← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

١٠٥٨ - وقوله: "كانوا زهَاء ثلاثمائة" (ص ١٧٨٣). أي مقدار ثلاثمائة (١٢). ١٠٥٩ - وقوله: "والعَين تَبُضُّ بِشيءٍ من مَاءٍ" (ص ١٧٨٤). من رواه بالصّاد المهملة فمعناه تَبرق، يقال: بصّ يبصُّ بَصيصًا ووَبَصَ يَبِصُ وَبِيصًا بِمعنى. ومن رَوَاه بالضَّاد المعجمة فمعناه تَسِيلُ يقال: بَضًّ وَضَبَّ بمعنى (١٣) أي سال. ١٠٦٠ - وقوله: "بِماَءٍ منهَمِرٍ" (ص ١٧٨٤). أي كثير شديد الاندِفَاع ومنه قوله تعالي ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (١٤)، أي كثير سريع الانصباب. ١٠٦١ - قوله: "فَشَام السَّيف" (ص ١٧٨٦). أي أغمَدَه. يقال شام السّيف بمعنى سلّه وبمعنى أغمده وهو من الأضداد.

стр. 1262

١٠٦٢ - قوله: "فَلَم أشعر إلَاّ وَالسَّيف صُلتًا في يده (ص ١٧٨٦). أي مجردًا. قال ابن السِّكيت: فيه لغتان بِفَتحِ الصَّادِ وضَمِّهَا. ١٠٦٣ - خرّج مسلم حديث: "إنَّ الله إذا أراد رَحَمةَ أمَّةٍ مِن عِبَادِه قَبَضَ نَبِيّهَا قَبلَهَا" (ص ١٧٩١) الحديث مقطوع السّند. قال حُدِّثْتُ عن أبي أسَامَةَ ومِمَّن رَوَى عنه ذلك إبراهيم بن عبد الله الجوهريّ حدّثنا أبو أسامَة حدَّثَنِي يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبيّ ﷺ . ١٠٦٤ - قوله "وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي" (ص ١٨٠٢). يقال: فرس عري وخيل اعراء. وقد اعرورَاه ركبه عُريًا ورجل عُريَان. ١٠٦٥ - قوله: "وجدناه بَحرا" (ص ١٨٠٢). قال أبو عبيد: يقال للفرس، إنه لبحر وإنّه لِحَثّ أي واسع الجري. ١٠٦٦ - وقوله: "ما قال لي أفًّا قَطّ" (ص ١٨٠٤). الأفّ كلمة معناها التبرم، وهي اسم فعلٍ وأتي بها في الكلام للاختصار والإيجاز لأنك تستعيله للواحد والاثنين والمؤنّث والمذكّر بلفظ واحد ومنه قوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١٥).

стр. 1263

وفيها لغات كثيرة فإذا لم ينوَّن فهو معرفة وإذا نوّن فهو نكرة فمعنى المعرفة؛ لا تقل لهما القبيح من القول، (ومعنى النكرة؛ لا تقل لهما قبيحًا من القول) (١٦). قال الهروي: يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أفٍّ له، وقال بعضهم معنى أفٍّ الاحتقار والاستثقال، أخِذَ من الأفَفِ وهو القليل، وفي الحديث "فَألقَى طَرَفَ ثَوبِهِ على أنفِه ثم قال: أفٍّ أفٍّ قال ابن الأنبَارِي معناه الاستقذار لما شَمَّ. ١٠٦٧ - قوله: "وكان ظئره قَيْنًا" (ص ١٨٠٨). الظّئر المرضعة وجمعه ظُؤار وهو جمع شاذّ. قال ابن السّكيّت لم يأتِ فُعال بِضمّ الفاء جمعًا إلَاّ تؤام جمع تُؤم وضؤار جمع ظِئرٍ وعُرَاق جمع عَرْقٍ وَرُخَال جمَع رَخِلٍ وفرَار جمع فَرِير (١٧) وهو ولد الظّبية، وَغَنَم رُبَات جمَع شاة رُبَّى. قال ابن ولأَد: وهي الشّاة الحديثة العَهد بالنّتاج. والقين: الحداد، وأيضا العبد. والقينة الأمة وأيضا المغنيّة، وأيضا الماشطة. ١٠٦٨ - قوله ﷺ : "يا أنجَشة روَيدَك سَوقًا بالقوارير" (ص ١٨١١). رويدك معناه رِفقَك. يقال: سَارَ سَيًرا روَيدا أي سيًرا رَفِيقا (١٨)

стр. 1264

وأصله من رَادَتِ الرّيح تَرودَ رَوَدَانًا إذا تَحَرّكت حَرَكة خَفِيفةً وروَيد تصغِير رَوْد وقد يوضع روَيدَ موضع الأمر فيقال: روَيدَ زَيدًا (أي أروِد زَيدًا) (١٩). والإرواد: الرّفق في الَمشي وغيره. وقوله: "سوقكَ بالقوارير" شَبّهَهنّ بها لضعف عزائمهن والقوارير يسرِع إليها الكَسر، وكان أنجَشَة يحَدو بِهِنّ وينشد من القريض والرّجز ما فيه تَشبيب فلم يأمن أن يَفتِنَهَنَّ أو يقعَ بِقلوبِهِنّ حدَاؤه فَأمَرَه بالكَف عن ذلك. قال الشّيخ ﵁: وجاء في كتاب مسلم "لا تكسِر القوارير" (٢٠) يعني ضعفة النساء (ص ١٨١٢). فكأنَّ هذا قد يخرج على غير ما تأوّله الهروي. ١٠٦٩ - وقوله: "كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجهه" (ص ١٨١٧). يقال: كَرَبَه الأمر كَربًا أخذ بنفسه، وتربّد وجهه أي تَغَيرَّ، وفي كتاب الهَرَوي يقال: تَرَبَّد لونه واربَدَّ (٢١) أي تَلَوَّن وصار كَلَونِ الرّمَاد. قال ومنه الحديث "كان إذا نزل عليه الوحي اِرْبَدَّ وجهه" ومنه حديث عمرو ابن العاص فقام من عند عمر مربَدَّ الوجه قال أبو عبيد: الرُّبدة لون بين السواد والغبرةِ ومنه قيل للنّعام ربد جمع رَبدَاءَ.

стр. 1265

وقوله "كصلصلة (٢٢) الَجرَسِ" (ص ١٨١٧). أي صوته. ١٠٧٠ - قوله: "فَلَما أُتْلِيَ عنه (١٨١٧). قال الشّيخ -أيّده الله- الظّاهر أنّه أراد خُلّي عنه وترك، ولكن حكاه ابن القوطيّة في كتاب الأفعال ثلاثِيًّا فقال: تلِيَت لي مِن حَقِّي تَلِيَّة وتُلاوَة تَلًى (٢٣) ومن الشّهر كذلك بقيت، وتلوت القَرآن تِلاوة وتُلاوة، أي أتبعت بعضَه بَعضا، والَخبرَ أخبرَتكه. والشيءَ تَلْوًا تبعته، والرجل خذلته وتركته، وأتْلت كلّ أنثَى تَبِعَهَا ولدها والرّجل أعطيته، التّلَاء وهو الذمّة، وأيضا جعلتَه تاليا لك. ١٠٧١ - قوله: "عظيم الُجمّة إلى شَحمَةِ أذنَيه" وفي طريق "مَا رَأيت مِن ذِي لِمَّةٍ أحسَنَ فيِ حلّةٍ حمَراء مِن رسول الله ﷺ " (ص ١٨١٨). قال شَمِر: الُجمَّةُ أكثَر من الوفرة، وهي الجمّة إذا سقطت على المنكبين والوفرة إلى شحمة الأذنَين واللِّمة التي ألمت (٢٤) بالمنكبين. ١٠٧٢ - قوله: "كَانَ شَعَره رَجِلا " (ص ١٨١٩). (يقال: شَعَر مرجّل) (٢٥) أي مسرح.

стр. 1266

١٠٧٣ - وقوله: "ضَلِيعَ الفَمِ" (ص ١٨٢٠). قال: شَمر يعني عِظَم (٢٦) الأسنان وتراصفَها. ويقال: للرّجل إنّه لضليع الثّنايا، أي غَلِيظها وشدِيدهَا. ويقال: إنّه لضليع الَخلقِ، أي شَدِيده. قال أبو بكر الرَازي سألت ثعلبا عن ضليع الفم فقال: واسعَ الفَمِ، قال غيره: ضليع الفَم: أي عَظيم الفم، والعرب تحمد ذلك وتذمّ صغر الفم، ومنه قوله في وصف منطقه كان يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه وذلك لرحبِ شِدقَيه (٢٧) ويقال للرّجل إذا كان كذلك: أشدق. ١٠٧٤ - وقوله: "أشكَلَ العَينَين" (ص ١٨٢٠). قالى أبو عبيد: الشُّهَلة حمرة في سواد العين، والشُّكْلَة حمرَة في بياض العين وهو محمود قال الشّاعر: [الطويل] ولَا عيبَ فِيهَا غَير شُكلَةِ عَينهَا ... كذاك عِتَاق الطير شِكلاً عيونها ويروى شُكْلٌ، قال صاحب الأفعال: يقال شكِلَتِ العين بكسر الكاف شُكْلَةً وَشَكَلاً خالط بَيَاضَهَا حمرة.

