١١٧٨ - وأما قوله ﷺ : "التَّقوَى هَا هنا وَيشِير إلى صَدره" (الحديث) (ص ١٩٨٦).
قال الشيخ -وفقه الله: جعل بعض الناس هذا حجة على أن العقل مَحَلّه القَلب. وقد تقدم الكَلَام على هذا وذكر خلاف النَّاس فيه مبسوطا فأغنى عن إعادته ها هنا.
١١٧٩ - قوله ﷺ : "ارْكُوا هَذَينِ حَتَّى يَفِيئَا" (ص ١٩٨٨).
يَعنِي أخروهما. قال ابن الأعرابي: رَكَاه يَركوه إذا أخَّره.
١١٨٠ - وقوله: "عائد الَمرِيضِ فيِ مخَرَفَةِ الَجنَّةِ" (ص ١٩٨٩).
قال أبو عبيد قال الأصمعي: واحد المخارف مخَرَف وهي جنى النّخل سمي بذلك لأنه يختَرَف، أي يجتَنَى، قال شمِر: المخرفة سِكَّة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء. قال غيره: المخرفة الطريق. فمعنى الحديث أنه على طريق يؤديه إلى طريق الجنة ومنه قول عمر ﵁ تركتم (٧) على مثل مخرفة النعَم، أي على مثل طرقها.
١١٨١ - قال الشّيخ: خرّج مسلم في حديث "من عاد مريضا لمَ يزل في خُرفَة الجنّة حتى يرجع" خرّجه عن حماد بن زيد عن أبي قِلَابة، ومن حديث هشيم ويزيدَ بن زريع كلاهما عن خالد الحذاء عن أبي قلابة أيضا
стр. 1332
عن أبي أسماء (قال بعضهم يروى إسناد هذا الحديث أيضا عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء) (٨) وذكره مسلم أيضا من حديث يزيد بن هارون عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء (٩) قال الترمذي: سألت البخاريَّ عن إسناد هذا الحديث فقال: رواه عاصم الأحول وأبو غفار عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء قال: وأحاديث أبي قلابة عن أبي أسماء ليس فيها أبو الأشعث الاّ هذا الحديث الواحد.
قال الشيخ -وفقه الله- قال بعضهم: وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه قال: وقع (١٠) أبو قلابة إلى الشام وهو يروي عن أبي الأشعَثِ وأبي أسماء وأراه قد سمع منهما وروى أيضا عن أبي الأشعث عن أبي أسماء.
١١٨٢ - قوله ﷺ "إن الله يقول يَومَ القِيَامَةِ: يا ابنَ آدَمَ مَرِضت فَلَم تعدنيِ. قال: يارب كَيفَ أعودكَ وأنت ربّ العالمين قال: أما عَلِمتَ أنَّ عَبدِي فلانا مَرِضَ فَلَم تَعده؟ أما علمت أنك لَو عدتَه لَوَجَدتَنِي عنده؟ يَا ابنَ آدَمَ استَطعَمتكَ فلم تطعِمنِي. قال: يارب كَيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين؟ (قال أما علمت أنّه استَطعَمَكَ فلان فلم تطعِمه؟) (١١) أمَا علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي" الحديث (ص ١٩٩٠).
стр. 1333
قال الشيخ -وفَّقَه الله- قد فسر في الحديث معنى المرض وأنّ المراد به مرض العبد المَخلوقِ وَأَضَافَ البَارِي سبحَانه ذَلِكَ إلى نَفسِهِ تشريفًا للعبد وتقريبا له والعَرب إذَا أرادت تشريفَ أحَدٍ أحَلَّته مَحَلَّهَا وعَبرَّت عنه كما تعَبر عَن نفسِهَا.
وأمَّا قوله "لَو عدتَه لَوَجَدتني عنده" فَإنه يريد ثَوَابِي وكَرَامَتِي. وعبرَّ عن ذلك بوجوده على جهة التجوّز والاستعارَةِ وهذا سَائِغ شائع (١٢) في لسان العرَب. وقد قدَّمنا ذكر أمثاله وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ (١٣) يعني مجازاة الله سبحانه ومثل هذا كثير.
١١٨٣ - قوله ﷺ فيما يَروي عن الله تعالى أنه " (قال يَا عِبَادي إنيِّ حَرَّمت الظّلمَ على نَفسيِ وجَعَلته محرَّما بَينكم فَلَا تَظَالمَوا) (١٤) يَا عِبَادي كلّكم ظالّ إلَاّ مَن هَدَيته فَاستَهدوني أهدِكم" الحَدِيثَ (ص ١٩٩٤).
قال الشّيخ -وفّقه الله- معنى قوله: "حرمت الظلم على نفسي" أي تَقَدَّست (١٥) عنه وَتَعالَيت، والظّلم مستحيل منه جَدّه لأنه إنّما يكون إذَا تعدّيت الحدود وتجوّزت المَرَاسِم والبَارِي جلّت قدرته لَيسَ فَوقه أحَد يحدّ لَه حَدًّا أو يَرسم له رَسماً حتى يكون متجاوزا لذلك ظالما، ولا فوقه من يستحِق أن يطيعَه حتّى يحلّل له الحلالَ وَيحرّم عليه الَحرَامَ
стр. 1334
ولَكِن تحريم الشّيء يقتضي المنعَ منه والكفّ عَنه فسَمَّى الباري سبحانه تَقَدّسه عن الظلم بهذا اللّفظ فقال "حرَّمت على نفسي".
وأما قوله "يا عبادي كلّكم ضَالّ إلَاّ مَن هَديته" فكَانَ ظاهره أنّ الناسَ على الضلال يخلفون إلَاّ مَن هداه سبحانه وَقَد ذكر في الحديث الآخر أنهم على الفِطرة يولدون وقد يراد بهذا ها هنا وصفهم بما كانوا عليه قَبل بعثةِ النبيء ﷺ إليهم أو أنهّم إن تركوا وما في طباعهم من إيثار الراحة (١٦) وإهمال النظر ضَلّوا إلَاّ مَن هداه الله سبحانه.
وظاهر هَذَا يطابِق مذهب الأشعريّة في قولهم: إن المهتدي بهدي الله اهتدى وإنه سبحَانَه إنَّما أرَاد هداية من اهتدَى من خلقه. والمعتزلة تقول: بأنه سبحانه أرادَ من سائر الخليقة أن يهتدوا ولكن منهم من استحبّ العمى عَلىَ الهدَى.
وقوله ﷺ ها هنا "وكلكم ضال إلَاّ من هَدَيته".
فجعل من هداه مستثنى من الجملة يدلّ على بطلان قولهم: إنّه أراد هداية الجملة.
١١٨٤ - قوله ﷺ "ما يصيب المؤمِنَ وَصَب (١٧) وَلا نَصَب" (١٩٩٢).
стр. 1335
الوصب لزوم الوجع ومنه قوله وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ (١٨) أي لازم ثابت. والنَّصَب والنُّصُب (١٩) التعب.
١١٨٥ - وقوله ﷺ "مَالَكِ يَا أمَّ السَّائِب ترَقرِقِين" (٢٠) (ص ١٩٩٣).
قال أبو عبيد: قوله في الحديث "إن الشّمس تَرَقرَق مَعناه تَدور وتجيء وتذهب وَرَقرقت الثَّريد بالسَّمن إذَا أكثرتَه.
١١٨٦ - قوله ﷺ : "لَا تؤَدُّنَّ الحقوق إلىَ أهلِهَا يَومَ القِيَامة حتى يقاد لِلشَّاةِ الجَلحَاءِ مِنَ الشّاة القَرنَاءِ" (ص ١٩٩٧).
