← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

كتاب الذّكر والدّعاء والتّوبة والاستغفار (١) ١٢١١ - قوله ﷺ : " (يقول الله (٢) أنا عِندَ ظنّ عبدي بي وأنا معه حِين يَذكرني إن ذَكَرَنيِ في نَفسِهِ ذَكَرته فيَ نَفسيِ وإن ذَكَرَنيِ في مَلإ ذَكَرته في مَلاءٍ خَير مِنهم وأن تَقرَّبَ مِنَّي شِبًرا تَقرَّبت مِنه ذِرَاعًا وإن تقرب إليَّ ذِراعا تَقَربْت منه بَاعًا وإن أتَاني يَمشيِ أتيته هَروَلَة" (ص ٢٠٦١). قال الشيخ -وفقه الله-: النفس تُنطق (٣) في اللغة على معان شتَّى، منها نفس الإنسان الحيوانية وذلك لا يليق بالله سبحانه، ومنها النفس بمعنى الدَّم ولا يليق بالله تعالى أيضا، والنفس بمعنى الذات والباري سبحانه له ذات على الحقيقة وتكون النفس بمعنى الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٤)، أي

стр. 1367

تعلم غَيبِي ولا أعلم غيبك فيصح أن يراد بالحديث ها هنا أن العبدَ إذا ذكر الله مُخْلِيًا بحيث لا يطّلع عليه أحد (أثابه وقضى له من الخير بما لا يطَّلِع عليه أحد) (٥) وقد قَال عَزَّ مِن قائل ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٦). فأخبر الله سبحانه أنه يَنفَرِد بعلم بعض ما يجزي به المتقين. وقد اضطرب العلماء في الأنبياء والملائكة ﵈ أيهم أفضل؟ ويتعلق من قال بتفضيل الملائكة بظاهر هذا الحديث وقال: "فإنه قد ذكرته في ملإ خير منهم" وأجاب الآخرون: بأن المرادَ به بذكرٍ خير من ذكره وهذا بعيد من ظاهر اللفظ ولكن الأوّلِين إنما تمسكوا بخبر واحدٍ ورَد بلفظ يتعلق فيه بالعمومِ. وفي التعليق بالعموم خِلَاف وخبر الواحد لا يؤدي إلى القطع وهذا يمنع من القطع بما قالوه. وأمّا قوله: "وإن تَقَرَّب مِنّي شِبرا تقرّبت منه ذراعا" وَقَوله: "وإن أتَاني يمشي أتيته هرولة" فمجاز كله وإنما هو تمثيل بالمحسوسات وتفاوتهِا في الإسراع والدنوّ فإنما المراد أن من دنَا منّي بالطاعة دنوت منه بالإثابة (وكنت بالإثابة) (٧) أسْرعَ منه بالطاعةِ وأن من أتاني بحسنةٍ جازيته بعشر فكنّى عن التضعيف بالسرعة ودنوّ المسافة. فهذا الذي يليق بالله سبحانه. وأما المشي بَطِيُّه وسريعه، والتقّرب بالذراع والباع فَمِن صفات الأجسام والله سبحانه ليس بجسم ولا يجوز عليه تنقُّل ولا حركهّ ولا سكون وهذا واضح بَيِّنٌ.

стр. 1368

وقوله ﷺ "ومن لَقِيني بقُرَاب الأرض خطيئَةً" (ص ٢٠٦٨). أي مَا يقارب مِلأهَا. ١٢١٢ - قول أمّ حبيبة ﵂ زوجِ النبيء ﷺ : "اللهم أمتِعنِي بِزَوجِي رَسولِ الله ﷺ وَبِأبي أبي سفيان وبأخِي مُعَاوِيَة فقال ﷺ : لقد سَألتِ الله لآجَالٍ مَضروبَةٍ وَأيّام معدودَةٍ وأرزاقٍ مَقسومَةٍ أن يعَجِّلَ شَيئًا قَبلَ مَحَلِّهِ أو يؤَخِّر شَيئًا عَن أجَلِهِ وَلَو كنت سألت الله أن يعيذَكِ من عَذَابِ النار أو عذَابٍ في القَبِر كان خَيرا وأفضَلَ " (ص ٢٠٥٠). قال الشيخ: إن قال قائل: قد أثبت في هذا الحديث أنّ الأجل لَا يزاد فيه (ولا يُنقَص) (٨) وقد قال في حديث آخر "إن صلة الرحم تزيد في العمر" فكيف الجَمع بين هذين الحدِيثين؟ قلنا: أول ما يجب أن تعلم أنَّ الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الميت فيه فإذا كان عبارةً عن هذا وعليه نتكلم ها هنا فلا بد أن يقال: إن البارىءَ سبحانه يعلم هذا الوقت أولَا يعلمه (فَواضح إحالة القول إنّه لا يعلمه فَإذا ثبت أنه يعلمه) (٩) قلنَا: حد العِلمِ وحقيقته معرفة المعلوم على ما هو عليه، فَإذا فَرَضنا أنَّ زيدا عَلِم الله أنه يموت سنة خمسمائة ثم قدّرنا أنه مات قبلها أو مات بعدها أليس تطلب حقيقة ذلِك العلم ولم يكن علما بل كان جَهلاً لأنه تعلق بالأمر على خلاف ما هو عليه وقد فرضنا أنَّ الباري سبحانه

стр. 1369

يستحيل الجهل عليه فَوجب ضرورةً من مقتضى هذه المقدمات أنّ مَا عَلِمَه الباري من الاجال لا يتبدل ولا يَتَغَيرَّ فإن كان السؤال عن الزِّيَادَةِ في الأجل الذي علمه الباري سبحانه أو النقص (١٠) منه. فالجواب: أن ذلك لا يصح لهذا الذي بيّناه، وإن كان السؤالُ الزيادة والنقصَ (١١) في آجال غير الأجل الذي عند الله تعالى في غَيبِه فذلك مما لا يمنع الزيادة فيه والنقصان لأن ما سوى الباري وصفاتِه من سائر الأشياء مخلوق والمخلوق يتغير ويتبدَّل ويزيد وينقص. فقال الحذاق من أهل العلم بناءً على هذا ما وقع من الظواهر والزيادة في العمر والنقصان منه فيُحمل ذلك على ما عند مَلِكِ الموت أو من وَكّله الباري بقبض الأرواح وأمره فِيها بآجال محدودة فَإنه سبحانه بعد أن يأمرَه بذلك أو يثبته (في اللوح المحفوظ لملك الموت فَيَنقُص منه أو يزيد فيه) (١٢) على حسب ما شاء حتى يقع الموت على حسب ما علم تعالى في الأزَلِ وقد قال عز من قائل ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١٣) فأثبت المحو والإثبات وأخبر أن عنده أمّ الكتاب. وهذا تنبيه (١٤) إلى ما قلناه وان كان قد قيل في الآية محو اللّيل بالنهار والنَّهارِ باللَّيل وقيل محَو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها ولكن لا يبعد دخول ما قلناه تحت العموم إذا ثبَت أصله أو تكون الآية مصداقًا لما قلناه على الجملة دون التفصيل وكذلك

стр. 1370

قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (١٥) يَصح أن يحمل على ما قلناه وإن كان قد قيل فيه أيضا تأويل آخر، كما أن بعضَ أهل العلم أيضا تأول قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ (١٦) على أن المراد به ينقص مِن عمرِه عن أبناء جنسه وأترابه وكذلك تأول بعضهم قوله في صلة الرحم "إنها تزيد في العمر" أن المراد بِه الرّزق لأنّ الفَقر يعَبرَّ عنه بالموت وأنكر بعضهم ذلك وقال الرزق مفروغ منه كما فرغ من الأجل فلا معنى للاعتذار بما يحتاج إلى الاعتذار. وقال آخرون إنما المعنى أن الله سبحانه علم أنه يعَمّره مائة لأنه علم أنه يَصِل رَحِمَه وعلم أنه لو لم يَصِله لَعَمَّره ثَماَنين والباري سبحانه مَوصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون وأمثل ما فِيما ذكرناه من التأويلات هذا التأويلُ أو ما قلناه أولاً إن الزيادة والنقص يرجعان إلى المَلَك وما كُلِّفَه فيكون التَّغيِير فيه، وَصَرْفُ ذَلك إلى المَلَكِ إليه يَمِيل بعض المحققين مِن أئمتنا. وعلى هذا الذي قرّرناه عندنا أن المَقتول مات بأجله خلافا للمعتزلة في قولهم: إنه قَطَعَ عليه أجلَه بالقتل ولو قيل لنا نحن هل يقال: إن بقاءه وزيادته على ذلك الأجَلِ مقدور (للباري سبحانه لقلنا ذلِك مقدور ولكنه مع كونه مقدورًا لم يمت إلَاّ بأجله وقولنا أيضا فيه: إنه مقدور) (١٧) جار

