الأول انتهى منه في السابع من شعبان والجزء الثاني وقع إنهاؤه في السادس عشر من رمضان.
عدد صفحات: يشتمل هذا الجزء على (١٩٨) صفحة.
فهرست الجزء الثاني:
جاء في آخره فهرست الكتب التي به وهي:
من كتاب التفليس، كتاب الفرائض، كتاب السرقة، كتاب الجهاد، كتاب الصيد، كتاب الأشربة، كتاب الأطعمة، كتاب اللباس والزينة، كتاب الاستقالة من العين، كتاب قتل الحيات، كتاب الرؤيا، كتاب المناقب، كتاب البر والصلة، كتاب القدر، كتاب العلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، كتاب صفة يوم القيامة، كتاب الزهد.
لم يرد في هذا الجزء في الأصل بخط الناسخ من الكتب إلا ما جاء أولاً من كتاب التفليس إلى كتاب الأطعمة. وأما بقية الكتب فإنها لم يكتبها الناسخ في الأصل، بل جاء بها من وضع الفهرس المتقدم المرسوم أول الكتاب.
وهذا الجزء أسلم من الأول من حيث القطع والترهل بسبب السوس.
انتقال هذه النسخة إلى المدينة المنورة:
إن الشيخ محمد العزيز بن محمد الوزير لما انتقل مع صهره أبي زوجته الطيب بوخريص إلى سكنى المدينة نقل مما نقل معه خزانة كتبه؛ وفيها نفائس، ومنها ما يختص بالمازري كتابه المعلم وكتابه الثاني شرح التلقين للقاضي عبد الوهاب ومنه أجزاء، ويمكن مقابلتها على ما في دار الكتب الوطنية.
وكانت خزانته في بيته وأوقفها على من عيّنه من عائلته بالمدينة المنورة
стр. 247
حتى لا تتسرب إلى خارجها. وبقيت هذه المكتبة في بيته بالمدينة المنورة وحين وفاته وضعت في صناديق وغيرها إلى أن سعى إلى نقلها إلى مكتبة الحرم الشيخ الخياري كما أخبرني حسب ظني لدى الحكومة السعودية إلى نقلها إلى مكتبة الحرم المدني، ومن هذه المكتبة نقلت إلى المكتبة العامة للمدينة المنورة.
والشيخ الخياري هو أحمد بن ياسين الخياري المدني ولد سنة (١٣٢١) وتوفي سنة (١٣٨٠) تولى إدارة مكتبة الحرم، وعين مديراً عاماً لمكتبات المدينة. وله مصنفات عديدة منها: التحفة الشماء في تاريخ العين الزرقاء، أمراء المدينة وحكامها، الأوائل في تاريخ المدينة.
وقد صدرت ترجمته في المنهل سنة وفاته. وله في الاعلام ترجمة (ج ١ ص ٢٦٦).
والذي أعرفه من كتب هذه المكتبة كما أخبرني الوالد المرحوم وقَفْتُ عليه مما يدل على أنها لم يفقد منها شيء إلا الذي لم أسمع به.
من خصائص هذه النسخة:
ومن خصائصها أن ناسخها يجعل النقط في وسط الحركة كما في قوله يمين فإنه يجعل نقطة النون في وسط التنوين، وأما السكون فإنه يجعله تحت النقطة.
وكذلك يضع الشدة من أسفل إذا كان الحرف المشدد مكسوراً.
ويذهب في الأعلام المشهورة الممدودة فيها الفتحة إلى حذف ألف المد حتى من عثمان وسليمان، وكذلك بعض الكلمات: ثلاث وثلاثين، وهو ما عليه علماء الرسم القياسي كما نص عليه ابن الحاجب في خاتمة
стр. 248
الشافية: "ونقصوا الألف ... ومن الثلث والثلثين ... والألف ومن إبراهيم وإسمعيل وإسحق وبعضهم الألف من عثمان وسليمان ومعاوية" (١).
ولم نجاره في ذلك خوف اللبس حسبما اشتهر الآن من إثباتها في الأعلام وغيرها إلا ما لا يخفى مثل الرحمن وغيره مما هو جار في كتابات المتأخرين.