قال الشّيخ -وفّقه الله-: اضطربَ العلَماَءُ في إعَادة البَهَائِم، ووقف الشّيخ أبو الَحسَنِ الاشعَرِي في ذلك وَجَوَّزَ أن يعاد المجانين ومن لمَ تبلغه الدَّعوة ويدخلون الجنة. وَجَوَّز أن لَا يعَادوا ولم يَرِد عنده قَطع في ذلك والمسألة موقوفة على السمع. وأقوَى ما يتعلق به من يقطَع بإعادة البَهَائم قوله : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٢١) ومن لم يقطع على الإعادة يقول معنى حشرت، أي ماتت. والأحاديث الوَاردة عنده في ذَلِكَ من أخبار الآحاد إنّما توجب الظَّنَّ والمراد من المسألة القطع وقد قال
стр. 1336
بعض شيوخنا في قوله: يقَاد لِلشَّاةِ الجَلحاء من الشّاة القرناء إن المراد به ضَرْب مَثَلٍ ليشعِر الباري سبحانه الخليقة أنَهَّا دار قِصاصٍ وَمجازَاةٍ وأنّه لا يبقى عندَ أحدٍ لأحدٍ حقّ فَضرَب الَمثَل بالبهائم التي ليست بمكلفة حتى يسْتَحَقَّ فيها القصاص لِيفهَم منه أن بني آدم المكلَّفين أحَقّ وأولى بالقِصاص بينهم ويصِحّ عندي أن يخلق الباري سبحانه هذه الحركة في البَهَائم في الآخِرة ليشعر أهل المَحشر بما هم صائرون إلَيه من العدل بينهم وسمَّى ذلك قصاصا لا على معنى قصاص التكليف ولكن على معنى قصاص المجازاة. والقَطع في هذا لَا سبيل إليه، وإجراء الكلام على ظاهره إذا لم يَمنعَ منه عقل ولا سَمع أولىَ وأوجب. والجلحاء هي الجماء التي لا قرن لها. ويقال: قرية جلحاء لا حصن لَهَا والأجلَح مِنَ النَّاسِ الذي (انحسر الشَّعر عَن جَانِبَيْ جبهَتِهِ وَسَطح أجلَح الذي) (٢٢) لم يحجَب بِجِدَارٍ ولا غَيِره ومنه حديث أبيِ أيّوب "مَن بَاتَ عَلىَ سطح أجلح فَلَا ذِمَّةَ لَه وهودج أجلَح لِلّذِي لَا رَأس له".
١١٨٧ - وقوله: "إنّ الله تَعالىَ يملي لِلظَّالِمِ" (ص ١٩٩٧).
أي يمهِل وَيؤَخِّر وَيطِيل له المدّة. قال ابن الأنباري في اشتقاقِهِ من المَلْوَةِ وهي المدّة والزَّمان. قال غيره: يقال ملوة بفتح الميم وضمّها وكسرها.
١١٨٨ - قوله: "فَكَسَعَ رَجلاً مِنَ الأنصار" (ص ١١٩٨).
стр. 1337
يقال: كسعت الرّجل إذا ضربتَ مؤخره فاكتسع، أي سقط على قفاه، وفي حديث آخَر فضرَب (٢٣) عرقوبَ فَرَسِه حتى اكتسعت، أي سقطت مِنْ مؤَخّرها. قال الَهروي: كسع رجلاً من الانصَار، أي ضَرَبَ دبره.
١١٨٩ - قوله: "وإن لمَ يَكن فيهِ فَقَد بَهَتَّه" (ص ٢٠٠١).
يقال: بَهَتَ فلَان فلَانًا إذا كذب عليه فَبَهَتَه، أي تحير في كذبه ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٢٤) أي قطعت حجته فتحيّر. والبهتان الباطل الذي يتحير من بطلَانِهِ.
١١٩٠ - قوله: "إنّ شَرَّ النَّاسِ منزلَةً عند الله يَومَ القيامة مَن وَدَعَه أو تَرَكَه النَّاس اتّقَاءَ فُحْشِهِ " (ص ٢٠٠٢).
قال شَمر: زعمتِ النّحوية أنَّ العرب أمَاتوا مصدر يَدَع وماضيَه والنَّبي ﷺ أفصَح العرب وقد قال: "لَينتهينّ النَّاس عَن وَدْعِهِم الجمعات أي تَركِهم".
١١٩١ - قوله ﷺ : "إنَّ الله رَفِيق يحبّ الرّفقَ وَيعطِي على الرِّفقِ مَا لا يعطِي علىَ العنفِ (وَمَا لَا يعطِي على ما سواه) (٢٥) (ص ٢٠٠٣).
стр. 1338
(قال الشيخ -وفّقه الله-: الباري سبحانه لَا يسمَّى إلاّ بِماَ سمى به نفسَه أو سَماَّه به رسوله ﷺ أو اجتَمَعَت الأمَّة عَلَيه) (٢٦). قال الشيخ أبو الحسن الأشعري أو على معناه (وما لم يرد فِيه إذن في إطلاقه ولا وَرَدَ فيه مَنع ولمَ يستِحل وصف الباري تعالى به ففيه اختلاف هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا) (٢٧) تحريم أو يمنع لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢٨) فأثبت كونَ أسمائه الحسنى وَلَا حَسَن إلاّ ما ورد الشرع به، وبين المتأخّرين من الأصوليّين اختلاف أيضا في تسمية الباري سبحانه بما ورد عن رسوله ﷺ مِن جهة أخبار الآحاد. فقال بعض المتأخّرين من حذَّاق الأشعرية: يجوز أن يسمّى بذلك لأن خبر الواحد عنده يقتضي العملَ به. وهذا عنده من باب العَملِيّات لكنه يمنع من استعمال الأقيسة الشرعية فيه، وإن كانت يعمَل بها في المسائل الفقهية، ومال بعض المتأخّرين منهم إلى المنع من ذلك ولم يَر خبَر الواحد (عَنِ الواحد يجيز إطلاق التّسمية عَلىَ الله سبحانه والأصل في قبول خبر الواحد) (٢٩) والعَمَلِ بِه إجَماع الصحابة ﵃ وما فهم عنهم من المسائل المنقولة عنهم استعمال خبر الواحدِ فيها فكان من أجاز قَبول خبر الواحد في تَسمية الله سبحانه فَهِم من مسالك الصّحابة قبولهم ذلك في مثل هذا، ومن منع منه لمَ يفهم من مسالكهم قبول مثل هذا ولا ثبت الإجماع عنده على قبوله فلحق بما لم يقم عليه دَليل، فقوله في هذا الحديث "إن الله رفيق" إن لم يرد في الشريعة بإطلاقه سوى هذا جَرَى على ما
стр. 1339
أصَّلته لَكَ ها هنا من الاختلاف. ويحتمل أن يكون قوله "رفيق" يفيد صفةَ فِعلٍ وَهو ما يخلقه (٣٠) سبحانه من الرفق لعباده كأحد التّأويلين في تسميته لَطِيفا بمعنى أنَّه ملطف. وإلى هذا مال بعض أصحابنا. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد أنه ليس بعجول. وهذا يقارب معنى الحلم.
١١٩٢ - قوله ﷺ : "اللَّهم إنَّماَ أنَا بَشر فَأيُّماَ رَجلٍ مِنَ المسلِمين سَبَبته أو لَعَنته أو جَلَدته فاجعله لَه زكاةً ورحمةً، وفي بعض طرقه إنّما أنَا بَشر أرضَى كما يرضَى البَشرُ وأغضَب كَماَ يغضَب البَشرُ فَأيّماَ أحَدٍ دَعَوت عَلَيهِ مِن أمَّتِي بِدَعوةٍ ليس لَهَا بِأهلٍ ... " الحَدِيثَ (من ص ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٠).
قال الشّيخ -وفّقه الله-: إن قيل كيف يدعو ﷺ بدعوةٍ على من ليس لَهَا بِأهلِ. وهذا مما لا يليق به ﷺ قِيل المراد بقوله "ليس لها بأهل عِندك في باطن أمَره لَا على ما يظهر إلَيه ﷺ (مِماّ تقتضيه حالته وجنايته حين دعائه عليه) (٣١) فكَأنَّه ﷺ يقول: من كان باطِن أمره عِندَك أنه ممَّن ترضى عنه فاجعل دَعوتيِ عليه التي اقتضاها ما ظهر إليَّ من مقتضى حاله حينئذ طَهورًا وزكاة. وهذا معنى صحيح (لا إحالة) (٣٢) فيه وهو ﷺ متَعَبَّد بالظواهر، وحساب النّاس في البواطن على الله تعالى، فَإن قيل: فما معنى قوله "وأغضَب كَما يَغضَب البشر" وهذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سَورة الغضب لا عَلىَ أنها من مقتضى الشرع فبقي السؤال على حاله. قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أراد أنَّ دَعوَتَه عليه أو سَبَّه أو جَلدَه
стр. 1340
كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركِه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله سبحانه بعثه على لَعنته أو جلدِه ولا يكون ذلك خارجا عن شرعِه ولا موقِعًا له فيماَ لا يجَوز. ويحتمل أن يكون خرج هذا مخرج الإشفاق منه ﷺ (وتعليمِ أمته الخوف من تعدّي حدودِ الله تعالى فكأنّه ﷺ ) (٣٣) يظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادها وَلَا أوقعها ويكون ذلك من الصغائر على القول بجواز وقوعها من الأنبياء ﵈ أو إشفاقا منه ﷺ وان لم يقع فيه. وقد يقع اللّعن والسّباب من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك نَازلا منزلة اللّعنة الواقعةِ رغبةً إلى الله سبحانه وطلبًا للاستجابة فمثل هذه الطرائق ينبغي أن يسلكَ في مثل هذا الحديث.
