وأما ما وقع في الحديث الذي قدّمناه أوّلا أنّه لما جاء رجل بتحريم الخمر أراقوها وكَسَّروا الِجرار فإنّه إن كان التّحليل ثابتا عندهم بالشرع المقطوع به فإن هذا قبول نسخ من خبر الآحاد وقد قدَّمنا أنّ الإجماع على مَنع النَّسخ به (٩) بعد زمن النبي ﷺ وأن بعض الأيمة زعم أن النّسخ كان يجوز به في زمن النّبي ﷺ هذا على أنّه يتأوّل (١٠) الأمر في ذلك على تأويلات يصحّ معها ما فعلوه من منع النسخ.
٩٤١ - وأمّا ما ذكره مسلم من أنّه ﵊ سئل عن الخمر تتّخذ خلاّ فقال: لا (ص ١٥٧٣).
فقد اختلف النّاس في تحليلها فمنعه قوم والمشهور عندنا أنّه مكروه فإن فعل أكلت وقال بعض أصحابنا لا تؤكل وهذا الحديث حجّة في النّهي.
٩٤٢ - وقد خرَّج مسلم في حديث الفضيخ حدّثنا يحي بن أيوب نا ابن عليَّة ارنا عبد العزيز بن صهيب قال سألوا أنس بن مالك عن الفضِيخ (ص ١٥٧١).
ووقع في بعض النّسخ حدَّثنا يحي بن يحيى بدل يحي بن أيوب وهو وهم ووقع في أصل ابن ماهان حدثنا ابن عيينة بدل ابن علية وهو وهم والصّواب ابن عليّة نبّه عليه عبد الغنيّ وقال: (١١) ليس عند ابن عيينة عن عبد العزيز بن صهيب شيء.
стр. 1157
٩٤٣ - وخرّج مسلم في الأشربة أيضاً: "نا ابن أبي شيبة وابن أبي عمر قال نا سفيان عن سليمان الأحول عن مجاهد عن أبي عياض عن عبد الله بن عمر قال: لماّ نهى رسول الله ﷺ عن النّبيذ في الأوعية" الحديث هكذا عند ابن ماهان ووقع في النّسخة عند أبي العباس الرازي عن عبد الله بن عمر يعني ابن الخطاب ﵁ قال بعضهم هكذا عند السّجزي والكسائي كلّهم قال فيه: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب والمحفوظ لعبد الله بن عمرو بن العاص وكذلك جعله الحميدي وابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص" (ص ١٥٨٥).
٩٤٤ - وخرّج مسلم في حديث تغطية الإناء: "حدّثنا عمرو الناقد نا هاشم بن القاسم نا اللّيث بن خالد نا يزيد بن عبد الله عن يحي بن سعيد عن جعفر هكذا إسناده عن الرّازي والكسائي وفي النّسخة المقروءة على الجلودي حدّثني يزيد بن عبد الله ويحي بن سعيد بواو العطف (١٢) (ص ١٥٩٦) وكذلك عند ابن ماهان والمحفوظ في هذا الإسناد اللّيث عن يزيد عن يحي وهكذا خرَّجه أبو مسعود عن مسلم.
٩٤٥ - وخرّج مسلم أيضاً في حديث التّنفس في الإناء: "حدّثنا ابن أبي عمر نا الثّقفي عن أيّوب عن يحي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه (ص ١٦٠٢).
قال بعضهم هكذا روي إسناده مجوَّدا ووقع في النّسخة عن الجلودي
стр. 1158
فيه وهْم قال عن يحي عن أبي كثير عن عبد الله عن أبي قتادة (١٣) وليس هذا بشيء وإنّما هو عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
واتّفق الرّازي مع الكسائي وابن ماهان على الصواب.
٩٤٦ - قوله: "فلماّ فرغ من الطعام أماتته فسقته" وقع في بعض النّسخ أماتته بتاءين كل واحدة منهما معجمة باثنتين فوقها (١٤)، وفي بعض النّسخ أماثَتْهُ بالثّاء المعجمة ثلاثا وتاء بعدها معجمة باثنتين (ص ١٥٩١).
ومعناه أذابته قال ابن السّكيّت: يقال ماث الشيء يميثه ويموثه موثا (١٥) وموثانا أذابه ولكن ابن السِّكيّت حكاه ثلاثيا والذي وقع في الحديث ها هنا رباعيا.
٩٤٧ - وقوله: (وفَحمة العشاء) أي سواده.
(والفواشي): البهائم ثم هكذا فسره بعض النّاس (ص ١٥٩٥).
٩٤٨ - "ذكر أنّه ﵊ نهَى عن اختناث الأسقية وفسره بأن يقلب رأسها ثم يشرب منها.
стр. 1159
قال الشيخ وفّقه الله: أصل هذه الكلمة من التكسر والتثنّي واللّين ومنه سمّي الرجل المشبّه بالنساء في طبعه وكلامه مخنّثًا لتكسرّه ولين معاطفه. ويحتمل أن يكون نهى عنها لئلا ينال الشارب أذى لما يكون في الماء ولا يشعر به لأنّه يشرب ما لا يبصر أو يكون ذلك لأنه يغيرّ رائحة السقاء ممَّا (١٦) يكتسبه من نكهة الشارب.
٩٤٩ - قال الشّيخ وفّقه الله: خرَّج مسلم في كتاب الأطعمة: "حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة نا خَلَف بن خَلِيفة عن يزيد بن كَيسَان عن أبي حَازم عن أبي هريرَة قال خَرج علينا (١٧) رسول الله ﷺ ذَاتَ يَوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر الحديث ثم عقب بعده: "حدّثنا إسحاق بن منصور نا أبو هشام (١٨) يعني المغيرة بن سلمة نا عبد الواحد بن زياد نا يزيد بن كيسان نا أبو حازم قال: سمعت أبا هريرة الحديث (ص ١٦٠٩ و١٦١٠).
هكذا روي هذا الإسناد الثاني مجوّدا عن أبي أحمد الجلودي (١٩) من طريق السّجزيّ وسقط عنه في رواية ابن ماهان والرّازي رجل وهو عبد الواحد بن زياد ولا يتّصل السند إلَاّ به، وكذلك خرَّجه أبو مسعود عن مسلم عن إسحاق عن مغيرِة عن عبد الواحد عن يزيد عن أبي حازم عن أبي هريرة.
стр. 1160
قال الشّيخ وفّقه الله: قال بعضهم (٢٠) والذي عند ابن ماهان خطأ بين قال البخاري: مغيرة بن سلمة أبو هشام سمع عبد الواحد بن زياد ووهيبا، ومروان الفزاري مات سنة مائتين.
стр. 1161
كتاب الأطعمة
٩٥٠ - ذَكَر نَهيَه ﷺ عن الشرب قائما وفي بعض طرقه: "لَا يَشَربَنَّ أحد منكم قَائِماً فَمَن نسي فَليَتَقَيَّأ". وفي بعض طرقه "سَقَيت النَّبيَّ ﷺ من زَمزَمَ فَشَرِب وهو قائم" (ص ١٦٠١).
