← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأما البوم فالأنثى منه تسمى الهامة والذكر يسمّى صدًى. وأمّا قوله: "ولا غولَ" فإنّ العرب تقول إنّ الغيلان في الفلوات تراءَى للنّاس فتتغوّل تغولا أي تتلوّن تلوّنا فتضلّهم عن الطريق فتُهلكهم وقد ذكروها في أشعارهم فأبطل ﷺ ذلك. وأمَّا التَّنجِيم: فمن اعتقد اعتقادَ كثير من الفلاسفة في كون الأفلاك فاعلةً لما تحتها وكلُّ فلك يفعل فيما تحته حتى ينتهي الأمر إلَينا، وسائر الحيوان والمعادن والنَّبات ولا صنعَ للباري في ذلك فإنّ ذلك مروق مِنَ الإسلام. وَأمَّا مَن قال لَا فاعل إلَاّ الله جلّت قدرته وهوَ عزّ وَعَلا فَاعِل الكلّ ولكن فَعَل (١٧) الباري سبحانه في هذه الجواهر قوىً طبيعِيَّةً تفعل بها فِينَا كما خلق في النّار قوَّةً وطبيعة تحُرق بها ويحتجّون على ذَلك بمشاهدتهم الشَّمس تسخن وتصلح أكثر النَّباتِ فيقولون على هذا غير مستنكر أن يكون امتزاج قوّة المشتِرَي وزحَل في قرانهما الأصغر يكون من التّأثير عنه كذا وكذا ويَكون التّأثير عن قرانهما الأوسط أعظم لزيادة القوة الطبيعيّة وقرانهما الأعظم يكون (١٨) فيه التأثير مَهولاً عَظِيماً لعظم قوّتهما وزيادة الطبيعة المؤثِّرة بانتقالِهِما على صفة أخرى. ويعتذر الحذّاق منهم المنتسبون إلى الإسلام الغالطون بهذه الشّبهة التي

стр. 1227

هِيَ القياس على ما شوهد من الشّمس على خطئهم في كثير من القضايا بأن يقولوا فإنّ القوّة الحادثة عن امتزاج الكوكبين أو اتّصالهما على بعض صفات الاتصال التي يذكرونها لا يوقف على حقيقتها وإنّما تؤخذ بالحدس والتّخمين فيقع الغلط لأجل ذلك كما يعرف الطّبيب قوّة كل عقَّار على انفراده ولكنّه إذا مزَج الكثير منها لا يقف على حقيقة المزاج المركّب فلهذا لا يقع الشّفاء بكل دواء يَسقِيه ويقولون أيضا وربّما صادمت بعض القوى الأرضيّة القوّى السماوية فمنعتها التأثِيَر فَيغلَط المنَجِّم حِينَئِذٍ وهذا كما أنّ السّم قتال يقضي بذلك الطَّبيب فإذا تقدم شاربه فشرب بَازَهِرَ ذلك السمّ ودرياقه (*) بطل تأثيره وهذا مسلك الحذّاق منهم. والردّ عليهم بأن يبطل القول بالطَّبيعة أصلاً وهذا مستقصىً في كتب الأصول ومن أقَرَّ به أنّ الفاعل مِن شرطِهِ أن يَكون عَالمِا قَادرا حيّا والطبيعة ليست كذلك عندهم ولو صحّ إضافة الفعل إلىَ قوّة مّا وليست بحيّة ولا عالمة صحَّ إضافة الفعل إلى الموتى منّا، ويقع هؤلاء في نفي الَباري سبحانه وَلَا حاجةَ على أصلهم إليه ولا دليل يقوم على إثبات فاعل عالمٍ مختار وما المانع على أصلهم من أن يكون الذي يسَمُّونَه واجبَ الوجود يفعل بقوّة فيه من غير (١٩) أن يكون عالما ولا حيّا كما صحّ أن تفعل الطَّبَائع عندهم وليست بحيّة ولا عالمة ومن صرّح بهذا وَضَحَ (٢٠) كفره وأيضا فَإنّ هذه القوّة لَا يَقدِرونَ عَلىَ بَيَانهِا ولانزال نضطرُّهم إلى تفسيرها حتّى يلحقوها بالجواهر أو بالأعراض وكلاهما لا يصحّ منه خلق الأجسام ولا الفعل في غيره وأيضا فإنّ المعوَّل عندهم على القياس على المشاهدة على حسب ما قالوه في الشّمس ومن شرط أفعال المحدثات بعضها في بعض أن تكون باتصال ومماسة أو بوسائط، وزحل في الفلك

стр. 1228

السّابع عندهم والإنسان في الأرض التي هي غير (٢١) محسوسة عندهم بإضافتها إلى فلك زحَل لا اتصال بينه وبين زحل ولا وسائطَ يتّصل بعضها ببعض حتّى ينتهي الأمر إلى الإنسان، وقصارى ما يشبّهون به الهواء فإنه يتّصل بالإنسان في كلّ مكان وهو يتّصل بما فوقه هكذا إلى زحل. وهذا باطل من طريقتين إحداهما أنّ القوّة التي يقبلها الهواء (٢٢) التبريد والتسخين والرطوبة واليبس فهب أنا سَلَّمنا لهم وقوع بعض الأمراض لتغير الهواء بفعل زحَل فيه فلِمَ اختصّ المرض بهذا الإنسان والهواء شامل؟. وما الحيلة فيما يجري على الإنسان من غير الأمراض كضرب عنقه أو زوال رياسته أو ذهاب مالِه هذا بَعيد أن يظن به أنّه من قِبل تغيرّ الهواء، وأيضا فإنّ الكرَة التي عندهم تعلو الهواءَ وهي النّار يجب إذا وصلت قوّة زحَل إلَيها أن تنقلب إلى طبيعَةِ النّار وتتغيرّ عن حقيقتها بمصَادمة قوّة ثانية مضادّة لها فلا تصل القوّة إلى الهواء (٢٣) على حالها فتفعل فيه، وأيضا فإنّه ما حَصَل لهم أكثَر من اقتران جِسمين زعموا أنهّما يؤثّران فيما تحتهما فلو ادَّعى مدّع أنّ ما تحتهما أثَّر فيهما ما الذي يكون جوابه؟، وكون الشّيء فوق أو تحت لا حظَّ له عندهم في القوّة الفاعلية، ولو زعم زاعِم أن بَعض اتصَالات الزُّهرَةِ وعطَارِد أو الشّمس أثَّر ما أضافوه إلى زحل أو كَسبَ زحلاً قوّة على التَأثير، ماذا يكون جوابه؟ وليس لهم (٢٤) جواب

стр. 1229

إلا أن يقولوا فإنّا نشاهد هذا التّأثير عند قِران هذين الثقيلين سواء كان ما تحتهما على ما قلتموه أو لم يكن، قلنا وأنتم أيضا تشاهدون هذا القِرانِ يكون ولا يؤثّر (٢٥) ما يجب تأثيره عندكم فإذا سئلتم عن هذا قلتم كان في البرج من الكواكب الثّابتة (٢٦) ما أبطل فعله فإذا أريناكم في قران آخر تلك النصبَة بعينها ولم تؤثّر قلتم كان قبله من قوَّة الاجتماع أو الاستقبال ما أبطل فِعلَه فإذا أريناكم هذه النصبة أيضا بعينها (٢٧) ولم تؤثّر قلتم كان طالع التحويل يمنع هذا التأثير فإذا أيضا عدنا للمناقضة قلتم كان برج الانتِهاءِ من صفته كذا وكذا معاذير لا تفرغ فلا تنكروا (٢٨) على من يقول فإن ما تحته من الكواكب إنما تؤثّر هذه المرّة لعلّة (٢٩) كذا وكذا ولا أقلَّ من أنّه يدَّعِي أمرا (٣٠) ويذكر اتصالا ويحيل عليه ولا قدرة لكم على منعه منه إلاّ بفوائد تَطَّرد في ذلك النّصب وهذا لا يتّفق تكرّره مع عَدَم المعاذير وكيف يتَصور تأثِير الطَّبيعَةِ بأنّ انتهاء عمرِ المولود كذا وكذا وهذا (٣١) لا مدخل له في الطّبيعة حتى يقدّر فاعلا أو مانعا وهذه الطريقة أيضا تضعِّف طريقة الإسلاميّين منهم الذين يقولون لا خالق إلا الله وإنّما هي دلالة (٣٢) على الغيوب بدلالة أجراها الباري جلّت قدرته كما أجرَى الغيوم والسُّحبَ الثقيلة دلالة على الأمطار وإن كانت ربما خابت لأنّ ما يذكرونه من الطرق التي تتحصل المعرفة منها تتسع جدّا ولا تنضبط والحذّاق منهم يعترفون بهذا.