١١٩٣ - وكذلك قوله بعد هذا في معاوية ﵁ لَا أشبَع الله بَطنه لما دعاه فقيل له ﷺ "هو يَأكل" فقال: ادعه لي مرّةً أخرى. فقال: "هو يَأكل" (ص ٢٠١٠).
قد يحمل على أنه من لقول السابق إلى اللّسان من غير قصد إلى وقوعِهِ ولا رغبةٍ إلىَ الله سبحانه في استجابته.
وقوله: "فَحَطَأنِي حَطْأةً" (ص ٢٠١٠).
ذكر مسلم عن أميّة في معناه. قال قفدني قفدة قال الَهروي في حديث
стр. 1341
ابن عباس ﵁: "أتاني النّبِي ﷺ فَحَطَأنيِ حَطوَةً" جاء به غير مهموز. وقال ابن الأعرابي: الحَطو تحريكك الشيء مزَعزَعًا، ورواه شمر بالهمز. وحكي عن غيره لا تكون الحَطأة إلَاّ ضربَةً بالكَفِّ بَيَن الكَتِفين.
١١٩٤ - قوله ﷺ : "ألَا أنَبِّئكم مَا العِضَة (٣٤) هِي النَّمِيمَة" (ص ٢٠١٢).
قال الشّيخ -وفّقه الله-: قيل في قوله تعالى ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٣٥) جمع عِضَة مِن عَضَّيتُ الشيءَ إذا فرقتَه. قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال الشّيخ -وفقه الله-: فلَعَلَّ النميمة سمّيت عضة لأنها تفَرِّق بين النّاس.
١١٩٥ - قوله ﷺ : "ما تَعُدّون الرَّقوبَ فِيكم؟ قال: قلنا الذي لَا يولَد له. قال: ليس ذاك بالرَّقوبِ ولكنّه الرَّجل الذي لمَ يقَدِّم من ولده شيئًا" الحديث (ص ٢٠١٤).
قال أبو عبيد معناه في كلامهم فقد الأولاد في الدّنيا فجعله ﷺ فقدهم في الآخرةَ فكانّه إنّما حوّل الوضع (٣٦) إلى غيره قوله: فجعل إبليس يطيف به (٣٧) يقال: طاف بِالشيء طَوْفًا وأطَاف استَدَارَ حَولَه.
стр. 1342
١١٩٦ - قوله ﷺ : "إذَا قَاتَل أحَدكم أخَاه فَليَجتَنِبِ الوجهَ فإنّ الله خَلقَ آدمَ عَلىَ صورَتِه" (ص ٢٠١٧).
قال الشّيخ -وفّقه الله- هذا الحديث ثابت عِند أهل النقل. وقد رَوَاه بَعضهم: "أنّ الله خلق آدمَ على صورة الرَّحَمنِ" وَلَا يثبت هذا عند أهل النقل. ولعله نَقْل من راويه بالمعنى الذي توهمه: وظنّ أنّ (الضمير عائد) (٣٨) على الله سبحانه فأظهره وقال على صورة الرحمن.
واعلم أن هذا الحديث غلِط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره (وقال: فإن الله سبحانه له صورة لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره) (٣٩) والذي قاله لا يخفى فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكلّ مركبٍ محدث والباري ليس بمحدث فليس بمركب وما ليس بمركّب فليس بمصوّر. وهذا من جنس قول المبتدعة إن الباري جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة يقولون: البارىء سبحانه شيء لا كالأشياء طردوا هذا فقالوا جسم لا كالأجسام وقال ابن قتيبة صورة لا كَالصّوَر.
والفَرق بَين مَا قلنَاه وَمَا قَالوه أن لفظة شيء لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما يقتضيه (٤٠). وقولنا: جسم وصورَة يتضمَّنَان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث. وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة
стр. 1343
لا كالصّوَر، مع كون هذا الحديث يَقتضي ظاهره عنده خَلق آدم على صورته فقد صارت صورة الباري سبحانه على صورة آدم ﵇ على ظاهر هذا على أصله فكيف يكون على صورة آدم ويقول: إنها لا كالصوّر. هذا تناقض. ويقال له أيضا: إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنّه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة على الحقيقة وأنت مثبت تَسمِيَةً (٤١) تفيد في اللّغة معنى مستحِيلاً عليه تعالى مع نفي ذلك المعنى فَلم تعط اللفظ حقّه وَلمَ تجرِه على ظاهره فإذا سلمت أنه ليس على ظاهره فقد وافقت على افتقاره إلى التَّأَويل. وهذا الذي نقول به فإذا ثَبَت افتقاره إلى التأويل قلنا اختلف الناس في تأويله فمنهم من أعاد الضمير إلى المَضروب وذكر أن في بعض طرق الحديت أنه سمعه ﷺ يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبهك أو نحو هذا فقال ﷺ ما قال إما عَلىَ هذه الرواية وهي شتم من أشبهه فبينَّ وجه هذا التعليل لأنه إذا شتم من أشبهه (٤٢) فكأنّه شتم آدم وغيره من الأنبياء ﵈ وإنما ذكر الأول تنبيها عليه وعلى بنيه وأما على هذا الذي وقع في كتاب مسلم فيحتمل أن يكون تعبد الله سبحانه بتخصيص الوجه بهذه الكرامة لشبهه باَدم إجلالا لآدم ﷺ ولا يبقى على هذا إلاّ أن يقال (٤٣) فيجب أن يجتنب ما سواه من الَأعضاء المشبهة لآدم. وجواب هذا: أنّه لَا يبعد أن يكون الله سبحانه يتعبد بما شاء ولم يجعل هذه العلة جارية مطردة، وقد اختصَّ الوجه بأمور جليلة ليست في غيره من الأعضاء لأن فيه السمعَ والبصر، وبالبصر يُدرك العالمَ وُيرَى ما فيه (من العجائبَ الدّالة على عظم الله
стр. 1344
سبحانه، وبالسمع تُدرَك الأقوال، وتسمع أوامِر الرسول ﵇ ونواهيه ويتعلم بهم سائر العلوم) (٤٤) التي منها معرفة الله ومعرفة رسله ﵈ وفيه النطق الذي يتميز به عن البهائم ويشرف به الإنسان على سائر الحيوان ومثل هذا التميز لا يبعد أن (٤٥) يجعل سببا في تمييزه بهذا الحكم.
وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نَفسِه. وَعورِض هؤلاء بأن هذا يجعل الكَلَامَ غثا لغوا لا فائدة تحته وأي فائدة في قولك: خلق زيد على صورة نفسه والشجرة على صورتها نَفسِها. وهذا معلوم بالعقول ولا يفتقر إلى خبر منقول. وأجاب أصحاب هذا التأويل عن هذا الاعتراض بِأن الفائدة فِيه التّنبيه على من خالف الحق من أصحاب المذاهب كالطبائعين القائلين بأن تصوير آدم كان عن بعض تأثيرات النجوم أو العناصر أو غير ذلك مما يهَذون به فأكذبهم النبي ﷺ وأخبر أنّ الله سبحانه خلق آدم على صورته أو أكذَب الدّهرية في قولهم: ليس ثم إنسان أول وإنما الإنسان من نطفةٍ ونطفة من إنسان هكذا أبدا إلى غير أول فأخبر النبيّ ﷺ أن الله سبحانه اخترع صورة آدم ولم يكن مصورا عن أب ولاكائنا عن تناسل، أو يكون أكذب القدرية في قولهم: إن كثيرا من أعراض آدم وصفته خلق لآدم فأخبر النبيّ ﷺ أنه مخلوق بجملة صورته، وهذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء من إعادة الضمير إلى آدم بِنَفسِه (٤٦)
стр. 1345
إنما يحسن إذا روي لفظ النبي ﷺ مَجرَّدا من السبَبِ مقتصرا منه عَلىَ قَوله: "إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ على صورته" وأما ذكر السبب أو ذكر جميعِ مَا حَكَاه مسلِم عنه ﷺ "إذا قَاتَل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" فإنه لا يحسن صرف الضمير لآدَمَ لأنه ينفي أن يكون بين السَّبَب أو صَدرِ الكلام وآخره ارتباط ويصيرَ الكلام وما وقع في كتاب مسلم من معنى (٤٧) المتنافر. وقد روي أنه روي مختصرا مقتصرا فيه على ما قلناه فقال فيه بعض ائمّتنا هو من اختصار بعض الرواة.