وقد جرى على المتعارف حيث أثبت الألف في هاهنا إذ أن القياس فيها الإِثبات لقلة الاستعمال وقد جاريناه في ذلك.
ومن خصائصها: أن ناسخها يجعل حاء (ح) تحت الحاء المهملة لئلا تلتبس بالمعجمة وهي الجيم أو الخاء.
وكذلك يكتب: قوله، في أوائل المشروحات بحروف أغلظ من بقية حروف النسخ.
وقد وقعت له بعض مخالفات في الرسم مثل كتابة ما يكتب بالألف بالياء مثل العصى، وما يكتب بالياء يكتبه بالألف مثل مِنَا مع أن حقها أن تكتب هكذا مني، وهي البقعة المعروفة قرب مكة.
وهذا مما وقع تصحيحه ولم نشر إليه كلما وقع اكتفاء بما ذكرناه هنا.
ومن ذلك أنه يشكل بعض الكلمات المشكلة حتى لا يتسرب الخطأ للقارىء. ويكتفي في شكل الحرف بما يشكل من الكلمة مثل الفعل المبني للنائب فإنه يكتفي بشكلة واحدة يعلم بها أن الفعل ليس مبنياً للفاعل مثل احتج حيث ضبطت التاء بالضم.
стр. 249
مقابلة هذه النسخة:
وقد قوبل الجزءان الأول والثاني حسبما يبدو من التصحيحات التي أثبتت على الجزأين كما جاء في آخر كتاب الإِيمان، وقد جاء في آخر الجزء الثاني ما نصه: "بلغت المقابلة جهد الاستطاعة والحمد لله كثيراً".
وتصحيحات النسخة دقيقة ومفيدة وربما تخفى لولا اختلاف الحبرين المكتوب بهما فإن حبر النسخ شديد السواد داكن، بخلاف حبر المقابلة والتصحيح فإنه ليس كذلك.
من ذلك أننا نجد الناسخ كتب قوله: مجخبا، وهو بالياء كتبه بالباء المفردة فجاء المقابل. وضم لنقطة الباء نقطة أخرى فصار مجخيا بالياء، ولا يظهر هذا التصحيح إلا بعد تدقيق النظر ومثل هذا موجود في مواضع متعددة.
وكثيراً ما يشكل المُشكلات وحتى غيرها، والغالب في شكله صحيح إلَاّ أنه قد يقع له سهو فيقع في الغلط.
ومن تحريه إذا أتى بعض الحديث ولم يتم المراد منه فإن المؤلف يكتب: الحديثَ. فيأتي المقابل ويشكل هذه اللفظة بالنصب بوضع فتحة على الثاء أي أتمم الحديث.
الاعتماد على هذه النسخة:
لم نحصل على هذه النسخة إلا ثانيا لِمَا صرفناه من جُهد في طلب تصويرها حتى أنه بلغ ثلاث سنوات كنت في كل سنة أذهب إلى العمرة الرمضانية وأقضي وقتاً لا بأس به في طلب تصويرها حتى تمكنت من ذلك في تلك الظروف التي لم تكن فيها آلات التصوير متوفرة ولكن والحمد لله ثم الشكر لكل من أعاننا من رجال المدينة المنورة مع أن الظروف المطلوبة لم تكن مساعدة.
стр. 250
وإن كنا قد حصلنا عليها ثانيا جعلناها الأولى للميزات التي امتازت بها.
منها: قرب عهدها من عصر المؤلف حيث إنها من القرن السادس الهجري الذي عاش فيه المؤلف حقبة.
ثم انها منسوخة على أصل صحيح ولا يبعد أن تكون النسخة المأخوذ عليها هي نسخة المؤلف لقرب العهد.
ومن ميزاتها مقابلتها التي أسفرت عن تصحيحات مهمة كما أسلفنا وهي نسخة منسوخة بقلم عالم كما يبدو منها وإن لم يصرح باسمه. والاشارة إليها بحرف (أ).