قال الشّيخ: اختلف الناس في الشرب قائما فأجَازه عمر وعثمان وَعَلي وجمهور الفقهاء ﵃ ومالك بن أنس وكرهه قوم لهذا الحديث المذكور في كتاب مسلم وحجة الجمهور قوله ها هنا شرب من (١) زَمزَمَ وهو قائم وما خرّجه البخاري والترّمذي وأبو داود عن علي ﵁ أنه شرب قائماً وقال إنّ ناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم وإني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت، وقد قال بعض شيوخنا: لعل
стр. 1162
النّهي منصرف لمن أتى أصحابَه بماءٍ وبادَر ليشربه قائما قبلهم استبدادًا به وخروجًا عن الأحسَن من كون (٢) ساقي القوم آخرهم شربا، وأيضاً فإنّ في حديث أبي هريرة فمن نسي فليستقىء ولا خلاف بين أهل العلم أنّ من شرب قائما ناسيا فليس عليه أن يستقيء قال بعض الشّيوخ: والأظهر أن هذا موقوف على أبي هريرة، ولا خلاف في جواز الأكل قائما وإن كان قتادة قال: فقلنا والأكل قال ذلك شر أو أخبَث ولكن هكذا (٣) حَكَى بعض شيوخنا أن لا خلاف في جواز الأكل قائما (٤) والذي يظهر لي أنّ الأحاديث الواردة بشربه ﷺ قائماً تدلّ على الأباحة والَجواز إن قلنا بتعدّي أفعاله، ويحمل حديث النّهي على جهة الأستحسان والحثّ على ما هو أولى وأجمل أو يكون لأن في الشرب قائما ضررًا ما فكُرِهَ من أجله، وفعله ﵇ لأمنه منه وعلى هذا التّأويل يكون قوله: ومن نسي فليستقي محمله على أنّ ذلك حرّك منه خَلطا يكون الشفاء منه في قيئه وقال النَّخعي في النّهي عن ذلك إنّما ذلك لِداء في البطن وهذا نحو ما قلناه هذا الأظهر عندي إن كان لا بد من بناء الحديثين.
٩٥١ - ذَكَر أنّه ﷺ : "كان يتنفّس في الشّراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ" (ص ١٦٠٢).
قال الشّيخ وفّقه الله: مذهبنا جواز الشرب في نفَسٍ واحد (لقوله ﷺ
стр. 1163
للذي شكى إليه أنّه لا يروَى من نفس واحد (٥): أبِنِ القَدَح عن فيك ثم تنفس).
فظاهره أنّه أباح له الشّرب في نفس واحد إذَا كان يروى منه وقد استحبّ بعض العلماء الحديث الوارد في كتاب مسلم في (٦) التَّنَفّسِ ثَلَاثًا.
٩٥٢ - قوله: "أُتِيَ بِلَبَنٍ قَد شِيبَ بِماَءٍ وعن يَمِينِهِ أعرَابّي وَعن يساره أبو بكر، فَشِرَبَ (٧) ثمّ أعطى الأعرابي وقال الأيمَنَ فَالأيمنَ" (ص ١٦٠٣).
قال الشّيخ وفّقه الله: هذا مطابق لأصول الشرع من استحباب التيامن فَإِنْ عورض هذا بما وقع في الحديث الآخر من تقدمة الأكبر، قلنا هذا مع تساوي الأحوال فيرجح بالسن وهكذا الرواية عندنا استحباب التيامن في الشّهادات المثبتة في الكتاب وفي الوضوء وغيره يقدم الأيمن، وشوب اللَّبن بالماء لشربه (٨) يجوز وشوبه لبيعه لا يجوز لأنه تدليس ومعنى شيب بماء أي خلط بماء.
٩٥٣ - وقوله: فَتَلَّه فيِ يَدِهِ (ص ١٦٠٤).
قال ابن الأنباري في قوله ﷺ : "بينا أنا نائم أُتِيتُ بمفاتح خزائن
стр. 1164
الأرض فَتُلَّت في يدي معناه ألقيت في يدي يقال تللتَ الرجل إذا ألقيتَه. وقال ابن الأعرابي معناه فصبت في يدي والتلّ الصبّ يقال: تلّ يتُل إذا صبَّ وتَلَّ يَتِلّ بكسر التاء إذا سقط وقوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٩) أي صرعه والتّلّ الدّفع والصرع قاله غير ابن الأعرابي.
٩٥٤ - ذكر حديث أبي شعيب وأنه دعا النبي ﷺ خامس خمسة واتَّبَعَهم رَجل فقال النبي ﷺ : "إن شِئتَ أن تَأذَنَ لَه وإن شئتَ رجع فقال: بل آذن لَه يا رسول الله (ص ١٦٠٨).
قال الشّيخ وفّقه الله: ذكرها هنا أنه ﷺ استأذن صاحب الَمحلّ وَذَكَر في حديث أبي طلحة أنه ﷺ قال لمن معه قوموا وهم سبعون أو ثمانون ولم يستأذن (ص ١٦١٢).
وعن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها أن يقال: علم من أبي طلحة رضاه بذلك فلم يستأذِن ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه. والجواب الثاني: أن أكل القوم عند أبي طلحة مما خَرقَ الله به العادة لنبيه ﷺ وبركةٍ أحدثها لا ملك لأبي طلحة عليها وإنما أطعمهم مما لم يملكه فلم يفتقر لاستئذانه، والجواب الثّالث أن يقال فإنّ الأقراص جاء بها إلى (١٠) النبيء ﷺ لمسجده ليأخذَها منه فَكَأنَّه قَبِلَها وصارت مِلكًا له فإنما استدعى لطعام ملكه فلا يلزمه أن يستأذن في ملكه.
стр. 1165
٩٥٥ - وقوله: "بُهيمة دَاجِن" (ص ١٦١٠).
لعله أراد تصغير بَهْمَة والبَهم صغار الغنم والداجن ما ألف البَيت.
٩٥٦ - وقوله ﷺ : "إن جَابِرا قَد صَنَع لَكم سورًا (١١) فحيّ هلا بكم (ص ١٦١٠).
السّور هو الطَّعَام بالفارسية.
وقوله ﷺ : "حيّ هَلَا بكم".
ذكر الَهرَوي في الحديث الذي فيه إذا ذُكر الصالحون فَحَيَّ هلاً بِعمَر أنّ معناه هَلمَّ وَهَلَا حثّ فجُعلا كلمة واحدة يريد إذا ذكروا فَهَاتِ وَعَجّل بعمر وذَكَر في موضع آخر من كتابه معنى حيّ أي أسرع بذكره ومعنى هَلَا أي اسكن عند ذكره حتى تنقضي فضائله ومنه قول ليلى: [الطويل]
وأيّ حَصان لا يقال لها هلا
стр. 1166
أي اسكني للزّوج فإن شَددت اللَاّم من هلا صارت للّوم والتّحضيض.
٩٥٧ - قوله ﷺ : "كل مما يليك" (ص ١٥٩٩).
قال الشّيخ: قال بعض أصحابنا: هذا إذا كان الطّعام جنسا واحدا فإنّ العدول عما يليه شَرَه لا فائدة فيه وإذا كان مختلفا استخف ذلك فيه.
٩٥٨ - وحديث تَتبّعِهِ ﷺ الدُّبَّاءَ (ص ١٦١٥).
يحتمل أن يكون أنّه من باب الطعام المختلف أولأنّه كان يأكل مع من يعلم سروره بذلك وأنّه لا يستثقله.
٩٥٩ - قوله: "فأدَمَته" (ص ١٦١٢).
معناه جعلت فيه إدَامًا يقال منه أدَمَ الطعام. وآدمه.
٩٦٠ - قوله ﷺ : "الكَمأة مِنَ الَمنِّ ومَاؤها شِفَاء لِلعَين (ص ١٦١٩).
قال أبو عبيد: يقال إنّما شبّهها بالَمنِّ الّذي كان يسقط علي بني إسرائيل لأنّ ذلك كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج منهم إنّما كانوا يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة ليس على أحد منها مؤونة في بَذرٍ وَلَا سَقيٍ ولا غَيِرهِ وإنّما هو شيء ينشئُهُ الله في الأرض حتّى يصير إلى مَن يجتَنِيه.
стр. 1167
وقوله: "وماؤها شفاء للعين" يقال: إنّه ليس معناه أن يؤخذ ماؤها بحتًا أي صرفا فيقطر في العين ولكنّه يخلط ماؤها في الأدوية التي تعالج بها العين فعلى هذا يوَجَّه الحديث.
٩٦١ - قوله: "كنَّا نَجنِي الكَبَاثَ" (ص ١٦٢١).
هو النَّضِيجُ من ثمر الأرَاكِ.
٩٦٢ - وقوله: "فَشَرِبْتُها فَلَماَّ وَغَلَتْ في بَطني" (ص ١٦٢٥).
