذ القاضي مولّى من قبل أهل الكفر. والأول له قاعدة يعتمد عليها في هذه المسألة وشبهها وهي تحسين الظن بالمسلمين ومباعدة المعاصي عنهم فلا يعدل عنها لظنون كاذبة وتوهمات واهية كتجويز من ظاهره العدالة، وقد يجوز في الخفاء وفي نفس الأمر أن يكون ارتكب كبيرة إلا من قام الدليل على عصمته. وهذا التجويز مطرح، والحكم للظاهر إذ هو الراجح، إلا أن يظهر من المخايل ما يوجب الخروج عن العدالة، فيجب التوقف حينئذ حتى يظهر ما يوجب زوال موجب راجحية العدالة، ويبقى
стр. 95
الحكم لغلبة الظن بعد ذلك. والحكم هو مستفاد من قرائن محصورة فيعمل عليها، وقرائن العدالة مأخوذة من أمر مطلق فتلغى، وقد أمليتُ من هذا طرفاً في شرح البرهان، وذكرت طريقة أبي المعالي، وطريقي لما تكلمنا فيما جرى بين الصحابة من الوقائع والفتن ﵃ أجمعين.
وهذا المقيم ببلد الحرب إن كان اضطراراً فلا شك أنه لا يقدح في عدالته، وكذا إن كان تأويله صحيحا مثل إقامته ببلد أهل الحرب لرجاء هداية أهل الحرب أو نقلهم عن ضلالة ما وأشار إليه الباقلاني، وكما أشار أصحاب مالك في جواز الدخول لفكاك الأسير، أما لو أقام بحكم الجاهلية والإِعراض عن التأويل اختيارا فهذا يقدح في عدالته. واختلف المذهب في رد شهادة الداخل اختيارا لتجارة، واختلف في تأويل المدونة فيها أشد، فمن ظهرت عدالته منهم وشك في إقامته على أي وجه، فالأصل عذره لأن جل الاحتمالات السابقة تشهد لعذره، فلا ترد لاحتمال واحد إلا أن تكون قرائن تشهد أن إقامته كانت اختياراً لا لوجه.
وأما الثاني وهو تولية الكافر للقضاة والأمناء وغيرهم لحجز الناس بعضهم عن بعض فواجب، حتى ادّعى بعض أهل المذهب أنه واجب عقلاً، وإن كان باطلاً تولية الكافر لهذا القاضي؛ إما بطلب الرعية له وإقامته لهم للضرورة، لذلك فلا يقدح في حكمه وتنفيذ أحكامه، كما لو كان ولاه سلطان مسلم، وفي كتاب الأمان (٧٧) في مسألة: الحالف ليقضينّك حقك إلى أجل، أقام شيوخ المكان مقام السلطان عند فقده لما يخاف من فوات القضية، وعن مطرف وابن الماجشون فيمن خرج على الإِمام وغلب على بلد فولى قاضياً عدلاً فأحكامه نافذة" انتهى (٧٨).
стр. 96
فقه الإِمام المازري
يمتاز المازري عن غيره من الفقهاء، بأن له طريقة خاصة في الفقه لها طابع خاص لم يشاركه فيه غيره. وقد استفاد من هذه الطريقة فحول الفقهاء مثل ابن عبد السلام وابن عرفة وخليل، ففحول والفقه وأيمته اعتمدوا كثيرا على ما حرره المازري.
١ - يمتاز فقه المازري بدقة التحرير. فمثلا الفقهاء يذكرون في حد غسل الوجه: أنه ما انحدر من منابت الشعر إلى الذقن بينما نجد المازري حين يتناول ذلك يتناوله تناولاً غير تناول الفقهاء حتى أهل التحرير منهم والضبط مثل القاضى عبد الوهاب.
نجد المازري ينتقد هذا بكل تواضع ويرى إنْ أخذ ذلك حدّا في غسل الوجه يؤدي إلى أن الأصلع يغسل جميع رأسه إذا لم ينبت به شعر أصلاً وأن الأغم (وهو الذي تضيق جبهته بشعر رأسه) يغسل بعض وجهه ويترك بقيته وذلك لا يصح، فلذلك يرى أن الأجدر أن يقال: إنَّ مبدأ حده من الوجه من منبت الشعر المعتاد. وبذلك تصح المسألة ويسلم كلام الفقهاء.