стр. 1230

وقد حاول القاضي ابن الطيّب الاعتضاد في الردّ عليهم بالسّمعيات وما وقع من العمومات في أن لا يعلم الغيب إلاّ الله وما وقع أيضا من الآثار عن النّبيء ﷺ في النّجوم بالتّخصيص وهذا القدر كافٍ وإنّما نشير إلى اللّباب في كل طريقة. ١٠٣١ - وأمّا قوله: يَقُرُّهَا فيِ أذُنِ وَلِيِّه قَرَّ الدَّجَاجَةِ (ص ١٧٥٠). يقال قررت الخَبرَ في أذنِه أقُرّه قَرًّا أودَعته وَقر الطّائر قَرِيرًا صوّت قاله بعضهم وقال غيره، قرّت الدّجاجة قرًّا وقريرا وفي رواية الفِرَبرِي عن البخاري قِرَّ الدجاجة بكسر القاف وهو حكاية صوتها قال الخطابي في غريبه قرّت تقرّ قرّا وقريرا وإذا رَجَّعَت فيه قيل قرقرت قرقرة وقريرا. قال الشاعر: [الطويل] وإن قرقرت هاج الَهوَى قَرقَرِيرهَا وقال آخر: [الرمل] صوت الشِّقراق إذ (٣٣) قال قرر فأظهر التّخفيف على حكاية، قال والمعنى أنّ الجنيّ يقذف بالكلمة (٣٤) إلى وليّه الكاهن فيتسامع بها الشّياطين كما تؤذّن الدّجاجة بصوتها صواحباتها فتتجاوب، قال: وفيه وَجه آخر وهو أن تكون الرّواية كقرّ الزّجاجة تدلّ عليه رواية البخاري فَيقِرُّها في أذنه كما تَقِرّ القارورة فذكر القارورة في هذه الرواية يدلّ على ثبوت الرّواية بالزجاجة.

стр. 1231

كتاب قتل الحيّات وغيرها (١) ١٠٣٢ - قوله ﷺ : "اقتلوا الحيات وذا الطُّفيَتَين (٢) والأبتر فَإنّهماَ يستسقِطَان الَحبَل وَيَلتَمِسَان البَصَرَ". وفي بعض طرقه [اقتلوا الَحيَّاتِ والكِلاب واقتلوا ذا الطُّفيَتَين والأبتر، وفي بعض طرقه قد نَهَى عن دَوابّ (٣) البيوت وفي بعض طرقه] (٤) نهي عن قَتل الِجنَّان التي تَكون في البيوت إلّا الأبترَ وذا الطُّفيَتَين. وذكر حديثَ الفتى الذي قتَل الحيّة فمات فقال ﷺ إنّ بالمدينة جِنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شَيئًا فَآذِنوه ثلاثة أيّام فإن بدا لكم بَعد ذلك فاقتلوه فإنّما هو شيطان، وفي بعض طرقه أنّ لهذه

стр. 1232

البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرّجوا عليها ثلاثا. فإن ذَهَب وإلاّ فاقتلوه فإنّه كَافِر (ص ١٧٥٢ الى ١٧٥٧). قال الشّيخ وفّقه الله: أمَّا حيات المدينة فإنها لا تقتل بغير إنذار لهذا الحديث المذكور فيها، وأمّا ما سواها من البلاد فإنّ مالكا يَنهى عن قتل حيّات البيوت بغير إنذار ولكنّه يرى ذلك في حيّات المدينة آكد وابن نافع قَصرَ الحديث على ما ورد فيه من حيّات المدينة ورأى سائر البلاد بخلافها لِماَ ورد من إباحة القتل عامّا وقد قال ﷺ اقتلوا الحيّات وذكرها ﷺ في الَخمس التي يقتلها المحرم والحلال في الحلّ والحرم ولم يذكر إنذارا فأخذ هذه الأحاديث على عمومها وخصَّ المدينة بالحديث الوارد فيها من هذا العموم. وأمّا صفة الإنذار فحكى ابن حيب عن النبّي ﷺ أنّه قال انشدكنّ بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان أن تؤذيننا وأن تظهرن لَنَا (٥) وأما مالك فإنّه قال يكفي في الإنذار (أن تقول) (٦) أحَرِّج عليكِ بالله واليَومِ الآخر أن لا تَبدوَ لنا ولا تؤذِينَا وأظنّ مالكا إنّما ذكر هذا لما وقع في كتاب مسلم فحرّجوا عليها ثلاثا فلهذا ذكر أحرّج عليك. وأمَّا قوله: "ذَا الطُّفيَتَين". فقال أبو عبيد الطُّفْيَةُ خوصة الُمقْلِ وجمعها طفىً وأراه شبّه الخطين

стр. 1233

اللّذين على ظهرها بخوصتين من خوص المقل وقال بعض أصحابنا هما خطّان أبيضان على ظهر الحيّة. والِجنَّان الحيّات وهي جمع جَانّ والَجانُّ الحيّة الصغيرة. وأمّا الأبتر فهو الأفعى وحكى ابن مزين عن عيسى أنّه حمل على المذهب أنّ الأبتر وذا الطُّفيَتَين يقتلان ولا ينذران وقد تقدّم استثناؤهما في كتاب مسلم. ١٠٣٣ - وَتقتَل الوَزَغ وقد ذكر مسلم أنه ﷺ أمَرَ بِقَتلِه وَسَمَّاه فوَيسِقًا وذكر عنه ﷺ أنّه قَال من قتَل وَزَغَةً في أوَّلِ ضرَبَةٍ فَله كذا وكذا حسنة وَمَن قتَلَها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى وقال في الثّالثة دون الثانية وفي بعض طرقه في الأولى مائة حسنة. (ص ١٧٥٧ - ١٧٥٨). ١٠٣٤ - وأمّا النّمل فيكره قتلهم (٧) إلا أن يؤذوا وَلَا يقدَر (٨) على دفعهم إلاّ بالقتل فيستخفّ (٩) ولا تحرق بالنَّار ولا القمّل لا تحرق وقد ذكر مسلم أنّ نملة قرصَت نبيًّا من الأنبِيَاءِ ﵈ فَأَمَر بقرية النّمل فَأحرِقت فَأوحى الله إليه أفي أن قَرَصَتكَ نَملَة أهلَكتَ أمَّةً من الأمَم تسبّح وفي بعض طرقه فَهَلاّ نَملَةً وَاحِدَةً (ص ١٧٥٩).

стр. 1234

قال بعض أصحابنا: ويُكره قتل الضفدَع لِلنَّهي عنه ولأِنه لا أذِيَّة فيه. ١٠٣٥ - قوله ﷺ : "قال الله سبحانه (١٠) يؤذِيني ابن آدمَ يَسبّ الدّهر وَأنَا الدَّهر. أقَلِّب اللَّيلَ والنَّهَارَ." وفي بَعضِ طرقِهِ يقول: يا خَيبَةَ الدَّهر فَلَا يقولنَّ أحَدكم يَا خَيبَةَ الدَّهر فإنيّ أنَا الدَّهر أقلِّب لَيلَه وَنَهَاره فَإذا شئت قَبَضتهما وفي بعض طرقِه لَا يَسبُّ أحدكم الدّهر فَإنِ الله هو الدَّهر ولا يَقولَنَّ أحَدكم لِلعِنَبِ الكَرم فَإنَّ الكَرم الرّجل المسلم وفي بعض طرقه لا تَقولوا كَرم فَإن الكَرْمَ قلب المؤمن وفي بعض طرقه لَا تسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ فإن الكَرْمَ المسلِم ولكن قولوا: العِنَب والَحبْلَةَ (ص ١٧٦٢ إلى ١٧٦٤). قال الشيخ: أمّا قوله: فإن الله هو الدهر فإنّ ذلك مَجَاز والدّهر إن كان عبارة عن تعاقب اللّيل والنَّهار واتصالهِما سرْمَدًا فمعلوم أنّ ذلك كلَّه مخَلوق وأنّه أحَد أجزَاء العَالمَ المخلوقة فلا يصحّ أن يَكونَ الَمخلوق هو الخَالِق، وإنّما المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعَال لِغَير الله جَهلاً بكونه خَالِقَ كلّ شيءٍ ويجَعلون له شريكًا في الأفعال فأنكر عليهم وأراد أنّ الذي يشيرون إليه بأنّه يَفعَل هذه الأفعال هو الله جلَّت قدرَته ليس هو الدهر وَهذا كما لو قال قَائِل: القاضي فلَان قَتَل فلانا الزّاني فيقول الَاخر: الشّرع قَتَله لم يقتله القاضي (١١) أو يقوك: الشَّرع