وقال اَخرون فإن الضمير يعود إلى الله سبحانه ويكون له وجهان: أحدهما أن يراد بالصورة الصفة كما يقال: صورة فلان عند السلطان كذا بمعنى صِفَته كذا. ولما كان آدم ﵇ امتاز بصفات من الكمال بتميزٍ بالعقل والنّطق عن البهائم وبالنبّوة عن سائر بَنِيه سوى النّبيئين منهم (وله فضائل اختصّ بها فكأنّه شبّهه من هذه الجهة باختصاص الله سبحانه) (٤٨) بالرفعة والجلال لا سيما وقد أمر الملائكة بالسجود له والسجود لا يكون إلَاّ لله وإن كانت الملائكة إنما سجدت له طاعة لله . هذا المعنى ذكره بعض أصحابنا وفي التشبيهِ بُعْدٌ.
والوجه الثاني عند أصحاب هذا التّأويل أن تكون إضافة الصورة إضافةَ تشريفٍ واختصاصٍ كما قيل في الكعبةِ بيت الله وإن كانت البيوت كلّها لَه عزّ وجهه وكما قال تعالى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (٤٩) إلى غير ذلك مما وقع في
стр. 1346
الشريعة من أمثال هذا وقد تميَّز آدَم ﷺ بِأن خلقه الله جلّت قدرته بيده ولم يقَلّبه في الأصلاب ولا درَّجه من حالٍ إلى حال فتكون الإضافة إضافة اختصاصٍ لهذا المعنى ولغيره.
وأما مَن صرّح بهذا الضمير وأخرجه الرحمن (٥٠) فإنه يردُّ من جهة النقل وأنه ضعيف عند المحدثين. واختلف أصحابنا في رده من جهة اللّسان فقال بعضهم: ما يحسن مثل هذا في الكلام لأنّ اللفظ الظاهر إذا افتتح به وأعيد ذكره فإنه إنما يعاد بالضمير ولهذا يقال: ضربَ زَيد عَبدَه، ولا يقال: ضَرَب زيد عَبدَ زيد ومرادهم بزيد الثاني زيدًا الأول قالوا فلو كان ما قالوه صحيحا لكانت العبارة عنه "خلق آدم على صورته" كما وقع في الطّرق الثابتة. وقال بعض أصحابنا: لا يستبعد هذا في اللِّسان وقد قال ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٥١) ولم يقل يوم نحشر المتّقين إلينا، وقال بعض النحاة أيضا: من هذا أيضا قوله تعالى ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ (٥٢) وأنشد في ذلك قول عدي بن زيد (٥٣): [الخفيف]
لا أرَى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
وفي هذا كفاية.
стр. 1347
١١٩٧ - (قوله في الِهرَّةِ "فَلَا هِيَ أطعَمَتهَا وَلَا هِيَ أرسَلَتهَا تَرَمَّم مِن خَشَاشِ الأرضِ وَفيِ بَعضِ النسَخِ تَرَمرَم") (٥٤)(٢٠٢٣).
قال صاحب الأفعال: رَممَت الأمر والشيءَ رَمًّا أصلحته، والعظم رِمّة صار رميما والحبل انقطع والشاة تناولت النّبات بشفتيها ومنه سميت الِمرمَّتَان.
١١٩٨ - قوله ﷺ : "العِزّ ازَاره والكِبريَاء رِدَاؤه فَمَن ينَازِعنِي عَذَّبته" (ص ٢٠٢٣).
قال الشَّيخ -وفّقه الله-: هَذَا مجاز واتِّسَاع عَلىَ عَادَةِ العَرَبِ وَهم يقولون: فلان شعاره الزهد والورَع ودِثَاره التَّقوى ولا يريدون بِذَلك الثوبَ الذي هو شِعَار ودثار وإنما يريدون أنه صفته ونعته. ووجه الاستعارة في هذا أن الرِّدَاء والإزَارَ يَلصَقَان بِالإنسان وَيلزمانه بجملته وفيهما سِتر له وجمال فضرب ذلك مثلا لكون العز والكبرياء بالباري تعالى أحَقَّ وله ألزَمَ وأوجَبَ واقتضاءُ جَلاله لهما آكد، وكذلك العرب يقولون: فلان غَمْرُ الرّدَاء إذا كان واسع العطية تجوّزا أيضا بذلك، فَعَلىَ هَذَا يحمل هذا الحديث لأن الدليل العقلي قام على أن اللباس من صفات الأجسَام وهو سبحانه ليس بِجِسم فلا يَمَسّه جسم ولا يَستره جِسم وهذا واضح لكلّ متأمل.
١١٩٩ - قوله ﷺ : "إذا قَالَ الرَّجل هَلَكَ النَّاسُ فَهوَ أهْلَكُهم" (ص ٢٠٢٤).
стр. 1348
قال الشّيخ -وفّقه الله-: محمل هذا عند بعض العلماء على أنّ القائل قال ذلك ازدِرَاءً بالناس واحتقارًا لهم وإعجابًا بِنَفسه. فَأمَّا قوله على جهة الإشفاق والتَّفَجّع لِذَهاب الصَّالحين وَتفضِيلِ من مضى من الأولين فإنه خارج عن هذا، والقصد يغَير أحكام اللفظ والأوّل عِنوان الكِبر والاستهزاء بالنّاس وهو مذموم، والثاني عنوان الإشفاق والتَّقصِير بالنَّفسِ وتعظيم السلف، وذلك لا يكون مَذمومًا.
١٢٠٠ - قوله ﷺ : "إنَّماَ مَثَل جَلِيس الصَالِح وَجَلِيسِ السوء كحامِلِ الِمسك وَنَافِخِ الكِير فَحَامِل الِمسكِ إمَّا أن يحذِيَك وإما أن تَبتَاع منه وإمَّا أن تِجَدَ مِنه رِيحًا طَيِبَّةً ونافخ الكِير إمَّا أن يحرِق ثِيَابَكَ وإما أن تجَدَ ريحًا خَبِيثَةً" (ص ٢٠٢٦).
قال الشيخ: جمهور الفقهَاء على طهارة المسك وجواز بيعه. وقال قوم بنجاسته والدليل عليهم قوله ها هنا: وإما أن تبتاع منه والنَّجَس لا يباع ولأنه ﷺ استعمله ولو كان نَجسًا لم يستعمله والناس في الأعصار الماضية ما أحَد منهم ينكر استعماله فدلّ ذلك كلّه على طَهَارته.
وقوله: "إمَّا أن يحذِيَك" يقال: أحذيت فلانا بمعنى أعطيته.
١٢٠١ - قوله ﷺ : "من عَالَ جَارِيَتَين حَتَّى تَبلغَا جَاءَ يوم القِيَامَةِ أنا وهو وَضَمَّ أصَابِعَه" (ص ٢٠٢٧).
قال صاحب الأفعال: عَالَ الَحاكِم عولا جار، والسهم عن الَهدَفِ والِميزان مَالَا، والفَريضةُ زَادت، والرّجلَ قمت بِمَؤونَتِهِ عَولا، والشيء
стр. 1349
عولا عليك ثَقُل، وعال الرجل عَيْلَةً افتقر، والشيء عَيْلاً (٥٥) أعجزك، والضالة عَيلاً وَعَيلَانًا لمَ أدر أين أطلبها، وعيل الصَّبر غلب، والذي يصح أن يراد من هذا الحديث القِيَام بِالَمؤونَةِ.
١٢٠٢ - قوله ﷺ : "لَا يموت لأحَدٍ من المسلمين ثَلَاثَة مِن الوَلَد فَتَمسَّه النَّار إلا تِحَلَّةَ القَسَم". وفي بعض الطّرق ثَلَاثَةً لمَ يَبلغوا الحِنثَ" (ص ٢٠٢٨ - ٢٠٢٩).
قال بعض أهلِ العِلم: المراد به قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٥٦) فالمراد ها هنا الوقوف عليها. وقيل: يمرّون عليها وهي خامدة (وَقِيل يَمرّون على الصراط وهو جسر عليها) (٥٧). وقيل: هو ما يصيبهم في الدنيا من الحمى لقوله ﷺ "إنَّ الحمَّى مِن فَيحِ جَهَنَّمَ". وجعله أبو عبيد أصلاً في الرجل يحلف لا يفعلن كذا فإنه يبر بالقليل وهو خلاف مذهب مالك ﵁.
وأمَا قوله: "لم يَبلغوا الحِنث".
قيل: معناه قبل أن يبلغوا فَيُكتَبَ عليهم الإثم.
١٢٠٣ - قوله قلت لأبِي هريرة "إنه قد مَاتَ لي ابنَانِ فما أنتَ مُحدِّثي
стр. 1350
عن رسول الله ﷺ بحديث "يطيّب أنفسنا عَن مَوتَانَا قال: نعم صِغَارهم دَعَاميص الجَنَّة" (ص ٢٠٢٩).