وهذا ما أطبق عليه الفقهاء بعدُ إذ يذكرون أن مبدأ حده من منبت الشعر المعتاد.
ولكن رغم هذه الدقة والتحرير فإن المازري يعتذر للقاضي عبد الوهاب بأن هذا هو مراده ولكنه حذفه ظنا منه أنه يفهم.
٢ - يمتاز فقهه أيضاً بأنه لا يقتصر في التحرير على مجرد النقل للنصوص بل يذكر مع ذلك الأدلة من الكتاب والسنة.
فها هو حين تكلم على إدخال المرفقين في الوضوء يذكر أن في إيجاب غسلهما (أي المرفقين) خلافاً فيذكر دليل المثبت لغسلهما بأن أبا هريرة توضأ وأدار الماء عليهما. ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ .
стр. 97
ولا يكتفي بالدليل الواحد، بل يعدد الأدلة فبعد أن ذكر الدليل الأول المتقدم ذكر دليلاً ثانيا وهو أنه ﷺ قال: "تأتوني يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وحلل هذا الدليل بأنه من مليح استعارته ﷺ وبليغ اختصاراته لأن الغرة في الوجه والرأس، أي لأن الغرة بياض في جبهة الفرس وبالطبع أن تتصل بالرأس. والتحجيل (بياض يكون في قوائم الفرس) أي في اليدين والرجلين فقد استوفى ﷺ الأربعة الأعضاء المذكورة في القرآن التي هي جملة الوضوء المفروض بذكر الغرة والتحجيل.
وفي أمره بإطالة الغرة ما يقتضي الأمر بدخول المرفقين فى الغسل.
ثم يستدل للنافي لدخولهما بأنه تعالى قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٦) المائدة. وأصل (إلى) في اللغة الغاية. وإذا كان المرفقان نهاية الذراعين لم يكونا منه لأنهما لو كانتا منه لكانت الغاية غيرهما. وهذا خلاف في الظواهر.
٣) يمتاز فقهه باعتماده على العلوم الطبية وغيرها فنراه في الجزء الأخير من شرح التلقين حين تكلم على البلوغ قال بأنه كالمشعر بالكمال العقلي الطبيعي وإنما يطلب بعده عقل مكتسب من التجارب. ثم حين يتبسط في الكلام على علامات البلوغ يذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥٩) النور.
وقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" ويذكر الصبي.
ويذكر أن الاحتلام وإنزال الماء علامتان قاطعتان على البلوغ لكن هناك علامات أخرى مختلف فيها منها الإِنبات والسن.
ويذكر أن الإِنبات لا يراه أبو حنيفة، ثم يقول: والمشهور من مذهبنا كونه علَما. واستدل على ذلك بحكم سعد في بني قريظة، ولكنه تغلب عليه الناحية الطبية فيستدل للحنفية باختلاف الأمزجة ويتبسط في ذلك.
стр. 98
اجتهاد الإِمام المازري
أجمعت الكلمة على أنه من المجتهدين إلا ما ذكره ابن عرفة كما سيأتي، وإنما أجمعت كلمتهم على اجتهاده لما أبداه من آراء في الفقه مستندة إلى أصول الاستنباط للأحكام مع تدقيق في المأخذ، وكتبه شاهدة بذلك وناطقة برسوخ قدمه فاستحق من أجل ذلك الإِمامة.
قال المؤرخ النقادة ابن خالكان في وفياته: هو أحد الأعلام المشار إليهم (٧٩) إنما خص ابن خلكان كونه علماً من أعلام الحديث والكلام لأنه لم يقف كما يبدو من ترجمته للمازري إلا على كتابيه المعلم وإيضاح المحصول.
قال ابن فرحون: وكان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر (٨٠).