стр. 1371

على اختلاف أصحابنا في خِلافِ المعلوم هل يقال: إنه مقدور أم لا؟ والأصَحّ عِندِي أن خِلافَهم قد يرجع إلى عبارة والأولى إطلاق القول بأنه مقدوْر وقد قال تعالى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (١٨) فأثبت أنه قادر على خلق مثلهم، ومعلوم أنه لا يخلق مثلهم. وكذلك اضطرب أصحابنا في المقتول لو لم يَقضِ الباري القتلَ عليه مَا يكون حكمه بعد زَمنِ القتل الذي فرضنا وقوعَه فيه والأصح في هذا أن يحال على الباري سبحانه ويقال: نحن لا نَعلَم كَثِيرا مِماَّ يكون بِلابدٍّ فكيف نعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون والباري سبحانه يعلم لو لم يكن قَضَى بموت هذا عند ثمانين من عمره كيف كان يَقضي فيه ويقدِر له؟ وهذا السؤال لا معنى له ولا وجه للتشاغل به لأنّا إذَا أثبتنا أن المقتولَ مات بأجله وأن الباري لا يتغير عِلمُه فلا معنى لقولهم هذا إلَاّ كَمَعنَى من يقول: لو لم يكن أجل فلان ستين ماذا يكون من السِّنين وهذا مما لا جواب لنا عليه إلَاّ بإحالته على علم الله سبحانه فَإن قيل: فما معنى صرفه لها عن الدعاء بالزيادة في الآجال لأنها فُرغ منها إلى الدعاء بالعياذة من عذاب النّار وقد فُرغ منه كما فرغ من الأجل. قلنا: صدقتَ في أن الله فَرغ من الكلّ ولكن هذا الاعتراضُ من جنس ما قدمناه (من قول) (١٩) من قال للنبيء ﷺ أفلا ندع العمل لَماّ أخبرهم أن الله قضى بالسعادة والشقاوة فأجابه ﷺ بما قدَّمناه. وقد أمر الله بأعمالَ برّ وطاعات جعلها قربى إليه وَوَعد بأنها تُنجي من النار وييسر أهل السعادة لها فالدعاء بالنجاة من النار من

стр. 1372

جملة العبادات التي ترجى بها النجاة منها كما يرجى ذلك بالصَّلاةِ والصَّوم ولَا يحَسُن ترك الصلاةِ والصومِ اتكالا على القدر السّابق وكذلك هذا الدعاء ها هنا مع أنه ﷺ إنما قال لها "لَو سألتِ الله أن يعِيذَكِ مِن عذاب النّار أو عذاب القبر كَان خيًرا وأفضل" (ولا شك أن السؤال بالعياذة من النار خير وأفضل) (٢٠) من الزيادة في العمر معَ عذاب النار نسأل الله السلامة والعياذ من ذلك. ١٢١٣ - وقوله: مَن أحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ الله لِقَاءَه وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَه (ص ٢٠٦٥). قال الشيخ: من قضى الله ﵎ بموته فلا بد أن يموت وان كان كارها في لقاء الله ولو كره الله موته ما مات ولا لَقِيَه، فيحمل الحديث من مثل هذه الصورة على كراهة الله سبحانه للغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته. ١٢١٤ - قوله ﷺ : " (وما اجتَمَعَ قَوم) (٢١) في بيت من بيوت الله يَتلون كِتَابَ الله ويَتَدَارَسونَه بَينَهم إلَاّ نَزَلَت عليهم السَّكِينَة" (ص ٢٠٧٤). قال الشيخ: هذا ظاهره يُبيح الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد وإن كان مالك قد قال في المدوّنة بالكَراهِيَةِ لنحو ما اقتضى هذا الظَّاهر جوازَه

стр. 1373

وقال: يقامون. ولعلّه لما صَادفَ العمل لم يستمرّ عليه ورأى السّلف لم يفعلوه مَعَ حرصهم على الخير كَرِه إحداثه ورآه من محدثات الأمور وكان كثير الاتّباع لعمل أهل المدينة وما عليه السلَف وكثيرا ما يَترك بعض الظواهر بالعمل. ١٢١٥ - قوله: "إنه لَيُغَانُ عَلىَ قلبِي" (ص ٢٠٧٥). قال أبو عبيد: يعني أنّه يَتَغشى القلب ما يلبسه يقال: غَيِنَت السماء غَيْنا وهو إطباق الغيم السَّماَء، والغيمُ والغَين وَاحِد. ١٢١٦ - قوله ﷺ : "للذي علَّمه ما يقول إذا أوَى إلى فراشه: آمَنت بِكِتَابِكَ الذِي أنزَلتَ وَبِنَبِيِّك الذي أرسَلتَ الحديث، قال: فردَدَّتُهنَّ لأستَذكِرَهنَّ فَقلت آمَنت بِرَسولِكَ الذي أرسَلت قال قل آمَنتُ بِنَبِيِّكَ الَذي أرسَلتَ" (ص ٢٠٨١). قال الشيخ: يحتمل أن يكون أراد ﷺ أن يقول كماَ عَلّمه من غير تَغيير وإن كان المعنى لا يختلف في المقصود ولَعَلَّه ﷺ أوحِيَ إليه بهذا اللفظ فاتَّبع ما أوحيَ إلَيه به لأنَّه لا يغير ما أوحي إليه به لا سيما والموعود به على هذه الدعوات أمر لا يوجبه العقل وإنَّما يعرف بالسَّمع فينبغي أن يتبع السَّمع فيه على ما وقع على أن قوله: "ورسولِك الذي أرسلتَ" لا يفيد من جهة نطقه إلَاّ معني واحدًا وهو الرِّسالة. وقوله "وَنَبِيِّك الذي أرسلتَ" يفيد من جهة نطقه النبوة والرسالة وقد يكون نبيّ ليس برسول والمعتمد على ما قلناه من اتباع اللفظ المسموع من الشرع.

стр. 1374

وإنما ذكرنا هذا الفرق لنشِير إلى معنى ما يفترق فيه اللَّفظان. ١٢١٧ - قوله ﷺ : "فيَسْتَحْسر عند ذلك ويدع الدعاء" (ص ٢٠٩٦). يقال حسر واستحسر إذا أعيَا. وقال تعالى ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (٢٢). أي لا ينقطعون عن العبادة. ١٢١٨ - قوله (٢٣): "الله أشَدّ فَرَحًا بِتَوبَةِ أحدِكم من أحدِكم بضَالَّتِهِ إذَا وَجَدَهَا" (ص ٢١٠٢). قال الشيخ: الفرح يتصرف إلى مَعانٍ منها أن يرَادَ به السرور ولكنِ السرور يقارنه الرضا بالمسرور به فالمراد ها هنا أن الله سبحانه يرضى توبة العبد أشد مما يرضى الواجد لناقته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في معناه. وأمَّا قَوله "في أرضٍ دَوِّيَّةٍ" (ص ٢١٠٣). فهي الفلاة وجمعها دَوِّيّ (٢٤) قال الشاعر.