стр. 1235

هو القاضي وإنّما يعني أنَّه يِجَب إضَافَة الشيءِ إلى مَا هو الأصل فيه أو التّنبِيه على غلط القائل وإرشادِه لِمَوضِع الصَّوَابِ إذا ظُنَّ به أنَّه خفي عَنه. وأمّا قوله: "يؤذِيني ابن آدَمَ". فمجاز والباري سبحانه لا يَتَأذّى مِن شيءٍ فيحتمل أن يريد أنّ هَذَا عِندكم أذًى إذَا قَالَه بَعضكم لِبَعض لأنّ، الإنسان إذا أحَبّ آخَرَ لمَ يَصِحَّ أن يَسبَّه لِعِلمِه أنَّ السَّبَ يؤذِيهِ وَالَمحَبَّة تمنع من الأذَى ومن فعل ما يكرهه المحبوب فكأنّه قال يفعل ما أنَهاه عَنه وما يخالفني فيه والمخالفة فيها أذى فيما بينكم فتُجوِّز فيها في الباري سبحانه. وأمَّا نهيه ﷺ عن أن يسمَّى العِنَب كَرْمًا وَذَكَر أنَّ الكَرم قلب المؤمن فإنّما محَمَله عند أهل العلم علىَ أنّه لماّ حرّم الخمر عليهم وكانْت طباعهم تحثّهم على الكَرم ونفوسهم مجبولة عليه كره (١٢) ﷺ أن يسمَّى هذا المحرَّم باسمٍ وضِع لمَعنَى يِهيج طِبَاعَهم إلَيه عند ذكره وَتَهَشُّ نفوسهم نحوه عند سماعه فيكون ذلك كالمحرّك على الوقوع في المحَرّمَات ولهذا ختم بقوله ﷺ إنما الكرم قَلب المؤمِنِ يَعنِي أن الكَرم حبس النّفس عن شَهَواتها وإمسَاكهَا عَن المحرمات عليها فَهذه الَحالَة أحَقُّ بأن تسَمّى كَرمًا. ١٠٣٦ - قال الشّيخ -أيّده الله: خرّج مسلم في باب قتل الوَزَغ (حديث سهَيل ابن أبي صالح عن أبيه (١٣) عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ

стр. 1236

قال: من قتلَ وَزَغَة في أوَّلِ ضربة فله كذا وكذا الحديث ثم عقب بعد ذلك بقوله) (١٤) حدّثنا محمد بن الصَّبَّاح نا إسماعيل بن زكرياء عن سهَيل حدّثني أخي واختي (١٥) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنّه قال في أوّل ضربة سبعين حسنة (ص ١٧٥٨ - ١٧٥٩). هكذا روي هذا الإسناد عن أبي أحمد الجلوديّ سهيل حدّثني أخي عن أبي هريرة وفي نسخة أبي العبّاس الرّازي عند أبي أحمد حدّثتني أختي (١٦) وكذلك وقع في نسخة عن الكسائي (ووقع في نسخة أبي العلاء في هذا الإسناد سهيل قال حدّثني أبي عن أبي هريرة وفي كتاب الأطراف لأبي مسعود الدّمشقي قال سهيل حدّثني أخي عن أبي هريرة) (١٧) ووقع في كتاب أبي داود في السّنن بهذا الإسناد عن سهيل قال حدّثني أخي أو أختي ووقع في نسخة أبي العلاء بن ماهان قال سهيل حدّثني أبي (قال بعضهم: وهو خطأ قال عبد الغني: إسماعيل بن زكريا يقول في هذا الإسناد: وحدّثني أخي ولكن كذا وقع في أصل أبي العلاء حدّثني أبي) (١٨).

стр. 1237

١٠٣٧ - قوله في الحديث: "إنَّ امرأة بَغِيًّا رأت كلبا قَد أدلَعَ لِسَانَه من العطش" (ص ١٧٦١). البَغِيُّ الفَاجِرة وقد تقدّم ذكرها. وقوله: قد أدلع لسانه أي أخرج لسانه يقال دَلَعَ لِسَانه وَأدلَعَه فَدَلع اللّسان أي فَخَرَجَ. قوله: ولكن قولوا الحبْلَةَ. يعني العنب الحبلة هي أصل الكَرمة. ١٠٣٨ - وقوله: "لَقِسَت نَفسي" (ص ١٧٦٥). أي غَثَت. ١٠٣٩ - وقوله: "استَجمَرَ بألوّة غيِر مطَرّاةٍ" (ص ١٧٦٦). قال الأصمعي الألوّة العود الذي يتبخّر به وأراها كلمة فارسية عرّبت. قال أبو عبيد وفيها لغتان الأَلوّة والأُلوّة بفتح الهمزة وضمّها قال الشّيخ: وحكى غيره عن الكسائي عود أَلُوّة وَأُلُوَّة وإليّة، وقال غيره: الألوّة وفيه لغات مخفّف ومشدّد وبكسر الهمزة وبضمّها وفي كتاب الهروي وقال بعضهم لوّة وليّة وتجمع الألوّة ألَاويَّة.

стр. 1238

١٠٤٠ - قوله: "لَا يَقولَنّ أحَدكم عبدي وأمتي كلُّكم عَبيد الله وكلّ نسائكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وخادمي وفَتَاي وَفَتَاتيِ، وفي بعض طرقه ولا يقول (١٩) العبد ربيّ ولكن ليقل سيّدي، وفي بعض طرقه ولا يقول العبد لسيّده مولاي وفي طريق آخر لا يقل أحدكم اسقِ رَبّكَ أطعِم رَبَّكَ وَضِّىء ربّك وليقل سَيِّدي وَمَولَاي (ص ١٧٦٤ - ١٧٦٥). قال الشّيخ: قال ابن شعبان في الزّاهي: لا يقل السيّد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربيّ ولا ربّتي وذكر حديثا في ذلك رواه وهو نحو مِماّ في كتاب مسلم.

стр. 1239

باب الشعر (١) ١٠٤١ - قال الشّيخ -أيّده الله-: خرّج مسلِم في باب الشّعر والإنشاد حدّثنا زهير بن حرب، وأحمد بن عبدة جميعًا عن ابن عيينَةَ عن إبراهيم ابن ميسرَة عن عمرو (٢) بن الشريد أو يعقوب بن عاصم بن الشريد عن الشريد قال أرْدَفَني رسول الله ﷺ خلفه" (ص ١٧٦٧). هكذا إسناد هذا الحديث ووقع عند أبي العلاء بن ماهان عن الشّريد عن أبيه وَهَذَا وَهم والشَّرِيد هو الرّاوي عن رسول الله ﷺ لا أبوه وهو الشّريد بن سوَيد الثَّقفي.