وما ذكره ابن فرحون نقله عن القاضي عياض في الغنية ونصه: هو إمام بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب، وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه وممن بلغ فيه رتبة الاجتهاد ودقة النظر (٨١).
وأثار الصفدي تساؤلا حول عدم ادعاء المازري الاجتهاد مع أنه بلغ رتبة الاجتهاد قطعاً حيث ذكر في الوافي بالوفيات له: "أخبرنى من أنسيته عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أنه كان يقول: ما رأيت أعجب من هذا (يعني المازري) لأي شيء ما ادعى الاجتهاد" (٨٢).
стр. 99
إن منزلة ابن دقيق العيد هي هي، وهو أحد أعلام المالكية الذين زحفوا لرتبة الاجتهاد، يتعجب من المازري كيف لم يدَّع الاجتهاد وهو مجتهد.
ونزيد هذا التعجب تعجباً آخر -قبل أن نجيب عن هذا التساؤل- وهو أن المازري كان يرى أن القاضي يتعين عليه أن يحكم بمذهب معين وإن كان من أهل الاجتهاد، وهذا ما ذكره ابن عرفة في مختصره: "وفي اشتراط الإِمام على القاضي بمذهب معين ثلاثة أقوال:
الأول الصحة واستدل ابن عرفة على ذلك بثلاثة أمور:
أ - أن الباجي يقول بصحة ذلك.
ب - أنه عمل أهل قرطبة فإنهم حين يولون القاضي يشترطون عليه أن يحكم بمذهب مالك.
ج - عمل سحنون الذي يشترط على من يوليه الحكم أن يعمل بعمل أهل المدينة، وقال المازري: مع احتمال كون الرجل مجتهدا.
ثاني الأقوال: بطلان التولية. ونسب ابن عرفة هذا القول للطُرْطوشي، وذكر عنه أنه قال في شرط أهل قرطبة: هذا جهل عظيم.
وثالث الأقوال: التفصيل فتَصحُّ التولية ويبطل الشرط. وهذا على ما ذكره المازري في الشرط الفاسد مع البيع.
ومحل زيادة التعجب في هذه المسألة هو أن ابن عرفة ذكر أن المازري يرى صحة التولية، والشرط بالحكم بمذهب معين الذي هو المذهب المقرر ولو كان المشروط عليه ذلك مجتهداً، فالمازري قد منع المجتهد أن يجتهد في أحكامه إذا وليّ القضاء وألزمه بالشرط الذي اشترطه الإِمام من أنه يحكم بمذهب معين فهذا توسع منه في عمل أهل قرطبة.
ودعا العملُ القرطبي المقريَّ الجدَّ في كتابه القواعد الكتاب الفريد في
стр. 100
بابه (٨٣): "أن يقول حاملاً على أهل قرطبة وبالطبع في ضمنهم المازري المتوسع في ذلك. وعلى هذا الشرط ترتب إيجاب عمل القضاة بالأندلس ثم انتقل إلى المغرب، قلت: وانتقل إلى تونس، فبينما نحن ننازع الناس في عمل المدينة ونصيح بأهل الكوفة سنح لنا بعض الجمود ومعدن التقليد.
الله أخَّرَ مُدَّتِي فَتَأخَّرَتْ ... حَتَّى رأيْتُ مِنَ الزَّمَانِ عَجَائِبًا
يا لله للمسلمين ذهبت قرطبة وأهلها ولم يبرح من الناس جهلها".
ونحن يتحتم علينا أن نقف هنا لنحرر الموقف ونجيب عن تساؤل ابن دقيق العيد وندفع عن المازري اتباعه لوصمة الجهل مبينين للأمور الحاملة له على ذلك:
الأمر الأول: أن المازري عاش تلك الفترة التي أسلفنا إجمال الحديث عنها في صدر هذه الكلمة وهي فترة الانقسام السياسي والانقسام العقائدي وما جره كلاهما من ويلات قاسى منها الشعب الصقلي والشعب الإِفريقي ما قاسيا حتى أدَّى بهما آخر الأمر إلى ضياع صقلية وإشراف السواحل الإِفريقية على الضياع لولا دولة المرابطين ثم الدولة الموحدية التي أنقذت بالفعل هذه البلاد من ذهاب الإِسلام.