стр. 1375

[الرجز] قد لفّها اللَّيل بِعَصلَبِيّ ... أروَعَ خَرَّاجٍ من الدَّوِّيِّ والتوبة من الذنب هي الندم عليه رعايَةً لحقً الله سبحانه ويجب على التائب أن يضيف إلى الندم عن الذنب العزمَ على أن لا يعود إليه إذا كان متأتيا منه العودة إليه وتعجيل التوبة عند الذنب هو المَأمور به وتأخيرها عنه مَنهيّ عنه وربَّماَ غَلِط بعض المذنبين ودام على الإصرار خوفا من أن يتوب فينقض، وهذا اغترار وجهالة ولا يحسن أن يَترك واجبا عليه على الفور خوفا ان يقع منه بعده مَا يَنقضه، وتصح التوبة عندنا عن الذنب مع البَقَاء عَلي ذَنب آخر خلافه خِلافا لمِن مَنَعَه من المعتزلة لأن بواعثَ النفس إلى المعاصي تختلف والشهوات في الفسوق تختلف باختلاف أنواعه وَطِباع العصاة وحضور الأسباب المعينة على الشر والصَّادَّة عنه فصحَّ لذلك التوبة عن الذَّنب (٢٥) مع البقاء على خلافه ونحن نرى عيانا العصاة يَكفّون عن شرب الخمور ليالي رمضان احتراما له ويشربونها في ليالي شوال لاعتقادهم أن الذنب في رمضان أعظم فَإذا صح اختلاف الأغراض والأسباب لم يبعد التروع عن ذَنبٍ مع البقاء على غيره على ما قلناه. وإذا وقعت التوبة عن الذنب عن شروطها فإن كَانَت عَنِ الكفر قُطع بقبولها وإن كَانت عَماَّ سِوَاه من المعاصي فمن العلماء من يقطع على قبولها ومنهم من يظن ذلك ظنًّا ولا ينتهي إلى القطع لأن الظواهِرَ التي جاءت بقبولها ليست بنصوص عنده، وإنما هي عمومَات معرضة للتأويل، والتوبة يقارنها الحزن والغم على ما تقدم من الإخلال بحق الله تعالى لأن الفَرِح المسرورَ بما فرط من زلاته لا يندم عليها.

стр. 1376

١٢١٩ - قال الشيخ: خرّج مسلم في التوبة "حدثنا يحيي بن يحيى وجعفر بن حميد كلاهما عن عبيد الله بن إياد عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ﷺ كيف تقولون بفرحِ رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها" (ص ٢١٠٤). هكذا خرج مسلم هذا الحديث عَن يحيى بن يحيى وجعفر بن حُمَيْد في رواية ابن ماهان والكسائي وجعفر هذا هو شيخ لمسلم لم يرو عنه إلا هذا الحديث وهو كوفي يعرف بِزنْبَقَةَ حدّث عنه تقي بن مخلد الأندلسي وخرجه أبو مسعود عن جعفر بن حميد وهو الصواب (٢٦) وروي عن أبي أحمد الجلودي حدثنا يحيى بن يحيى وعبد بن حميد مكان جعفر بن حميد وهو وَهم. ١٢٢٠ - قوله: "عَافَسنَا الأزوَاجَ والأولَاد" (٢١٠٦). قيل: معناه لاعَبْنَا. ١٢٢١ - قوله: "إنّ رَحمتِي تَغلِب غَضَبِي"، وفي بعض طرقه "سَبَقَت رَحْمتِي غَضَبِي" (ص ٢١٠٧). قال الشيخ: غضبُ الله وَرِضَاه يرجعان الى إرادته لاثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي (٢٧) فالأول منهما يسمى رحمة

стр. 1377

والثاني يسمى غضبا، وإرادة الله سبحانه قديمهّ أزليّة بها يريد سائر المرادات فتستحيل فيها الغلبة والسبق وإنما المراد ها هنا متعلق الإرادة من النفع والضر فكان رِفقه بالخلق ونعمه عندهم أغلب من نقمه وسابقةَّ لها فإلى هذا يرجع معنى الحديث. وقد اختلف شيوخنا في معنى الرّحمان، هل ذلك راجع إلى نفس الإرادة للتنعم أو إلى التنعيم بنفسه وإنما يحتاج إلى هذا الاعتذار على القول بأن ذلك راجع إلى نفس الإرادة. ١٢٢٢ - قوله "أسرف رجل على نفسه لماَ حضره الموت أوصى بَنِيهِ فقال إذا أنا متّ فأحرِقوني ثمَّ اسحَقونيِ ثم اذرونيِ في البَحر فَوَالله لَئِن قَدَرَ عَليَّ ربي لَيعَذِّبنِي (عَذَابًا مَا عَذَّبَه أحَدًا الحديث. (ص ٢١١٠). قال الشيخ (٢٨) لا يصِح حمل هذا الحديث على أنه أراد بقوله "قدر عليَّ" من القدرة لأنّه من شك في كون الباري سبحانه قادرًا عليه فهو كافر غير عارف به وقد ذكر في آخر الحديث أنَّ الله قال له: "ما حَمَلَك على ما حَمَلَك على ما صنعت؟ قال: خَشْيَتُك يَارَبّ أو مَخَافَتكَ" فغفر لى بذلك، والكافر لا يخشى الله ولا يغفر الله له، فإذا ثبت أنه لا يصح حمل الحديث على هذا المعنى فيحمل على أحد وجهين إما أن يكون المراد به لئن قدرَ عَلَيَّ بمعنَى قدَّر علي العذاب يقال: قَدَر وَقَدَّر بمعنى واحدٍ، أو يكون أراد قدر عليَّ بمعنى ضَيَّق عليَّ قال الله تعالى ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ (٢٩) وهكدا القول في قوله تعالى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٣٠).

стр. 1378

١٢٢٣ - وأما قوله: "رَاشَه مَالاً" (ص ٢١١١). قال ابن الأعرابي: الرياش المال المستفاد، والرياش أيضا الأكل والشرب، وفي حديث عائشة ﵂ "كان يَريش مملِقَها" أي كان يُفضل على المحتاج فتحسن حالته. قال القتَبِي: أصله الريش كأنَّ المعدم لا نهوض به مثل المقصوص من الطير وجعل الريش مثلا للباس. ١٢٢٤ - وأما قوله في بعض طرقه: "رغسه الله مالا وولدا" (ص ٢١١٢). قال أبو عبَيد: (قال الأموي: معناه أكثر له منه وبارك له فيه. قال أبو عبيد) (٣١): يقال منه رَغَسَه الله يَرغَسُه رَغْسًا إذا كان ماله كثيرًا ناميًا وكذلك هو في الحسب وغيره. وأما قوله في بعض الطرق: "فلَم يَبتَئِر عِندَ الله خَيرًا" قال مسلِم فَسَّرَهَا قَتَادَة، لمَ يَدَّخِر عِند الله خَيرا. وفي بعض طرقه "ما ابتَأرَ عِندَ الله خَيرا" وَفي بعض طرقه: "مَا امتَأرَ بِالميِمِ " (ص ٢١١٢). قال الهروي: لم يبتئر خيرا، أي لم يقدم خَبِيئةَ خَيرٍ لنفسه ولم يدخرها يقال: بَأرت الشَّيء وابتَأرته إذا أخرته (٣٢) وخبأته، ومنه قيل للحفرة البؤرَة يقال أيضا ابترت (٣٣) بمعناه.

стр. 1379

١٢٢٥ - قوله: "إن الله يَبسط يَدَه باللَّيل لِيَتوبَ مسيء النَّهَار وَيَبسط يَدَهَ بِالنَّهَار لِيَتوب مسيء اللَّيلِ حتى تطلعَ الشَّمس مِن مَغربها" (ص ٢١١٣). قال الشيخ: المراد بهذا القبولُ على التائب لأنه قد جرت العادة أن الإنسَان إذَا نووِلَ مَا يَقبَله بَسَطَ يَدَه إلَيهِ وإذَا نووِلَ مَا يَكرَه قَبَضَ يَدَه فخاطب العرب من حيث تعلم (٣٤) وذكر أمثَالاً محسوسة ليؤكد مَعنى ما يريده في النفس. وأمّا يَد الَجارِحة فمستحيلة على الله سبحانه والقبض والبسط من صفات الأجسام واليَد قد تنطلق في اللغة على النعمة. وهذا المعنى المشهور في اللسان يقارب ما قلناه لأن ما يفعله سبحانه من قبول تَوبة عباده من أحد نعمه عليهم وكذلك ما يفعله من النعم بالتائبين. وأما إثبات اليدين لله سبحانه من غير أن تكون يَدي جارحة بل صفتين من الصفات قديمة أزلية فأثبتها أبو بكر القاضي ابن الطيب وغيره من أيمتنا لِقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣٥) فأثبت اليدين ها هنا صِفَتَين قَدِيمَتَين لأن صرف اليد ها هنا عنده إلى النعمة لا يليق بهذا المَوضع لأن النعمة مخلوقة ولا يخُلق مخلوق بمخلوق وصرفها إلى القدرة يمنع منه التثنية والقدرة واحدة بلا خلاف. وأبو المعالي مال إلى نفي ذلك وحمل القرآن على التَّجَوّز وأن المراد أن الله خلق آدم بغير واسطة بخلاف غيره من بنيه فَكَنَّى عن ذلك بأنه خلقه بيديه لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عُبر عن ذلك بأن يقال فعلته بنفسي وتولّيته بِيَدَيّ والقصد تمييز آدم بالاختصاصِ وقد يجُمع الشيء تَفخِيماً وإن كان واحدا والعرب