الوغول الدّخول في الشَّيء وإن لم تبعد فيه، وكل داخل فهو واغل يقال منه وَغَلت أغِل وغولاً وَوَغْلاً ولهذا قيل للداخل على الشَّرْب مِن غَير أن يدعَى وَاغِل وَوَغْل والّذي جاء في الحديث أنّ هذا الدّين مَتِين فأوَغل فيه بِرِفقٍ قال الأصمعي وغيره الإيغَال السَّير الشَّديد والإمعان فيه يقال أوغَلت إيغَالاً.
٩٦٣ - وقوله: ثم جاء رجل مشرك مشعانٌّ (ص ١٦٢٦).
قال الأصمعي: رجل مشعَانٌّ وَشَعر مشعَانٌّ وَهو الثَّائِر المتفرِّق.
٩٦٤ - وقوله: "يَا غُنثَرُ" (ص ١٦٢٧).
قال الهروي: أحسبه الثَّقِيل الوَخِم وقيل هو الجاهل والغَثَارة الجهل يقال رَجل غثَر والنُّون زَائِدَة.
стр. 1168
٩٦٥ - قوله: "إنّ النّبيء ﷺ ضَافَه ضَيف وهو كافر فأمر النّبي ﷺ بشَاةٍ فَحلِبَت فشربَ حتى شَرِبَ حلابَ سَبعِ شِيَاهٍ ثم أصبحَ فأسلمَ فأمر له رسول الله ﷺ بشاةٍ فَحلِبَت فَشربَ حِلابَهَا ثم أمر بأخرى فَلَم يستَتِمَّهَا فقال النبيء ﷺ المؤمِن يَشْرب في مِعى واحد والكَافِر في سَبعَةِ أمعاءٍ" (ص ١٦٣٢).
قال الشّيخ: قيل إنّ هذا في رجل بعينه وقيل: إنه على جهة التَّمثِيل. وقيل المراد به أنّ المؤمن يقتصد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١٢) ويمكن أن يراد به أنّ المؤمن يسمي الله عند طعامه فلا يَشْركه الشّيطان فيه والكافر لا يسمّي الله عند طعامه، وقد روى مسلم أنه ﷺ قال: "إنَّ الشَّيطانَ يَستَحِل الطَّعَام أن لا يذكَرَ اسم الله عليه" (ص ١٥٩٧).
فإذا شاركته الشّياطين فيه تضاعف الأكل وأربى على أكل المؤمن، وقوله "ضافه ضيف" أي صار ضيفه وأضفتَه أنزلته على نفسك، وفيه ضيافة الكافر ولعلّه استيلاف له ليسلم أو لأنّ له عهدًا فخاف أن يضيع. وقيل: إنّه ثمامة بن أُثالٍ وقيل جَهجَاه الغفاري وكره مالك أن يأكل مع النّصراني في إناء واحد.
٩٦٦ - قوله: "كان ابن الزّبير يرزقنا التّمر وكان أصاب النّاسَ يومئذ
стр. 1169
جهد فكنّا نأكل فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل فيقول: لَا تُقَارِنوا فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عن القِران (١٣) إلاّ أن يستأذن الرّجل أخاه" (ص ١٦١٧).
قال الشّيخ وفّقه الله: يحتمل أن يكون إذا علم من أصحابه أنّ ذلك مما يرضونه ويخفّ عليهم ألاّ يمنع منه وقد قال: إلاّ أن يستأذن أخاه ولا فرق بين أن ينطق بإذن أو يفهم عنه. ويقال: قرنتُ بين التّمرتين أكلتهما بمرةٍ وقرنت بين الحجّ والعمرة جمعتهما والشيء بالشيءِ شَدَدته إليه.
٩٦٧ - قوله: "من أكل سَبع تمرات عَجوةً مماّ بين لَابَتَيهَا حين يصبح لم يضرّه سمّ حتى يُمسي، وفي بعض طرقه من تصبَّح بسبع تمرات عجوَةً لم يضرّه ذلك اليوم سم ولا سحر" (ص ١٦١٨).
قال الشّيخ وفّقه الله: هذا مما لا يعقل معناه في طريقه علم الطّبّ وَلَو صحّ أن يخرج لمنفعة التّمر في السمّ وجه من جهة الطبّ لمَ يقدر على إظهار وجه الاقتصار (١٤) على هذا العدد الّذي هو سبعٌ ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة ولعلّ ذلك كان لأهل زَمَانه ﷺ خاصةً أو لاكثرهم إذ لم يثبت عِندي استمرار وقوع الشّفاء بذلك في زمننا (١٥) غالبا وإن وجد ذلك في زماننا في أكثر النّاس حمل على أنّه أراد وصفَ غالبِ الحال.
стр. 1170
كتاب اللّباس والزينة (١)
٩٦٨ - قوله ﷺ : "الَّذِي يَشرب في آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّماَ يُجَرْجِرُ في بَطنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وفي بَعض طرقِهِ إنَّ الذي يأكل وَيَشرب في آنيَةِ الفِضَّةِ والذّهَبِ" (ص ١٦٣٤).
قال الشّيخ وفّقه الله: النَّهي عن ذلك لأنه من السرف والتشبّه بفعل الأعاجم، والمذهب عندنا كراهية الشرب في إناء مضبّب بالفضة كما كره أن ينظر في الِمرآة فيها حلقة فضة. قال عبد الوهاب: يجوز استعمال المضبّب إذا كان شيئاً يسيرا.
وأما قوله: "يجرجر" فقد يريد به يصوّت والجرجرة صوت البعير عند الهدير فعلى هذا تكون الرواية نار جهنم بالرّفع وقد يكون "يجرجر" بمعنى يتجرّع فتكون الرواية على هذا نارَ جهنم بنصب الراء.
стр. 1171
وقال الزجاج: يجرجر في جوفه أي يردّه (٢) في جوفه.
٩٦٩ - قوله في النّهي عن الميَاثِر والقَسِّيّ وعن لبس الحرير والإستَبرق والدِّيباج (ص ١٦٣٥).
المياثر سمِّيت بذلك لِلِينِهَا وإذا حمل النَّهي فيها على كونها حريرًا كان فيه دلالة على النّهي عن الجلوس عَلى الحرير لأنهّا إنما تكون في السروج والسروج مما يجلس عليها والمشهور عندنا منع الجلوس عَلى الحرير وقال عبد الملك بإجازته وعلّق المنع باللّبس المذكور في الحديث، وفي الحديث النّهي أن يجلس عليه خرّجه البخاري وهذا يردّ ما قاله عبد الملك، وكذا المذهب عندنا النّهي عن الجلوس عليه وإن كان بطانة لما يجلس عليه أو محشوًّا فيما يجلس عليه كما يحشى الصّوف.
والقَسّيِّ قيل إنه القَزِّي أبدلت الزّاي سينا وقيل منسوب إلى موضع يقالى له القَسُّ؛ قال بعض أصحابنا: وهي ثياب يخالِطها حَرِير.
٩٧٠ - قال الشّيخ وفّقه الله: خرّج مسلم في الأطعمة نا حسن الجُلواني قال: نا وَهب بن جري نا أبي قال سمعت جرير بن يزيد: يحدّث عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعا في المسجد الحديث (ص ١٦١٤).
هكذا وقع في نسخة أبي العلاء جرير بن يزيد (٣) بزيادة ياء على مثال
стр. 1172
يعيش وهو وهم وإنّما هو جرير بن زيد وهو عمّ جرير بن حازم ذكره البخاري وابن أبي حاتم الرّازي.
٩٧١ - وقوله: "أُمرنا بسبع فذكر تشميتَ العاطس" (ص ١٦٣٥).
وتشميت العاطس هو الدّعاء له يقال: شَمَّتُّ العاطسَ وسَمَّتُّه والشّين أعلى اللّغتين. قال ابن الأنباري: يقال: شمّت فلانا وسمَّتُّ عليه وكل داع بالخير فهو مسمّت ومشمّت. قال ثعلب: الأصل السّين من السّمت وهو القصد والهدي ومنه الحديث فدعا لفاطمة وسمَّت عليها.