وإني أعتقد اعتقاداً جازما أن المازري ما صده عن ادعاء الاجتهاد إلا أنه لم يرد أن يزيد الطين بلة ويوسع شقة الخلاف بين أمة توزعها المنتزون في الأطراف وحتى في قلب البلاد وقاست من الانقسام بين سنة وشيعة ما قاست مما أدى إلى نزوح الهلاليين الذين كانوا نكبة عظمى على البلاد.
وهذا من المازري يدل على رجاحة عقل وبعد نظر لجمع الكلمة فأيهما
стр. 101
خير أمة مجتمعة على مذهب مالك أم أمة قد زيد في تفريقها، حتى ضلت مستقيم طريقها.
والحامل الثاني على عدم ادعائه الاجتهاد هو أنه يرى أن أهل إفريقية لا ينزعون عن مذهب مالك كلفهم ذلك ما كلفهم، فقد رأى رأي العين ما بذلته الدولة الفاطمة من جهود وما قامت به من حملات إرهاب قصد تحويل الأفارقة عن السنة واتباع مذهب مالك فلم يجْدِ ذلك نفعاً، فبعد حملة دامت قرابة قرن ونصف تبخرت أعمال الفاطميين وآمالهم على يد المعز بن باديس الصنهاجي بمجرد رفضه لتعاليم الشيعة.
وهذا من المازري يدل على أنه من ذوي الخبرة بالدراسة النفسية حيث إنه لم يقدم على عمل يعلم سلفاً أنه لا ينجح. وما ظهر في زمن المازري ظهر في زمن غيره إذ أن الدولة الموحدية أرادت صرف الناس عن المذهب المالكي وصدهم عنه، حتى أنها أحرقت كتبه ولكن بآخرة رجع الأفارقة والمغاربة إلى مذهب مالك وكانت تلك المدرسة الفقهية المالكية الشهيرة التي يتزعمها ابن عبد السلام وابن عرفة.
والحامل الثالث على عدم ادعاء المازري الاجتهاد هو أنه وجد في المذهب المالكي ما تمكن به من إبداء الكثير من آرائه في هذا المذهب حتى عدّ مجتهداً فيه، ولذلك خصه خليل بالقول فيه كما تقدم نقله عن مختصره، فهو أحد الأركان الذين هذبوا المذهب المالكي في نطاق أصوله في دون خروج عن أصول المذهب مما جعل قلوب المؤلفين في المذهب المالكي تتقبل بصدر رحب آراءه وتدونها ضمن المذهب.
وهذا من حنكته وبعد نظره إذ استطاع أن يبث أفكاره دون جلبة، وادعاءات كما هو شأن الكثير.
واسمحوا لي أن أنتقد المقري الجد فأقول: ماذا صنع هذا المنتقد بالنسبة للمازري في الفقه مع تلك الحملة على أهل قرطبة ومن لف لفهم،
стр. 102
فهذا المازري وقف في حدود المذهب ومع ذلك استطاع أن يكون كما قال ابن غازي: إذا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا.
والجانب هذا من المازري أغفله الكاتبون وهو جانب حري بالبحث والاتباع لأنه جانب مبني على دراسة نفسية للشعوب حتى تتقبل الإِصلاح بدون إرغام وإِكراه، فلله دره في هذا الموقف المتزن المرن.
ثم هو فقيه مالكي متحرر في آرائه واستنباطه ومراعاته للمذاهب الأخرى.
ونؤيد هذا إرساخاً لما قلناه في النفوس بما ذكره أحمد بن يحيى الونشريسي (٩١٤) الفقيه المالكي صاحب المعيار في كتابه إيضاح المسالك إلى قواعد الإِمام مالك (٨٤) في قاعدة: كل مجتهد في الفروع الظنية مصيب أو المصيب واحد لا بعينه، اختلفوا فيه.