قال الشّيخ -وفّقه الله-: أمّا أطفَال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة. وكذلك جمهور العلماء على أن أولادَ من سواهم من المؤمِنِين في الجنة. وبعضهم ينكر الخلاف في ذلك ويتعلقون بظاهر القرآن وما ورد في بعض الأخبار قال الله عزّ من قائل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٥٨) وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصّا قاطعًا مقطوعًا به ورد بكونهم في الجنة ولم يَثبت عنده الإجماع فَيَقولَ به.
وقوله: "دَعَامِيص الَجنَّة".
قيل: الدّعاميص من دواب الماء.
١٢٠٤ - قوله: "فَلقِينا رَجلاً عند سُدَّة المَسجِد فقال يَا رَسولَ الله ... " (الحديث ص ٢٠٣٣).
قال الشّيخ: قال الهروي: في حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: لا يصلى في سدّة المسجد الجامع يعني الظلَالَ وبه سمّي إسماعيل السدّي لأنه كان يبيع في سدّة المسجد الجامع.
стр. 1351
وفي الحديث "أنّ أم سَلَمة قالت لعائشة ﵂: إنّك سُدَّة بين رسول الله ﷺ وأمّته".
أي باب. فمتى أصيب ذلك الباب بشيء فقد دُخل على رسول الله ﷺ في حَريمه، ومنه الحديث في "الذين يَرِدونَ الحوض الذين لا تفتح لهم السّدد" الحديث يقول: لا تفتح لهم الأبواب.
стр. 1352
كتاب القدَر (١)
١٢٠٥ - قوله "أتَانَا رسول الله ﷺ فَقَعد وَقَعَدْنا حَولَه ومعه مخصَرَة فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنكتُ بِمِخصَرَتِهِ ثم قَالَ: مَا مِنكم مِن أحَدٍ مَا مِن نَفسٍ منفوسَةٍ إلَاّ وقد كَتَبَ الله مَكَانَهَا فيِ الَجنَّة والنَّار وَإلَاّ قد كتِبَت شَقِيَّةً أو سَعِيدَةً، قال: فَقَالَ رَجل: يَا رسول الله أفَلَا نَمكث عَلىَ كِتَابِنَا وَنَدَع العَمَل فقال: مَن كان مِن أهلِ السَّعَادَةِ فَسَيصِير إلى عَمَلِ أهلِ السَّعَادَة ومن كان من أهل الشقاوة فَسَيَصِير إلى عَمَلِ أهل الشَّقَاوَةِ، اعمَلوا فَكلّ ميَسرَّ لِماَ خلِقَ (أمَّا أهل السّعادة فَيُيَسّرُون لعملِ أهل السّعادة وأمَّا أهل الشقاوة فَيُيَسّرُون لِعَمَل أهلِ الشَّقَاوَة) (٢) ثمّ قَرَأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلىَ قَولهِ ﴿لِلْعُسْرَى﴾ (٣) (ص ٢٠٣٩).
стр. 1353
قال الشّيخ ﵁: قول الرَجل للنبيء ﷺ لماَّ سمِع منه "أن الله تعالى قد كتب السعادة والشقاوة" على ما وقع في هذا الحديث أفَلَا نَمكث على كتابنا وندع العمل يلاحظ تَشنيع المعتزلةِ عَلَينَا بقولهم: إذا قلتم إنَّ الله سبحانه خلق معصية العاصي فَلِمَ يعذِّبه على ما خلقه فيه وقدّر عليه؟ وما فائدة التَكليف وكيف يطلب الإنسان بفعل غيره وأي فائدة في العمل وقد وقع في نفس هذا الرجل شبهة من فائدة العمل أو أراد أن يؤكد ما عنده بقول النبيء ﷺ فأجابه ﷺ بهذا الجواب ودفع اعتراضه ولم يقل له إنَّه صحيح بل أخبره ان الله جلّت قدرته ييَسر أهل السعادة لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة لعمل أهل الشقاوة وتلا ﷺ القرآن مصدقا لما قال، وأخبر أن الله إذا نَفَذ قدره بشقاوة عبد يَسَّر له عمل أهل الشقاوة وهيأه له وسهّله عليه وأتاحَ (٤) له أسبَابَه التي تعينه وتَبعثه على اكتساب المعاصي فالإنسان عندنا مكتسب لفعله لَا مجَبور عليه. وتحقيق القول في الكسب يَتَّسع وموضعه كتب الأصول ولا يبعد في العَقل أن يجعل الله هذه الأعماَل أمَارة على استحقاق الجَنَّة والنار ويسهِّل لكل عبد ما قُضي لَه أو عَلَيه من ذلك والغَرض ها هنا الإشارة إلىَ ما قلناه من أن الأسلوب الذي تقدح به المعتزلة قد وقع ما يلاحظه من هذا السائل ولم يصححه ﷺ بل أجاب عنه بما ذكر. ولعل السائل له ﷺ أراد أن يعلم حقيقة الانفصال أو تأكيد ما وقع في نفسه منه على ما قلناه ولم يقصد الاعتراض على قول النبيء ﷺ بالرد والتشكّك فيه كما تَقصِد المعتزلة باعتراضها القدح في الحق الذي بيّناه.
وكذلك قول الرّجلين مِن مُزَينَةَ بَعد هَذا: يا رسول الله أرَأيتَ ما
стр. 1354
يعمَل النَّاس اليَومَ ويكدَحون فِيه أشيء قُضِيَ عَلَيهِم ومَضَى فِيهم مِن قَدَرٍ سَبَقَ أو فِيماَ يَستَقبِلونَ به مِماَّ أتَاهم بِهِ نَبِيّهم ﷺ وثَبَتَتِ الحجّة عَلَيهِم؟
فقال: لَا بَل شيء قضي عليهم وَمَضَى فِيهم وَتَصدِيق ذلك في كتاب الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٥) (ص ٢٠٤١).
هذا أيضا مطابق لقول الأشعَرِيَّة أهل السنة في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأنّ المعاصي قضاها الله وَقَدَّرَهَا ألا ترى قولَ السَّائل أرَأيت ما يعمله الناس اليوم ويكدحون فيه؟ ولم يفرق بين خير وَشَرٍّ ولا طاعةٍ ولا مَعصِيَةٍ وكذلك جوابه ﷺ لمَ يفرق فيه بل قال: بل شيء قُضِيَ عليهم وَمَضَى فيهم، وتلا كتاب الله مصدّقا لما قال ومسويا بين الفجور والتقوى بقوله ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فأخبر عن النفس وما فعل فيها، وكذلك قوله ﷺ في كتاب مسلم: "كلّ شيء بِقَدَرٍ حتى العَجزَ وَالكَيْسَ" مطابِق أيضا لقول الأشعَرِيَّةِ في هذا، وكذلك قوله: "جاء قوم مشركون يخاصمون النبيء ﷺ في القَدَر فنزل ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قَوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٦) وَهَكَذا الأحَادِيث كلّهَا مطابقة لِقولِ أهلِ الَحقِّ، وإنّما سمِّيتِ الأشعرية أهلَ السنة لاتباعهم السنة هكذا وَموافقتهم لها. والمعتزلة تتجاسر على ردّها وتصغي إلى شبهة تقع في عقولها فيَهون عليها
стр. 1355
معها ركوب العظائم من رد السنن الواردة والازدراء على رواتها وتكذيب الثِّقَات من المحدثين. وهذا مجانبٌ لِفِعل أهل التَّحصيلِ والدين أعاذَنَا الله من ضلالة الملحدين.
وأمّا قوله: "ومعه مخِصَرَة".
قال الهروي: قال أبو عبيد: هي ما اختصره الإنسان بِيَدِه فَأمسكَه من عَصا أو عنزة أو عكّازة.
وفي حديث آخر "فإذا تخصرّوا بها سجد لهم" قال القتبِي: التخصرّ هو إمساك القضيب باليد وكانت الملوك تتَخَصَّر بقضبان لها تشير بها وتصل كلامها. وهي المخاصر واحدتها مِخصرة وقد خَاصرَت فلانا إذا أخَذتَ بِيَده وَتَمَاشَيتماَ. وفي حديث آخر "المختصرون (٧) يوم القيامة على وجوههم النّور". قال أبو العَبَّاس معناه: المصلّون باللّيل فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم من التّعب قال: ويكون معناه أنهم يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال يتكئِون عليها مأخوذ من الِمخصرة. أخبرنا بذلك الثّقة عن أبي عمر عنه وفي حديث أبي هرَيرة "نِهيَ أن يصَلي الرجل مختصرا" قيل: هو أن يأخذَ بيده عَصَا يتكىء عليها وقيل معناه أن يَقرَأ من آخر السورة آيَةً أو آيَتَين وَلَا يَقرأ السّورَة بكمالها في فرضه. هكَذا رواه ابن سِيرينَ عنه ورواه غيره مختصرا. ومعناه: أن يصلي الرّجل واضعا يده على خصره. ومنه حديث "الاختصار راحة أهل النّار"، ونهي عن اختصار السجدة، وتفسيرها على وجهين: أحدهما: أن يختصر الآية الّتي فيها السّجدة
стр. 1356
فيسجد فيها، والثّاني أن يقرأ السورة فإذا انتهى إلى السجدة جَاوَزَهَا ولم يسجد لها. ومنه أحد مختصرات الطريق.