стр. 1240

١٠٤٢ - قوله ﷺ : "لأن يمتَلىِءَ جَوف أحدكم قَيْحًا حتى يَرِيَه خَير مِن أن يَمتَلىِءَ شِعرًا" (ص ١٧٦٩). قال أبو عبَيد: قال الأصمَعِي هو من الوَري على مثال الرَّمي وهو أن يَدوَى جوفه يقال منه رجل مَورِيُّ مشددّ غير مهموز، وقال أبو عبَيدة هو أن يأكل القَيح جَوفَه، قال صَاحِب الأفعال وَرِيَ الإنسان والبعير دَوِيَ جَوفه ووراه الدّواء وَريًا أفسد جَوفَه وَوُرِي الكلب سعِرَ أشَدَّ السُّعار، قال أبو عبيد وقوله ﷺ خَير له من أن يَمْتَلىءَ شِعرًا قال بعضهم يعني من الشّعر الذي هُجِيَ به النّبي ﷺ ، والذي عندنا في هذا الحديث غير هذا القول لأنّ الذي هجي به النبيّ ﷺ لو كان شطرَ بيت لكان كفرا فكأنّه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه فقد رخّص في القليل منه ولكن وجهه عندي أن يمتلىء قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا بممتلىء من الشعر. ١٠٤٣ - قوله ﷺ : "مَن لَعِبَ بالنَّردشيِر فكَأنّماَ صَبَغَ يَدَه في لحمِ خِنزِيرٍ وَدَمِه (ص ١٧٧٠). قال الشيخ: مالك ﵁ ينهى عن اللّعب بالنَرد والشِّطرنج، ويرى الشّطرنج شرّا من النّرد وألهى منها وهذا الحديث حجّة له وإن كان ورد في النّردشِير قيسَت الشّطرنج عَلَيها لاشتراكهما في كونهما شاغِلَين عَماَّ يفيد في الديّن والدُّنيَا موقِعَين في القِماَر أو التَّشَاجر الحادث فِيهِماَ عِند التّغالب مَعَ كَونِهماَ غير مفِيدَين.

стр. 1241

وقد نَبَّه مالك على هذا بقوله الشطرنج ألَهى وَينهى عن اللّعب القليل والكثير بِقِماَرٍ أو غَيِر قِماَر لأنّ القَلِيل يوقِع في الكَثِير واللَاّعب وإن ترك القِماَر قد يَقَع في القماَر لَكِن ردّ الشهادة لا يكون بركوب كلّ محرم أو مكروه فإن كان لاعب الشِّطرنج قامَر عليها ردَّت شهادته وإن قلّ فعله لذلك، وقال أبو حنيفة: إن كانت محاسنه أكثر من مساويه واجتنب الكبائر جازت شهادته على الجملة، والقمار إذا كان محرّما وتحريمه مشتهرا ويؤذن ركوبه بسقوط المروءة فلا معنى لقبول الشّهادة. وإن لم يقامر عليها فمالك يشترط في ردّ شهادته الإدمان عليها وفسر بعض أصحابه الإدمان بلعبها مرّة في السّنة وهذا تعسّف وبعيد (٣) من لفظ مالك وراعى بعض أصحابنا في ردّ الشهادة انقطاعه بلعبها عن صلاة الجماعات (٤) وراعى بعضهم الحالة الّتي يقع اللّعب عليها فإن أذنت بسقوط المروءة كلعب المتصوّن الملحوظ بعين الَجلَالَة معَ سَفَلَةِ النّاس معلِنًا بذلك سقطتِ الشهادة وإن كان مستَترا بها ملاعبًا لأمثاله من أهل الصَّون في بعض الأحايين لم تردّ الشهادة. وراعى بعض الأصوليّين القصدَ باللَّعب فإن كان لتسلية النّفس وَشغلِهَا عن هموم لزِمتها أو تجويد القريحة وشحذ الذّهن الكَالِّ لم تسقط الشهادة بل يَميل هؤلاء إلى الَجوَازِ على هذه الحالة. وقد حكيَ عن أفاضل من التّابعين لعبهَا وقال بعض شيوخنا لا يثْبت ذلك عنهم وإنّما يتقوّل ذلك أهل البَطَالَة ليجعلوا لأنفسهم أسوة في بطالتهم.

стр. 1242

والشِّطرنج لعب معروف والنَّردشير جنس اَخر من اللَّعب وقد قال بعض الحكماء: كان الأوائل لما نظروا إلى أمور الدنيا فوجدوها تجري على أسلوبين مختَلِفَين منها ما يجري بحكم الاتِّفاقِ ومنها مَا يجَري بحكم السَّعي والتَّحيُّلِ فَوضَعوا النّردَ مِثالا لمِا يجري من أمور الدّنيا بحكم الاتّفاق لتشعر به النفس وتتصَدّاه، ووضعوا الشطرنج مثالاً لما يجري من أمور الدّنيا بحكم السَّعي والاجتهاد لتشعر النفس بذلك وتنهض الخواطر إلى عَمَل مثله في المطلوبات. وإنّما ذكرنا هذا ليعرف منه على الجملة حقيقة اللّغَتَين (٥) حتى يعلَم مِن عِلم حكمِهِماَ حقيقَتهما على الجملة إن لم يكن يعرفهما تفصيلاً.

стр. 1243

كتاب الرّؤيا (١) ١٠٤٤ - قوله ﷺ : "الرُّؤيا من الله وَالحلم مِن الشَّيطَان فإذا حَلَم أحدكم حلماً يكرهه فَليَنفث عن يَسَاره ثلاثًا وَليتعوّذ بالله من شّرها فإنهّا لن تضره". وفي بعض طرقه: "الرُّؤيا الصَالحِة مِنَ الله والرُّؤيَا السّوء من الشَّيطَانِ فمن رَأى رؤيَا فكَرِه منها شَيئًا فَليَنفِث عن يَسَاره وليتعوذ بالله مِن الشَّيطان فإنهّا لا تضرّه ولا يخبر بها أحَدًا فإن رأى رؤيَا حسنة فليستر (٢) وَلا يخبر بها إلاّ من يحبُّ" (ص ١٧٧١ - ١٧٧٢). قال الشّيخ: كثر كلام النّاس في حقيقة الرؤيا. وقال فيها غَير الإسلاميّين أقَاويل كثيرةً منكرةً لمّا حَاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم

стр. 1244

بالعَقل ولا يقوم عليها برهان وهم لا يصدّقون بالسمع فاضطربت لذلك مقالاتهم. فمن ينتمي إلى الطبّ يَنسب جمَيع الرّؤيا إلى الأخلاط ويستدلّ بالمنامات على الِخلطِ الغالب ويقول من غلب عليه البلغم رأى السِّباحة في الماء (٣) أو ما يشبهه لمناسبة الماء في طبيعته طبيعة البلغم، ومَن غلب عليه الصّفراء رأى النّيران. والصعود في الجوّ وشِبهِهِ لمِناسبة النّار في الطّبيعة طبيعة الصفراء ولأنّ خفّتها واتّقادها يخيّل إليه الطَّيرَان في الجوِّ والصُّعود في العلوّ، وهكذا يصنعون في بقيّة الأخلاط، وهذا مذهَب وإن جوّزه العقل وأمكن عندنا أن يجرِيَ البَاري جلَّت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبةِ هذه الأخلاط فإنّه لم يقم عليه دليل ولا اطَّردت به عادة. والقطع (٤) في موضع التّجويز غَلط وجَهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنّا نقطع بخطئهم ولا نجَوّز (٥) ما قالوه إذ لا فَاعل إلاّ الله سبحانه. ولبعض أيمَّة الفلاسفة تخليط طويل في هذا وكأنّه يرى أنّ صور ما يجري في الأرض في العالم العلويّ كالمنقوش وكانّه يدور بدوران الأكر (٦) فما حَاذى بعض النّفوس (٧) منه انتقش فيها. وهذا أوضَح فَسَادًا من

стр. 1245

الأوّل مع كونه تحكّما بما لم يقع عليه برهان، والانتقاش من صِفَات الأجسَام وكثِير ما يجري في العالم الأعراض، والأعراض لا تنتقش ولا ينتقش فيها. والمذهب الصّحيح ما عليه أهل السنّة وهو أنّ الله سبحانه يخلق في قلب النّائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليَقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنّه سبحانه جعلها عَلَماً على أمورٍ أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها. فإذا خلق في قلب النّائم اعتقاد الطّيران وليس بطائر فقصارى ما فيه أنّه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة من يعتقد أمرًا على غَير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد عَلَما [على غيره كما يكون] (٨) خلق الله سبحانه للغيم عَلَماً على المطر والجميع خَلْقُ الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيَا والاعتقادات التي جَعَلها عَلما على ما يسرّ بحضرة الَملَك أو بغير حضرة الشيطان ويخلق ضِدّها مِمَّا هو عَلَم على ما يضرّ بحضرة الشيطان فتنسب إليه مجازا واتّساعا وهذا المعنيّ بقوله ﷺ "الرّؤيا من الله والحلم من الشّيطان" لَا على أنّ الشّيطان يفعل شيئا في غيره، وتكون الرُّؤيا اسماً لما يُحبُّ والحلم لما يكره. وأمّا قوله ﷺ "فإنهّا لَن تَضرَّه" فقيل معناه أنّ الرّوعَ يذهب بهذا النّفثِ المذكور في الحديث إذا كان فاعله مصدّقا به متَّكِلاً على الله جلّت قدرَته في دفع المكروه عنه وقيل يحتمل أن يريدَ أن هذا الفعل منه يمنعَ من نفوذ ما دلّ عليه المنام من المَكروه ويكون ذلك سَبَبا فيه. كما تكون الصّدقة تدفع البلاء إلى غير ذلك من النّظائر المذكورة عند أهل الشريعة.