وبنى على هذه القاعدة صحة الصلاة وراء الإِمام المخالف ثم ذكر فائدة عن العلامة ابن رشَيْد صاحب الرحلة المشهورة قال: "رأيت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أول ما رأيته بالمدرسة الصالحية دخلها لحاجة عرضت له فسلمت عليه، وهو قائم وقد حف به جمع من الطلبة وعُرضت عليه ورقة سئل فيها عن البسملة في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وكان السائل فيما ظننته مالكياً فمال الشيخ في جوابه إلى قرءتها للمالكي خروجاً من الخلاف في إبطال الصلاة بتركها، وصحتها مع قراءتها، فقلت: يا سيدي أذكر في المسألة ما يشهد لاختياركم.
قال: ما هو؟
فقلت: ذكر أبو حفص (وأردت أن أقول: الميانشي)، فغلطت وقلت:
стр. 103
إن ابن شاهين ذكر أنه قال: صليت خلف الإِمام أبي عبد الله المازري فسمعته يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. ولما خلوت به قلت: يا سيدي سمعتك تقرأ في صلاة الفريضة كذا. فقال: أوَ قد تفطنت لذالك، فقلت: يا سيدي أنت اليوم إمام في مذهب مالك، ولا بد أن تخبرني. فقال: أسمع يا عمر قول واحد في مذهب مالك أنه من قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، في الفريضة لا تبطل صلاته، وقول واحد في مذهب الشافعي: أن من لم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، بطلت صلاته فأنا أفعل ما لا تبطل به صلاتي في مذهب إمامي ولا تبطل في مذهب غيره لكي أخرج من الخلاف. فتركني شيخناً ابن دقيق العيد ﵁ حتى استوفيت الحكاية وهو مصغ لذلك: فلما قطعت كلامي قال: هذا حسن إلا أن التاريخ يأبى ما ذكرت فإن ابن شاهين لم يلق المازري.
فقلت: إنما أردت الميانشي، فقال: الآن صح ما ذكرته" (٨٥).
والميانشي أحد تلاميذ المازري وقد تقدمت ترجمته، وهو من الذين طواهم النسيان، وقد ترجمتُ له ترجمة مطولة في مجلة المنهل الحجازية نشرت منذ سنوات (٨٦).
وهذه المسألة ذات بحث طويل أدت إلى البلبلة في الأذهان وما ذكره المازري من رعي الخلاف قد ذكر القرافي في فروقه خلافه حيث ذكر أن التقليد يرفع الخلاف. وإلى خلاف ما ذهب إليه المازري ذهب إليه شيخه اللخمي وكذا القاضي عياض الذي يقول: القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس.
والذي يهمنا ليس تحرير الفقه في هذه المسألة وإنما ما نستنتجه مما
стр. 104
ذكره ابن رُشيد عن الميانشي عن المازري من أنه كان متحرراً في آرائه فهو يجمع بين الآراء ويتتبع ما يراه صالحاً. وهذا يدل على أنه لم يكن مقلداً صرفاً كالكثير من الذين لا ينظرون نظرة بعيدة تقارن بين المذاهب وتجمع بين الآراء.
مواقف الفقهاء من المازري:
يقول ابن عرفة: وفي المازري نظر، هل يستحق الاجتهاد أم لا؟ وتعقب هذا بأن ابن دقيق العيد (٨٧) وابن عبد السلام (٨٨) لا يبلغان درجة
стр. 105
المازري، ومع ذلك يثبت ابن عرفة الاجتهاد لابن دقيق العيد ونظرائه.
وفي نيل الابتهاج قال بعض شيوخ العصر من الأدلة القطعية عندي أن ابن دقيق العيد والسبكي ما بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق فأحرى السيوطي وأضرابه الذين ادعوا هذه المرتبة، وأين مرتبتهم من مرتبة الغزالي وإمام الحرمين في الفقه والإِمامة وقوة الذهن، تالله لا نسبة بينهم في شيء من ذلك (٨٩).