٩٧٢ - ذَكَر قَولَ عمر ﵁ في الحلة السِّيرَاء: يا رَسولَ الله لَو اشتريتَها فَلَبِستَها يوم الجمعة وللوفود (٤) فقال ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخِرة، وفي بعض طرقه فقال له: إنّما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة.
وفي بعض طرقه: "وَجَدَ عمر حلّةً من إستبَرق تباع".
وفي بعض طرقه: "فلبث عمر ما شاء الله ثم أرسل إليه النّبيء ﷺ بجبة ديبَاجٍ فأتَى عمر النّبيء ﷺ فقال يا رَسولَ الله: قلت هذه لباس من لا خلاق له (٥).
стр. 1173
(وفي بعض طرقه: "أنّ عمر ﵁ رأى عَلى رَجلٍ من آلِ عطارد قباءً مِن ديباج أو حرير) (٦) وفي بعض طرقه "رأى على رجل حلّة من استبرق" (ص ١٦٣٨ إلى ١٦٤٠).
قال الشّيخ وفّقه الله: اختلف النّاس في لباس الحرير فذهب قوم إلى منعه على الإطلاق وآخرون إلى جوازه على الإطلاق وجمهور العلماء على إباحته للنساء ومنعه للرّجال، والدّليل على صحّة ما ذهب إليه الجمهور قوله ﷺ : "إنّما يلبس الحرير في الدّنيا من لا خلاق له في الآخرة".
٩٧٣ - وخَرَّج مسلم في حديث الحلَّة قال: فلما كان بعد ذلك أُتِيَ النّبي، ﷺ بحلَلٍ سِيَراء فبعث إلى عمرَ بِحلَّةٍ وبعث إلى أسامة بِحلَّةٍ الحديث، وفيه: أنَّ أسامة رَاحَ في حلّتِهِ فَنَظَر إليه النَّبِيء ﷺ نظرًا عَرَفَ أنَّ النبيء ﷺ أنكَرَ ما صَنَعَ فقال يا رسول الله، ما تنظر إليّ أنت بعثت بها إلّي فقَال ﷺ إنيِّ لم أبعَث إليك بها لتَلبَسَها ولكن بعثت بها إليك تشققها (٧) خمرا بين نسائك ففرّق في هذا بين الرّجال والنّساء وفي بعض طرقه أهدي إليه ﷺ ثوب حرير فأعطاه عَلِيّا ﵁ فَقَال: شَقِّقه خمرًا بين الفَوَاطِمِ وفي بعض طرقه فَأَمَرَنيِ فأطرتُهَا بين نسائي وأظهر النّكير على أسَامَةَ فلما اعتذر إليه بأنّه بعثها أخبره ﷺ أنّه بعَثَها ليشققها خمرًا بين نسائه (ص ١٦٣٩ - ١٦٤٤).
هذا حكم الحرير المحض وأمّا المختلط كالذي سَداه حرير ولحُمته قطن
стр. 1174
أو كِتَّان فروي عن مالك أنّه يكره من الثياب ما كان سداه حريرا أن يلبسه الرِّجال وهو مذهب ابن عمَرَ وأجازه ابن عباس قال بعض أصحابنا اختلف فيه فأجيز وكُره وإجازته أكثر.
وأمّا الخزُّ فذكر ابن حبيب عن خمسة عَشَرَ من الصحابة إجازته ويذكر عن مالك جَوَازه قال عبد الوهاب: يجوز لبسه وكرهه مالك لأجل السّرف.
وأما العَلَم يكون في الثوب فذكر ابن حبيب أنّه يرخّص في لبسه والصّلاةِ فيه وإن عظم وقد روي عن مالك في غير كتاب ابن حبيب اختلاف في قدر إصبع من الحرير يكون علماً في الملاحف أو الثياب فَنَهى عنه مرّة وأجازه أخرى. ودليل إجازة اليسير منه ما خرّجه مسلم: "أنّ عمر ﵁ خَطَب فقال نَهَى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلَاّ موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع، وفي بعض طرقه فَجَاءَنا كِتَاب عمر أن النبيء ﷺ قال: "لَا يَلبَس الحرير إلاّ من ليس له منه شيء في الآخرة إلا هكذا قال أبو عثمان باصبعين اللَّتين تَلِيان الإبْهَامَ فرتبهما إلَاّ أزرَار الطَّيَالِسَةَ (ص ١٦٤٢ - ١٦٤٣).
فَدَلَّ هَذا على جَواز العَلَم اليسير يكون في الثوب.
وأما لو كان حريرًا محضا فَإنَّه يحرم منه القليل والكثير، وفي كتاب ابن حبيب النّهي عن اتخّاذ الَجيْبِ منه وقد عورِضَ ما في كتاب ابن حبيب بما خرّجه مسلم عن عبد الملِك مولى أسماء قال: أرسلتني أسماء إلى ابن عمر فقالت: بلغني أنّك تحرّم أشياء ثلاثة العَلَم في الثَوب وذكرت ما سواه
стр. 1175
فأجابها ابن عمر سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت النّبيء ﷺ يقول إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة فَخِفت أن يكون العَلَم منه قال فرجعت إلى أسماء فأخبرتها فقالت هذه جبَّة النّبيء ﷺ فأخرجت إلى جبَّه طَيَالِسَةٍ كِسروانِيَّةً لَهَا لبنة ديباج وَفَرجَاهَا مكفوفَان بالدّيباج فقالت: هذه كانت عند عائشة ﵂ حتى قبضَت فلما قبِضَت قبضتُها وكان النبيء ﷺ يلبسهَا فَنَحن نغسلهَا للمَرضى نستَشفي بها" (٨) (ص ١٦٤١).
وهذا خلاف ما ذكر ابن حبيب وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأن قال لعلّ هذا الحرير أُحْدث فيها بعد موت النبيّ ﷺ ولم يكن النبيّ ﷺ لبسها وفيها هذا الحرير فليكون في ذلك حجةّ على جوازه. وإذا احتمل سَقَطَ التعلّق به.
وقد قال بعض أصحابنا: ما وقع في الحديث من استثناء العلم يدلّ على جواز اتخاذ الطوق منه واللّبنة.
وأما السِّيرَاء فَعند النّسائي أنه المضَلَّع بالقِزّ. قال الخليل: هو المضلّع بالحرير، قال بعض شيوخنا: والأشبه أنها حرير مختلف الألوان سمّيت سِيرَاء لاختلافِ ألوانها، وقد ذكِرَ في بعض الطرق أنهّا من إستبَرق وهو كلّه حرير واختلف في علّة النّهي عن لبس الحرير، فقال الأبهري لئلا يتَشَبَّهَ بالنّساء، وقال غيره لما فيه من الخيَلَاءِ. واختلف في لباسه في الغَزو فمذهب مالك المنع واستخَف ابن الماجشون لباسه في الغزوِ إذ لا يقصد به فيه الخيلاء الممنوعة وأمّا لبسه للحِكَّةِ فَرخَّصَ فيه ﷺ لبعض أصحابه
стр. 1176
وقال القاضي عبد الوهاب: يجوز لبسه للضرورة والحاجةِ وظاهر كلام مالك النّهي عنه، والحلَّة ثوبان إزار ورِداء.
قوله: "فكساه عمر ﵁ أخًا له مشركا بمكّة" (ص ١٦٣٨).
قيل: كان أخاه لأمّه وفيه جواز صلة الكافر وكان يقال الذي المذاكرة إنّ هذا إنّما يظهر وجهه على القول بأنّ الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة فلهذا استجاز عمر ﵁ أن يَكسوَهَا المشرك.
٩٧٤ - وذكر مسلم في حديث آخر أنّه ﷺ أرسَل إليه قَبَاء دِيبَاج فقال: يا رسول الله كرهتَ أمرًا وأعْطيْتَنيه فقال إنيّ لم أعطكه لتلبَسَه إنَّما أعطيتكه تَبِيعه فباعه بألفي درهم (ص ١٦٤٤).