стр. 1246

وأمّا قوله ﷺ "لَا يُخْبِرْ بها إلَاّ مَن يحبُّ". فيحتمل عندي أن يكون حَذَرًا مِن أن يَعبرَهَا له من يبغضه على الصّفة المكروهة فيحزنه ذلك، أو يتفق وقوعهَا على ما عبر، ويكون وصفها بأنها حسنة بمعنى حسنها في الظاهر. وأهل العبارة يقولون في تقاسيمهم من المنامات ما هو حسن في الظاهر مكروه في الباطن ومنها عكسه إلى بقية الأقسام التي يعدُّونها. ١٠٤٥ - وأما قول أبي سلمة: "إني لأرى (٩) الرُّؤيَا أعرى مِنهَا وَلَا أزَمَّل (ص ١٧٧١). فلم أقف على تفسيره عند أهل الغريب غير أن صاحب الأفعال قال: عرِي الرجل عِريَةً وعِروَةً (١٠) صار عريَانًا واللّيلة اشتَدَّ بَردهَا فهي عَرِية وعرَوتك عَروًا نزَلت بك والأمر نَزل به والحمَّى لذعته وهي العُرَوَاء فيحتمل أن يكون أراد أنّه أرعدته الحمّى أو اشتدّ برده فَزَعًا مماّ رَأى إن لمَ يَكن من التَّعَرّي. وأمّا أزمَّل فالَمعروف أنّ التَّزمِيل التَّدثِير. ١٠٤٦ - قوله ﷺ : "إذا اقترب الزّمان لم تكَد رؤيَا المسلمِ تكذب

стр. 1247

وأصدَقكم رؤيَا أصدقكم حَدِيثا ورؤيَا المسلمِ جزء من خمَسَةٍ وأربعين جزءًا من النبوءَةِ والرّؤيَا ثلاث فَرؤيَا صالحة بشرى من الله ورؤيَا تحَزِين مِن الشَّيطَانِ ورؤيا مِماّ يُحدِّث الَمرء نفسه فإذا رأى أحدكم ما يَكرَه فليقم فَليصَلِّ ولا يَحدِّث بها النّاس" وفي بَعض طرقه: "رؤيا المؤمِنِ جزء من سِتَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوءة (ص ١٧٧٣ - ١٧٧٤). قال الشّيخ -وفّقه الله-: اختلف النّاس في معنى قوله إذا اقترب الزّمان لمَ تكن رؤيَا المسلم تكذب فقال بعضهم المراد به إذا اقترب من اعتدال اللَّيل والنّهار فإن الرّؤيا حينئذ لم تكَد تكذب. وبهذا فسره أبو داود. وقال بعضهم بل المراد آخر الزّمان والقرب من القِيَامة. وأما قوله رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النّبوة فإنّه مما قال بعض الناس فيه: إنّه ﷺ أقام (١١) يوحَى إليه ثلاثة وعشرين عامًا عشرة بالمدينة وثلاثة عَشَرَ بمكة وكان قبل ذلك بستة أشهر يَرى في الَمنَامِ ما يلقيه إليه الملك ﵉. وذلك نصف سنة، ونصف سَنَةٍ من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النّبوءة، وقد قيل إن النّبيّ ﷺ قد خصَّ دون الخليقة بضروب وفنون وجعل له إلى العلم طرق لم تجعل لغيره فيكون المراد أن المنامات نِسبتها مما حصل له وميّز به جزء من ستة وأربعين فلا يبقى على هذا إلا أن يقال بَيِّنُوا هذه الأجزاء ولا يلزم العلماءَ أن تعرف كلّ شيء جملة وتفصيلاً (وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدّا تقف عنده فمنها ما لا تعلمه أصلا ومنها ما تعلمه جملة ولا تعلمه تفصيلا) (١٢) وهذا منه ومنها ما تعلمه جَملة وتفصيلا لا سِيّما ما

стр. 1248

طريقته السّمع ولا مدخَلَ للعقل فيه فإنّما يعرَف منه قَدر ما عرّف به السّمع، وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثّاني وقدح في الأوّل بأنه لم يثبت أن أمَد رؤيَاه ﷺ قبل النّبوءة كانت ستّةَ أشهر وبأنه بعد النّبوءة رأى مناماتٍ كثيرة فيجب أن يلفّق منها ما يضاف إلى الستّة أشهر فيتغيرّ الحساب وتَفسد النّسبة ولا وجه عندي لاعتراضه بما كان من المنامات خلال زمن الوحي لأنّ الأشياء توصف بما يغلب عليها وتنسب إلى الأكثَرِ منها فَلَماَّ كانت الستَّة أشهر محَضة في المنامات والثَّلاث والعشرون سنة جلّها وحي وإنما فيها منامات شيء يسير يعَدُّ عدًّا صَحَّ أن يطرح الأقَل في حكم النّسبة والِحسَاب. ويحتمل عندي أن يراد بالحديث وجه آخر وهو أنّ ثمرة المناماتِ الخبر بالغَيب لا أكثَر وإن كان يتبع ذلك إنذار وَتَبشِير والإخبار بالغيب أحَد ثمرات النبوّة وأحد فوائدها وهو في جنب فوائد النبوّة والمقصود بها يسير لأنّه يصح أن يبعَثَ نَبيء ليشرع الشرائع ويبينّ الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا، ولا يكون ذلك قادحا في نبوّته ولا مبطلا للمقصود منها وهذا الجزء من النبؤة وهو الإخبار بالغيب إذَا وقع فلا يكون إلَاّ صدقا ولا يقع إلاّ حقا، والرّويا ربما دلّت على شيء ولم يقع ما دلّت عليه إمّا لِكَونهَا مِن الشّيطان أو من حَدِيثِ نَفسٍ أو من غَلَطِ العَابِر في أصل العبارة إلى غير ذلك من الضُّروب الكثيرة التي توجب عدم الثقة بدلالة المنام فَقد صار الَخبر بالغَيب أحَدَ ثمرات النّبوءة وهو غير مقصود فيها ولكنه لا يقع إلا حَقًّا، وثمرة المنام الإخبار بالغيب ولكنه قد لا يقع صدقا فتقدر النّسبة في هذا بقدر ما قدَّره الشرع بهذا العدد على حسب ما أطلعه الله سبحانه عليه ولأنه يعلم من حقائق نبؤته ما لا نعلمه نحن. وهذا الجواب وإن كان فيه ملاحظة لما قدمناه من الجواب الثاني عن بعض أهل العلم فإنهم لم يكشفوه هَذا الكشف ولَا بَسَطوه هَذا البَسطَ.

стр. 1249

وأمَا اختلاف الرِّوايات في هذا القدر ففي كتاب مسلمٍ "خمسة" وفيه "ستة" وفيه "من سبعين جزءًا من النّبوّة" وقد أشار الطَّبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختِلَاف حَالِ الرَّاوي فالمؤمن الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين والفاسق من سبعين، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه ستة وأربعون" فقد قال في بعض طرق مسلم "رؤيا الرّجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" وإن كان قد أطلق في بعض طرقه فقال: "رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين" وقال: "في السّبعين الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوءة" ولم يشترط كون الرائي صالحًا، وقد يحمل مطلق قوله الرؤيا الصالحة جزء من ستةٍ وأربَعِيَن عَلىَ أن المراد به إذا كانت من رَجلٍ صالح بدليل الحديث الآخَر، وقد قيل: إن المنامات دلالات والدلالة منها خفيّ ومنها جَلِيٌّ فَماَ ذكر فيه السبعون أريد به أنّه الخفيّ منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أريدَ بِه الجلي منها. ١٠٤٧ - قوله ﷺ : "مَن رآني فيِ الَمنَام فَقد رَآني حَقّا فَإنَّ الشَيطَانَ لَا يَتَمَثَّل بيِ" وفي بعض طرقه: "مَن رَآنيِ في الَمنَام فَسَيرَاني في اليَقَظَةِ (أو كأنّما رآنيِ في اليَقَظَةِ) (١٣) لَا يَتَمَثَّل الشَّيطَان بي". وَفيِ بعض طَرقه: "من رآني فقد رأى الحقّ" (ص ١٧٧٥ - ١٧٧٦). [قال الشّيخ -أيّده الله- اختلف المحقّقون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب ﵀ إلى أنّ المراد بقوله ﷺ "من رآني في المنام فقد رآني أنه رأى الحق"] (١٤).