стр. 1267

١٠٧٥ - وقوله: "منهوس العَقِبِ" (ص ١٨٢٠). قال: ابن الأعرابي يقال: رجل مَنهوس القَدَمَيِن ومنهوش القَدَمَيِن، وقال أبو العبّاس: النَّهس بأطراف الأسنان والنَّهْشَ بالأضَراس. قال سماك في كتاب مسلم: مَنهوس العقب، أي قليل لحَم العقب، وكذلك قال أيضا: إن ضليع الفم معناه عظيم الفم. وقال أيضا: إنَّ أشكَل العَينَين معناه طويل شقّ العينين. ١٠٧٦ - قوله: "كان أبيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا" (ص ١٨٢٠). المقَصَّد الّذي ليس بجسيم ولا قصير، وقال شمر: هو القَصد (٢٨) من الرّجال نحو الرَّبعَةِ. ١٠٧٧ - خرّج مسلم حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس خُلُقًا عن شيبان وأبي الرّبيع قالا (٢٩) نا عبد الوارث عن أبي التَّيَّاح عن أنس، هكذا عند الجلودي وغيره (ص ١٨٠٥). ووقع في نسخة أبيِ العَلَاء قال: نا عبد الواحد عن أبي التّيّاح، فجعل عبد الواحد بَدَلَ عبد الوارث. وَقال بعضهم والصّواب عبد الوارث، وهو ابن سعيد التّنورِي صاحب أبي التّيّاح.

стр. 1268

قال الشّيخ: وخرّج بعد هذا بيسير حديث جابر قال: "ما سئل رسول الله عن شيء قطّ فقال: لا. قال: نا أبو كريب عن الأشجعي. قال: وحدّثني محمد بن حاتم قال نا عبد الرحمن، يعني ابن مهديّ، هكذا في نسخة أبي العلاء ووقع عند الجلودي. نا محمَّد بن مثَنَّى (ص ١٨٠٥) بدل محمد بنِ حاتم ثم عن عبد الرحمن بن مهدى قال بعضهم: وعن محمد بن حاتم خرّجه أبو مسعود الدمشقي عن مسلِم. ١٠٧٨ - قول أنَسٍ: "يكره أن يَنتِفَ الرّجل الشَّعرَةَ البَيضَاء مِن رَأسِه ولحِيَتهِ" (ص ١٨٢١). قال الشّيخ -أيّده الله-: المذهب عندنا أنّه ليس بحرام وإن كان تركه أحَبَّ فَقد ذكِر في بعض الأحاديث أنّه ﷺ "نَهَى عن نَتفِ الشَّيبِ وقال إنَّه من نور الإسلام ". رواه ابن شعبان في الزّاهي. ١٠٧٩ - ذَكَر حديث شِراج الَحرَّة وقضيّةَ النبيّ ﷺ للزّبَير أن يسقيَ ثم يحبس حتَى يرجع الماء إلى الَجِدْرِ (١٨٢٩). قال الشّيخ: تقدّم الكلام على هذا الحديث وذكرنا الاختلاف في مراعاة بلوغ الماء إلى الكعبين هل إذا بلغ الماء إليهما (٣٠) أرسل الجميع أو حبس هذا المقدار منه وأرسل ما زاد؟ والواجب أن يقضى لكل أرض بقدر كفايتها، وتحمل قصّة الزّبير على أنّه كان قدر كفاية أرضه وهل يراعىَ بلوغه الكعبين في السّاقية أو في أرض الحأئط؟.

стр. 1269

وذَكرنا قضاءَه ﷺ مع غضبه وقد نَهَى عن ذلك وذكرنا أنّه معصوم في الغضب والرّضا إلى غير ذلك من الأعذار التي ذكرناها وإنّما أذكّر تلك بهذه الجمل لتطالعها هناك. ١٠٨٠ - قوله: "جَاءَ رَجل إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ يَا خَير البريَّةِ، فقَال ﷺ ذَاكَ إبرَاهِيم" (ص ١٨٣٩). قال الشّيخ وفّقه الله: قد ثبت أنه ﷺ أفضل من سائر المرسلين فيحتمل أن يكون هذا منه ﷺ على جهة التّواضع واستثقهالاً لأن ينَادى بهذا. وقد كان إبراهيم ﵇ من اّبائه ﷺ ، ويكره إظهار المطاولة على الآباء قد يكون فهِم من مناديه هذا المعنى، وأخبر في موضع آخر بكونه سَيِّدَ وَلد آدَمَ غَير قاصد التعاظم والتطاول على من تقدّمه ﷺ بل ليبينّ ما أمره الله ﵎، ببيانه، ولهذا عقب كلامه بأن قَال: "ولا فخر" ليزيلَ ما قد يظَنّ بمطلق هذا الكلام إذا أطلقه غيره من النّاس في نفسه، وقد يحتمل قوله ذاك إبراهيم قبل أن يوحى اليه بأنه هو خير منه. فإن قيل: هذا خبر ولا يقع إلاّ صدقا (٣١) والنّسخ لا يصِحّ فيه فلا وجه لعذركم هذا، قلنا: قد يريد ﷺ أن إبراهيم خير البريّة فيما يدلّ عليه ظاهر حاله عندي، وقد يقال: فلان خير قومه وأصلح أهل بلده: والمراد فيما يقتضيه ظاهر حاله، وقد مال إلى هذه الطريقة بعض العلماء في تفضيل الفاضل من الصحابة أنه تفضيل على الظاهر لا على القطع على الباطن، وقد تكون لإبراهيم فضيلة تميّز بها عن سائر الرسل ولكن نبيّنا

стр. 1270

- ﷺ له من مجموع الفضائل ما يربي عليها حتى يكون أفضلَ على الإطلاق ولا يكون المراد بقوله ﷺ (في ابراهيم ﵇ "خير البرّية" الإطلاقَ ولكن) (٣٢) في معنى اختص به. ١٠٨١ - قوله: "نَحن أحَقّ بِالشَكِّ مِن إبرَاهِيمَ إذ قَال: ﴿ربِّ أرِني كيف تحي الموتَى. قال: أوَلمَ تؤمِن قَالَ بَلىَ وَلكِن لِيَطمئِنَّ قَلبِي﴾ (٣٣) (ص ١٨٣٩). قال الشّيخ ﵁: من النّاس من ذهب إلى أن إبراهيم ﵇ إنما أراد بهذا اختبار منزلته واستعلام قبول دعوته فسأل الباري جلّت قدرته في أن يخرق له العادة ويحيي الموتَى ليعلم بذلك قدر منزلته عند الله سبحانه ويحَمل هَؤلاء قوله ﴿أوَلمَ تؤمِن﴾ على أنّ المراد به بقربك مني وبتفضيلك لديّ فيكون التقدير لو ثبت حمل الآية على هذا المعنى نحن أولى أن نختبر حالنا عند الله تعالى من إبراهيم على جهة الإشفاق منه ﷺ والتواضع لله سبحانه. وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين وأن المراد أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد أخر هو أبعد من طريان الشكّ وَنَزغات الشَّيَاطِين لانّا نساوي بين العلوم الضرورية والعلوم (٣٤) النظرية ونمنع التفاضل بينهما في نفس التعلّق وإنما يصرف التفاضل إلى أنّ الشكّ لا يطرأ على الضروريّ في العادة، والنظري فقد يطرأ عليه فيكون إبراهيم ﷺ سأل زيادة في الطمأنينة وسكون النفس حتى تنتفِيَ الشّكوك أصلا أو

стр. 1271

يكون المراد من نبيّنا ﷺ أنّا نحن أحقّ بالسّؤال في هذا منه على جهه الاشفاق أيضا أو يكون المراد بذلك أمته ﷺ لِيَحضَّهم على الابتهال إلى الله سبحانه بالتعوّذ من نَزَغَات الشياطين فيِ عقائد الدين. ١٠٨٢ - قوله: ﷺ : "لم يكذب إبراهيم قَطّ إلَاّ ثلاثَ كَذَبات ثِنتَيِن في ذاتِ الله (٣٥) قوله ﴿إنيِّ سَقِيم﴾ (٣٦) وقوله ﴿بَل فَعَلَه كَبِيرهم هَذَا﴾ (٣٧) وواحدة في شَأنِ سَارَةَ فَإنَّه قَدِم أرضَ جَبَّارٍ وَمَعه سَارَة وكانت أحسَن النَّاسِ فقال لهاَ: إنَّ هذا الَجبَّار إن يَعلَم أنَّكِ امرَأتيِ يغلبني عليكِ فإن سَألَكِ فَأخبرِيه أنَّكِ أختِي (فَإنَّكِ أختِي) (٣٨) فى الإسلام إني لا أعلم مسلما في الأرض غَيري وغَيركِ" (ص ١٨٤٠). قال الشّيخ: أمَّا الأنبِيَاء ﵈ فمعصومون مِنَ الكذب (٣٩) فِيماَ طَريقه البَلاغ عن الله سبحانه قَلّ ذلك أو جَلّ لأن المعجزة تدلّ على صدقهم فيِ ذلك. وأمَّا ما لا يتعلق بالبلاغ ويعَدّ من الصَغائر كالكذبة الواحدة (٤٠) في شيء من أمور الدّنيَا فيجري ذلك على الخلاف في عصمتهم من الصغائر وقد تقدّم الكلام عليه.