стр. 1380

تفعل ذلك فهذا المعنى سلك الأيمَة في هذه الآية وان قلنا بإثبَاتِ اليَدِ على طريقة القاضي فلا بد من تأويل الحديث على نحو ما قلناه لذكر البسط فيه وإنما يبقى النظر في معنى اليد وإضافةِ هذا الأمر إلَيهِماَ. ١٢٢٦ - وأمّا قوله: "لَيسَ أحَد أغيَرَ مِنَ الله" (ص ٢١١٣). فقد تقدم الكلام عَلى مَعناه. ١٢٢٧ - قوله: "يُدنَى المؤمِن من رَبِّه يَومَ القِيامَةِ حتى يَضَع عليه كَنَفَه فَيقَرِّره بذنوبه فيَقول (٣٦) هل تعرف؟ فيقول: أيْ رَبِّ أعرِف قال: فَإنيّ قد سَتَرْتُها عَلَيكَ في الدّنيَا وإني أغفِرهَا لك اليوم" الحديث (ص ٢١٢٠). قال الشيخ: الدّنوّ ها هنا دنوّ كرامة لا دنوّ مَسَافة لأن البَارِي سبحانه في غير مكان فلا يصح منه دنوّ المسافة ولا بعدُها. والمراد بقوله "حتى يضع عليه كنفه" أي سِتره وعفوه وما يتفضل عليه به حينئذ وقد صحَّفها بعض الرواة فَرَواها بالتاء وهو تصحيف لَا ينبَغي أن يُشتغل به؛ وقد قال بعض أهل العلم: لو كان ثابتا لكان استعارةً وتأوَّلناه كما تأوَّلنا ما وقع في أمثاله مِماَّ ذكرنا في أسماء الجَوارح. ١٢٢٨ - قول كَعبِ بن مالك: "فأنا (٣٧) إلَيها أصعَر" (ص ٢١٢٢).

стр. 1381

أي أميَل. ١٢٢٩ - وقوله: "وَتَفَارَطَ الَعدو" (٣٨) (ص ٢١٢٢). أي فات وتقدم. ١٢٣٠ - وقوله: "إلَاّ رَجلاً مَغموصًا عَلَيه" (ص ٢١٢٢). أي متَّهما مستحقرًا (٣٩) يقال: غمصت فلانا وأغمصته (٤٠) إذا استحقرتَه واستَصغَرتَه. ١٢٣١ - وقوله: "وهو يَنظُر فيِ عِطفَيه" (ص ٢١٢٢). قال الهروي: عِطفا الإنسان نَاحِيتا جَسَده، وقال في موضع آخر: العِطفان نَاحِيَتا العنق ومنكب الرجل عطفه. وقال المبرد: العِطف ما انثنى من العنق قال غيره العرب تضع الرداء موضع البَهجة والحسن والبهاء وتسمّي الرِّداء عِطَافًا لوقوعه على عِطفي الرجل. ١٢٣٢ - قوله: "قَافِلاً" (ص ٢١٢٣).

стр. 1382

يعني راجعا من سفره يقال: قَفَلَ الرجل قفولا إذَا رَجع مِنَ السفر والقافلة التي هي راجعة من سفرها وما دامت ذاهبة في السفر فلا تسمى قافلة حتى ترجع. ١٢٣٣ - قوله: "حضرنيِ بَثِّي" (ص ٢١٢٣). البَثّ أشد الحزن. ١٢٣٤ - قوله: "قلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العامري" (ص ٢١٢٤). هكذا قال العامري وإنما هو العَمرِي من بني عمرو بن عوف. ١٢٣٥ - وقوله حتى تَسَوَّرت الِجدَارَ (ص ٢١٢٥). أي عَلَوت سورَه وَهو أعلاه. ١٢٣٦ - قوله: "فتيمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسجرتها" (ص ٢١٢٥). أي قصدت التَّنُّور. يقال: قصدت الشيء وتيممته واعتمدته بمعنى واحد، ومعنى سَجَرتهُا أحرقتها. (قال مجاهد في قول الله تعالى ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٤١) معناه الموقد) (٤٢).

стр. 1383

١٢٣٧ - قولها: "من جَزْعِ ظَفَارِ" (ص ٢١٣٠). قال ابن السّكّيت: الَجزْع بفتح الجيم وإسكان الزاي الخَرَزُ اليماني وظَفَارِ بفتح الظاء وكسر الراء قرية باليمن. وقول عائشة "لم يَهُبَّلْن" (٤٣) (ص ٢١٣٠). أي لم تكثر شحومهن ولا لحومهنّ. ١٢٣٨ - وقولها "العلقة من الطعام" (٤٤) (٢١٣٠). أي الشيء القليل منه ومثله البُلْغة. ١٢٣٩ - وقولها: "نَزَلوا موغِرِين" (ص ٢١٣١). أي وقت الوغرة (٤٥) وهي شدة الحر. ١٢٤٠ - قولها: "فيأتي الداجن" (ص ٢١٣٣).

стр. 1384

يقال لكل ما ألِف البيوت من الطير والشّاءِ وغيرها دواجن وقد دَجَن في بيته إذَا لَزِمَه وكلب داجن ألِف البيت والمدَاجَنَة حسن المخالطة. ١٢٤١ - قوله ﷺ : "مَن يَعذِرني مِن رَجلٍ" (ص ٢١٣٣). أي من يقوم بعذري ان كافأته على سوء صنيعه فلا يَلُمنِي. ١٢٤٢ - وقولها: "يستوشيه" (ص ٢١٣٨). أي يستخرجه بالبحث والمسألة كما يَستَوشيِ الرجل جَريَ الفرس وهو ضَرْبُه جَنَبيه بعقبيه وتحريكُه ليجري يقال: أوشى فرسه واستَوشاه بمعنى واحد. ١٢٤٣ - قولها: "من البُرحَاء" (ص ٢١٣٥). تعني الشدّة. قال ابن وَلَاّد: البُرحاء بضم الباء هو ممدود من التبريح وبلوغ الجَهَد من الإنسان. ١٢٤٤ - قوله: "أبَنُوا أهليِ" (ص ٢١٣٨). أي اتهموها قاله أبو العباس. وقول أمِّ مِسطَح: تعس مسطح قال أبو الهيثم معناه انكب وعثَر. ١٢٤٥ - قوله: "إن رجلا كان يُتَّهَم بِأمّ وَلَدِ رسول الله ﷺ فَقَال

стр. 1385

رَسول الله ﷺ لِعَلي اذهَب فَاضرب عنَقَه فَأتَاه عليّ فإذا هو في رَكِيّ يَتبَرَّدُ فيها. فقال له عليّ: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجَبوب لَيس له ذَكَر فَكَفَّ عَليٌّ عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يَا رَسول الله إنَّه لمَجبوب مَا لَه ذَكَر (ص ٢١٩٩). قال الشيخ -أيده الله- الظاهر أن هذا الحديث فيه حذف بَسطِ السبب فلعلّه ﷺ ثبت عنده بِالَبِيّنَةِ مَا أوجَبَ قتله فلما رَأى عليّ كَونَه مجَبوبًا أبقاه ليراجع النبيّ ﷺ فيه ولم يذكر ما قال له عليّ (٤٦) ولو ذكر السّبَبَ الموجب لقتله وجواب النبي ﵇ لعليّ لعلم منه وجه الفقه. ولعل الرجل أيضا كان منافقا ممن يحلّ قتله فيكون هذا السبب محركا عَلىَ قتله.