стр. 1250

وأنَّ رؤياه لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشّياطين. ويعضد ما قاله بقوله ﷺ في بعض الطُّرق: "من رآني فقد رأى الحقّ" إن كان المراد به ما أريد في الحديث الأول من المنام. وقوله ﷺ : "فَإنَّ الشَّيطانَ لا يَتَمثَّل بي". إشارة إلى أنّ المراد أنّ رؤياه لا تكون أضغاثا وإنّما تكون حقّا. وقد يراه الرّائي على غير صفته المنقولة إلينا كما لو رآه شَيخا أبيض اللّحية أو على خلاف لونه أو يراه رائيان في زمان واحد أحَدهما بالَمشرق والآخر بالمغرب ويراه كلّ واحد مِنهما مَعَه في مكانه. وقال آخَرون: بل الحديث محمول على ظاهره. والمراد أنّ مَن رآه فقد أدركه ﷺ ولا مانع يمنع من ذلك ولا عَقل يحيله حتى يضْطرّ إلى صرف الكَلامِ عَن ظَاهِرِه. وأمَّا الاعتلال بأنّه قد يرى على خلاف صفته المعروفة وفي مكانين مختلفين معًا فإنّ ذلك غَلَط فيِ صفاته وتخيّل لها (١٥) على غير ما هيَ عليه وقد تظنّ بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيّل مُرْتَبِطًا بما يرى في العادةِ فتكون ذاته ﷺ مرئيةً وصفاته متخَيَّلةً غير مرئية والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافات ولا كون المرئيِّ مدفونًا في الأرض ولا ظاهرا عليها وإنّما يشترَط كونه موجودًا ولمَ يقم دَلِيل على فناء جِسمه ﷺ بَل جاء في بعض الأخبار ما يدلّ على بُقْيَاهُ صلوات الله وسلامه عليه (ويكون [اختلاف] (١٦) الصّفات المتخيّلة ثمرتها اختلاف الدّلالات.

стр. 1251

وقد ذكر الكِرماني في بَابِ رؤية النبيّ ﷺ (١٧) قال: وقد جاء في الحديث "أنه ﷺ إذا رئي في المنام شَيخًا فهو عام سَلم وإذا رئي شابّا فهو عام حَرب، وكذلك أحد جوابَيهم عنه ﷺ لو رئي آمِرًا بقتل من لا يحل قتله فإن ذلك من الصّفات المتخيّلة لا المرئية، وجوابهم الثاني مَنع وقوع مثل هذا، ولا وَجه عندي لمنعهم إيَّاه مَعَ قولهم في تخيل الصفات فهذا انفصال هؤلاء عما احتَجَّ به القاضي، وللمسألة تَعلّق بغامض الكلام في الإدراكات وحقائق متعلّقاتها وَبَسطه خارج عن طريقة هذا الكتاب. وأما قوله ﷺ : "من رآني في المنام فَسَيراني في اليقظة (أوكأنّما راَني في اليقظة". فإن كان المحفوظ "كأنما رآني في اليقظة" فتأويله مأخوذ مما تقدّم، وإن كان المحفوظ "فسيراني في اليقظة") (١٨) (فيحتمل أن يريد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه ﷺ فإنه إذا رآه في المنام فَسَيراه في اليَقَظة) (١٩) ويكون الباري سبحانه جعل رؤية الَمنَام عَلَماً على رؤية اليقظة وأوحى بذلك إليه ﷺ . ١٠٤٨ - قول الأعرابّي لما جاء إلى النبى ﷺ : إني حَلَمت أن رأسي قطِع (فأنا أتبعه) (٢٠) فقال: لا تخبر بتلعّب الشيطان بك في المنام (ص ١٧٧٦).

стр. 1252

قال الشيخ -أيّده الله: يحتمل أن يكون ﷺ علم أنّ منامه هذا من الأضغاث بوحي أوحي إليه أو دلالة من المنام دلّته على ذلك، أو على أنّه من المكروه الذي هو من تحزين الشّيطان. وحكي عن بعض العابرين أنّه قال: يمكن أن يكون اختصر من المنام أو سقط من بعض الرّواة منه ما لو ذكر لدلّ على أنّه من الأضغاث، وأمّا العابرون فيتكلّمون في كتبهم على قطع الرّأس ويجعلونه على الجملة دلالة على مفارقة ما فيه الرائي (٢١) من النّعم ويفارق من هو فوقه ويزول سلطانه وتتغير حاله في جميع أموره إلاّ أن يكون عبدا فيدلّ على عتقه أو مريضا فعلى شفائه أو مديانا فعلى قضاء دينه أو صرَورة فعلى (٢٢) حجّه أو مغموما فعلى فَرَجِه أو خائفا فعلى أمنه. وينظرون أيضا في اتّباع هذا له ويصرفون دلالة ذلك فيما مضى مما ذكرناه عنهم وفي غيره مما لم نذكره حتى يخلص لهم معنى مما قلناه أو معنى آخر تقتضيه دلالة الحال وهذا مصروف للعابرين، وإنّما ذكرنا دلالة قطع الرّأس على الجملة لا الحكم بِعَبْرِ (٢٣) هذا المنام بعينه. وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه كتاب الأصول لعبارة الرّويا أنّ رجلا قال: يا رسول الله رأيت فيما يرى النّائم كأنّ رأسي قطع فجعلت انظر إليه بإحدى عينيّ فضحك النّبي ﷺ وقال: بِأَيهّما كنت تنظر إليه؟ فلبث ما شاء الله ثمّ قبض النبيّ ﷺ فعبرَ الناس أنّ الرّأس كان النبيء ﷺ ، والنّظر إليه اتّباع السنّة.

стр. 1253

١٠٤٩ - قوله: "يا رسول الله إنيّ كنت أرى اللَّيلة في المنام ظُلّة تنطف السَّمن والعَسَلَ فأرى النَّاسَ يَتَكَفَفَّون منها بأيدِيهم فالمستكثِر والمستقل وأرَى سَبَبًا واصلاً من السَّماَءِ إلى الأرض فَأراك أخذت به فَعَلَوتَ ثم أخذ به رجل من بعدِكَ فَعَلَا ثمَّ أخَذ به رجل آخَر فعلا ثمَّ أخَذ به رجل آخر فانقَطَع به ثم وُصِلَ له فَعَلا ". فقال أبو بكر ﵁: "بأبي أنت [وأمّي] (٢٤) لتدَعَنِّي فَلُأَعَبِّرَنهَّا قال رسول الله ﷺ : اعبرها، قال أبو بَكر: أمَّا الظُّلَّة فظُلَّة الإسلَام وَأمّا الذي ينطف من السَّمن والعَسَل فالقرآن حَلَاوَته وَلينه، وأمَّا ما يتَكفَّف النَّاس مِن ذَلِك فالمستكثر من القرآن والمستقلّ وأمَّا السَّبب الوَاصِل من السَّماَءِ إلى الارض فالَحقّ الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل بعدك فيَعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بِأبي أنت أصبتُ أم اخطأت؟ فقال رسول الله ﷺ أصبتَ بعضا وأخطأت بعضا فقال: فوالله يا رسول الله تحدّثني ما الذي أخطأت قال: لا تقسم (ص ١٧٧٧). قال الشّيخ: اختلف النّاس في قوله ﷺ : أصبت بعضًا وأخطأت بعضا، فقال بعضهم: المراد بأنّه أصاب في عَبْرهَا (٢٥) وأخطأ في تقدّمه بين يديّ النبي ﷺ لِيَعبَر الَمنَام (٢٦) ورسول الله ﷺ حاضر وردَّ بعض