стр. 1272

وقد وصف ﷺ أن اثنتين من كذبات إبراهيم ﵇ كانتا في ذات الله سبحانه، والكذب إنّما يترك لله، فإذا كان إنما يفعل لله انقلب حكمه في بعض المواضع على حسب ما ورد في الشريعة، والقصد بهذا التقييد منه ﷺ نَفي مَذَمَّةِ الكذب عنه لجلالة قدره في الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وقد تأوّل بعض النّاس كلماتِه هَؤلاء حتى تخَرجَ عن كونها كَذِبًا ولا معنى لأن يتحاشى العلماء مماّ لم يتحاشَ منه النبّي ﷺ ؛ ولكن قد يقال: إن المراد بتسميتها كذبا على ظاهرها عندكم في مقتضى إطلاقكم عند استعمالكم اللفظ على حقيقته ألا تَرَاه يحكي عن إبراهيم ﵇ أنه قال لسَارَةَ: "أخبريه أنكِ أختي فإنَّكِ أختي في الإسلام". ومن سَمَّى المسلمة أختًا له قاصدًا أخوة الإسلام فليس بكاذب لكنه ﷺ إنّما أطلق عليه لَفظَة الكَذِب لما قلناه من (٤١) أن الأخت في الحقيقة المشاركة في النسب وأما المشاركة في الدِّين فَأخت عَلىَ المجاز وأرَادَ أنها كذبة على مقتضى حقَيقة اللفظة في اللّغة، وعلى أن قوله: "إنها أختي" قد يكون في ذات الله إذا أراد بَهِا كفّ الظلم وصيانة الحريم لكن لما كان له فيها منفعة مَيَّزها ﷺ عَن الأوليَنْ اللَّتين (٤٢) لا منفعة له فيهما هذا الذي يظهر لي في تأويل هذا الحديث. ١٠٨٣ - قوله: "كان موسى رجلا حَيِيًّا لا يرَى متَجَرّدًا فقال بَنو إسرائيل: إنّه آدَر فاغتسل عِند موَيهٍ ... " الحديث (ص ١٨٤٢).

стр. 1273

قال الشَيخ: جعل بعض المحدّثين هذا الحديث حجةً في جواز نزول الماء عريَانا. وَجمهور العلَماَء على إجازته وَنَهَى عَنه ابن أبيِ لَيلىَ وقال: إنَّ لِلماَءِ سكّانًا، واحتج للنهي بحديث ضَعَّفه أهل العلم. وَمويه تَصغير مَاءٍ. ١٠٨٤ - قوله ﷺ : "جَاءَ مَلَك الموت إلى موسى فقال له: أجِب رَبّك. قَال: فَلَطَم موسَى عَيَن مَلَكِ الَموتِ فَفَقَأهَا قال: فرجَعَ الَملَك إلىَ الله فقال: إنَّكَ أرسَلتَنِي إلى عبدٍ لكَ لَا يريد الَموت وَقَد فَقَأ عَينِي قال (٤٣): فرد الله عَينَه، وقال لَه: ارجع إلي عَبدِي فَقل الحياةَ تريد فَإن كنت تريد الحياةَ فَضَع يَدَكَ عَلىَ مَتنِ ثَور فَماَ تَوَارَت (٤٤) يَدكَ مِن شَعرة فَإنّك تعيش بها سنةً، قال، ثمَّ مَهْ؟ قًالَ. ثمَّ تمَوت قال: "والآن مِن قريب" (ص ١٨٤٣). قال الشّيخ- وفّقه الله: هذا الحديث مما تَطعَن به الملحدة وتتلاعب بِنقلَة الآثار (٤٥) بسببه وتقول: كيف يجوز على نبيّ مثل هذا أن يَفقَأ عَيَن مَلَكٍ؟ وَكيف تَنفَقِىء عين الملَك؟ ولعلّه لَماّ جَاءَ عِيسَى أذهب عينه الأخرى فَعمِيَ. ولأصحابنا عن هذا ثلاثة أجوبة قال بعضهم: إن الَملَك يتصوّر في أيّ الصوّر شاء مما يقدره الله عليها، وقد قال الله سبحانه ﴿فَأرسَلنَا إلَيها روحَنَا فتَمَثَّل لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤٦). وقيل إنّه تمثّل

стр. 1274

لها بصورة رجلٍ يسَمَّى تقيًّا وَلَهِذَا ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٤٧) وقد تَمثَل جِبِريل ﵇ بصورة دِحيَة. وقال أصحاب هذه الطريقة: إن هذه الصوّر قَد يمون تخيّلا فَيَكون موسَى ﵇ فَقَأ عَينًا متَخَيَّلَةً (٤٨) لا عينًا حَقِيقَةً، وهذا الجواب عندي قد لا يقنِعهم وقد يقولون: إن علم أنّه مَلَك وأنّ ذَلِك تَخَيّل (٤٩) فكيف يَصكّه ويقابله (بهذه المقابلة) (٥٠) وهذا لا يليق بالنّبي. وقال آخرون من أصحابنا: الحديث فيه تجوّز وإذا حمل عليه اندفع طعن الملحدة ومحمله عندنا على أنّ موسى ﵇ حاجَّه وَأوضَحَ الحجّة لَديه وقد يقال في مثل هذا: فَقَأ فلان عَين فلان إذا غَلَبَه بالحجة. ويَقال: عوّرت هذا الأمر بِمعنى أدخلت نَقصًا فيه فإذا صرِف ذلك إلى غلبة موسى ﵇ بالحجة سَقَط الاعتراض. وهذا أيضا قد يبعد عن ظاهر هذا اللّفظ لقوله ﷺ : "فَرَدَّ الله إليه عينَه". وإن قالوا: (٥١) معناه ردّ الله إليه حجّته كان بعيدا عن مقتضى سياق اللّفظ. وجواب ثالث مال إليه بعض أيمتنا من المتكلّمين وهو أمثل ما قالوه فيه وهو أنّه لا يبعد أن يكون موسى صلىّ الله على نبينا وعليه وسلّم أذِنَ الله لَه في هذه اللّطمة محنة للملطوم وهو سبحانه يَتَعَبَّد خَلقَه بما شاء ولا

стр. 1275

أحَد من عباده تقنعه فضيلَته من أن يتصّرف بحكم التكليف فيما سَاء وسرّ ونفع وَضَرَّ فإذا سلمنا لهم (حقيقة الحديث، وحملناه على هذه الطريقة) لم (٥٢) يبق لهم تعلّق. ويظهر لي جواب رابع وهو أن يكون موسى ﵇ لمَ يَعلم أنه مَلَك من قبل الله وظن أنه رَجل أتاه يريد نَفسَه فدافعه عَنها مدافعةً أدَّت إلى فقء عينه. وهذا سائغ (٥٣) في شريعتنا أن يدافع الإنسان عن نفسِهِ مَن أراد قتله وإن أدَّى إلى قَتلِ المطالب له فضلا عن فَقءِ عَينه. وقد قدّمنا في كتاب مسلم إباحته ﷺ فَقءَ عين من اطَّلَع على قَومِ وأنّه حلال لهم (فقء عَينه إذا اطّلع عليهم بغير إذنهم) (٥٤) على ما تقدّم ومضى (٥٥) الحديث فيه فكيف بهذا. وإنّما يبقى على هذا الجواب أن يقال: فقد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه فدلّ على معرفته به قلنا قد يكون أتاه في الثّانية بآيَةٍ وعَلَامة عَلِمَ بها أنَّه مَلَك الَموت وأنّه مِن قِبَل الله فاستسلم لأمر الله ولم يَأتِهِ أوّلاً بآية يعرّفه بها فكان منه ما كان، وأَحسَن ما اعتمد عليه في المسألةِ هذا الجواب الذي ظهر لنا أو الجواب الثّالث الذي ذكرناه عن بعض أيمّتنا، وعِندِي أنّ جوابنا أرجح منه. ١٠٨٥ - قوله ﷺ لِلّذي لَطَم وجه اليهوديّ فشكى إليه، "لِمَ لطمتَ