ولم نهمل من هذه النسخة شيئاً حتى أننا ما لم نرتض ما جاء فيها أثبتناه تعليقاً، وكذلك ما صور من هوامشها من عناوين وغيرها لم نهمله في أكثره.
٢) النسخة التونسية:
احتفظت المكتبة الأحمدية (٢) بهذه النسخة في الخزائن التي أضافها إليها المشير الثالث محمد الصادق باشا باي وأوقفها عليها بالصورة التي جاءت في صدر الكتاب، وهي ما يكتب عادة في وقف الكتب:
الحمد لله أشهد مولانا ... سيدنا المشير محمد الصادق باشا باي صاحب المملكة التونسية (٣) حاط الله تعالى وأدام في ميدان الملك جولته أنه حبس هذا الكتاب المشتمل على شرح الإِمام المازري على صحيح مسلم على كل
стр. 251
متأهل للانتفاع به من عامة العلماء وتلامذتهم وغيرهم ولو استنساخا تعميما لحصول النفع به معينا لقراره خزائنه العلمية التي عمر بها صدر الجامع الأعظم (٤) بتونس مشترطاً عدم إخراجه منه إلا لمن يُؤْتمن (٥) عليه بعد استيمار أحد شيخي الإِسلام الحنفي أو المالكي على أن لا تتجاوز مدة مغيبه حولاً، فبهذه الشروط انعقد تحبيسه، وعلى هاته الدعائم أحْكِم تأسيسه، بحيث لا يغير التحبيس عن مشروع حاله، ولا يعدل به عن يمين ما سطر إلى شماله وشُهد عليه بذلك. وهو أيده الله تعالى بالحالة اللائقة بمحله من الملك بواسطة ارتسام ختمه الأشرف أمام الحمدلة بتاريخ أوائل صفر الخير عام (١٢٩١) واحد وتسعين ومائتين وألف ومثله نصره الله كنار على علم.
وكتب هذه الوقفية محمد البشير بن الخوجه (٦).
وهذه النسخة في جزء واحد، وقد كانت من أوقاف المكتبة الأحمدية من أوقاف المشير الثالث، ثم لما نقلت مخطوطات مكتبي الزيتونة أولاً إلى مكتبة كلية الآداب، ثم نقلت ثانياً إلى دار الكتب الوطنية. وأخذت هذا الرقم وهو (١٢٠٦٢).
وعدد صفحاتها (٣٥٤) صفحة.
وهي من القالب الكبير وعدد سطور صفحاتها (٣٣).
وخطها متوسط.
стр. 252
تاريخ نسخها:
نسخت هذه النسخة أواخر القرن الثالث عشر الهجري. وهذا ما جاء في آخرها: "تم الكتاب المبارك بحمد الله وحسن عونه، وتوفيقه الجميل ظهر يوم الاثنين سابع عشر رجب الفرد الحَرَام عام (١٢٧٢)(٧). كتبه بيده الفانية عبده الفقير إليه أحمد بن عبد القادر اليعقوبي اليزناسني الحسيني لطف الله به، وتقبل منه بمنه، آمين".
ولم يذكر ناسخها مكان نسخها. ومن المحقق أن ناسخها من أهل المغرب الأقصى لأنه يزناسني ثم إنه حين استعمل التاريخ استعمله بالرقم العربي كما تقدم دون الرقم الهندي لأن البلاد التونسية تأسيا بالترك أخذت بالرقم الغباري الهندي الذي شاع في المشرق بخلاف المغرب الأقصى فإنّه حافظ على الرقم العربي.
فهذه النسخة تونسية الخزانة أما نسخها فإنه مغربي. ولعلها انتقلت بالشراء من المغرب.
قيمتها:
لا يمكن الاعتماد على هذه النسخة كما قدمنا للبياض الذي ببعض أوراقها كما أنها كثيرة التحريف.
فمثلا في صفحة (٣١) وقيل: إن الماء، مع أن الصواب: إن الهاء، لقوله: وقيل: إن الهاء في قوله: بال على ثوبه عائدة على الطفل، ولا يمكن بحال (الماء).