стр. 1254

العلماء هذا التّأويل بأن قالوا (٢٧) قد أذن ﷺ له في ذلك وقال له: اعبرها فلا ملام في التقدّم. وقال آخرون إنّما وقع الخطأ عليه من أمر أغفَلَه وأضرب عن تفسيره فَصَار كأنّه قصَّر في العبارة لاعلى أنّه قال قولا أخطأ فيه. واختلف أصحاب هذه الطّريقة على قولين فيماذا أغفل فقال بعضهم: ذَكَرَ الرّائي (٢٨) أنّه رأى ظلّة تنطف السّمن والعسل. فعبر الصّديق ﵁ ذلك بالقرآن حلاوته ولينه وذلك عَبْرُ العَسَل (٢٩) ولم يعبر السَّمن وأغفل ذكره قالوا: وقد يكون العَسَل كِنَاية عن القرآن والسّمن كناية عن السنّة فكأنّه كان من حقّه أن يقول: أمَّا الذي تنطف فالقرآن وما سننت أنت من السّنن وإلى هذا التأويل أشار الطّحاوي. وقال بعضهم: فإنّ المنام يدلّ على خلع عثمان لأنّه ذكر أنّه اخذ بالسبب فانقطع به وذلك يدلّ على زواله عن الولاية قهرًا لا اختيارًا لأنّه لو رمى بالسّبب بنفسه لدلّ على انخلاعه بنفسه، ولماّ انقطع به دلّ على خلعه قهرا. وإذا كان عثمان ﵁ قد خلع قَهرًا وقتل حمل الوصل للسّبب على ولاية غيره من بعده من قومه. قوله ﷺ : "لا تقسم" لَماَّ سأله أن يبينّ له موضِعَ خطئه. يشير قول هؤلاء (٣٠) إلى ما قلناه لأنّه ﷺ كره أن يحدث بما يجري من

стр. 1255

الفتن بين أصحابه ويذكر لعثمان ما به يبتلى. وقال بعض أهل العلم (٣١): فإنّه ﷺ حضّ على إبرار المقسم (ولم يبرّ قسَمَ أبي بكر وما هذا إلاّ لما رآه من المصلحة في تركها، وإبرار المقسم) (٣٢) إذا منع منه مانع خرج من الحديث المذكور فيه الحضّ عليه. وأمّا الظّلَّة فهي سَحابة وتنطِف معناه تقطر، ويتكفَّفون يأخذون بأكفّهم، وسببًا واصِلا من السّماء إلى الأرض بمعنى موصول ويكون فاعلا بمعنى مفعول كقوله تعالى ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٣٣) بمعنى مدفوق و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣٤) أي مرضية، والسّبب الحبل.

стр. 1256

كتاب المناقب (١) ١٠٥٠ - قوله: "فأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحرَاحٍ" (ص ١٧٨٣). يعني واسعا. ١٠٥١ - قوله: (٢) "فكان منها أجَادِب أمسكَتِ الَماءَ" (ص ١٧٨٧). قال الخطابي: الأجادب صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع إليه النّضوب. وقال بعضهم: أحازب بالحاء المهملة (٣) والزّاي وليس بشيء. وقال بعضهم: أجَاذب بالجيم والذّال. وهو صحيح إن ساعَدَته

стр. 1257

الرّواية، قال الأصمعي: الأجادب من الأرض ما لم يُنبت الكَلأَ معناه أنها جرداء بارزة لا يسترها النّبات، وقال بعضهم: إنّما هي أخاذات سقط منها الألف والأخاذات مسّاكات (٤) الماء واحدتها أخاذة، وهي أمثال ضُربت لمن قبل الهدي فتعلَّم وعلّم ولمن لم يقبل، ولمن انتفع ولم ينفع، وفي حديث البخاري: "فكان منها ثغبة قبلت الماء"، والثغبة مستنقع الماء في الجبال والصّخور وهو الثَّغَبُ أيضا وتجمع على الثغباتِ (٥). ١٠٥٢ - وقوله ﷺ : "مَثَلي وَمَثَل ما بعثَنِي الله تعالى به كمثل رجل أتَى قَومه فقال: يا قَوم إنيّ رأُيت الجيش بِعَينَيَّ وإنيّ أنَا النّذير العُريان" (ص ١٧٨٨). قال الهروي: خصّ العريان لأنّه أبينُ في العين، قال ابن السِّكِّيت، والنّذير العريان: رجل من خَثعم حمل عليه يوم ذي الَخلَصة عوف بن عَامر اليشكري فقطع يده ويد امرأته وكانت كنانية. ١٠٥٣ - وقوله: "فَأدلجوا" (ص ١٧٨٨). أي سَاروا من أوّل اللّيل يقال: أدلجت إدلاجا، والاسم الدَّلَج والدَّلجْة (٦) بفتح الدّال فإن أنت خرجت من آخر اللّيل قلت: ادَّلجَت

стр. 1258

بتشديد الدّال أدَّلِج ادِّلاجا والاسم الدُّلْجة بضمّ الدّال. قال ابن قتيبة: ومن النّاس من يجيز الدَّلْجة والدُّلجة في كلّ واحد منهما كما يقال بُرهَة من الدّهر وَبَرْهَة. ١٠٥٤ - وقوله "سَقَوا وَرَعَوا" (ص ١٧٨٧). يقال: سقيت وأسقيت بمعنى واحد قال لَبِيد: [الوافر] سَقَى قَومي بَنِي مجَدٍ وأسقى ... نُمَيْرًا. والقَبَائِلَ مِن هِلال (٧) وقوله: "وَرَعَوا" يقال: رَعَتِ الماشِيَة النّبات أكلته وأرعاها الله، أي أنبت لها ما ترعاه. وأنشد ابن قتيبة: [البسيط] كأنهّا ظبية تعطو إلى فنن (٨) ... تأكل من طيب والله يُرْعيها وقوله: "فالنجاء" (ص ١٧٨٨). قال ابن ولَاّد: يقال بالمدّ والقصر وهو مصدر انجُ.

стр. 1259

وقوله: "فجعل الَجنَادب والفراش يَقَعنَ فيها" (ص ١٧٩٠). الجنادب (٩) جمع جندب وهو الجراد. وفيه لغتان بضمّ الدال وبفتحها قال الفرّاء: والفراش غوغاء الجراد (١٠) الذي يتفرّش ويتراكب، قال غيره: الفراش الطّير الذي يتساقط في النّار والسراج. ١٠٥٥ - وقوله: "وَمَن شربَ لمَ يَظمأ" (ص ١٧٩٣). أي لم يعطش قال ابن ولاّد: الظّمأ بالهمز والقصر: العطش يقال ظمىء يظمأ وضماءة فهو ضمآن والجمع ضِماء. ١٠٥٦ - قوله: وماؤه أبيض من الورق (ص ١٧٩٣). خَرَج هذا اللّفظ عَماَّ أصّلته النحويّة من أنّ فِعل التعجب يكون ماضيه على ثلاثة أحرف فإذا صار على أكثر من ثلاثة أحرف فلا يتعجّب من فاعله وإنما يتعجّب من مصدره فلا يقال: ما أبيضَ زيدا ولا زيد أبيض من عمرو إنما يقال: ما أشدّ بَيَاضَه وَهو أشد بياضا من ذلك. قالوا وقول الشاعر. [الرجز] جارية في دِرعهَا الفَضفَاضِ ... أبيض من أختِ بَنِي إباض

стр. 1260

إنّماَ جاء شَاذّا ولا يقاس عليه ومنه قول الآخر: [البسيط] إذا الرّجال شَتَوا واشتدّ أكلُهم ... فَأنتَ أبَيَضهم سربال طَباخِ وهذا الذي وقع في الحديث يصحّح كَونَ ذَلك لغةً وكذلك قول عمر ﵁ "ومن ضيعها فهو لماسواها أضيَع" قد احتجّ به بعضهم في أنَّ التَّعَجّبَ قد يكون من الزّائد على الثّلاثي وأنشدوا لذي الرمّة: [الطويل] فَما شَنَّتَا خَرقَاءَ وَاهِيتَا الكلى ... سَقَى بهِما ساقٍ وَلمَّا تبلّلا بِأضيعَ من عينيك للماء كلّما ... توهمّتَ ربعا أو تذكرت منزلا (١١) ١٠٥٧ - قوله: "اختُلِجُوا دوني" (ص ١٨٠٠). أي انْتُزِعُوا. ومنه الحديث الآخر "فحنَّت الَخشَبَة حنين النَّاقَةِ الخلوج" يعني التي اختِلجَ ولدها، أي انتزع عَنهَا.