стр. 1276

وجهَه؟ قال: فقال: (٥٦) يا رسول الله والذي اصطفى موسى على البشر وأنت بَين أظهرنا قال: فَغَضِب النبيّ ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال لا تفضّلوا بين أنبياء الله فإنّه ينفخ في الصور فيصعَق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلاّ من شاء الله. قال: "ثم ينفَخ فيه أخرى فَأكون أوّلَ من يبعث أو من أوّل من يبعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسِبَ بصَعقَتِهِ يَوم الطور أو بعِثَ قَبليِ، ولا أقول: إنّ أحدًا أفضل من يونس بن مَتَّى صلى الله عليه" (ص ١٨٤٣). قال الشّيخ -وفقه الله-: أمّا قوله: "لا تفضلوا بين أنبياء الله فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بالتّفضيل. وكان بعض شيوخي يقول: يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلا يؤدّي إلى نقص بعضهم، وقد خرجَ الحديث على سبب وهو لَطم الأنصاريّ وجهَ اليهودي فقد يكون ﷺ خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص حقّ موسى ﵇ فنهى عن التّفضيل المؤدّي إلى نقص بعض الحقوق. وأمّا قوله: "ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متّى، فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بأنّ غير يونس أفضل منه فلهذا امتنع أن يقول بالتّفضيل ولم يوحَ إليه به وهو ﷺ لم يقل ها هنا إنّ يونسَ أفضل من سائر الأنبياء (٥٧) حتى يكون ذلك معارضا في ظاهره لقوله: "أنا سَيِّد ولد آدم " فيفتقر إلى التّأويل، ولكنه إذا قال: "لا أقول: إنّ أحدًا أفضل من يونس" وحملناه على أنّ ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ثمّ أوحىَ

стр. 1277

إليه بالتّفضيل فقال به: لم يكن في ذلك من التّعارض ما يغمض ويفتقر إلى التّأويل. ١٠٨٦ - قوله: "فنظرت إلى خَاتَمِ النّبوَّةِ بين كَتِفَيهِ عند (٥٨) نَاغِضِ كَتِفِه" (ص ١٨٢٣). قال: شَمِر النّاغض (من الإنسان أصل العنق حيث ينغِض رَأسَه ونغض الكتف هو العَظم الرقيق على طَرفِهَا. قال غيره: الناغض) (٥٩) فرع الكتف سميّ نَاغِضًا لتَحَرّكِهِ، ومنه قيلَ للظَّلِيم نَغض لأنَّه يحرك رَأسه إذا عَدا. ١٠٨٧ - قوله: "لَيس بالطويل البائن" (ص ١٨٢٤) من صفته ﷺ (ولا بالقصير)، أي ليس بالطويل المتفاوت ولم يكن بالقصير كان رَبعَة (٦٠) القامة. ١٠٨٨ - وقوله: "لَيسَ بالأبيَض الأمهَقِ " (ص ١٨٢٤). يعني لم يكن بالشّديد البياض الذّي يتوهم الناظر إليه برصًا (٦١) كان بياضه مشربا بالحمرة.

стр. 1278

ولم يكن "بالادم" يعني لم يكن شديد السمرة. ولا "بالجعد القَطَطِ" يَعنِي الشَّدِيد الجعوَدةِ. "ولَا بالسَّبِطِ" يَعنِي المرسَل الشَّعَرِ. ١٠٨٩ - قوله: "كَانَ قَد شَمِطَ مقَدَّم رَأسِهِ" (ص ١٨٢٣). قال ابن الأنبَاري: الشَّمَط معناه في كلام العرب اختلاط البَيَاضِ بالسَّوَادِ فَإذَا كَانَ البَيَاض والسّوَاد نصفين أو شبيها بهما قيل: قد أخلَسَ الشَّعر فهو مخلِس فإذا غَلَبَ السَّوَاد على البَيَاضِ قيل: أغثَم (٦٢). ١٠٩٠ - قوله ﷺ : "وَأنَا العَاقِب" (ص ١٨٢٨). يعني أنّه آخر المرسلين وأنه أرسِل عَقِبَهم. ١٠٩١ - وقوله: "فَلَماَّ سَمِعَ ذَلِكَ القَوم أرَمّوا" (١٨٣٤). قِيلَ معناه سَكَتوا، قال صاحب الأفعال: أرَمَّ القوم سكتوا لشيء هابوه. والعَظم صار فيه رِمّ وهو المخّ، والأرض صَارَ شَجَرها رَمِيماً مِنَ الَجدبِ (٦٣).

стр. 1279

وقوله: "فَخَرَجَ شِيصا فَمَرّ بهم" (ص ١٨٣٦). أي نَاقِصًا، والشِّيص البُسر الذي لا نَوَى له. ١٠٩٢ - وقوله: "فَجَمَحَ موسَى بأثَرِهِ" (ص ١٨٤١). يقال جَمح الرّجل إذا أسرع في مَشيه إسراعا لَا يَردّ وَجهَه، ومنه قوله ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٦٤). ١٠٩٣ - وقوله: "والله إنَّه بِالَحجَر نَدَبًا" (٦٥) (ص ١٨٤٢). يَعني أثرا والنَّدَب أيضا اثر الجرح. ١٠٩٤ - وقوله: "فَيَصعَق" (ص ١٨٤٤). يقال صَعِق الرّجل إذا خَرَّ مَغشِيًّا عليه لأمرٍ يهَوله. ١٠٩٥ - وقوله: "حَمَلونَا بِغَيِر نَولٍ" (ص ١٨٤٩). يعني بغير جعل وَالنّول والنّوال (٦٦) العطاء.

стр. 1280

١٠٩٦ - وقوله: "لَقدَ جِئتَ شَيئًا إمرًا" (ص ١٨٤٩). الإمر العجب، والإمر اسم من أسماَء الدّواهي. ١٠٩٧ - وقوله ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (ص ١٨٤٩). أي عِلماً. ١٠٩٨ - قوله: في حديث الخَضِر: "سئل موسى أيّ النَّاس أعلم؟ فَقَال: أنا. قال: فعتب الله سبحانه عليه إذ لمَ يَردّ العِلمَ إلَيه جَلَّت قدرته" (ص ١٨٤٧). ١٠٩٩ - قال الشّيخ -أيّده الله-: وقع في بعض الأحاديث "هل تَعلَم أحدًا أعلَمَ منك" (ص ١٨٥٢) فعلى هذا لَا يكون عليه عتب إذ حكى عَماَّ يَعلَم. وَأمَّا على هذه الرّواية "أيّ النَّاسِ أعلَم؟ " فقال: أنا أعلم (والنّبيء لا يقع منه الكذب. وقد أوحى الله إليه أنَّ عبدا من عباده أعلم منه فيكون المحمل) (٦٧) أنَا أعلم فيما يظهر إلي (٦٨) ويقتضيه شاهد الحال ودلالة نبوّته ﷺ لأنّه كان من النبوّة بالمكَانِ الرّفيعِ، والعلم من أعظم المراتبِ فقد يعتقد أنه أعلم النّاس لهِذه الجهة. وإذا كان قوله "أنا أعلم" مراد به في اعتقادي لم يكن خبره به كذبا.

стр. 1281

وقد اضطرب العلماء في الَخضرِ هل هو نبيء أم لا؟. واحتجّ من قال بِنبوَّته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٦٩) فدلّ على أنّ الله يوحي إليه بالأمر، وهذه النبوّة. وينفصل الآخرون عن هذا بأنّه يحتمل أن يكون نبيء غيره أمَرَه بذلك عن الله تعالى وقصَارى ما في الآية أنه ما فعله عن أمره ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له ليس في الآية تعيين فيه (٧٠)، وقد يحتجّ من قال بنبوته بكونه أعلمَ من موسى. ويبعد أن يكون الوليّ أعلم من النبيء. وقوله: "عتب الله عليه" فيشبه أن يراد به أنه لمَ يَرضَ قوله شرعًا ودينا، وأمَّا العَتب بمعنى الَموجدة وتغيرّ النّفس فلا يجوز على الله سبحانه. ١١٠٠ - قوله: "سئِلت عائشة ﵂ من كان رسول الله ﷺ مستخلفا؟ أو كان استخلف؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم مَن بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجرّاح". وذكر عنها مسلم أيضا أنهّا قالت: قال لي ﷺ في مرضه أدعِي لي أبا بكر أباكِ وأخاكِ حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنَّى متَمَنٍّ ويقول (٧١) قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر (ص ١٨٥٦ - ١٨٥٧).