стр. 1386

كتاب ذكر المنافقين (١) ١٢٤٦ - قوله: "مَثَل المنَافِق كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائرة بيَن الغَنَمَين" (ص ٢١٤٦) يعني المترددة بينهما لا تدري أيتّهما تتبع. ١٢٤٧ - قوله: "على أرض بيضاء عفراء" (ص ٢١٥٠). قد تقدم شرح عفراء. ١٢٤٨ - قول أُسَيد لِسَعدٍ يَا منِافِق (ص ٢١٣٤).

стр. 1387

قال الشّيخ -أيّده الله-: قد تقدّم الكلام على أمثال هذا اللّفظ الذي يقع بين الصحابة وأنه يجب أن يحمل على ما يليق بهم. والأشبه أنّ أُسَيدًا إنما وقع ذلك منه على جهة الغيظ والحنق وبالغ في زجر سعد ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وَإبطان الكفر (ولعله أراد أن سعدا كان يظهر إليه وإلى الأوس من المودة ما يقتضي عنده أن لا يقول لهم ما قال فاستلوح من هذا الكلام أن باطنه فيهم خلاف ما ظهر إليه، والنفاق في اللغة ينطلق على إظهار ما يُبْطَن خلافه دينًا كان أو غيره ولَعله ﷺ لأجل هذا لم ينكر عليه إن كان سمع قَولَه هذا.

стр. 1388

كتاب صفة القيامة والجنة والنار (١) ١٢٤٩ - قوله ﷺ : "إنَّ الله يمسك السّماَوَاتِ عَلىَ إصبَعٍ والأرَضِيَن عَلىَ إصبَع والشَّجَرَ والثَّرَى عَلىَ إصبَعٍ والَخلَائِقَ عَلىَ إصبَعٍ ثم يَقول أنَا الَملِك أنَا الملِك" (٢١٤٧). قال الشيخ -أيده الله-: تقدم القول في بيان المراد بالإصبَع في حديث سبق وأنه قَد يراد به معنى الاقتدار، وأنه قد يراد به معنى النعمة. وهذا الحديث قد يراد به أنَّ الله خَلَق السَّماَوَات على عظمها مقتدرًا عليها من غَير ان يَمَسَّه (٢) تعبَ ولُغُوبٌ، كما أن الإنسان منا لا يشقّ عليه ولا يتعبه ما يصرفه على إصبعه والناس يذكرون الإصبع في مثل هذه المعاني احتقارًا، ويقولون: بإصبع واحدة أقتلك أو أفعل كذا أو كذا فقد يراد

стр. 1389

ها هنا هذا المعنى أن الله سبحانه لم يتعبه خَلق ما ذكر ولا شق عليه على عِظَمِ مخلوقاته هذه. وقد قال بعض الناس قد يكون بعض المخلوقات (اسمه إصبع فأخبر بخلق هذه الأشياء عليه، وقال بعضهم: يحتمل أن يراد أصبع بعض خلقه وهذا غير) (٣) مستنكرٍ في قدرة الله سبحانه والغرض المنع أن يكون لله سبحانه إصبَع الجارحة لإحالة العقل له ثم بعد هذا يتأوّل على ما يجوز وقد أرينا طرقا من التأويل. ١٢٥٠ - قوله ﷺ : "يَطوِي الله سبحَانه السَّماَوَاتِ يَومَ القِيَامَة ثمَّ يَأخذهنَّ بيَده اليمنى ثم يقول أنَا المَلِك أينَ الجَبَّارون أينَ المتكَبرون؟ ثم يطوِي الأرَضِيَن بشِماَلِهِ ثمَّ يَقول أنَا المَلِك أينَ الجَبَّارون أينَ المتَكَبرونَ؟ " (ص ٢١٤٨). قال الشيخ -وفّقه الله-: تقدم القول في ذكر اليَد واختلاف الأصوليين في إثبَاتهِا بمعنى الصفةِ لا بِمعنى الجارحةِ وتنازعهم في مقتَضى قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤) وَذكرنَا تَأوِيل ما وقع في ذكر اليد في حديث قبل هذا. ولكن لما ذَكَرَ ها هنا اليَمِين والشِّماَل كان آكَد في إيَهام الجَارحة. فَإذَا ثبتَ استحالة يد الجارحة عليه وَوَصفه باليمين والَشِّمال فلابد من حمَل هذا على ما يجَوز، وَأمثل ما تؤوّلِ عليه عندي أنّ الله سبحانه أرَاد أنه يطوِيَ السماوات والأرضين بِقدرته وكنّى عن ذلك بذكر اليد لأنّ بها فِعلنَا نحن وبها تَصَرّفنا فَخَاطب بما يفهم وبما يخرج إلى الحس واَلوجود ليكون أوكَدَ وَأرسَخَ في نفس السامع وذكر اليمين

стр. 1390

والشّمال حتى يورد المثال على كماله، ولَما علم أنا نحن نتناول ما نكرم باليمين وما دونه بالشِّمال وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشَماَئلتا وكانت السماوات أعظَم بما لا يتقارب ولا يَتدانى من الأرَضِيَن أضَاف فعلَه فيها إلى اليَمِين وفعله في الأرض إلى الشِّمال على حسب ما قلناه من أنا نحاول الأصعب باليمين والأخَفَّ بِالشِّمال وإن كان الله سبحانه لَيس شيء عليه أخف من شيءٍ ولا شيء أصعَبَ من شيءٍ ولكنه تعالى خاطبنا بماَ نَفهم ولما ذكر اليد تمثيلاً أتم الَمعنَى عَلىَ التمثيل بعينه ولا يبعد أن يكون في السماوات ما هو أفضل من الأرض وكلِّ ما فيها لا سِيَّما إذا قلنا بتفضيل الملائكة على ما تقدم ذِكر الخلاف فيه أو يكون البَارِي سبحانه يفضل السَّماَوَات لأمور تخفى عَنَّا فيكون أضافها إلى اليمين لما قلناه من اختصاص اليمين بالأشرفِ، والشِّمال بما هو دونها وَجَرى في ذلك على حكم التمثيل الذي به افتتح فَخَتم عليه وهذا الذي ظهر إليّ في هذا الحديث (٥). ١٢٥١ - قوله فيِ أهل الجَنَّة: "ألَا أخبركم بإدَامِهِم. قالوا: بلى قال: إدَامهم بَالَام وَنونْ قَالوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْر وَنون يَأكل مِن زِيَادَةِ كَبِدِهمِا سَبعون ألفًا". الحديث المذكور فيه قول اليهودي للنبيّ ﵇ (ص ٢١٥١). قال الشيخ -أيده الله-: ذَكَر الخطابي أن النون هو الحوت على وفاق ما فسر في الحديث وأن بَالام (٦) يَدلّ جواب اليهودي على أنّه اسم للثّور قال:

стр. 1391

ولعلّ اليهوديّ أراد التَّعمِية فقطَّع الهجاء وقدم أحد الحرفين وإنما الرتبة لام ياء هِجَاء لأَى (٧) عَلىَ وَزنِ لعًا، أي ثور يقال للثور الوحشي اللَأى فصحّف الراوي فقال بَالَام وإنما هو يالَام بحرف العلة (٨) هذا أقرب ما يقع لي فيه إلَاّ أن يكون إنما عبر عنه بلسانه ويكون ذلك في لسَانهم يلا وأكثر العبرانية فيما يقولونه مقلوب على لسان العرب بتقديم الحروف وتأخيرها وقد قيل إن العبران هو العرباني فقدموا الباء وأخروا الراء. ١٢٥٢ - قوله ﷺ : "لَا أحَدَ أصبرُ عَلىَ أذًى سَمِعه من الله إنه يشرك بِهِ ويُجْعَلُ لَه الوَلَد ثمّ يعَافيهِم ويرزقهم" (ص ٢١٦٠). قال الشيخ -وفّقه الله-: المراد بهذا أن الله سبحانه واسع الحلم عن الكافر الذي يضيف إليه الولد والصبر منع النَّفس من التَّشَفِّي والانتقام، أو منعها من غير ذلك، فلما كان الامتناع نتيجة الصّبر عبر عن تركِ الباري سبحانه الانتقام بهذه العبارة وجرى الأمر في ذلك على حسب ما قلناه مرارا فيما تقدم من مثل هذا. ١٢٥٣ - قوله ﷺ : "مَثَل المؤمِنِ كمَثَل الخَامَة مِنَ الزَّرع" (ص ٢١٦٣). يعني الغضة الرطبة. وقوله: "حتى تهيج" أي تجفَّ يقال: هاجَ الزرع هَيجا إذا يَبِسَ.