стр. 1261

١٠٥٨ - وقوله: "كانوا زهَاء ثلاثمائة" (ص ١٧٨٣). أي مقدار ثلاثمائة (١٢). ١٠٥٩ - وقوله: "والعَين تَبُضُّ بِشيءٍ من مَاءٍ" (ص ١٧٨٤). من رواه بالصّاد المهملة فمعناه تَبرق، يقال: بصّ يبصُّ بَصيصًا ووَبَصَ يَبِصُ وَبِيصًا بِمعنى. ومن رَوَاه بالضَّاد المعجمة فمعناه تَسِيلُ يقال: بَضًّ وَضَبَّ بمعنى (١٣) أي سال. ١٠٦٠ - وقوله: "بِماَءٍ منهَمِرٍ" (ص ١٧٨٤). أي كثير شديد الاندِفَاع ومنه قوله تعالي ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (١٤)، أي كثير سريع الانصباب. ١٠٦١ - قوله: "فَشَام السَّيف" (ص ١٧٨٦). أي أغمَدَه. يقال شام السّيف بمعنى سلّه وبمعنى أغمده وهو من الأضداد.

стр. 1262

١٠٦٢ - قوله: "فَلَم أشعر إلَاّ وَالسَّيف صُلتًا في يده (ص ١٧٨٦). أي مجردًا. قال ابن السِّكيت: فيه لغتان بِفَتحِ الصَّادِ وضَمِّهَا. ١٠٦٣ - خرّج مسلم حديث: "إنَّ الله إذا أراد رَحَمةَ أمَّةٍ مِن عِبَادِه قَبَضَ نَبِيّهَا قَبلَهَا" (ص ١٧٩١) الحديث مقطوع السّند. قال حُدِّثْتُ عن أبي أسَامَةَ ومِمَّن رَوَى عنه ذلك إبراهيم بن عبد الله الجوهريّ حدّثنا أبو أسامَة حدَّثَنِي يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبيّ ﷺ . ١٠٦٤ - قوله "وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي" (ص ١٨٠٢). يقال: فرس عري وخيل اعراء. وقد اعرورَاه ركبه عُريًا ورجل عُريَان. ١٠٦٥ - قوله: "وجدناه بَحرا" (ص ١٨٠٢). قال أبو عبيد: يقال للفرس، إنه لبحر وإنّه لِحَثّ أي واسع الجري. ١٠٦٦ - وقوله: "ما قال لي أفًّا قَطّ" (ص ١٨٠٤). الأفّ كلمة معناها التبرم، وهي اسم فعلٍ وأتي بها في الكلام للاختصار والإيجاز لأنك تستعيله للواحد والاثنين والمؤنّث والمذكّر بلفظ واحد ومنه قوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١٥).

стр. 1263

وفيها لغات كثيرة فإذا لم ينوَّن فهو معرفة وإذا نوّن فهو نكرة فمعنى المعرفة؛ لا تقل لهما القبيح من القول، (ومعنى النكرة؛ لا تقل لهما قبيحًا من القول) (١٦). قال الهروي: يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أفٍّ له، وقال بعضهم معنى أفٍّ الاحتقار والاستثقال، أخِذَ من الأفَفِ وهو القليل، وفي الحديث "فَألقَى طَرَفَ ثَوبِهِ على أنفِه ثم قال: أفٍّ أفٍّ قال ابن الأنبَارِي معناه الاستقذار لما شَمَّ. ١٠٦٧ - قوله: "وكان ظئره قَيْنًا" (ص ١٨٠٨). الظّئر المرضعة وجمعه ظُؤار وهو جمع شاذّ. قال ابن السّكيّت لم يأتِ فُعال بِضمّ الفاء جمعًا إلَاّ تؤام جمع تُؤم وضؤار جمع ظِئرٍ وعُرَاق جمع عَرْقٍ وَرُخَال جمَع رَخِلٍ وفرَار جمع فَرِير (١٧) وهو ولد الظّبية، وَغَنَم رُبَات جمَع شاة رُبَّى. قال ابن ولأَد: وهي الشّاة الحديثة العَهد بالنّتاج. والقين: الحداد، وأيضا العبد. والقينة الأمة وأيضا المغنيّة، وأيضا الماشطة. ١٠٦٨ - قوله ﷺ : "يا أنجَشة روَيدَك سَوقًا بالقوارير" (ص ١٨١١). رويدك معناه رِفقَك. يقال: سَارَ سَيًرا روَيدا أي سيًرا رَفِيقا (١٨)

стр. 1264

وأصله من رَادَتِ الرّيح تَرودَ رَوَدَانًا إذا تَحَرّكت حَرَكة خَفِيفةً وروَيد تصغِير رَوْد وقد يوضع روَيدَ موضع الأمر فيقال: روَيدَ زَيدًا (أي أروِد زَيدًا) (١٩). والإرواد: الرّفق في الَمشي وغيره. وقوله: "سوقكَ بالقوارير" شَبّهَهنّ بها لضعف عزائمهن والقوارير يسرِع إليها الكَسر، وكان أنجَشَة يحَدو بِهِنّ وينشد من القريض والرّجز ما فيه تَشبيب فلم يأمن أن يَفتِنَهَنَّ أو يقعَ بِقلوبِهِنّ حدَاؤه فَأمَرَه بالكَف عن ذلك. قال الشّيخ ﵁: وجاء في كتاب مسلم "لا تكسِر القوارير" (٢٠) يعني ضعفة النساء (ص ١٨١٢). فكأنَّ هذا قد يخرج على غير ما تأوّله الهروي. ١٠٦٩ - وقوله: "كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجهه" (ص ١٨١٧). يقال: كَرَبَه الأمر كَربًا أخذ بنفسه، وتربّد وجهه أي تَغَيرَّ، وفي كتاب الهَرَوي يقال: تَرَبَّد لونه واربَدَّ (٢١) أي تَلَوَّن وصار كَلَونِ الرّمَاد. قال ومنه الحديث "كان إذا نزل عليه الوحي اِرْبَدَّ وجهه" ومنه حديث عمرو ابن العاص فقام من عند عمر مربَدَّ الوجه قال أبو عبيد: الرُّبدة لون بين السواد والغبرةِ ومنه قيل للنّعام ربد جمع رَبدَاءَ.

стр. 1265

وقوله "كصلصلة (٢٢) الَجرَسِ" (ص ١٨١٧). أي صوته. ١٠٧٠ - قوله: "فَلَما أُتْلِيَ عنه (١٨١٧). قال الشّيخ -أيّده الله- الظّاهر أنّه أراد خُلّي عنه وترك، ولكن حكاه ابن القوطيّة في كتاب الأفعال ثلاثِيًّا فقال: تلِيَت لي مِن حَقِّي تَلِيَّة وتُلاوَة تَلًى (٢٣) ومن الشّهر كذلك بقيت، وتلوت القَرآن تِلاوة وتُلاوة، أي أتبعت بعضَه بَعضا، والَخبرَ أخبرَتكه. والشيءَ تَلْوًا تبعته، والرجل خذلته وتركته، وأتْلت كلّ أنثَى تَبِعَهَا ولدها والرّجل أعطيته، التّلَاء وهو الذمّة، وأيضا جعلتَه تاليا لك. ١٠٧١ - قوله: "عظيم الُجمّة إلى شَحمَةِ أذنَيه" وفي طريق "مَا رَأيت مِن ذِي لِمَّةٍ أحسَنَ فيِ حلّةٍ حمَراء مِن رسول الله ﷺ " (ص ١٨١٨). قال شَمِر: الُجمَّةُ أكثَر من الوفرة، وهي الجمّة إذا سقطت على المنكبين والوفرة إلى شحمة الأذنَين واللِّمة التي ألمت (٢٤) بالمنكبين. ١٠٧٢ - قوله: "كَانَ شَعَره رَجِلا " (ص ١٨١٩). (يقال: شَعَر مرجّل) (٢٥) أي مسرح.
следующие страницы →