وأمّا قَوله: "يَكدَحون فيه" الكدح السعي في العمل لِدنيا كان أو لآخرةٍ.
١٢٠٦ - قوله ﷺ : "احتج آدَم وموسَى فقال موسَى يَا آدَم أنتَ أبونَا خيّبتنَا وَأخرَجتَنَا مِنَ الَجنَّةِ. فقال لَه آدَم: أنت موسَى اصطَفَاكَ الله بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِه أتلومنِي على أمر قَد قدّره الله علي قَبل أن يخلقَنِي بِأربَعِين سَنَة: فَحَجَّ آدم موسى وَفي بَعض طرقِهِ فَبِكم وَجَدت الله كَتَبَ التوراة قَبلَ أن أخلَقَ؟ قال موسَى: بِأربَعِين عَامًا. قال آدَم: فهل وجدت فيها ﴿فعصى آدم ربه فَغَوَى﴾؟ (٨) قال: نعم (ص ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣).
قال الشيخ: قال بعض أهل العِلم: لماَّ كان الله سبحانه قد تَابَ على آدم ﵇ من معصيته لمَ يِجَب لومه عليها وَالاّ فالعاصي منّا لا ينجيه من اللّوم والعقاب.
قوله "إن الله قدّر ذلك عليّ" لأنه أيضا قد قدّر عليه العقوبة واللَّومَ إذا وقعا به ولما كان الله تعالىَ تاب عَلى آدم ﷺ وسلم صار ذكر ذلك له إنّما يفيد إذا مباحَثتَه عن السّبب الذي دعاه إلى ذلك فأخبر آدم أنَّ السبب قضاء الله وَقَدَره (وهذا جواب صحيح إذا كانت المبَاحَثَة عَن الموقع فيِ
стр. 1357
ذلك ولم يكن عند آدم سَبَب موقِع فيه على الحقيقة إلاّ قَضَاء الله وَقَدَره) (٩). ولهذا قال ﷺ : "فَحَجّ آدَم موسى" ولهذا قال آدم لموسى صلىَّ الله عليهما: "أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه". وذكر فضائله التي أعطاه يريد بذلك أنّ الله سبحانه قدّر ذلك وقضى به فنفذ ذلك كما قدر علي ما فَعَلت فَنَفذَ فيّ.
وأما قوله: "قدره الله عليّ قبل أن يخلقَني بأربعين عَامًا" فالأظهر أن المراد به أنّه كتبه قبل خلقه بِأربعين سنة وأظهره أو فعل فِعلاً ما أضَافَ هذا التاريخ إليه وَإلاّ فَمَشِيئَةُ الله سبحانه أزلِيَّة وما قضاه وقدره بمعنى شاءه وأراده فينا (١٠) لم يزل ولم يزل سبحانه مريدًا لما أراده من طاعة المطيع ومعصية العاصيِ فأربعون سنة قبل خلق آدم ﵇ زمن محدود مبتدأ (١١) فيجب صرف هذا التاريخ إلى ما قلناه. والأشبه أنه أراد بقوله: قدره قبل أن يخلَق بأربعين سنة، أي كتبه في التّوراة، ألا تراه يقول في بعض طرقه "فبِكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما قال آدم: فهل وجدت فيها فعصى آدم ربه فَغَوَى. وهذا يشير إلى أنّ المراد بذلك المطلقِ ما قيّد في هذه الطريق.
وأما قوله: "فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.
стр. 1358
فيصح أن يراد به أن فيها معنى هذا اللفظ مكتوب بلسان غير هذا اللسان العربي إذا كان النبيء ﷺ إنما قصد إلى العبارة بلسان قومه عن معنى ذكر بلسان غيرهم.
قال الهروي: والحَجّ الغلبة بالحجّة ومنه الحديث "فَحَجَّ آدم موسى" أي غلبه بالحجّة.
١٢٠٧ - قال الشيخ: خرّج مسلم في آخر كتاب القدر حديث "لتركبنّ سَنَنَ مَن قَبْلكُم".
فقال حدثنا عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم نا أبو غَسَّان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد عن النبيء ﷺ الحديث (ص ٢٠٥٤).
وهذا أحد الأحاديث المقطوعة التي نَبّهنَا عليها وهي أربعةَ عَشَرَ هذا آخرها.
قال الشيخ: قال بعضهم: وقد وصله أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن سفيَان.
١٢٠٨ - قوله ﷺ : "إن قلوبَ بني آدَمَ كلَّهَا بَين إصبَعَين من أصابع الرّحمان كقلب واحد يصرّفه حَيث شَاء ثم قال ﷺ : اللَّهم مصَرِّفَ القلوب صرِّف قلوبَنا عَلىَ طَاعَتِكَ" (ص ٢٠٤٥)
стр. 1359
قال الشيخ: هذا تجوّز وتوسّع كما يقول القائل: فلان في قبضتي وبكفّي، ولا يريد أنه حالٌّ بكفه وإنما المراد أنه تحت قدرتي وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلاّ بإصبَعِي أو فلان بين إصبَعَيَّ أصرفه كيف شئت ولا يريد أنه حال بين الإصبَعَين وإنّماَ يريد أنّه هَيِّن عليه القَهرُ له والغَلَبَة وتصريفه كيف شَاء فكذلك المراد بقوله "إصبَعَيِن من أصابع الرّحمن" أي أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته لا يعتاص عليه (١٢) ولا يفوته ما أراد منه كما لا يعتاص على الإنسان ما كان بين إصبَعَيه ولا يفوته وخاطَب العرب من حيث تَفْهم ومثّل بِالمعاني المحسوسة تأكيدا للمعاني في نفوسها فإن قيل: فإن قدرة الله سبحانه واحدة والإصبَعَان ها هنا اثنان. قيل: قد أخْبَرْنَا أن ذلك مجاز واستعارة وتمثيل فوقع الكلام على حسب ما اعتادوه في هذا الِخطَاب غير مقصود منه إلى تثنية أو جمع، ويحتمل أن يراد بالإصبَع ها هنا النعمة ويقال: عندي لفلانٍ إصبَع حسنة أي يد جميلة (١٣) ولكن يقال على هذا فَلِم ثنّى النّعمة وَنِعَم الله لا تحصَى؟ قيل: لا تحصى آحادها والأجناس قد تحصى فيكون المراد بالنعمتين اللّتين عبر عنهما بالأصبعين نعمة النفع ونعمة الدفع فنعمة النفع هي الظاهرة ونعمة الدفع هي الباطنة. وقد قيل في قوله تعالى ﴿وَأسبَغ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرة وَبَاطِنَةً﴾ (١٤) إِن الظاهرة نعمة النفع والباطنة نعمة الدفع وقلب العبد للباري سبحانه عليه نعمة نفع ونعمة دفع فلا يبعد ان يراد بالنعمتين هاتان أو غَيرهما من الأجناس التي تليق بِهَذا.
стр. 1360
١٢٠٩ - قوله ﷺ : "مَا مِن مَولود إلاّ يولد على الفِطرَة فَأبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ وَيُنصِّرَانِه ويُمَجِّسَانه كَماَ تُنتَج البَهِيمة بهيمة جمَعَاء هل تُحِسُّون فِيهَا مِن جَدعَاء ثمَ يَقول أبو هريرة: واقرؤوا وإن شِئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١٥) وفي بعض طرقه: "فقال رجل: يا رسول الله أرَأيتَ لَو مَاتَ قَبْلَ ذلك؟ قال الله أعلم بِماَ كانوا عَامِلِين" من بعض طرقه: "ما مِن مولود يولد إلا وهو على الِملَّةِ" (وفي بعض طرقه "الاّ على هذه الِملَّةِ (١٦) حتى يُبَيِّنَ عَنه لِسانه". وفي بعض طرقه (من يولد) (١٧) يولد على هذه الفطرة فأبواه يهوِّدانِه ويُنَصَرِّانِه كما تَنتِجون الإبِلَ فَهَل تِجَدون فِيهَا جدعاء حتى تكونوا أنتم تجْدَعونَهَا (١٨) قالوا: يا رسول الله أفَرأيت من يموت صغيرا قال: الله أعلَم بِماَ كانوا عاملين وفي بعض الطرق، "سئِل عن أولاد المشركين فقال، "الله أعلم بما كانوا عاملين" (وفي بعض طرقه "مَن يموت مِنهم صَغِيًرا؟ قال الله أعلَم بِماَ كانوا عاملين") (١٩) وفي بعض طرقه "أن الغلام الذي قتله الخضر ﵇ طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا". وعن عائشة ﵂" توفي صبي فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال ﷺ أوَلا تَدرين أن الله خلق الجنة وَخَلَقَ النار فخلق لهذه أهْلاً ولهذه أهلا" وفي بعض طرقه "لم يَعمَلِ السُّوء وَلمَ يدرِكه" وفيه أن الله خَلَق
стр. 1361
للجَنَّةِ أهلاً خلقهم لها (٢٠) وهم في أصلاب آبائهم (وخلق للنّار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم") (٢١) (ص ٢٠٤٧ - ٢٠٥٠).