стр. 1392

١٢٥٤ - وقوله: "مثل المنافقِ كمثل الأرزَةِ المجذِيَةِ" (ص ٢١٦٣). قال أبو عبيد: الأرزَة بفتح الألَفِ وتسكين الراء شجر معروف بالشام ويسمى بِالعِرَاق الصَّنَوبَرَ، وإنَّما الصَّنَوبَر ثمر الأرزِ فسمي الشَّجر صنوبرًا من أجل ثَمَرته والمجذية الثابتة في الأرض يقال جذت تجذي (وأجذت تجذي) (٩) والانجِعَاف الانقِلَاع. يقال: جَعَفتُ الرَّجل إذا صَرَعتَه قَال أبو عبيد: شَبّه المؤمن بالخامة التي تميلها الرياح لأنه مُرَزَّأٌ في نفسه وَأهله وماله. وأمَّا الكافر فمثل الأرزة التي لا تميلها الرِّياح والكافر لا يرزَأ شَيئا حتى يَموت وان رزىء لمَ يؤجَر عليه فشبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى الله بذنوبه جمّةً. ١٢٥٥ - قوله ﷺ : "يقول الله لأَهْوَنِ أهلِ النَّارِ عَذَابًا لو كانت لَكَ الدّنيَا ومَا فِيهَا أكنتَ مفتَديًا بها؟ فيقَول: نَعَم، فَيَقول: قَد أرَدت مِنكَ مَا هو أهوَن مِن هَذَا وأنتَ فيِ صُلبِ آدَمَ أن لَا تشرك (أحسِبه قَالَ) وَلَا أدخِلَكَ النَّارَ فَأبَيتَ إلاّ الشركَ" (ص ٢١٦٠). قال الشيخ -أيّده الله- مذهب أهل الحق أن الله سبحانه أرادَ إيمان المؤمن وكفر الكَافرِ ولم يرد من الكافرِ الإيمان فامتنعَ عليه ولو أراده عندنا لم يكن كافرا، والمعتزلة تخالف في هذا الموضع وترى أن الله سبحانه أراد من الجَمِيع الإيمان فاستحبّ الكافر العَمَى على الهدى وأبَى إلَاّ الشرك اغتَرارا منها بِرَدّ الغائب إلى الشاهد من غير جامع ولا رابط، وقد ثبت في الشّاهد أن مريد السَّفه والشّرِّ مِنَّا سفيه شرّير. قالوا: فلما كان الكفر

стр. 1393

سفهاً وشّرا لم يصح أن يريده الباري سبحانه وأخطؤوا في هذا الاستدلال في مواضع. منها: أن الكفر سَفَه وَشَر في حَقِّنا وفي حقّ من يكلف لا في حق الباري سبحانه، ومنها: أن مريد السَّفَه والشَّرِّ إنما كان سفيها لنهي الله سبحانه لَه أن يريد السّفه والشرَّ والباري سبحانه لا أحد فوقه ينهاه ويأمره فلم يصح أن يقاسَ عَلَينَا في هذا، ومنها أن المريد منّا لفعل ما إذا لم يحصل له ما أراد فإن ذلك يؤذن بعَجزه وضعفه فهلاّ قالوا: إن الباري سبحانه إذا أراد من الكافر الإيمان فلم يؤمن أذِنَ ذلك بضعفه وعجزه كما قالوا: إن مريدَ السفه منّا سفيه فلو أراده الباري لكان سفيها -تعالى الله عن ذلك. وهذا يوضح لك فساد ما بنوا عليه. وهذا الحديث إن تعلق به بعضهم في تصحيح المذهب الذي حكيناه عنهم. وقال: قد أخبر ﷺ ها هنا في الصحيح أن الله تعالى يقول للكافر: أردت منك أن لا تشركَ وأبيت إلا الشركَ. قلنا: هذا خبر واحد والمسألة مسألة أصل ومع هذا فإنه قد يصح أن يراد به ما أُخذ من العهد على الخليقة وهم في صلب آدَمَ. ولهذا قال: أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلبِ آدمَ. ١٢٥٦ - قوله ﷺ : "إن الله لا يَظلم مؤمِنًا حَسَنَةً يُعطَى بها في الدّنيَا ويجزَى بها في الآخِرَة، وَأمَّا الكَافِر فَيُطْعَم بحسناتِ مَا عَمِلَ بها لله في الدّنيَا حَتَّى إذا أفضَي إلى الآخِرَة لم تكن لَه حَسَنَة يجزَى بها" (ص ٢١٦٢). قال الشيخ -وفّقه الله-: قد تقدَّم الكلام على ما يقع من الكافر في حالةِ كفره من حسنات وَبينَّا أنَّ مذهَب المحَقِّقِين أنه غَير عَارِفٍ بالله سبحانه وأنّ بَعض النَاسِ ذَهَبَ إلى أنه يخفف عنه من العذاب لأجل ما قَدَّم من حسنات.

стр. 1394

وقوله: "هَا هنَا فَإذَا أفضَى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" يشير إلى أنه لا منفعة له في الآخِرة أصلاً بما عمل من ذَلِكَ. ومحمل قوله بحسناتِ ما عَمِل لله بها عِند من قال: إنه لَا يعرف الله أصلاً على معنى أنه يعتقد أنه يعمل لله وإن كان اعتقاده ليس بعلم ولا معرفةٍ بالله سبحانه. ١٢٥٧ - قوله ﷺ : "سَدِّدوا وَقَارِبوا (وأبشرِوا) (١٠) فَإنّه لن يُدخِلَ الجنة أحَدًا عملُه. قَالوا: وَلَا أنتَ يا رسولَ الله؟ قَالَ: وَلَا أنَا إلاّ أن يَتَغَمَّدَني الله منه بِرَحمةٍ واعلَموا أن أحَب العَمل إلىَ الله أدوَمه وإن قَلَّ" (ص ٢١٧١). قال الشيخ -أيده الله-: مذهبنا أنّ إثابة الله سبحانه لمن أطاعه ولم يعصِهِ (١١) تَفَضّل وَلَا تَثبت (١٢) إلاّ بالسمع وكذلك انتقامه ممن عصاه ولم يطِعه عَدل وَلَا يثبت منه شيء إلَاّ بالسَّمع والباري سبحانه عندنا لَه (١٣) أن يعَذِّب النَّبِيئِين وَيُنعِّم الكافرين ولكنه أخبرنا أنه خلافَ ذلك يَفعَل. والمعتزلة تثبت بعقولها أعوَاضَ الأعمال، ولها في ذلك خُبَاط طويل وتفصيل كثير. وظاهر هذا الحديث يشير إلى مَذهب أهل الحق أنه لا يستحق أحد بطاعته الثَّوَاب. وأما قوله: "إلاّ أن يتغمدني الله بِرَحْمةٍ منه".

стр. 1395

أي يلبِسُنِيهَا وَيَسترني بها وذلك مأخوذ من غمد السيف لأنّكَ إذَا أغمَدتَه فقد ألبسته الغِمد وغَشّيتَه بِه، يقال غَمدتَ السَّيف وأغمدته بمعنى واحد. ١٢٥٨ - وقول عائشة ﵂: "حَتَّى تَفَطَّرَتْ رِجلَاه" (ص ٢١٧١). أي تشقّقتا ومنه أخذ فطر الصائم وإفطاره شقّه صومَه بالفطر، والله فاطر السماوات والأرض لأنهما كانَتا رَتْقا ففتقهما. ١٢٥٩ - (قوله "كان يَتَخَوَّلنَا بالمَوعِظَةِ" (ص ٢١٧٢). أي يتعهدنا) (١٤).