هناك موقفان للفقهاء مع المازري فابن عرفة يثبت الاجتهاد لابن دقيق العيد ومن كان على درجته كابن عبد السلام ومع ذلك يتردد في المازرى فموقف ابن عرفة هذا حط من منزلة المازري. وبإزاء هذا الموقف موقف آخر يحمل على ابن عرفة كيف يرى الاجتهاد لابن دقيق العيد ولا يراه للمازرى. ومن هذين الموقفين يستخلص أن من حقُّه الاجتهاد كالمازري لم يدع الاجتهاد ومثله الغزالي وإمام الحرمين، فهؤلاء الثلاثة منزلتهم في العلم
стр. 106
وقوة معرفتهم وإمامتهم أعلى منزلة ولم يدعوا الاجتهاد، ومن دونهم يدعون الاجتهاد وينسب لهم ابن عرفة الاجتهاد وينفيه عمن هو أعظم منهم وهو المازري.
وما تعقب به على ابن عرفة حق. والغريب من ابن عرفة ومكانته العلمية واطلاعه كيف يقف هذا الموقف من المازري، لكن إن التمسنا لابن عرفة عذراً نقول: إنه لما لم ير للمازري آراء فقهية خاصة به تردد في إثبات الاجتهاد له مع أنه يرى لابن عبد السلام الهواري التونسي نظرات تحكم له بالاجتهاد. وهذا موقف يحتاج إلى تحرير لأننا إذا نظرنا ما للمازري من آراء لا نتردد في بلوغه درجة الاجتهاد ويكفي تدليلا على هذا أنه أحد الأربعة عند خليل الذين أكثروا التصرف بالاختيار. ثم هو مميز على بقية الأربعة كما تقدم.
стр. 107
المازري الأشعري
نجد المازري في شرحه للمعلم أشعرياً يتقلد قول الأشعري، وقول أصحابه، ويذبّ عما رأوه من آراء فهو خالص في أشعريته. وقد انتهج المنهج الذي سنه مقلَّده (بفتح اللام) وهو منهج أهل السنة والاستقامة (٩٠).
وإنما مال المازري إلى الأشعرية لما نذكره بعد أن نعرّف بالأشعري وأين منبته.
ولد الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بكر الأشعري بالبصرة سنة (٢٦٠). وتلقى معارفه بالبصرة ودرس مذهب الاعتزال على أبي علي الجُبَّائي رئيس معتزلة البصرة. وعاش مدة من الزمن وهو معتزلي يدرس ويؤلف.
وليس من غرضنا أن نحقق السبب الأصلي الذي من أجله اعتزل مذهبه القديم وسلك مسلكاً آخر بذكر ما رواه المؤرخون من سبب مقتصرين على
стр. 108
أنه هو المحرك لهذا الانتقال، وإنما نذكر ما بنى عليه مذهبه فإنه يوضح لنا غاية الوضوح سبب الانتقال.
وقبل ذكر هذا نبين أنه لماذا فارق الاعتزال ولم يعد إليه وشمّر عن ساعد الجد لنصرد السنة والذبّ عنها، ومقاومة الاعتزال إلى أن لقي ربه في سنة (٣٢٤).
فالأشعري حين تمسك بالسنة تمسك بها بعد أن تَاهَ طيلة ثلاثين سنة في الاعتزال، وعرف دخائله فحين فارقه، فارقه وهو مطلع على دقائقه، خبير بأدلته، فكانت مفارقته مفارقة من لم يقتنع بما جاء فيه. وما يذكر مما دار بينه وبين شيخه أبي علي الجُبَّائي نراه حادثة تنبىء عن آخر المطاف الفكري له، وهو معتزلي قد ملكت على نفسه الطريقة السنية.
وبعد هذه الجولة الفكرية والتراجع عما كان عليه قد اتخذ مذهباً جديداً في العقيدة لم يقف من الأدلة موقفا سلبياً يمرّ بهَا على الأفكار دون بحث فيها، بل كان له موقف خاص، وهو الموقف الفكري الذي يغوص في الأدلة ليستخرج منها النظرة الملائمة للعقل الصحيح المقنعة للنفوس المتشبعة بالمبادىء النظرية العميقة. وهو في أنظاره لا يبعد عن الأدلة الشرعية الثابتة بل يأخذ بها ويطبقها تطبيق حكيم دارس، فلم تمر بذهنه دون أن يكون لها وزنها.