قال الشيخ: ذهب بعض الناس إلى أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث ما أخذ عليهم وهم في أصلاب آبائهم وأن الولادة تقع عليها حتى يقع التغيُّر بالأبوين.
وذهب بعض الناس إلى أن الفِطرة هي ما قُضي عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها. وهذا التأويل إنما يليق بما في بعض الطرق وهو قوله " (على الفطرة مطلقا". وأما ما وقع في بعض الطرق وهو قوله: "على) (٢٢) هذه الفطرة" وقوله في أخرى: "إلاّ وهو على هذه الملة فإن هذه الإشارة إلى فطرة معينة وملة معينة تمنع هذا التأويل. وقد يتعلق هؤلاء بقوله: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا". وظاهر هذا يمنع من كون كل مولود يولد على هذه الفطرة. وقد ينفصل الآخرون عنه بأن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيّؤِ للكفر وقبولهِ عَلَيه، (وَقَبولُه عَلَيه) (٢٣) غير الفِطرة التي ولد عليها.
وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالفطرة ما هيّء لَه وكان مناسبا لما وضع في العقول، وفطرة الإسلام صَوَابها كالموضوع في العقل وإنما يدفع العقلَ عن إدراكِه آفة وتَغيِير من قِبل الأبَوَين وغيِرهما.
стр. 1362
وأما قوله: "الله أعلم بما كانوا عَامِلِين". وقوله، مثل هذا لما سئِل عن أولاد المشركين وقوله لعائشة لما قالت: عصفور من عصافير الجنة: "إنّ الله خَلَقَ لِلجَنَّة أهلاً" (الحديث).
فقد قدمنا الكلام في أولاد المؤمنين وذكرنا أن الإجماعَ على أن الصغار من أولاد النّبِيئِين في الجنة وذَكرنا أن جمهور العلماء على أن أطفَال المؤمِنِين في الجَنَّة أيضا، وأن بعض العلماء وقف فيهم. وحديث عائشة ﵂ هذا وقوله ﵇ أو غير ذلك "إن الله خلق للجنة أهلا" (الحديث) مما يقدح عنده في القطع كما قطع جمهور العلماء إذا كان الصبي المذكور في الحديث من أولاد المؤمنين وأما أولاد الكافرين فاضطرب العلماء فيهم والأحاديث وردت ظواهرها مختلفة. فمنها قوله ها هنا "الله أعلم بما كانوا عاملين" ومنها "هم من آبائهم" ومنها "لو شِئتِ أسمَعتكِ تَضَاغيَهم (٢٤) في النار" الحديث كما وقع.
ومنها "أنّه تؤجج لهم نار فيقال لهم: اقتحموها" (الحديث أيضا) واختلاف هذه الظواهر سبب اضطراب العلماء (٢٥) في ذلك والقطع ها هنا يَبعد وقد حاول بعض الناس بناءَ هذه الأحاديث فجعل الأصل فيها حديث "تؤجج لهم نار ويقال لهم اقتحِموها" فيكون من عصى ولم يقتحمها هو المراد بقوله "أسمعتكِ تَضَاغِيَهم في النار" وبقوله "هم من آبائهم" ويكون قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين" يشير به إلى عملهم هذا من الاقتحام والإحجام.
стр. 1363
وأما قوله "بهيمة جمَعَاء" فالجَمعاء السليمة من العيوب سميت بذلك لاجتماع سلامة أعضائها لَا جَدَعَ بها ولا كيّ (٢٦) وكأنه ﷺ شبه السلامة التي يولد عليها المولود من الاعتقادات الفاسدة بالبهيمة الجمعاء التي هي سليمة من العيوب ثم يَطرأ عليها العَيب بِفعل يُفعل فيها كما يطرأ إفساد الاعتقادات على المولود بتربية يرَبَّى عَلَيها.
١٢١٠ - قول (٢٧) عائشة ﵂ تلا رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى قَولِه ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢٨) قالت قال ﷺ : إذَا رأيتم الذَين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله (٢٩) فاحذروهم.
وفي طريق أخرى قال: "هَجَّرت إلى النبيء ﷺ فَسَمِعت أصوَاتَ رجلين اختلفا في آية فخرَج علينا النبي ﷺ يُعرَف في وَجهِهِ الغضب فقال: إنما هَلَكَ مَن كَانَ قَبلكم باختلافهم في الكتاب".
وفي حديث آخر "اقرؤوا القرآن مَا ائتَلفَت عَلَيه قلوبكم فاذا اختلفتم فيه فقوموا" (ص ٢٠٥٣).
قال الشيخ اختلف الناس في المتشابه المذكور في هذه الآية اختلافا كثيرا. فمنهم من قال: هو حروف التّهَجِّي المفتتح بها بعض السور كحم
стр. 1364
وطس وشبهِهِماَ، ومنهم من قال: هو ما تَسَاوى لفظه واختلف معناه وَغَمُضَ إدراك اختلاف معانيه مثل قوله ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٣٠) ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ (٣١) فحقيقة اختلاف الإضلالين يَعسر دَركه من ناحية اللّفظ وإنما يدرك بالعقول افتراق هذه المعاني وما يصحّ منها وما لا يصحّ (ويلحق بهذا أي الوعيد والغفران للعاصي أو تعذيبه فقد وقع في القرآن في ذلك ظواهر تتعارض) (٣٢) وتفتقر إلى نظر طويل وكذلك ما ينخرط في هذا السلك مما يقع في القرآن من هذا المعنى وقيل غير ذلك مما يكثر تَتَبّعه. واختلف الناس في الراسخين في العلم هل يعلمون تأويل هذا المتشابه وتكون الواو في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ عاطفةً على اسم الله سبحانه أو لا يعلمونه وتكون الواو لافتتاح جملة ثانية واستينافها ويكون قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (خبرا لهذا المبتدإ ويكون على مذهب الأوَّلينِ في موضع نَصب على الحال تقديره: والراسخون في العلم قائلين آمنَّا به) (٣٣) والوجهان جميعا مِماَّ يحتملهما الكلَام وإنما يعتضد كل تأويل بترجيح لَا يبلغ القطع ويكاد أن يكون عِلم الراسخين في العلم بالمتشابه من المتشابه، وتحذيره ﷺ من الذين يتَّبعون ما تشابه منه لما نَبَّه الله عليه وهو قوله ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ومعلوم أن هذا كثير مما يوقع في الفتن ويوقع في فساد الاعتقاد وهذا مِماّ يجب أن يحذر.
стр. 1365
وأما قوله ﷺ : "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب، وقوله "اقرؤوا القرآن ما ائتلَفَت عَلَيه قلوبكم فَإذَا اختَلَفتم فِيهِ فَقوموا" (ص ٢٠٥٣ إلى ص ٢٠٥٤).
فهذا مما تَتعلق به الحُشْوِية ونُفَاة النَّظَر (٣٤) ومحَمله عند أهل العلم عَلىَ أنَّ المرَاد به اختلاف لا يجوز أو يوقع فيما لا يجوز كاختلافهم في تفسير القرآن واختلافهم في معانٍ لا يسوغ فيها الاجتهاد أو اختلاف يوقع في التشاجر والشّحناء. وأمّا الاختلاف في فروع الدين وتَمَسّك كل صاحب مذهب بظواهرَ من القرآن وتأويله الظَّاهِر على خلاف ما تأوّله صاحبه فَأمر لا بد مِنه في الشّرع وَعَليه مضى السلف وانقرضت الأعصَار.