стр. 1396

كتاب الجنة والنار (١) ١٢٦٠ - قوله: "لَيسَ في الجَنَّةِ عَزَب" (ص ٢١٧٨). العَزَب البعيد عن النساء والعَازِب البعيد المرعَى. ١٢٦١ - قوله ﷺ "فَأَما النَّار فَلَا تمتَلىءُ حَتّى يَضَع الله تَعالى رِجْلَهُ تَقول قَطِ قَطِ، وَفي بعض طُرُقِهِ حق يَضَع رَب العِزَّة جَلَّ وَعَزَّ فِيهَا قَدَمهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلى بَعضٍ" (ص ٢١٨٦ - ٢١٨٨). قال الشيخ -أيدّه الله-: هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة (للتشبيه ولما نقله الأثبات واشتهر عند الرواة تكلُّف العلماء

стр. 1397

قديما وحديثا الكلام عليه والنظر في تأويله) (٢) فمنهم من حمل القَدَم على السابق المتقدم. ويقال: للمتقدم (٣) قَدَم فيكون تقدير الكلام حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب وهذا كقوله تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤) معناه التقدم والسبق لا قدم الرِّجل فَإذا وقع مثل ذلك في القرآن حملنا ما وقع في السنّة عليه، وإلى هذا التأويل مال النَّضر ابن شمَيل. وقد أشار ابن الأعرابي إلى أن القدم يعبر به عن هذا المعنى ولكن في الشرف والجلالة ويحتمل أن يكون المراد ها هنا بالحديث قدمَ بعض خلقه وتكون الإضافة ها هنا إلى الله سبحانه إضافة فِعلٍ لَا إضَافَة جَارِحَةٍ. وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله سبحانه يخلق في الآخرة خلقا يسمّى بهذه التسمية فلا تمتلىء النار إلا به. ويحتمل وجها آخر على رواية من رواه (٥) حتى يضع الجبّار أن يريد به الشيطان لأنه أصل الجَبّارين أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة فيكون المعنى لا تمتلىء حتى يضع إبليس فيها قدمه، أو هَذَا المشَار إلَيه. وأما مَا خَرّجه مسلم في بعض طرقه حتى يضع الله رجله فَقد أنكر هذه اللفظة بعض أهل العلم. وزعم ابن فُورَك أنها غير ثابتة عند أهل النقل ولكن لابد من تأويلها لأجل تخريج مسلم لها وهو كما وصفناه في كتابنا هذا أولا ووصفنا أحاديثه فيصح أن يكون المراد ها هنا رجل بعض خليقته. وأضاف ذلك إليه إضافة فعل لَا إضافة جارحةٍ كما قدمناه في

стр. 1398

القدم ويصح فيه تأويل آخر أيضا، وهو أن يكون المراد بالرّجل ها هنا الجماعة من الناس كما يقال: رجل من جراد، أي جماعة من جراد وقد وقع ذلك في أشعار كثيرة. وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصح حمله على ما تقوله المجَسِّمة من إفادته إثبات الجارحة لله تعالى عن قولهم وقد قام الدليل القاطع العقلي على استحالة ذلك عليه جلّ وعلا وهذا واضح فتأمله. وأما قوله: "فتقول قط قط أي حَسبُ وَقَطْنِي بمعنى حَسبي" وَمِنه قول الشَّاعر: [الرّجز] امتَلأ الَحوض وقَالَ قَطْنِي أي حسبي ١٢٦٢ - قوله: "فَسَمِعْنَا وَجْبَتَهَا" (ص ٢١٨٤). أي سَقْطتها يقال: وجب الشيء وجبا سقط ومنة قوله تعالي ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. (٦) أي أسقطت. ١٢٦٣ - قال الشيخ -أيده الله-: خَرّجَ مسلم في بَاب مَثَل المؤمن مثل النخلة:"حدثنا ابن نمير قال نا أبي نا سَيف قال سمعت مجاهدًا يقول" الحديث (ص ٢١٦٦).

стр. 1399

وفي نسخة ابن الَحذَّاء: "حدثنا سفيان قال سمعت مجاهدا" فجعل بدل سيف سفيان قال بعضهم: والصواب سيف وهو سيف (بن أبي سليمان يروي عن مجاهد. ويقال فيه أيضا: سيف) (٧) بن سليمان وسيف أبو سليمان كل محفوظ. قال البخاري: وكيع يقول: سيف أبو سليمان وابن المبارك يقول: سيف بن أبي سليمان ويحيى القطان يقول سيف بن سليمان. ١٢٦٤ - قال الشيخ -أيده الله-: خرّج مسلم في باب صفة الجنة: حدثنا حجاج بن الشاعر قال نا أبو النضر نا إبراهيم بن سعد نا أبي عن أبي سلمة عن أبي هريرة (ص ٢١٨٣). هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي العلاء وفي نسخة السجزي عن أبي أحمد مثله ووقع في نسخة الرازي والكسائي: حدثنا أبي عن الزّهري (عن أبي سلمة بزيادة رجل في السَّنَد وهو الزّهري) (٨) قال بعضهم: والصواب رواية أبي العلاء ومن تابعه وكذلك خرّجه أبو مسعود من طريق مسلم من حديث إبراهيم عن أبيه عن أبي سَلَمة قال: ولا أعلم لسعد بن إبراهيم رواية عن الزّهري. والله أعلم. وقال الدارقطني في كتاب العلل: لم يتابع أبو النضر على وصله عَن أبي هريرة والمحفوظ عن إبراهيم عن أبيه عن أبي سَلَمة مرسلا كذلك رواه يعقوب وسعد اِبْنَا إبراهيم بن سَعد قال: والمرسل الصواب.

стр. 1400

١٢٦٥ - قال الشيخ -أيده الله-: خرَّج مسلِم في أوّل باب صفة النار: حدّثنا عمر بن حَفص قال: نا أبي عَن العَلَاء (بن خالد الكاهلي عن سفيان (٩) (ص ٢١٨٤) ووقع في نسخة أبي العلاء) (١٠) بن ماهان بدل الكاهلي الباهلي وهو وَهم. وصوابه الكاهلي وكاهل من بني أسد بن خزَيمَة. ١٢٦٦ - قوله: "سألَه عَنِ الرّوح قَالَ: فَأسكَتَ (١١) النَّبِيء ﷺ فَلَم يَرُدَّ عَلَيه شَيئًا فقلت: إنه يوحَى إليه. قال: فَقمت مكاني قال: فلما نزل الوحي: قال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١٢) (ص ٢١٥٢). قال الشيخ -وفقه الله-: الكلام في الروح والنفس مما يَغمُض ويدقّ ولكنه مع هذا أكثرَ النَّاس الكلام فيه حتى ألف بعضهم فيه التواليف ولكن مشاهير المقالات في الروح قَول أبيِ الحَسَن الأشعري أنه النفَس الداخل والخارج. والقاضي أبو بكر بن الطيِّب يراه مما يتردد بين هذا الذي قاله أبو الحسنِ الأشعري وبين الحياة وبعض الناس يرى أنه جسم مشابك (١٣) للأجسَام الظاهرة والأعضاءِ الظاهرة وَمَال بعض المتكلمين من أيمتنا إلى أن الأظهر فيه أنه جسم لطيف خلقه الباري تعالى وأجرى

стр. 1401

العادة بِأن الحياة لا تكون مع فقده وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه عند إعدَام الحياة وهذا الِجسم إن كان حيًّا فلا يحيى إلَاّ بِحَيَاة تختَصّ به أيضا وهو مما يصح صرف القَبضِ إليه والبلوغ إلى مكان مّا من الجسم وكونه في مكان في العالم أو حواصل طير إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحَيّة والمسألة تحتمل الاتِّساع الكثير وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما يليق به. وأما قوله: "فاسكت النبيء ﷺ ". يقال: سَكَت سُكوتا وأسكَتَ صمت. ويقال في أسكت أطرق. ١٢٦٧ - قوله: "يُجاء بِالمَوتِ يَومَ القِيَامة كأنَّه كَبش أملَح" (ص ٢١٨٨). قال الشيخ -أيده الله-: الموت عرض من الأعراض عندنا يضادّ الحياة وقال بعض المعتزلة ليس بمعنى وهو يرجع إلى عدم الحياة وعلى المذهبين وأن كان الثاني منهما خطأ لقوله تعالى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (١٤) فاثبت الموت مخلوقا ولغير ذلك من الأدلة لا يصح أن يكون الموت كبشا ولا جِسماً من الأجسام وإنما المراد بهذا التَّشبيه والتَمثِيل وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم ثمَّ يُذبَح ويجعل هذا مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة

стр. 1402

وقوله: "فَيَشْرئبّون" (ص ٢١٨٨). قال الهروي من حديث عائشة ﵂ "واشْرأبَّ النفاق" أي ظهر وعلا وكل شيء رافع رأسه فهو مشرئِبّ ومنه فَيَشْرئِبّون لِصَوتِه. ١٢٦٨ - وقوله: "ألَا أخبركم بأهل النَّارِ؟ قالوا: بَلىَ قَالَ: كلّ عتلٍّ جَوَّاظٍ مستَكبِرٍ (ص ٢١٩٠). قال الهروي: قال أحمد بن عبيد: الَجوَّاظ الَجموع الَمنوع. قال غيره: الكثير اللَّحم المختَال في مشيته، وقد جاظ يجوظ جَوَظَانًا. ويقال: لِلقصير البطن كُلٌّ قَد قِيلَ، وأمَّا العُتُلُّ فقيل هو الجافي الشديد الخصومة بالباطل. وأما الزنيم فهو الملصق بالقوم المدعي، ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١٥) وعن ابنِ عباس قول آخر في الزّنِيمِ المذكور في الآية إنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشَّاة. وَرَوَى عنه ابن جبير أنه الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزَنمَتِهَا. ١٢٦٩ - وقوله: "يَجُرُّ قُصْبَه في النَّارِ" (ص ٢١٩١). قال أبو عبيد: الأقصَاب هي الأمعاء واحدها قُصْب. ١٢٧٠ - قوله (١٦) رأيت عَمرو بن عَامر الخُزَاعي يجَر قُصبَه في النَّار وكان أوَّل من سَيّبَ السّوائِبَ (٢١٩٢).

стр. 1403

قال الشيخ -أيّده الله-: ذكر ابن المسيب في كتاب مسلم أن السَّائبة التى كانوا يسَيِّبونهَا لآلَهِتِهِم فَلَا يحمَل عليها شيء والبحيرة التي يمنع دَرّهَا لِلطُّواغِيت فلا يحلبهَاَ أحد من الناس. قال الشيخ -أيَّده الله-: والبَحيرة فيما ذكره المفسرون الناقة كانت الجاهلية إذَا نتِجَت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرًا بَحَروا أذنها أي شَقّوها وَلمَ يذبَحوها ولم يركبوها ولم تُطْرد عن ماء ولم تمنع مرعًى ولم يَركبها أحد. قال الكلبي: كانوا إذا نتجَت خمسةَ أبطن فإن كان الخامس ذكرًا أكَلَه الرِّجال دونَ النِّسَاء وإن كَانت أنثَى بَحَروا أذنها، أي شقوها لا يشرب لها لبن وَلَا تُركَب وإن كَانَت مَيِّتَةً اشترك فِيها الرّجال والنِّسَاء وسمِّيت بَحِيرةً لشقِّهم أذنها؛ بُحرت إذا شقِّقت شَقّا وَاسعًا والناقة بحيرة ومبحورة، وأما السائبة فقيل: هو ما كان أحدهم يفعله إذَا مَرِض فَيَنذِر إن شُفي أن يسيب ناقته فإذا فعل ذلك لم تمنع مِن مَاءٍ ولا كلإٍ ولا يسيبون غير الناقة كانوا إذا سَيَّبوا العبدَ لم يكن عليه ولَاء، وقيل كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة انثى ليس فيها ذَكَر سُيِّبَت ولم تركب ولم يُجزَّ وَبرها وما نُتجت بعد ذلك من أنثى شُقت أذنها وخليت مع أمها فَهيَ البحَيرة بِنت السائِبة. ١٢٧١ - قوله ﷺ : "نِسَاء كَاسِيَات عارِيَات مِميلات (١٧) مَائِلَات (رؤوسهنّ كَأسنِمَةِ البُخْت المَائِلَةِ (١٨) " (ص ٢١٩٣).

стр. 1404

قال الشيخ -أيّده الله-: فيها ثلاثة أوجه. أحدها كاسيات من نعم الله عاريات من الشكر. والثاني كاسيات يَكشِفن بعض جَسَدهن وَيَسدلن الخمر من ورائهن فتنكشف صدورهن فهن كاسيات بمنزلة العاريات إذ كنَّ لا يَستر لِبَاسهن جميعَ أجسادهن والثالث: يَلبسن ثيابا رقاقا تصف ما تحتها فهنّ كَاسِيَات في ظاهر الأمر عاريات في الحقيقة. وقوله: "مِميلات مائلات" فمائلات أي زَائغات على استعمال طاعة الله وما يلزمهن مِن حِفظ الفُروج ومُميلات يعلِّمن غَيرهن الدخول في مثل فعلهن، وقيل: "مائلات" متبخترات في مشيهن. "مِميلَات" يملن أكتَافَهن وأعطَافهن وقيل: يمتشطن بمشطة الميلاء وهي مشطة البغايا. وجاءت كراهتها في الحديث."والمميلات" اللواتي يمشطن غيرهن المشطة المَيلَاءَ ويجوز أن يكون "المائلات المميلات" بمعنى واحد كما قالوا: حادّ محدّ (١٩). وقوله "رؤوسهن كأسنمة الإبل البُختِ" معناه أنهن يعَظِّمن رؤسهن بالخمُر والعَماَئم حتى تشبه أسنمة البخت، ويجوز، أنهن يَطمَحنَ إلى الرِّجَال لا يَغضضنَ مِن أبصارهن ولا يَنكِّسِن رؤسَهنَّ.

стр. 1405

١٢٧٢ - قوله: "يحشر النَّاس يَومَ القِيَامَةِ حفَاةً عرَاةً غُرْلاً" (ص ٢١٩٤). الغُرل جمع أغرل وهو الأقلَف والغُرْلة القُلفة. ١٢٧٣ - قوله ﷺ في خطبته: "إن رَبيِّ جَلَّ وعز أمَرَنيِ أن أعَلّمَكم مَا جَهِلتم بِما عَلَّمَنِي يَومِي هذا كلّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبدا حَلال وإنيّ خَلَقت عِبَادِي حنَفَاءَ كلَّهم وَإنهم أتتهم الشَّيَاطِين فاختالتهم (٢٠) عَن دِينِهم" الحديث. وفيه وأنَّ الله نَظَر إلى أهلِ الأرض فَمَقَتَهم عَرَبهَم وَعَجَمَهم إلَاّ بَقَايَا مِن أهلِ الكِتَابِ وفيه وأنزَلتُ عَلَيك كِتَابًا لَا يَغسِله المَاء تَقرؤه نَائمِا وَيَقظَانًا" (٢١) الحديث (ص ٢١٩٧). قال الشّيخ -أيده الله-: أما قوله: "كل مال نحلته عبدا حَلال" فالمراد به ما لا حقَّ فيه لأحدٍ ولا سَبَب يحرمه؛ والقَصد أنّ مَا خَلَقه الباري سبحانه في الأرض وَغيِرها مما يَنتَفِع النَّاس به فإنه حلال وَلمَ يُرِد أنّه لا يرزق الحرام كما قالتِ المعتزلة وَلا يغتر بظاهر هذا أن كل ما نحله حَلال. وَهذا يَدل على أنه لا يَنحل الَحرَام لأن المّصد بالحديث ما قلناه. وقد قامَ الدّليل عَلى أنَّ الله سبحانه يرزق الحَلالَ والحرام لأن الرزق عندنا هو ما ينتفع به وكُلّ مَنفعةٍ قَائِمَةٍ (٢٢) فَالله خَالِقها.
следующие страницы →