ولم يجعل هذه الأدلة القاطعة خاضعة لما رآه بل أخضع ما رآه للأدلة بلباقة نادرة، وفكرة نيرة. وهذا ما جعل المفكرين المتشبعين بالأدلة القرآنية والحديثية يقبلون على مذهبه، وينتصرون له في كل ما يكتبون على اختلاف أقطار ومذاهب فقهية، وهو ما دعا الكثير من أهل المذاهب أن يركزوا أنه من أهل مذهبهم، فالشافعية يدّعونه لأنفسهم ويرون أنه كان شافعياً، والمالكية يدّعونه لأنفسهم.
стр. 109
وبهذا أدخله إبراهيم بن فرحون في كتابه الذي خصه بعلماء المذهب المالكي، وهو "الديباج المُذْهب، في معرفة أعيان علماء المذهب".
فذكر أنه من الطبقة الرابعة ممن لم ير مالكاً، والتزم مذهبه من العراق من غير آل حماد بن زيد، قال: "علي أبو الحسن الأشعري بن إسماعيل كان مالكياً، صنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنن وما نفاه أهل البدع" (٩١).
فابن فرحون يجزم بأنه مالكي من أهل العراق، ولم يذكر الخلاف في مذهبه، ولم يذكر دليلاً على ذلك.
أما من جهة الشافعية فقد ذكر ابن خلِّكان في الوفيات أنه كان يجلس أيام الجُمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ببغداد (٩٢).
وما ذكره ابن خلكان في وفياته ذكره السمعاني في كتاب الأنساب فأفاد أنّه كان يجلس أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المرزوني (٩٣).
ثم إن جلوسه في حلقة أبي إسحاق المروزي ببغداد ليس فيه دلالة على أنه كان شافعياً.
لكن تمسك بهذا تاج الدين عبد الوهاب السبكي في طبقات الشافعية فذكر ما يأتي: "وقد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكيَ المذهب، وليس ذلك بصحيح: وإنما كان شافعياً تفقه على أبى إسحاق المروزي" نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في طبقات المتكلمين والأستاذ
стр. 110
أبو إسحاق الإسفراييني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني في شرح الرساله (٩٤).
ويجعل التاج السبكي ادعاء كون الأشعري مالكياً إلى الاشتباه التاريخي وذلك أن المالكي هو القاضي أبو بكر بن الباقلاني، وهو شيخ الأشاعرة (٩٥).
فعند السبكي أن هذا القائل لما رأى أن شيخ الأشعرية كان مالكياً ظنه أبا الحسن الأشعري وهو في ذلك لم يميز بين الرجلين أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الأشعري تقليداً.
والقريب أنه في الفقه ربما كان من المجتهدين الذين كانوا من ذوي الوقوف على أصول الشريعة، فكوَّنوا لأنفسهم شخصية فقهية مع انبناء هذه الشخصية على قواعد المذهبين المالكي والشافعي.
ومن أجل هذا لم يعدّه القاضي عياض في المدارك من رجال الطبقة الرابعة من أهل العراق، فقد عد القاضي أبا الحسن من آل حمَّاد بن زيد وابنيه وأبا الطاهر الذهلي والتستري وبكر بن العلاء القشيري، ولم يعدّه لأنه وإن أخذ بشيء من مذهب مالك إلا أنه لا يعدّ متقلداً لمذهب مالك، والظاهر أنه كذلك بالنسبة للمذهب الشافعب كما قدمنا.
لماذا كان المازري أشعرياً:
نتساءل عن أشعرية المازري أهي نتيجة تقليد علماء عصره من أهل السنة الذين كانوا متقلدين في العقيدة طريقة الأشعري، أم ذلك لسبب خاص جعله يميل إلى الأشعرية دون غيرها، من المذاهب الكلامية كالمعتزلة أو غيرهم؟