стр. 1282

قال الشّيخ: اختلف الناس فيمن يستحق الإمامة بعد النبيّ ﷺ فذهب أهل السنّة إلى أنه الصدّيق، وذهبت الشّيعة إلى أنه علي، وذهبت الراوندية إلى أنّه العبّاس. فمن خالف أهل السنة رأى الترجيح بالقرابة فقال بعضهم: عليّ لقربه ومصاهرته وما ظهر من علمه وشجاعته وقال بعضهم: العباس لأنه المستحق للميراث وَهو أولى به من عليّ فكان أولى بالخلافة، وأنكر أهل السنة أن يكون مجرّد القرابةِ يوجب الخلافة وإنما يوجبها الحصول على مرتبةٍ مّا من الدِّين والعلم وغير ذلك من الأوصاف التي ذكرها العلماء في كتب الإمامة. وقد قال ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٧٢) ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٧٣) ولسنا نقول: إنّ أحدا من قرابة رسول الله ﷺ ظالم ولكن وجه الاستدلال أنّ مجرد القرابة لَا يوجب الولاية إذا منع منها مانع وهو الظلم فكذلك إذا منع منها مانع وهو وجود أفضل. وأمَّا غلوّ الشّيعة في قولهم (٧٤) بأنّ عليّا ﵁ وصيّ النبي ﷺ فباطل لا أصل له. وأمَا الصديق ﵁ فإذا أثبتنا ولايته باتفاق الصّحابة عليه على وجه يوجب إمَامَتَه فإنّ المحقّقين من أيّمتنا أنكروا أن يكون ذلك بِنَصٍّ قاطع منه ﷺ على إمامته وقالوا: لو كان النصّ عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إقامته والعَقدِ لَه ولا كان ما كانَ من الاختلاف فدَلَّ ذلك على أنه رأي منهم وقع فيه تردّد من طائفةٍ ثم استقر

стр. 1283

الأمر فانجزَم الرَّأي عليه ويجعل هؤلاء ما وقع في هذا الحديث ويأبى الله والمؤمِنون إلاّ أبَا بكر مع ما وقع من أمثاله من الظواهر التي لا تبلغ النصّ الجلي القاطع الذي لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه. وأما تفضيل الصّحابة بعضهم على بعض فقد ذهبت فرقة إلى الإمساك عن هذا، وأنه لا يفضَّل بعضهم على بعض وقالت: هم كالأصابع في الكفّ فلا ينبغي أن يتَعَرَّض للتّفضيل بينهم، وقال مَن سِوَى هَؤلَاء (٧٥) بالتَّفضِيل واختلفوا فيه اختلافا كثيرا فالخطابية تفضِّل عمر بن الخطَّاب، والراوندية تفضّل العبّاس، وأهل السنة تفضل أبا بكر، والشِّيعة تفضل عليًّا ﵃. اختلف القائلون بالتّفضيل: هل الذي يذهبون إليه منه مقطوع به أم لا؟ وهل هو في الظّاهر والباطن أم في الظّاهر خاصة؟ فذهبت طائفة إلى أنّ المسألة مقطوع بها وَحكِيَ عن أبيِ الَحسَنِ الأشعري مَيل إلى هذا وأنّ الفَضل مرتب في الأربعة على حسب ترتيبهم في الإمامة. وأمّا القاضي أبو بكر بن الطيب (٧٦) فإنَّه يراها مسألة اجتِهَاد ولو أهمل أحد العلماء النّظر فيها أصلا حتى لم يعرف فاضلاً (٧٧) من مَفضولٍ ما حَرِجَ ولا أثِمَ بِخلاف مسائل الأصول التي الَحق فيها في واحد ويقطع على خَطَإ المخالف وهذه لا يقطع فيها على خطإ من خالف من المجتهدين.

стр. 1284

وفي المدوّنة: سئل مالك أيّ الناس أفضَل بعد نبيّهم ﷺ ؟ فقال أبو بكر وَعمر (٧٨). ثم قال: أوَفي ذلك شك؟ فقيل له: فعليّ وعثمان؟ قال: ما أدركت أحَدًا ممن اقتدي به يفضل أحَدَهما على صاحبه ويرَى الكَفَّ عن ذلك. وقول مالكٍ "أوَفي ذلك شك؟ " يكاد يشير به إلى المذهب الذي حكيناه عن القائلين بالَقطع ولكنه أشار إلى التوقّف بين علّي وعثمان. وهذا مساهمة لمن (٧٩) حكَينا عنه التوقّف في الكلّ، ولكنّه خصّه مالك بهذين. وقد مال إلى قريب ٨من هذا أبو المعالي فقال: أبو بكر ثمّ عمر وتَتَخَالَج الظّنون في عثمان وعليّ (٨٠) ﵃ وهذا اللَّفظ نحو ما وقع لمالك. وأما الحكم بالتفضيل ظاهرا خاصة أو باطنا وظاهرا فإنّ في ذلك قولين للعلماء وللقاضي ابن الطيّب نصر كلّ واحد من المذهبين واحتجّ له ولكن تعويله في ظاهر كلامه على أنه حكم بالظاهر لا بالباطن عند الله سبحانه وقَد يكون من يَظهر لنا أنه أفضل من غيره ذلك (٨١) الغير عند الله تعالى أفضل منه، وكذلك وقع الاختلاف بين العلماء في عائشة وفاطمة ﵄ أيتهما أفضل واحتجّت كلّ طائفة بما وقع من التّفضيل لمن فَضَّلته في بعض الأحاديث والمسألة لا تَبلغ القطع. وقد وقف الشّيخ أبو الحسن الأشعري في هاتين وَتَردَّدَ فيهما ولا معنى

стр. 1285

للتّعويل على تقدمةِ عائشة بكونها مع النبيّ ﷺ في الَجنَّة في درجته وكون فاطمة ﵂ مع عليّ في درجته ودرجة النبي ﷺ أعلىَ من درجة عليّ لأن ذلك إنما حَصَلت عليه لأجل النبي ﷺ وكون الزوجة تابعةً لزوجها لا لأجل نَفسِهَا لو انفردت. وكذلك قولهَ في عائشة رضوان الله عليها إنها فضّلت على النساء كَالثَّرِيد على الطَّعَام (٨٢) الحديث (ص ١٨٩٥) كما وقع لأنه أخبار الآحاد وقد يعارض أيضا بما وقع في فاطمة ﵂ وأرضاها من الأحاديث، وقَولِهِ ﷺ لها "أما تَرضَيَن أن تكونيِ سيّدةْ نساءِ هذه الأمَّة (الحديث ص ١٩٠٥) كما وقع. وأما عثمان ﵁ فخلافته صحيحة وقَتَلَتُه فَسَقَة ظَلَمَة نَقَمَت عليه أن حَمَى الِحمَى وقرّب أقَارِبَه (٨٣) في العطاء وآوى طريد النبيّ ﷺ . وقد ذكر العلماء المخرج من هذا كلّه ولو كان مما ينقم به ولا عذرَ فيه لم يوجب إراقة دمه وقد وقفت المعتزلة فيه وفي قَتَلَتِهِ (٨٤). وهذا من جهلهم بالآثار وقلّة رجوعهم إلى الأخبار وإضرابهم عن تأويلها واتّباع العلماء في مسالكهم فيها. وكذلك عليّ ﵁ العقد له وقع بوجه صَحِيحٍ والعقد لغيره في أيام خلافته وحياته لا ينعقد ولا يصح. ولو اتّفق لمعاوية ﵀ العقد في زمانه لم يكن ذلك بعقد يعوّل عليه حتى يتجدد له بعقد بَعدَ موته ﵁ ومعاوية من عدول الصحابة