وفي صفحة (٣٢): إنما أمرها موضع النجاسة. وهناك سَقَطٌ وأصل الكلام
стр. 253
أن تنضح موضع النجاسة، كما في النسخ الصحيحة ليصح الكلام. وفي الصفحة نفسها جاء قوله: وسيتنزه ويستتر من البول، هكذا: يستبشر ويستتر من البول.
وفي صفحة (٣٦) ويقال: قرصت الشيء قطعته بالمقراص حرفه هكذا: قرصة الشيء قطعته بالمقراض.
وبعض التحريف فيها يقلب المعنى قلبا قد لا يتنبه له مثل ما جاء في صفحة (٣٩) ما كتبه على قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" ويحتج للشافعي وللقولة الشاذة عندنا بما وقع في أحد طرق هذا الحديث: "وترابها طهوراً فَذَكَر التراب"، وهذه الفقرة المحرفة هكذا: ويحتج للشافعي وللقولة (المشهورة عندنا) فتقيد هذه العبارة المقلوبة في هذه النسخة أن الشافعي الذي يقول بأن التيمم لا يكون إلا على التراب كذلك القولة (المشهورة) عندنا، مع أن المشهور عندنا: أن التيمم يجوز على الصعيد الطاهر فيشمل التراب والحجارة بخلاف الشافعية، لكن عندنا في المذهب المالكي قولة كالشافعية شاذة: إن التيمم لا يجوز إلا على التراب، وبهذا التحريف انقلب الأمر فصار الشاذ مشهوراً.
وتكاد لا تخلو صفحة منها من تحريف: ومن غريب التحريف في ما ورد من قوله: وقيل لذي الثدية، حيث جاء هكذا (لأبي التونة).
ثم هناك تحريف في الرسم مثل رأى يكتبها: رءا، وكذلك دعا يكتبها بالألف المقصورة: دعى، والوصاة يكتبها بالتاء المفتوحة: الوصات، والصلوات يكتبها: الصلاة، والترؤس يكتبها: الترءس، بالهمزة على السطر مع أن الهمزة مضمومة وما قبلها مفتوح فتكتب على الواو.
الاعتماد على هذه النسخة:
رغم ما بهذه النسخة من بعض العيوب اتخذناها نسخة ثانية لأنها في الظروف الأولى لم نتمكن من غيرها إذ هي الموجودة بتونس بالمكتبة الوطنية
стр. 254
مع أننا تمكنا من تصوير نسخة منها وهي جيدة الصورة ولولا ما بها من تلك العيوب لكان الاعتماد عليها مجدياً غاية الجدوى، ولكن ليتها توفرت فيها الصحة.
والاعتماد عليها في الرقن (أي الطبع بالآلة الكاتبة) بعد مقابلتها مقابلة دقيقة على النسخة المدنية وهذه لا يمكن الطبع عليها بسبب أن صور صحائفها لا تمكن قراءتها إلا لذوي الاختصاص حيث إنها لم تؤخذ بالصورة الفنية المطلوبة في تصوير المخطوطات.
وقد كنت قمت أولاً بنسخ قسم هام من النسخة المدنية وقدم للرقن لكن ذلك يتطلب تصحيح المنسوخ ثم مقابلته على النسخة المدنية ثم مقابلة المنتسخ على ثلاث نسخ أخرى ثم بعد الرقن تعاد المقابلات لما في الرقن من هفوات وكانت هذه العمليات تتطلب وقتاً طويلاً ربما يعوق عن الإِتمام. فارتأينا فيما بعد أن نصرف عناية كبرى لهذه النسخة التي خطها مغربي قريب من الخط التونسي وهي التي تقدم للرقن بعد مقابلتها على نسخ عديدة حتى غير التي اتخذت بصورة تامة. والاشارة إلى هذه النسخة بحرف (ب).
وقد وقع الغاء النص على التحريف الذي ليس وراءه فائدة وخصوصاً المتكرر من الأخطاء الرسمية.
٣) النسخة الرباطية:
تحتفظ الخزانة العامة بالرّباط من مخطوطات الأوقاف بنسخة ذات قيمة من كتاب المعلم بفوائد مسلم للإِمام المازري، وهي شبيهة بالنسخة التي تحتفظ بها مكتبة المدينة المنورة، وإن لم تبلغ مبلغها فإنها قريبة منها كما سنوضحه بعد.