وإنَّما أجَاز لَه بَيعَه وإن كان محرّما لباسه على الرّجال لأنّه يحل لبسه للنِّسَاء وهي منفعَة مقصودة تصح المعاوضة عليها.
٩٧٥ - وأما قوله: "إنّما يلبس الحرير في الدّنيا من لا خلاق له في الآخرة" (ص ١٦٣٨).
الخلَاق النّصيب الوافر من الخير ومنه قوله ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ (٩) أي انتفعوا به وقال تعالى ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (١٠).
стр. 1177
٩٧٦ - وأمّا قوله "فأطَرتُهَا بين نِسائي" (ص ١٦٤٤).
فَمَعنَاه قسّمتها يقال: طار لي في القسمة كذا أي صار لي. قال الشّاعر: [الطويل]
فَماَ طَارَ ليِ فيِ القَسْمِ إلَاّ ثَمِينُهَا
٩٧٧ - وأمّا قوله: "شَقِّقه خمرا بَين الفَوَاطِمِ" (ص ١٦٤٥).
قال ابن قتيبة الفَوَاطِم ثَلَاث إحداهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ و-﵂ وأرضاها والثانية فاطمة بنت أسد بن هاشم (١١) أمّ علي ﵄ وهي أوّل هاشميّة وَلَدَت لهاشِمِيٍّ.
قال: ولا أعرف الثالثة قال الأزهريّ هي فاطمة بنت حمزة الشّهيد ﵃.
٩٧٨ - قول عبد الله بن عمرو بن العاص: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثَوبَيِن معَصفَرَينِ فَقَال: إنَّ هذا من ثياب الكفّار فلا تَلبَسهَا"، وفي طريق آخر "قال أمّك (١٢) أمَرَتكَ بهِذا قلت أغسِلهما قال بَل أحرِقهما". وفي بعض طرقه "نهَى عن لبس الذَّهب والمعصفر" (ص ١٦٤٧ - ١٦٤٨).
стр. 1178
قال الشّيخ وفّقه الله: وروِيَ عن مالك أنَّه أجاز لبسَ الَملَاحِفِ المعصفَرة للرّجال في البيوت وفي أفنية الدّور وكره لباسها في المحافل وعند الخروج إلى الأسواق، فكأنّه رأى أنّ التصرف بها (١٣) بين الملإ من النّاس اشتهار فَلِهَذا نهى عنه وفي الدّيار ليس فيها اشتهار فأجازه، وأمّا المصبوغ بالِمشْقِ وهو المغْرة فيجوز لباسه. وأمّا المغيّر بالزّعفران فاختلف النّاس فيه وبالجواز قال مالك لما وقع في حديث ابن عمر رأيتك تصنع أربعاً وفيه الصِّبغ بالصّفرة وقد تقدّم الحديث، وحجة من نهى عنه ما ورد من النّهي أنَ يَتَزَعفرَ الرّجل ومحمل هذا عندنا على أنّه غيّر بدنه بالزعفران تَشَبُّهًا بالنّسوان وهو الأظهر من مثل هذا اللّفظ هكذا قال بعض أصحابنا.
وأما قوله ﷺ "بل اِحرقهما" فلعلّه على جهة التّغليظ أو العقوبة في المال.
٩٧٩ - قال الشّيخ وفّقه الله: خرج مسلم في كتاب اللّباس حدَّثَنا يحي ابن يحيى نا خالد بن عبد الله عن عبد الملك عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ﵁ (١٤) وكان خَالَ ولَدِ عَطَاءٍ هكذا رواية ابن ماهان والكسائي ووقع في أصل الجلودّي كان خالَ ولد عطارد بزيادة راء ودال بدل عطاء (ص ١٦٤١).
قال بعضهم: والصّحيح ما رواه أبو العلاء ابن ماهان.
стр. 1179
٩٨٠ - قول عايشة ﵂ وَعَليهِ مِرْط مرحَّل (١٥) (ص ١٦٤٩).
المرحّل بالرّاء والحاء المهملة الموشَّى سمّي مرحّلا لأنّ عليه تصاوير الرّحال وجمعها المراحل ومنه الحديث حَتَّى يبني النّاس بيوتا يوَشُّونها وشَيْ المراحل ويقال لها المراجل بالجيم أيضا ويقال لذلك العمل الرَّجيل والِمرط الكساء وجمعه مرط.
٩٨١ - وقوله: "يَتَجَلجَل فيها" (١٦٥٣) أي يتحرّك فيها يعني في الأرض والجلجلة الحركة مع صوت أي يسوخ فِيهَا حين يخسف به.
٩٨٢ - وقوله: إلاّ المخِيلَة (ص ١٦٥٢).
يعني الكبرياء يقال: خَالَ الرَّجل خالا واختال اختيالا إذا تَكَبرَّ وهو رجل خالٌ أي متكبرّ وذو خَالٍ أي ذو تكبرّ ومنه قول ابن عبّاس كل ما شئت والبس ما شئت إذا أخطاتك خَلَّتَان سرف وَمَخِيلَة ومنه قول طلحة لعمر ﵄ ولا يتخوّل عليك أي لا يتكبر عليك.
٩٨٣ - قال الشّيخ: خرّج مسلم في الانتعال عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رَزِين وأبي صالح (عن أبي هريرة/ (ص ١٦٦١) قال بعضهم: هكذا وقع في جميع النّسخ عندنا عن أبي رزين وأبي صالح (١٦)
стр. 1180
مقرونين قال أبو مسعود الدّمشقي إنّما يرويه أبو رزين عن أبي صالح عن أبي هريرة وكذلك خرّجه في كتابه عن مسلم وذكر أنّ علي بن مسهِر انفرد بهذا.
٩٨٤ - قوله: نهى ﷺ عن اشتمال الصَّمّاء (ص ١٦٦١).
قال الأصمعي: هو أن يشتمل الرّجل بالثّوب حتّى يجلّل به جسده لا يرفع منه جانبا فَتَكونَ فيه فرجة يخرج منها يده قال القُتَبِي: إنّما قيل لَهَا الصّماء لأنّه إذَا اشتمل به انسدّت على يديه ورجليه المنافذ كلّها كالصّخرة الصَّمَّاءِ التّي ليس فيها خرق ولا صاع.
قال أبو عبيد: أمّا تفسير الفقهاء فهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثمّ يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، قال غيره من فسّره هذا التّفسير ذهب به إلى كراهة التكشّف وإبداء العورة ومن فسره تفسير أهل اللّغة فإنّه كَرِهَ أن يَتَزَمّل به شاملا جَسَدَه مخافة أن يدفع منها إلى حالةٍ يداخله بعض الهوام المهلكة فلا يمكنه نفضها عنه.
٩٨٥ - قوله ﷺ : "ولا تَضَع إحدى رجليك على الأخرى إذا استَلقيت" وفي بعض طرقه "لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى. وفي بعض طرقه أنّه رأى النّبيء ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدَى رجليه على الأخرى (ص ١٦٦١ - ١٦٦٢).
قال بعض أهل العلم: يجب أن تبنى هذه الأحاديث فيحمل النّهي على حالة تبدو فيها العَورة وفعله ﷺ على حالة كان مستترا فيها وقد
стр. 1181
أدخل مالك في موطّئه حديث استلقائه ﷺ في المسجد واضعًا إحدى رجليه عَلىَ الأخرى قال بعض أصحابنا: وإنّما قصد بإدخاله الردّ على من كرهه من فقهاء الأمْصار.
وخرج مسلم في باب الاستلقاء في المسجد: "حدّثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد عن عبد الرزّاق عن معمر" (ص ١٦٦٢).