стр. 1286

وأفاضلهم وما وقع من الحروب بَينه وَبين عَلِيّ وما جرى بين الصّحابة من الدِّماء فعلى التأويل والاجتهاد، وكلُّ يعتقد أنّ مَا فعله صواب وَسَداد. وقد يختلف مالك وأبو حنيفة والشافعي في مسائل من الدّماء حتّى يوجب بعضهم إراقة دم رَجلٍ وَيحرمه الآخر ولا يستَنكَر هذا عند المسلِمِين ولَا يستَبشَع لماَّ كَان أصله الاجتهاد وبه تعبَّدَ الله العلماءَ وكذلك ما جرى بين الصحابة ﵃ في هذه الدّماء ومَن حاول بسط طرق اجتهادِهِم فيما وقع لهم طالع ذلك من الكتب المصنّفة فيه فقد أفرد القاضي (أبو بَكر بن الطّيّب) (٨٥) فيه كتابا وذكره في كثير من كتبه وغيره من العلماء المصنفين. ١١٠١ - وأمّا قوله: "فَالتفَتَ إلَيه الذِّئب فقال له: مَن لها يَوم السَّبعْ يَومَ لَيس لَهَا رَاعٍ غَيِري" (ص ١٨٥٨). قال الشّيخ ﵁: بعض أهل العلم (٨٦) يقول: يوم السّبعْ، بإسكَانِ الباء ويفَسرِّه بِأنه أرَادَ يومَ القِيَامَةِ، قال بعضهم: "من لها يوم السبع" السبع الموضع الذي عنده المحشر يوم القيامة أرَادَ مَن لَهَا يَومَ القيَامَة. (قال الشيخ -وفقه الله- وقد سألت بعض أيمة اللّغة عن هذا فقال لي: مَا أعرِف لتسمِيَةِ يوم القيامة) (٨٧) بهذا الاسم وجها ولكني أعرف في اللّغة سَبَعت الرّجلَ أسبَعه سَبعًا إذَا طَعَنت عليه فلعلّه لما كان يوم القيامة يَومَ الكَشفِ عن المساوىء سمِّي ذلك سَبعا. هذا الذي ذَكَر لي من سألته

стр. 1287

وقد رأيت في بعض كتب اللّغة يقال: سبعت الأسد إذا ذعرته. قال الطِّرماخ: [الطويل] فَلَماَّ عوى لَيث السِّمَاك سَبَعتَه ... كما أنَّا أحيانا لهن سَبَوع (٨٨) يصف الذئب. ويكون المعنى على هذا: من لها يوَم الفَزَع، ويوم القيامة أيضًا يَوم الفَزَع. وَحَكَى صاحب الأفعال سَبَعت الرجلَ سَبعًا وَقَعت فِيهِ، والقومَ صرت سَابِعَهم، وأيضا أخذت سُبُعَ أموالِهِم، والذئاب الغَنَم أكلَتهَا، وأسبَعت الرَّجلَ أهَملته، وأيضًا أطعمته السَّبُع، وَالرَاعِي وَقَعَ السبع في غنمِهِ، والمرأة وَلَدَت لِسَبعَةِ أشهرٍ، وَالقَوم صَاروا سَبعَةً. هَذَا جملَة مَا حَكَاه مِن تَصِريف هَذِهَ اللَّفظَةِ فيِ مَعَانٍ مختَلِفَةٍ ويحتَمِل مِماَّ ذَكَرنَاه أن يرِيدَ يَوم السَّبع يَومَ أكليِ لَهَا لِقَولِه: سَبَعَ الذِئب الغَنَمَ أكلَهَا وإن صَحَّ أن يستعمَلَ الثُّلاثيُّ هَا هنَا مَكَانَ الرباعي كَماَ قَالَ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٨٩) صَحّ أن يريدَ مَن لَهَا يَومَ الإهمالِ كَماَ حكِيَ أسبَعته أهَملته وَيَكون المرَاد بِهِ نحوَمَا يرَاد بروايَةِ مَن رَوَى مَن لَهَا يَومَ السُّبعِ يَومَ لا رَاعِيَ لَهَا سِوَايَ إذَا كَان الَمعنَى فقدَ الَحارِسِ لَهَا وَالَمانِعَ مِنهَا. ١١٠٢ - قوله ﷺ : "بَينَا أنَا نَائِم رَأيْتُنِي عَلىَ قَلِيبٍ عَلَيهَا دَلو" (الحدِيثَ) (ص ١٨٦٠).

стр. 1288

قال الشّيخ -أيّدَه الله- تَقَدَّمَ تَفسِير القَلِيبِ وَالغَرْبِ، وَالذَّنوبِ. وأمَّا العَبقَرِيّ فَقَالَ أبو عبَيد: قال الأصمَعِي: سَألت أبَا عَمرو بن العَلَاء عَنِ العَبقَرِيّ فَقَالَ: يقَال هَذَا عَبقَرِيّ قومِهِ كَقَولهِم سَيِّد قَومِهِ وَكَبِيرهم وَقَويهّم ١١٠٣ - وأما قوله يفري فريه (ص ١٨٦٢). أي يعمل عملَه ويقوَى قوّته ويقطع قطعه والعرب تقول: تركته يفرِي الفري إذا عمِل العمل فأجَادَ. ١١٠٤ - وقوله "ضرب النّاس بعَطَن" (ص ١٨٦٢). قال ابن الأنباري معناه رَوُوا وَأروَوا إبلَهم فأبركوها فضربوا لها عَطَنًا، يقال: عطَنَتِ الإبل فهيَ عَاطِنَة وَعَوَاطِن إذا بركت عند الحياض لتعادَ إلى الشرب مرّة أخرى وأعطنتها أنا. ١١٠٥ - قوله قَد كَان يَكون في الأمم قبلكم مُحدَّثونَ" وذكر مسلم عن ابن وهب أنّ تفسيره ملهمون (ص ١٨٦٤). فقال غيره: يريد بقوله: "محدّثون" قومًا يصيبون إذا ظنّوا فكأنهّم حُدِّثوا بشيء فقالوه. ١١٠٦ - قوله دخل مالاً فجلس في القُفّ (ص ١٨٦٩).

стр. 1289

القفّ شجر النّخل والقفّ أيضا الشجرة اليابسة، والقف أيضا شبيه الزَبِيل (٩٠) من الخوص. والمراد بهذا الحديث في الظاهر القفّ الذي يسقط فيه ماء الدّلو ثم يمضي منه الى الظفيرة وهي محبس الماء كالصِّهرِيجِ. ١١٠٧ - قول معاوية لسعد: "ما منعك أن تسبّ أبا تراب" فذكر سعد ﵀ فضائل عليّ ﵁ وأنّه ﷺ قال له: "أما ترضى أن تكونَ مني بمنزلة هارون من موسى" ﵉. وقوله ﷺ "الأعطيّن الرّاية غدًا رَجلا يحبّ الله ورسولَه ويحبّه الله ورسوله فأعطاها علِيًّا رضوان الله عليه، ولما نزلت ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٩١) دعاهُ ﷺ وفاطمة وابنيهما ﵉ فقال: اللهم هؤلاء أهلي" (الحديث) (ص ١٨٧١). قال الشّيخ -أيّده الله-: مَذهَب أفَاضِل العلَماَءِ أنّ ما وقع من الأحاديث القادحَةِ في عدالة بعض الصّحابة والمضيفة إليهم مالا يليق بهم فإنهّا تردّ ولا تقبل إذا كان رواتها غيَر ثقاتٍ فإن أحبّ بعض العلماء تأويلها قطعًا للشّغب ترِكَ ورأيَه وإن رواها الثقات تؤولت على الوجه اللائق إذا أمكن التأويل ولا يقع في روايات الثّقاتِ إلاّ ما يمكن تأويله، ولا بدّ أن نتأوّل قَولَ معاوية هذا فنقول: ليس فيه تصريح بأنّه أمره بسبّه وإنّما سأله عن السّبب المانع له من السبّ. وقد يسأل عن مثل هذا السّؤال من يستجيز سبّ المسؤول عنه ويسأل عنه من لا يستجيزه. وقد يكون معاوية رأى سَعدا بين قوم يسبّونه ولا يمكن الإنكار عليهم فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب لتستخرج منه مثل ما استخرج مماّ حكاه عن النبيّ ﷺ فيكون له حجّة على من يسبّه حتى ينضاف إليه من غوغاء جنده

стр. 1290

فيحصل على المراد على لسان غيره من الصَّحَابة ولو لم نسلك هذا الَمسلَك وحملنا عليه أنّه قصد ضدّ هذا مَما تثيره الموجدة ويقع في حين الَحنَق لأمكن أن يريد السّب الذي هو بمعنى التفنيد (٩٢) للمذهب والرأي، وقد يسمى ذلك في العرف سبّا ويقال في فرقة إنها تسبّ أخرى إذا سمع منهم أنهم أخطؤوا في مذاهبهم وحادوا عن الصّواب وأكثروا من التّشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: ما منعك أن تسبّ أبا تراب، أي تظهر للناس خطأه في رأيه وَأنَّ رأينا وما نحن عليه أسدّ (٩٣) وأصوب هذا مما لا يمكن أحَد أن يمنع من احتمال قوله له وقد ذكرنا ما يمكن أن يحمل عليه قوله ورأيه فيه جميل أو غير جميل في هذين الجوابين، بمثل هذا المعنى ينبغي أن يسلك فيما وقَعَ من أمثَال هذا. ١١٠٨ - قوله: "فَبَاتَ النَّاس يَدوكون لَيلَتَهم" (ص ١٨٧٢). أي يخوضون يقال: النّاس في دَوكَة، أي في اختلاط وخوض. ١١٠٩ - قوله ﷺ : "وأنَا تَارِك فيكم ثَقَلين كتابَ الله فيه الهدَى والنّور فخذوا بكتاب الله واستَمسِكوا به فَحَثَّ ﷺ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: "وَأهل بيتي أُذَكِرّكم الله في أهل بَيتِي" (الحديث) (ص ١٨٧٣). قال أبو العباس ثعلب سَماهما رسول الله ﷺ "ثَقَلَين" لأنّ الأخذ بهما