وهذه النسخة في جزء واحد.
عدد صفحاتها ثلاث وثمانون وثلاثمائة (٣٨٣)، والصواب خمس
стр. 255
وثمانون (٣٨٥) لأن هناك تكراراً في الترقيم وخطها على الطريقة المغربية من نقط القاف نقطة واحدة والفاء نقطها من أسفل، كما أنه في طريقته على الطريقة المعروفة في المغرب العربي.
وقد التزم ناسخها كتابة رؤوس الفقر بالحرف الغليظ، فحين ينقل عبارة مسلم يكتبها بحرف غليظ، وكذلك الكتب يبرزها مثل كتاب الإِيمان، وكتاب الصلاة.
وكذلك الشعر مثل قول الشاعر: [البسيط]
حَنَّت قلوصي إلى بابوسها جزعا ... وما حنينك أم ما أنت والذكر
فإنه يكتبه بما يكتب به الشعر حتى يتميز عن النثر.
وكذلك بعض عناوينها يبرزها مثل "ذكر النهي عن الاستنجاء باليمين"، وذكر "حديث ولوغ الكلب"، وقوله (في باب المستحاضة) وهو مما ليس من الكتب بل من الأبواب.
وبه فهرس الكتب التي به وهي: كتاب الإِيمان، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الحج، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، وليس في الفهرس، كتاب الرضاع، وليس في الفهرس، كتاب الطلاق، كتاب العتق، كتاب البيوع، كتاب المساقاة، كتاب التفليس، كتاب الصرف، كتاب الشفعة، وليس في الفهرس، كتاب الفرائض، كتاب الوصايا والصدقة والنِّحَل والعمرى، كتاب النذور والأيمان، كتاب صحبة مِلْك اليمين، كتاب القسامة، كتاب السرقة، وفي الفهرس كتاب الحدود، كتاب القضاء والشهادات، كتاب الجهاد، كتاب الإِمارة والجماعة، كتاب الصيد، كتاب الضحايا، كتاب الأشربة، كتاب الأطعمة، كتاب اللباس والزينة، كتاب الأدب، كتاب الطب، كتاب الطاعون، كتاب قتل الحيات وغيرها، كتاب الطيَرة الكهانة، كتاب
стр. 256
الشعر والإِنشاد، كتاب الرؤيا، كتاب المناقب، كتاب البر والصلة، كتاب القدر، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، كتاب ذكر المنافقين، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، كتاب الفتن وأشراط الساعة، كتاب الزهد والرقائق، كتاب التفسير.
هذه جملة الأبواب المعنونة في هذه النسخة، وهي كل الأبواب التى بالنسخ القديمة، وهي من امتيازاتها على النسخة المدنية.
قيمة هذه النسخة:
تثنى هذه النسخة النسخةَ الصحيحة النسخة الأولى، وبها تصحيحات مما يدل على أنها مقابلة ومقروءة مع أن خطها واضح متوسط الجودة.
كما أن ناسخها حين تنتهي الفقرة يضع علامة على الانتهاء وهي دائرة غير تامة بها نقطة تقوم مقام وضع النقطة في آخر الكلام.
ورسمها في أغلبيته موافق لقواعد الرسم، وما فيه من الحَذْف للألف من الأعلام هو مما التزمه أصل الرسم في حرف الألف من الأعلام المشهورة مثل الحارث.
تاريخها:
ترجع هذه النسخة إلى أوائل القرن السابع الهجرى فهي قريبة العهد من النسخة المدنية.
جاء في آخرها: "كمل جميع كتاب المعلم في فوائد مسلم، والحمد لله حق حمده وصلى الله على محمد نبيه وعبده وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً، وكان الفراغ من نسخه في يوم الأحد أول يوم من شعبان عام تسعة وعشرين وستمائة".
ويشار إلى هذه النسخة بحرف (ج).