هكذا في رواية الجلودي والكِسَائي وكذلك خرّجه الدّمشقي عن مسلم، ووقع عند ابن ماهان حدّثنا إسحاق بن منصور وعبد بن حميد فجعل إسحاق بن منصور بدل إسحاق بن إبراهيم، قال بعضهم والذي أعتقد صوابه رواية من قال: إسحاق بن ابراهيم لأنهما كثيرا ما يجيئان مقرونين في رواية مسلم في هذه النّسخة عنهما عن عبد الرزّاق وإن كان إسحاق بن منصور أيضًا يروي عن عبد الرزاق.
٩٨٦ - وقوله: "نهى عن التَّزعفر" (ص ١٦٦٢).
تقدّم الكلام فيه، وفي بعض طرقه نهي عن أن يتزعفر الرّجل ومحمله عندنا على تغيير بدنه بالزعفران تشبّها (١٧) بالنسوان.
٩٨٧ - قوله: "ورَأسُه ولحيَته مِثل الثَّغَامِ وقال ﷺ غَيِّروا هذا بِشيء واجتَنِبوا السَّوَادَ وفي طريق آخر أنّ اليهود والنّصارى لَا يَصبَغونَ فخالفوهم" (١٦٦٣).
стр. 1182
قال أبو عبيد: هَو نَبت أبيَض الزّهر والثمر شبّه بياض الشّيب به، وقال ابن الأعرابي: هي شجرة تبيضُّ كأنهّا الثَّلجة.
قال الشّيخ: لم يحرّم مالك ﵁ التّغيير بالسّواد ولا أوجب الصِّباغ، ولعلّه يحمِل النّهي عن التّغيير بالسّواد على الاستحباب والأمر بالتّغيير على حالةٍ هجَّن المشيبُ صاحبها، قال عبد الوهّاب يُكره السّواد لأنّ فيه تدليسًا عَلىَ النّساء فيوهم الشّباب فتدخل المرأة عليه.
٩٨٨ - قوله: "أصبح واجمًا" (١٦٦٤).
الواجم: المهتمّ (١٨) يقال وجم يِجم وجوما ووجَم أيضا حزن وأجم الطّعام إجما إذا كَرِهه.
٩٨٩ - قوله في الصُّوَر ألم تسمعه حين قال ﷺ إلاّ رَقْمٌ (١٩) في ثَوبٍ (١٦٦٥).
قال الشّيخ: قال بعض أصحابنا: إنّما وقع في حديث عائشة ﵂ من كراهة الصّور المرقومة يحتمل أن يكون كان ذلك أوّلا عند كونهم حديثي عهد بالجاهليّة وعبادة الصُّور فلماّ طال الأمر وأمِن عليهم أباح الرّقم في الثّوب ويكون ذلك كالنّاسخ لما وقع في حديث عائشة ﵂، ولم يحرّم مالك من الصّور المرقومة ما كان يمتهن لأنّ امتهانه ينافي تعظيمه على حسب ما كانت الَجاهلية تعظّم بعض الصور.
стр. 1183
٩٩٠ - وقول عايشة ﵂: "وقد سترتُ سَهْوَةً لي بِقِرامِ فيه تماثيلُ" (١٦٦٨) قال الأصمعي: "السَّهوة كالصُّفَّة تكون بَيَن البَيت، وقال غيره: السّهوة شبيه بالرُّفّ أو بالطّاق يوضع فيه الشيء، قال أبو عبَيد: وسمعت غير واحدٍ من أهل اليَمَنِ يقولون. السّهوة عندنا بيت صغير منحدر في الأرض، وسَمكه مرتفع من الأرض شبيه بالخزانة الصّغيرة يكون فيها المتاع، قال وهَذَا عندي أشبه ما قيل في السّهوة والقرام السّتر الرّقيق فإذا خيط فصار كالبيت فهو كِلَّة وقال لبيد يصف الَهودَج: [الكامل]
من كلِّ محَفوفٍ يظِلُّ عَصِيَّه ... زَوج عَلَيهِ كِلَّة وَقِرَامها
العَصي عِيدان الَهودَج والزّوج النّمط.
٩٩١ - قال الشّيخ أيّده الله: خرّج مسلم في باب كراهية الصّور: "حَدَّثَنَا ابن أبي شَيبة نا علي بن مسهر عن سعيد بن أبي عروبة عن النّضر بن أنس قال كنت جالسًا عند ابن عباس هكذا إسناد هذا الحديث رواه سعيد بن أبي عروبة عن النّضر بن أنس وَوَهِمَ بعضهم فأدخل بينهما قتادة وليس بشيء فإنّه قد سمع سَعِيدٌ مِنَ النّضر هذا الحديثَ وحدَه ذكره البخاري (٢٠) في الجامع: "حدّثنا عياش نا عبد الأعلى نا سعيد بن أبي عروبة قال سمعت النّضر بن أنس يحدّث قتادة قال كنت عند ابن عباس فذكر الحديث -قال البخاري سَمع سعيد بن أبي عَروبة من النّضر هذا الحديث الواحد.
стр. 1184
٩٩٢ - قوله ﷺ "لَا يَبْقَيَّنَ فيِ رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَة من وَتَرٍ أو قلادة إلاّ قطعت".
قال مالك: أرَى ذَلِكَ مِن العَين (١٦٧٢).
قال الشّيخ وفّقه الله: الظاهر من مذهب مالك، قصر النّهي على الوَترَ خاصّة وأجازه ابن القاسم بغير الوَتَر وقال بعض أصحابنا فيمن قلّد بعيره شيئاً ملوّنًا فِيه خَرَز قال: إن كان للجمل (٢١) فلا بأس به، وقد اختلف النّاس في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان أيضا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه (وأجازه عند الحاجة إليه) (٢٢) لنفي ما أصابه من ضرر العين وشبهه ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدَها كما يجَوز الاستظهار بالتّداوي قبل حلول المرض، قال عبد الوهّاب تكره للمسافرين الأجراس والأوتار، احتجّ بقوله لا تصحب الملائكة رفقة فيها جَرس قال وأمّا الأوتار فقد تؤدّي إلى جناية تكره يعني الاختناق بها وشبه ذلك وقد خرّج مسلم لا تصحب الملائكة رُفْقَةً فِيها كَلب وَلَا جَرَس (ص ١٦٧٢).
وقد قال بعض النّاس: إنّ النّهي عن تقليد الأوتار محمول على الدخول وما اعتادوا من طلب الدّماء عليها.
٩٩٣ - وقول الرّاوي: قلادة من وتر أو قلادة يحتمل أن يكون على
стр. 1185
الشكّ بين التّخصيص للوتر أو التّعميم لسائر القلائد فيكون الوتر ثابتا في الحالين مع القول بالعموم ولهذا قصر مالك النّهي عن الوتر كما قدّمنا.
٩٩٤ - قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن القَزَع " (ص ١٦٧٥).
قلت لِنافع: وما القزع؟ قال: يحلَق بَعض رَأس الصّبي ويترك بَعضة.
قال الشّيخ وفّقه الله: إذا كان ذلك في مواضع كثيرة فمنهيٌّ عنه بلا خلاف وإن لم يكن كذلك كالنّاصية وشبهها فاختلف في جوازه.
٩٩٥ - وقوله: "عَلَيه خَمِيصَة" (ص ١٦٧٤).
قال الأصمعي: الخمائص ثياب خَزٍّ أو صوفٍ مُعْلَمَةٌ كانت من لباس النّاس.
٩٩٦ - وقوله: "نَهَى رسول الله ﷺ عن الضّرب في الوَجهِ وعن الوَسْمِ فيِ الوجهِ (ص ١٦٧٣).
(قال عَبد الوهاب تكره السّمة في الوجه) (٢٣) ولا تكره في غيره لأنه ﵊ نهى عن السّمة في الوجه وأرخص فيها في الأذن قال: ويجوز في غيره لأنّ بالنّاس حاجة إلى علامات يعرفون بها بهائمهم.
стр. 1186
٩٩٧ - قوله ﷺ : "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ والمستَوصِلَةَ" (ص ١٦٧٦).