стр. 1291

والعمل بهما ثَقِيل. والعرب تقول لكلّ خطير نفيس ثَقَل. فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما. ١١١٠ - وقوله: "فَأتَيتُهم فيِ حَشٍّ (ص ١٨٧٧). الَحشّ بستان النخل وفيه لغتان ضم الحاء وفتحها، ويقال في جمعه: حُشَّان قال ابن الأنباري: والحشّ أيضا مواضع الخلاء. وَإنما سُمّي مواضع الخلاء حشًّا لأنهَّم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. قال أبو عبيد: والَحائش جماعة النخل وهو البستان أيضًا. ١١١١ - قال الشّيخ -أيّده الله-: خرَّج مسلم في فضائل سعد ﵁ قال: "نا أبو كريب وإسحاق عن محمد بن بِشر عَن مِسعَرٍ قال ونا ابن أبي عمر عن سفيان عن مِسعَرٍ كلهم عن سعد بن إبراهيم". قال بعضهم قال أبو مسعود الدّمشقي ... هكذا رواه مسلم حدّثنا أبو بكر نَا وكيع وأسقط منه سفيان (ص ١٨٧٦). وتوهّم النّاس أنه وَكيع عن مِسعَر وإنّما رواه أبو بكر في المسند وفي المغازي وغير موضع عن وكيع عن سفيان عن مسعَر (٩٤). ١١١٢ - قوله "شَجَروا فَاهَا بِعصًا ثمَّ أوجَروهَا" (ص ١٨٧٨). شَجَروا، أي فتحوا. ويقال: وجرته وأوجرته إذَا ألقيت الوَجُور في فِيهِ وَهو الدَّوَاء.

стр. 1292

١١١٣ - قوله: "نَدَبَ رسول الله ﷺ النَّاسَ يَومَ الخندَقِ (ص ١٨٧٩). أي دَعَاهم. قال صاحب الأفعال: ندبتهم إلى الحرب والأمر وَجَّهتهم، وإلى الشيء دَعوتهم. ١١١٤ - قوله: "لِكلِّ نَبِيٍّ حَوارِيّ وَحَوَاريَّ الزّبَير" (ص ١٨٧٩). أي خاصّتي والمفضّل عندي ونَاصري، قال الأزهري: لِكلّ نَاصِرٍ نَبِيَّه حَوَارِيّ تشبيهًا بِحَوارِيِّ عيسى ﷺ . قال ابن الأنباري: وَحَوِارِيّ عيسى هم المفضَّلونَ عنده وخاصّته. وقال الأزهريّ: الحواريون خُلْصَان الأنبِياء ﵈ وتأويله الّذين أخلصوا وأنقوا من كل عَيب، والدّقيق الُحوَّارَي الذي سُبك ونخِل كأنه روجع في اختباره مرّة بعد أخرى، قال ابن وَلاّد: حواريّ (الرّجل خلصَانه وخَاصّته، ورجل حَوَاريّ) (٩٥) أي نظيف، وسمى القَصَّار حوّارا (٩٦) لتنظيفه الثّياب، قال الهروي: وُيسمّى خبز الُحوّارى لأنّه أشرف الخبز وأنقَاه. ١١١٥ - قوله: "فيِ أُطُمِ حَسّانٍ " (١٨٧٩). الأطم بناء مرتفع وجمعه آطام، ومنه الحديث "حتى توارت بآطام المدينة" يعني أبنيتها المرتفعة.

стр. 1293

١١١٦ - وحِرَاء (ص ١٨٨٠). بالمدّ جَبَل بمكة. ١١١٧ - قوله ﷺ : "أثَمَّ لُكَع" (ص ١٨٨٢). قال الهروي: سئل بلال بن جرير عن اللُّكع فقال: هي في لغتنا الصّغيرة. قال الأصمعيّ: الأصل في لُكَع مِن الَملَاكع وهي التي تخرج مع السَّلىَ عَلىَ الولد. وفي حديث الَحسَن أنّه قال لإنسَانٍ: "يَا لُكع " يرِيد يا صَغِير (٩٧) فيِ العِلمِ. ١١١٨ - قول عائشة ﵂: "وعليه مِرط مُرَحَّل من شَعرٍ أسوَدَ " (ص ١٨٨٣). المِرْطُ كساء وجمعه مروط والمرحل بالراء والَحاء المهملتين (٩٨) [هو الوَشي سمي مرحلاً لأنّ عليه تصاويَر الرِّحال وَجمعه الَمراحل ويقال لها الَمراجِل بالجيم أيضًا. ١١١٩ - قوله: "وبَشِّرْ خَدِيَجةَ بِبَيتٍ فيِ الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ " (ص ١٨٨٧).

стр. 1294

قال الَهروي في قوله "بِبَيتٍ من قصب" هو في هذا الحديث لؤلؤ مجوَّف واسع كالقصر المنيف. والصخب الصوت المرتفع، وأيضا اختلاط الأصوات، والنّصب المشقة والعناء والتعب. وفيه لغتان نُصْب وَنَصَب مثل حُزْنٍ وَحَزَن. قال صاحب الأفعَال: نَصِبَ الرَّجل بِفَتح النون وكسر الصاد أعيا من التَّعَبِ. ١١٢٠ - قوله ﷺ لِعَائِشَةَ "جَاءَنيِ بِكِ الَملَك فيِ سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ" (١٨٨٩). قال أبو عبيد: هي الشُّقَق إلَاّ أنهَّا هِي البيض منها خاصة الواحدة سَرَقَة، قال: وأحسبها فارسية أصلها سَرَط، وهو الجيّد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج-: [الرّجَز] ونَسَجَت لَوَامِعُ الَحرورِ ... سَبَائِبًا كسَرَقِ الَحرِير ١١٢١ - وَقولها: "فأشخَصَ بَصَرَه" (ص ١٨٩٤). أي رفعه. ١١٢٢ - قول عائشة: "جَلَسنَ (٩٩) إحدى عشرة امرأة فتعاهدنا وتعاقدنا أن لا يكْتمنَ مِن خَبَرِ أزوَاجِهِنّ شَيئًا" (١٠٠) (الحَدِيثَ بِطولِه) (ص ١٨٩٦ - ١٩٠٢).

стр. 1295

قال الشّيخ أيّده الله: قَول الأولى من النسوة اللَاّتيِ اجتمعن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا "زَوجِي لحَمُ جَمَلٍ غَثٍّ". تعنِي المهزولَ على رأس جَبَل. تصف قِلَّة خيره وَبعدَه مع القلّةِ كالشيء في قُلَّةِ الجبل الصَّعب لا ينال إلاّ بِالمشقة. قال الخطَّابي. معنى البعد في هذا أن تكون قد وصفته بسوء الخلقِ والترفّع لنفسه والذهابِ بهِا تيها وَكِبرا، تريد أنه مع قلة خيره وَنَزَارته قد يتكَبر عَلىَ العشير فيجمع إلى منع الرِّفد الأذى وسوءَ الخلقِ. قَال أبو عبَيد: وقولها "سَمِين فينتقي" أي يستخرج نِقيه والنِّقي المخ يقَال: نَقَوت العَظمَ ونَقَيته وأنقيته إذا استخرجت نقيه. وَمَن رواه فَينتَقَل أي ليس بِسَمِين ينتقله الناس إلى بيوتهم يأكلونَه ولكنهم يَزهَدونَ فِيه. قال الخطابي: يريد أنَّه ليس في جانبه ظرف فيحتمَل سوء عِشرته لذلك، يقال: انتقلت الشيءَ أي نقلته. قال أبو عبيد: قول الثانية "أَذْكُرُ عُجَرَهُ وبُجَرَهُ ". العُجَرُ أن يَتَعَقَّدَ العَصَب أو العروق حتى تَرَاهَا نَاتِئةَ من الجسد والبُجَر نَحوُهَا إلاّ أنهّا في البطن خاصةً واحدتها بُجْرَة. ومنه قيل رَجل أبجَر إذا كان عظِيم البَطنِ وامرَأة بَجرَاء والجمع بُجَر، ويقَال: رَجل أبجَر، أي ناتىء السّرة عظيمها. قال الهروي: قال ابن الأعرابي: العُجْرَةُ نَفخَة في الظهر فإذا كانت في السُّرة فهي بُجْرَة ثم ينقلان إلى الهموم والأحزان. قال الَخطّابي: أرادت بالعُجْرِ والبُجَر عيوبه الباطنة وأسراره الكامنة. وقال الأصمعي في قول علي ﵁ إلىَ الله أشكو عُجَري وَبُجَري أي همومي وأحزاني.