стр. 1366
كتاب الذّكر والدّعاء والتّوبة والاستغفار (١)
١٢١١ - قوله ﷺ : " (يقول الله (٢) أنا عِندَ ظنّ عبدي بي وأنا معه حِين يَذكرني إن ذَكَرَنيِ في نَفسِهِ ذَكَرته فيَ نَفسيِ وإن ذَكَرَنيِ في مَلإ ذَكَرته في مَلاءٍ خَير مِنهم وأن تَقرَّبَ مِنَّي شِبًرا تَقرَّبت مِنه ذِرَاعًا وإن تقرب إليَّ ذِراعا تَقَربْت منه بَاعًا وإن أتَاني يَمشيِ أتيته هَروَلَة" (ص ٢٠٦١).
قال الشيخ -وفقه الله-: النفس تُنطق (٣) في اللغة على معان شتَّى، منها نفس الإنسان الحيوانية وذلك لا يليق بالله سبحانه، ومنها النفس بمعنى الدَّم ولا يليق بالله تعالى أيضا، والنفس بمعنى الذات والباري سبحانه له ذات على الحقيقة وتكون النفس بمعنى الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٤)، أي
стр. 1367
تعلم غَيبِي ولا أعلم غيبك فيصح أن يراد بالحديث ها هنا أن العبدَ إذا ذكر الله مُخْلِيًا بحيث لا يطّلع عليه أحد (أثابه وقضى له من الخير بما لا يطَّلِع عليه أحد) (٥) وقد قَال عَزَّ مِن قائل ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٦). فأخبر الله سبحانه أنه يَنفَرِد بعلم بعض ما يجزي به المتقين.
وقد اضطرب العلماء في الأنبياء والملائكة ﵈ أيهم أفضل؟ ويتعلق من قال بتفضيل الملائكة بظاهر هذا الحديث وقال: "فإنه قد ذكرته في ملإ خير منهم" وأجاب الآخرون: بأن المرادَ به بذكرٍ خير من ذكره وهذا بعيد من ظاهر اللفظ ولكن الأوّلِين إنما تمسكوا بخبر واحدٍ ورَد بلفظ يتعلق فيه بالعمومِ. وفي التعليق بالعموم خِلَاف وخبر الواحد لا يؤدي إلى القطع وهذا يمنع من القطع بما قالوه.
وأمّا قوله: "وإن تَقَرَّب مِنّي شِبرا تقرّبت منه ذراعا" وَقَوله: "وإن أتَاني يمشي أتيته هرولة" فمجاز كله وإنما هو تمثيل بالمحسوسات وتفاوتهِا في الإسراع والدنوّ فإنما المراد أن من دنَا منّي بالطاعة دنوت منه بالإثابة (وكنت بالإثابة) (٧) أسْرعَ منه بالطاعةِ وأن من أتاني بحسنةٍ جازيته بعشر فكنّى عن التضعيف بالسرعة ودنوّ المسافة. فهذا الذي يليق بالله سبحانه. وأما المشي بَطِيُّه وسريعه، والتقّرب بالذراع والباع فَمِن صفات الأجسام والله سبحانه ليس بجسم ولا يجوز عليه تنقُّل ولا حركهّ ولا سكون وهذا واضح بَيِّنٌ.
стр. 1368
وقوله ﷺ "ومن لَقِيني بقُرَاب الأرض خطيئَةً" (ص ٢٠٦٨).
أي مَا يقارب مِلأهَا.
١٢١٢ - قول أمّ حبيبة ﵂ زوجِ النبيء ﷺ : "اللهم أمتِعنِي بِزَوجِي رَسولِ الله ﷺ وَبِأبي أبي سفيان وبأخِي مُعَاوِيَة فقال ﷺ : لقد سَألتِ الله لآجَالٍ مَضروبَةٍ وَأيّام معدودَةٍ وأرزاقٍ مَقسومَةٍ أن يعَجِّلَ شَيئًا قَبلَ مَحَلِّهِ أو يؤَخِّر شَيئًا عَن أجَلِهِ وَلَو كنت سألت الله أن يعيذَكِ من عَذَابِ النار أو عذَابٍ في القَبِر كان خَيرا وأفضَلَ " (ص ٢٠٥٠).
قال الشيخ: إن قال قائل: قد أثبت في هذا الحديث أنّ الأجل لَا يزاد فيه (ولا يُنقَص) (٨) وقد قال في حديث آخر "إن صلة الرحم تزيد في العمر" فكيف الجَمع بين هذين الحدِيثين؟ قلنا: أول ما يجب أن تعلم أنَّ الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الميت فيه فإذا كان عبارةً عن هذا وعليه نتكلم ها هنا فلا بد أن يقال: إن البارىءَ سبحانه يعلم هذا الوقت أولَا يعلمه (فَواضح إحالة القول إنّه لا يعلمه فَإذا ثبت أنه يعلمه) (٩) قلنَا: حد العِلمِ وحقيقته معرفة المعلوم على ما هو عليه، فَإذا فَرَضنا أنَّ زيدا عَلِم الله أنه يموت سنة خمسمائة ثم قدّرنا أنه مات قبلها أو مات بعدها أليس تطلب حقيقة ذلِك العلم ولم يكن علما بل كان جَهلاً لأنه تعلق بالأمر على خلاف ما هو عليه وقد فرضنا أنَّ الباري سبحانه
стр. 1369
يستحيل الجهل عليه فَوجب ضرورةً من مقتضى هذه المقدمات أنّ مَا عَلِمَه الباري من الاجال لا يتبدل ولا يَتَغَيرَّ فإن كان السؤال عن الزِّيَادَةِ في الأجل الذي علمه الباري سبحانه أو النقص (١٠) منه.
فالجواب: أن ذلك لا يصح لهذا الذي بيّناه، وإن كان السؤالُ الزيادة والنقصَ (١١) في آجال غير الأجل الذي عند الله تعالى في غَيبِه فذلك مما لا يمنع الزيادة فيه والنقصان لأن ما سوى الباري وصفاتِه من سائر الأشياء مخلوق والمخلوق يتغير ويتبدَّل ويزيد وينقص. فقال الحذاق من أهل العلم بناءً على هذا ما وقع من الظواهر والزيادة في العمر والنقصان منه فيُحمل ذلك على ما عند مَلِكِ الموت أو من وَكّله الباري بقبض الأرواح وأمره فِيها بآجال محدودة فَإنه سبحانه بعد أن يأمرَه بذلك أو يثبته (في اللوح المحفوظ لملك الموت فَيَنقُص منه أو يزيد فيه) (١٢) على حسب ما شاء حتى يقع الموت على حسب ما علم تعالى في الأزَلِ وقد قال عز من قائل ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١٣) فأثبت المحو والإثبات وأخبر أن عنده أمّ الكتاب. وهذا تنبيه (١٤) إلى ما قلناه وان كان قد قيل في الآية محو اللّيل بالنهار والنَّهارِ باللَّيل وقيل محَو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها ولكن لا يبعد دخول ما قلناه تحت العموم إذا ثبَت أصله أو تكون الآية مصداقًا لما قلناه على الجملة دون التفصيل وكذلك
стр. 1370
قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (١٥) يَصح أن يحمل على ما قلناه وإن كان قد قيل فيه أيضا تأويل آخر، كما أن بعضَ أهل العلم أيضا تأول قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ (١٦) على أن المراد به ينقص مِن عمرِه عن أبناء جنسه وأترابه وكذلك تأول بعضهم قوله في صلة الرحم "إنها تزيد في العمر" أن المراد بِه الرّزق لأنّ الفَقر يعَبرَّ عنه بالموت وأنكر بعضهم ذلك وقال الرزق مفروغ منه كما فرغ من الأجل فلا معنى للاعتذار بما يحتاج إلى الاعتذار.
وقال آخرون إنما المعنى أن الله سبحانه علم أنه يعَمّره مائة لأنه علم أنه يَصِل رَحِمَه وعلم أنه لو لم يَصِله لَعَمَّره ثَماَنين والباري سبحانه مَوصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون وأمثل ما فِيما ذكرناه من التأويلات هذا التأويلُ أو ما قلناه أولاً إن الزيادة والنقص يرجعان إلى المَلَك وما كُلِّفَه فيكون التَّغيِير فيه، وَصَرْفُ ذَلك إلى المَلَكِ إليه يَمِيل بعض المحققين مِن أئمتنا.
وعلى هذا الذي قرّرناه عندنا أن المَقتول مات بأجله خلافا للمعتزلة في قولهم: إنه قَطَعَ عليه أجلَه بالقتل ولو قيل لنا نحن هل يقال: إن بقاءه وزيادته على ذلك الأجَلِ مقدور (للباري سبحانه لقلنا ذلِك مقدور ولكنه مع كونه مقدورًا لم يمت إلَاّ بأجله وقولنا أيضا فيه: إنه مقدور) (١٧) جار