قال الشّيخ: وَصْل الشَّعَر عِندَنَا مَمنوع للحديث قال القاضي عبد الوهاب: والمعنى فيه أنّ فيه غرورًا وتدليسًا.
وأمّا الواشمة والمستوشمة (١٦٧٧) فقد قال أبو عبيد: الوَشم في اليَد وذلك أنّ المرأة كانت تغرز ظهر كفها أو مِعصَمِهَا بإبرة أو مِسَلَّةٍ حتى تؤثّر فيه ثم تحشوه بالكحل أو بالنَّؤُورِ (٢٤) فيخضرّ بفعل ذلك بدارات ونقوش يقال منه قَد وَشَمَت تَشِم وشماً فهي وَاشمة والأخرى موشومة ومستوشمة.
٩٩٨ - وقوله: "والمتَنَمِصّاتِ" (ص ١٦٧٨).
قال أبو عبيد: النّامصة التّي تنتف الشعر من الوجه ومنه قيل للِمنقاش المِنماص لأنّه ينتِف والمتَنمِّصَة التي يفعل ذلك بها.
٩٩٩ - والمتَفَلِّجَاتِ" (ص ١٦٧٨).
الفلج في الأسنان والمراد أنها تعالج أسنانها وكذلك الواشرة المذكورة في غير هذا الموضع هي الّتي تَشر أسنانها تُفلّجها وتحدّدها حتى يكون لها أُشرُ والأشر تَحَدّد وَرِقَّة في أطراف الأسنان ومنه قيل ثغر مؤشر وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبّها بأولئك.
стр. 1187
١٠٠٠ - قوله: "المتَشَبِّع بِماَ لمَ يعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زورٍ (ص ١٦٨١).
المتشبّع المتكثّر بأكثر مماّ عندهِ يَتَصَلَّف به وهو الرّجل الذي يرِي أنّه شَبعان وليس كَذَلِكَ وتفسير ثَوبي زورٍ هو أن يَلبس المرائي ثياب الزهّاد يرِي أنّه زاهد وقال غيره هو أن يلبس قميصا يصل بكُمّيه كُمين آخرين يرِي أنّ عليه قَمِيصَين.
١٠٠١ - قال الشّيخ وفّقه الله: خرّج مسلم هذا الحديث: "عن محمّد ابن عبد الله بن نُمَير قال حدّثنا وَكِيع وَعبدة عن هِشَام عن أبيه عن عائشة ﵂ أنّ امراة قَالَت: يَا رسول الله إن تشبّعت من زوجي الحديث (ص ١٦٨١).
ثم أردف عليه أبو العلاء ابن ماهان عن مسلم حدّثنا أبو بكر (٢٥) نا أبو أسامة ونا إسحاق بن إبراهيم نا أبو معاوية كلاهما عن هشام.
بهذا الإسناد قال بعضهم (٢٦) هذه المتابعة لا تصحّ أن تكون على أثر حديث ابن نمير هذا وإنّما أتت في رواية الجلودي وغيره على أثر حديث ابن نمير عن عبدة عن هشام عن فاطمة عن أسماء قالت (٢٧) جاءت امراة إلى النّبيء ﷺ فَقَالَت إنّ لي ضَرَّةً الحديث، قال عبد الغني وقع في نسخة ابن ماهان حديث أبي بكر وإسحاق على أثر حديث ابن نمير عن وكيع
стр. 1188
عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ يزعم أنّه مثل الأوّل وهذا خطأ قبيح لأنّه عند غيره يعقب حديث فاطمة عن أسماء قال: وليس يعرف حديث هشام عن أبيه عن عائشة إلاّ من حديث مسلم عن ابن نمير من رواية معمر بن راشد، وقال الدّارقطني في كتاب العلَل في حديث هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ إنّما يروي هذاَ معمر ومبارك بن فضالة ويرويه غيرهما عن فاطمة عن أسماء وهو الصّحيح، وقال في إخراج مسلم حديث هشام عن أبيه عن عائشة لا يصحّ والصّواب حديث عبدة ووكيع وغيِرهما عن هشام عن فاطمة عن أسماء (٢٨).
стр. 1189
كتاب الأدب (١)
١٠٠٢ - قوله ﷺ : (تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَتَكَنَّوا بِكُنْيَتي) (٢) فإنّما بعثت قاسما أقسم بينكم" (ص ١٦٨٢ - ١٦٨٣).
قال الشّيخ: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنّ هذا مقصور على حياة النّبيء لأنه قد ذكَر سَبَبَ الحديث أنّ رجلا نادى يا أبا القاسم فالتفت النّبي ﷺ فقال لم أعْنك إنّما دعوت فلانا فقال النّبي ﷺ تَسَمَّوا باسمي الحديثَ، وقد أجاز مالك أن يتسمّى محمّدا ويكتنيَ بأبي القاسم وقد كان محمد ابن أبي بكر جَمَع الأمرين الكنية والإسم وجماعة من المحمَّدين ولم يُنْكَرْ ذلك عليهم وقد أخذ بعض النّاس بظاهر هذا الحديث ولم يقصره على زمن النّبي ﷺ .
стр. 1190
١٠٠٣ - قوله: نَهَانَا أن نسَمِّيَ رَقِيقَنَا أربَعَةَ أسماَءٍ أفلَحَ وَرَبَاحٍ وَيَسَارٍ ونَافِعِ (ص ١٦٨٥).
قال الشّيخ: هذا لأنّه قد يدعى فيقال أثَمَّ أفلح أثَمَّ رباح فيقال: لا فيستثقل ذلك لأجل كراهية فقد مَعَاني هذه الأسماء وقد ذكر مسلم هذا التّعليل في بعض الطّرق والأسماء تكرهَ لمعان أحدها ما ذكرناه.
والثاني كما ذكره مسلِم أنَّه غَيرَّ عاصية بِجَميلة (ص ١٦٨٦) لقبح المعنى المشتقّ منه لفظ عاصية.
وقد يكره أيضا لأنّ فيه تَزكِيَة للنفس وذكر مسلم أنه ﷺ "نهى عن هذا الاسم وسمّيت برّة فقال ﷺ : لا تزكُّوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم فقالوا: بِمَ نسمّيها؟ قال سَمُّوهَا زَينَبَ" (ص ١٦٨٧).
وفي بعض طرقه فحوَّل اسمها جويرية (ص ١٦٨٧) وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة وهذا يعود إلى المعنى الأوّل.
١٠٠٤ - وقد يكره لما فيه من التعظيم والكبر كالتسمية بِمَالِكِ الأملَاكِ وقد جاء فيه حديث ذكره مسلم أنّ أخنَعَ اسمٍ عند الله رَجلٌ تسمّى مَلِكَ الاملاك (ص ١٦٨٨) ومعنى أخنعَ أذَلُّ وأوضعٌ.
١٠٠٥ - وقوله في بعض طرقه: أغيَظ (ص ١٦٨٨).
مصروف عن ظاهره والباري سبحانه لا يوصف بالغيظ وقد يريد به
стр. 1191
ها هنا معنى الغضب وقد تَقَدَّمَتِ الإشارة إلى معنى الغضب والرّحمة وبسطنا القول في إطلاق هذه التّسميات والمراد ما يكون عنها على حسب ما تقدّم بيانه في مواضعه.
١٠٠٦ - وقوله: يهنأ بعيرا له (ص ١٦٨٩).
قال أبو عبيد: يقال: هَنَأت البعير أهنؤهُ، وأهنئه والِهناء القَطِرَان قال الشاعر. [الكامل]
متبَذِّلاً (٣) تبدو مَحَاسِنُهُ ... يَضع الِهنَاءَ مَواضِعَ النُّقْبِ
ومعنى فغرفاه أي فتحه (ص ١٦٨٩).
١٠٠٧ - قال الشّيخ: خَرّج مسلم في باب تسمية المولود حديث أنس ابن مالك قال ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الحديث ثم قال نا أبو بكر نا يزيد ابن هَرون أرنا ابن عَون عن ابن سيرين عن أنس بن مالك هكذا في الإسناد ابن سيرين غير مسمّى (ص ١٦٨٩).