стр. 1296

قال أبو عبيد قول الثالثة "زَوجِي العَشَنَّق". هو الطويل تقول، ليس عنده أكثر من طوله فلا نفع، "إن ذكرت ما فيه من العيوب طلّقني وإن سَكَتّ تركني معلقة لا أيِّم وَلَا ذَات زَوجٍ" (١٠١). ومنه قول الله تعالى ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (١٠٢). وقول الرَّابِعَةِ "زَوجِي كَلَيلِ تِهَامة". تقول: ليس عنده أذى ولا مكروه وإنّما هو مثل لأنّ الحرّ والبرد كلاهما فيه أذى إذا اشتدّ وقولها "ولا مخافة ولا سآمة". تَقول لَيس عنده غائلة وَلا شرّ أخافه ولا يسأمني فَيَمَلَّ صحبَتِي. وقول الخامسة "زَوجي إن دخل فَهد" تصفه بكثرة النوم والغَفْلة في مَنزِله على وجه المدح له وذلك أنَّ الفَهد كَتِير النَّوم، يقَال: أنوَم مِن فَهدٍ. والذي أرَادَت أنَّه لَيس يتفقَّد ما ذهبَ مِن مَالِه ولا يلتفت إلى جانب البيت ومَا فيه. فَهو (١٠٣) كَأنَّه سَاهٍ عن ذلك. ومماّ يبيِّنه قولها "ولا يَسأل عما عَهِد" تعني عما كان عندي قَبل ذلِكَ.

стр. 1297

وقولها "أسِدَ". تصفه بالشجاعة تقول. إذا خرج إلى النّاس ومباشرة الحرب وَلقاء العدوّ أسِدَ فيها. يقال: أسِدَ الرجل واستأسَدَ بِمَعنًى (١٠٤). وقول السّادسة "زوجي (١٠٥)، إن أكَلَ لَفَّ وإن شَرِبَ اشتَفّ". اللفّ في المطعم الإكثار منه مع التّخليط من صنوفه حتَّى لَا يبقِيَ مِنه شَيئًا، والاشتِفَاف في المشرب أن يستقصي مَا في الإناء ولا يُسْئِرَ شَيئًا وإنما أُخذ من الشُفَافَةِ وهَي البقية في الإناء من الشَّرَاب فإذا شَرِبَهَا صاحبها قيل اشتفَّها. وَقولها "ولا يولِجُ الكَف لِيَعلَمَ البَثَّ". قال أبو عبيد أحسبه: كان بِجَسَدها عيب أو دَاء تَكتَئِب بِه لأن البثّ هو الحزن فكان لا يدخل يَدَه في ثَوبهِا ليَمسَّ ذلك العيب فَيَشقَّ عَلَيهَا تصِفه بالكَرم قال الهَروي: قال ابن الأعرابي: هذا ذمّ لزوجها وإنّما أرادت وإن رَقَد التَفَّ في ناحية ولم يضَاجِعنِي ليعلَم ما عندي من مَحَبَّتي لِقربه. قال: ولا بثَّ هناك إلا محبَّتهَا الدّنوَّ مِن زَوجِهَا فَسَمَّت ذلك بَثّا لأن البثّ من جهته يكون، قال أحمد بن عبيَد: أرَادت أنه لا يتفقد أُمُوِرِي ومصالِحَ أسبَابيِ وَهو كقولهم: مَا أدخل يده في الأمر، أي لم يَتَفَقَّده.

стр. 1298

(قال ابن الأنباري رَدَّ ابن قتيبة (١٠٦) على أبي عبيد تأويله لهذا الحرف قال: وكيف تمدحه بهِذا وقد ذَمَّته في صَدرِ الكَلَام) (١٠٧). قال ابن الأنباري: ولا حجة على أبي عبيدٍ فيه لأن النِّسوة كنَّ تعاقدنَ أن لا يكتمنَ مِن أخبَار أزوَاجِهِن شيئا وَمِنْهُنّ منَ كانت أمور زوجها كلّها حسنة فوصفتها ومنهنّ من كانت أمور زوجها كلّها قبيحةً (فَبيّنَتها وَمنِهن مَن كان بعض أمور زوجها حسنة وبعضها قبيحة) (١٠٨) فأخبرت به. قال الشّيخ ﵀: وإلى قول ابن الأعرابي وابن قتيبة ذَهَب الَخطّابيِ في تفسير هذا. قال أبو عبيد: وقول السّابعة: "زوجي عَيَايَاء طباقاء". العَيَايَاء بالعَين المهمَلَةِ هو الذي لا يضرب ولا يلقّح من الإبل، وكذلك هو في الرجال. والطَّباقاء العيي الأحَمق الفَدْمُ. قال الخطّابيِ: أصل الطَّباقاء ما قَاله الأصمَعِيّ: وهو الذي أمْرُه منطبق عليه قال ابن ولاّد يقال: فلان طَبَاقَاء إذا لم يكن صاحب غَزو ولا سفر قال والعياء (١٠٩) من الإبل الذي لا يحسن الضِّرَابَ ولا يقال ذلك للرجل. وأمَّا الَعيَايَاء فيقال في الإبل والرّجال وهو الذي لَا يحسن الضراب أيضًا. قال أبو عبيد وقولها "كلّ دَاءٍ لَه دَاءٌ".

стр. 1299

أي كلّ شيء من أدواء الناس فهو فيه ومن أدوَائه. قول الثّامنة "زوجي (١١٠) المسّ مسّ أرنب" تصفه بحسن الخلق ولين الجانب كَمَسِّ الأرنب إذا وضعت يدك على ظهرها. قال: وفي قولها "والرِّيح رِيح زَرنَبٍ". معنَيَانِ قد يمكن أن تريد (طيب ريح جسَده ويمكن أن تريد) (١١١) طيبَ الثّناء في النّاس وانتشاره فِيهم كريح الزّرنَب وَهو نوع من أنوَاع الطيب معروف. وقول التّاسعة "زوجي رفيع العماد". تصفه بالشّرف وسناء الذّكر. وأصل العمادِ عِماَد البيت وجمعه عَمَد (١١٢)، وهي العيدان التي تعمَد بها البيوت وإنّما هذا مَثلٌ تقول: إن بيته قي حَسَبٍ رَفِيعٍ في قومه. وأما قولها "طويل النّجاد". فإنَهَّا تصفه بامتداد القامة، والنِّجَاد حمائل السَّيف، فَهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله وَهذا ممّا تمدح به الشّعَراء.

стр. 1300

وقولها: "عظيم الرّماد". تصفه بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبِل وغيرها من اللّحوم فإذا فعل ذلك عظمَت ناره وكثر وَقودها فيكون الرّماد في الكثرة على قدر ذلك. قال الخطَّابي: قد يكون إيقاد النّار لمعالجة الطّعام واشتواء اللَّحم ليطعمه الأضياف ("كرما وأمدح له أن تكون ناره لا تطفأ ليلا ليهتديَ بها الضِّيفان") (١١٣) فيكثر غشيانهم إليه والأجواد يطعمون ويعظّمون النار في ظلام الليل (١١٤) ويوقدونها على التّلال ومشارف الأرض ويرفعون على الأيدي الأقباس ليهتدي بسناها الأضياف. قال أبو عبيد: وقول العاشرة "زوجي مالك" الحديث. تقول إنّه لا يوجّه إبِلَه يسرحن نهارا إلَاّ قليلا ولكنّهن يُترَكن بِفِنَائه (١١٥) فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ولكنَّها بحضرته فَيَقرِيه مِن ألبَانهِا ولحومها، والِمزهر العود الذي يضرب به أرادت أن زوجها قد عوَّدَ إبله إذا نَزَل به الضِّيفان أن ينحر لهم وَيَسقيهم الشراب ويأتيهم بالمعازف فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت عَلِمنَ أنهَّن منحورات فذلك قولها: "أيقَنَّ أنهَّن هَوالك". قال أبو عبيد: وقول الَحادِية عَشرة "أنَاسَ مِن حُلي أُذُنَيَّ".
следующие страницы →