وأخرجه البخاري عن مَطَرٍ عن يزيد عن ابن عون عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك فسماّه.
стр. 1192
١٠٠٨ - قوله ﷺ : "أبَا عُمَيْر مَا فَعَل النُّغَير" (ص ١٦٩٢).
قال الشّيخ: فيه جواز الصَّيد في المدينة وقد تقدّم ذكره وجواز التكنية للصّغير ولا يكون كذبا واستعمال التّسجيع في بعض الأحايين.
١٠٠٩ - قول أبي موسى: إنّ عمر أرسل إليّ أن آتِيَه فأتَيت بَابه فسلّمت ثلاثًا فلم يردّوا علي فرجعت (٤) وقد قال ﵇ إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع فقال عمر اقِم عليه البَيّنَةَ وإلاّ أوجَعتكَ (ص ١٦٩٤).
قال الشّيخ الاستئذان مشروع وقد جاء الحديث بكونه ثلاثًا واختلف أصحَابنَا إذا ظنّ أنّه لم يُسمع هل يزيد على هذا العدد فقيل لَا يزيد عليه أخذا بظاهر الحديث وقيل له ان يزيد عليه لأنّ التكرير المذكور في الحديث قد يكون يراد به الاستظهار في الإعلام فإذا ظنّ أنّه لم يُعْلَمْ به فَلَه الزّيادة. ليُعلم به، وقال بعض أصحابنا هذا إذا كان الاستئذان بلفظ السّلام وأما إذا كانَ أن يستدعيَ رجلا باسمه فلَه أن يدعوَه فوق (٥) الثلاث.
والاستئذان صورته أن يقول السّلام عليكم وهو بالخيار بَين أن يسمى نفسه مع هذا أو يقتصرِ على التّسليم وقد ذكر مسلم في بعض طرقه أنّ أبا
стр. 1193
موسى قال السّلام عليكم هذا عبد الله بن قيس السّلام عليكم، هذا أبو موسى السّلام عليكم، هذا الأشعري (ص ١٦٩٦) فأضاف إلى السّلام تسميته وخالف بين ألفاظها طلبًا للتعريف لئَلَاّ يكون جُهل الأول فعرف بالثاني وكنّى نفسه لعلّه ظن أنَّ به يعرف.
وقد تعلّق من ردَّ خَبرَ الواحد بقول عمر لأبي موسى أقم عليه البَيّنة وإلاّ أوجعتك وهذا لا تعلّق فيه لأنّ من يرد خبر الواحد لا يلزمه أن يضرب المخبِّر إذا لم يتبين كذبه وعمر قد تهدّده ها هنا. فقال بعض النّاس إنّما هذا حرص على التّقليل من الخبر عن النّبي ﷺ ولئلاّ يكون إكثار الثقات سببا لتَقَوُّل الكَذَبَة على رسول الله ﷺ ما لمَ يُقل، وقد رويَ عن عمر ﵁ أنّه قال أقلّوا الخبر عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم قيل معناه شريككم في التّقليل. ومما يؤيد أنّه لم يذهب المذهب الذي ذهبوا إليه أنّه قال له في بعض طرق مسلم يا أبا موسى أَوَجَدتَ؟ قال: نعم أبيّ بن كعب قال عَدْل؟ قال يا أبا الطفيل ما يقول هذا قال سمعت النّبيء ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطّاب فلا تكوننّ عذابا على أصحاب رسول الله ﷺ قال سبحان الله إنّما سمعت شيئا فأحببت أن أتَثَبَّت (ص ١٦٩٦).
وقيل: إنّما ذلك لأنّه صار كالدّافع عن نفسه والمعتذر عن فعله فَطلَبَ شهادة غيره.
وقوله: ألهْانيِ عنه الصَّفق بالأسواق (ص ١٦٩٥).
قال الأزهري الصَفَّاق الكثير الأسفَار والتصرف في التجارة، قال غيره لعلّهم كانوا يصفِّقون أيديهم عند المبايعة فسمّيت المبايعة بذلك، فيكون المراد ألهاني التَّجر في الأسواق.
стр. 1194
١٠١٠ - وأمّا الحديث الآخر في المطَّلِعِ من باب النّبيء ﷺ .
وقوله ﷺ : "لَو أعلم أنك تَنظر لَطَعَنت بِهِ في عَينِك." وفي بعض طرقه من اطَّلَع في بَيتِ قَومٍ بِغَير إذنِهِم فقد حلّ لهم أنَ يَفقؤوا عينه، وفي بعض طرقه لو أَنّ رجلاً اطّلع عليك بغير إذن فَحذفتَه بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح (ص ١٦٩٨ - ١٦٩٩).
فقد تقدّم الكلام على هذه الأحاديث وذكرنا الخلاف بين العلماء وبين أصحابنا في ضمان العين لو فقِئت على هذه الصّفة عند كلامنا على المعضوض إصبعُه فأندَر ثَنِيَّة العاضّ فيطالَع هناك.
وقوله ﷺ ها هنا: فقد حلّ لهم أن يفقَؤوا عينه محمله على أنّه لم ينزجر ولا قَدروا على كفّه عن النّظر إلى عورتهم إلاّ بفعل أدّى إلى ذهاب عينه.
١٠١١ - قوله ﷺ : يسَلِّم الرّاكب على الَماشيِ والماشي على القاعدِ والقليل على الكثير (ص ١٧٠٣) (٦).
قال الشّيخ وفّقه الله- ابتداء السّلام سنّة وردّه واجب هذا المشهور عند أصحابنا أو هو من عبادات الكفاية التي فِعل الواحد ينوب فيها عن الجميع ولهذا يجزىء أن يبتدىء من الجماعة واحد وَيَردّ منها وَاحد، وقال أبو يوسف لابدَّ أن تَردَّ الجماعة كلُّها، وإنّما شُرِع سلام الرّاكب على
стр. 1195
الماشي لفضل الرّاكب عليه من باب الدّنيا فَعَدَّل الشرع (٧) بأن جعل للماشي فضيلة أن يبَدَّأ، واحتياطا على الرّاكب من الكبر (٨) والزَّهو إذَا حاز الفضيلتَين وإلى هذا المعنى أشار بعض أصحابِنَا وإذا تلاقى رجلان كلاهما مَارٌّ في طريق بَدَأ (٩) الأدنى منهما على الأفضل إجلالا للفضل وتعظيما للخير لأنَّ فضيلة الدّين مرعية في الشّرع مقدمة.
وأمّا بدء (١٠) المارّ للقاعد فلم أرَ في تعليله نَصًّا ويحتمل أن يجري في تعليله على هذا الأسلوب. فيقال إنّ القاعِدَ قد يتوقّع شرًا من الوارد عليه أو يوجس في نفسه خِيفةً فإذا ابتدأه بالسّلام آنس إليه، ولأن التصرف والتردد في الحاجات الدنيوية وامتهان النفس فيها ينقص من مرتبة الُمتَصَاوِنين والآخذين بالعزلة تورعا فصار للقاعدين مزيّة في باب الدين فلهذا أمر ببِدَايتهم أو لأنّ القاعد يشقّ عليه مراعاة المارين مع كثرتهم والتشوّف إليهم فسقطت البداية عنه وأمر بها المار لعدم المشقة عليه.
وأمّا بداية القليل للجماعة الكثيرة فيحتمل أيضا أن تكون الفضيلة للجماعة، وَلهِذا قال الشَّرع عليكم بالسواد الأعظم، ويد الله مع الجماعة فَأمر ببدايتهم لفضلهم أو لأنّ الجماعة إذا بدؤوا الواحد خيف عليه الكبر والزّهوّ فاحتيط له بأن لا يُبدأ وقد يحتمل غير ذلك لكن ما ذكرناه هو الذي يليق بما قدّمناه عنهم من التّعليل، ولا تحسن معارضة مثل هذه