стр. 257
٤) النسخة المصرية:
تحتفظ المكتبة الأزهرية بالقاهرة بهذه النسخة بقسم الحديث تحت رقم (٩٩٠) ١٠٦٢٧
وقد جاء تسجيل اسم الكتاب صحيحا حيث جاء "المعلم بفوائد مسلم" وهي من مصورات المخطوطات بمكتبة الجامعة العربية بالقاهرة.
وجاء في الصفحة الأولى: وقف الديري. ثم كتاب المعلم من شرح أحاديث كتاب مسلم بن الحجاج. وعليها كتابات مختلفة منها: تصفح هذا الكتاب الشريف الفقير أحمد بن علي القصري الإِمام بجامع الصالح.
وهي دون النسخة المدنية والرباطية إذ خطها متداخل. وفي الكثير غير منقوط مع ما في الصفحة الأولى من محو، وكذلك غيرها وفي البعض الآخر منها بكثرة بالغة.
وفي بعض كلماتها شكل مثل القُطَيْعَا، ومثل يَقْتَفِرون العلم.
خطها:
مختلف، ففي الصفحة الأولى مغربي. وفي الصفحة الثانية ترى الاصطلاح المشرقي والمغربي مثلا: (يقتفون) القاف منقوطة بنقطة فقط وكذلك الفاء من أسفل بينما في الصفحة نفسها (يتقفّرون العلم) نقط الناسخ عينه القاف نقطتين والفاء نقطة من أعلى وكذلك في آخر الصفحة الرابعة.
وإذا أخذنا مادة القول نراه في لفظة "قال" يأتي بهذه اللفظة على المصطلح المشرقي بنقط القاف نقطتين بينما "قوله" في الصفحة الرابعة يأتي بهذه اللفظة على مقتضى الاصطلاح المغربي فينقط القاف نقطة واحدة.
وكذلك لو أخذنا قول الشاعر في الصفحة (٦):
"سعى عفالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيفَ لوفد سعى عمرو عفالين"
стр. 258
لوجدنا هذا البيت قد أتى على الاصطلاح المغربي كما أثبتنا في قوله "عقالا" وفي قوله "عقالين" و"فلم" و"لوقد".
وفي الصفحة الثانية عشرة يأتي في صدرها "قوله" على الاصطلاح المشرقي بنقط القاف نقطتين، ثه يستمر على الاصطلاح المغربي. كأنّ ناسخها أخذها عن النسخة التي بالمدينة لاتفاقهما في بعض الأشياء. من ذلك أنه جاء في شرح أحاديث الطهارة كتاب الطهارة، كما جاء فيها عنوان "ذكر النهي عن الاستنجاء باليمين"، وغير ذلك مما بدا في المقابلة.
ثم اختلف خطها من كتاب الحجّ وتحسن عن الصفحات الأولى. ثم اختلف الخط وتداخل من بعدُ مما يدل على اختلاف الناسخين.
تاريخها:
لم يذكر تاريخ نسخها لأن الصفحة الأخيرة والتي قبلها بخط مختلف وهو خط مشرقي.
وجاء في الآخر: "تمَّ الكتاب بحمد الله وعونه وتأييده والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وحسبنا الله ونعم الوكيل".
وثبت على آخر النسخة أن تاريخ النسخ حوالي القرن الثامن تعريفاً لها من مكتبة الأزهر. ويقرب أن يكون النسخ في ذلك القرن لتشابه خطها مع خطوط ذلك القرن.
ثم الغالب على الظن أن ناسخها مغربي عاش بالشرق لتداخل الاصطلاحين المشرقي والمغربي في خطها.
قيمتها:
رغم ما فيها من أخلال في خطها يمكن الرجوع إليها لأنها لم تكن كالنسخة الموجودة بدار الكتب الوطنية التي اشتملت على الكثير من العيوب.
стр. 259
الاعتماد عليها:
وقد اعتمدنا عليها نسخة رابعة. وأشير إليها في المقابلة بحرف (د).
стр. 260
منهج التحقيق
١) اعتمدت في التحقيق نسخة المدينه المنورة وهي التي أصلها من تونس كما تقدم، وجعلتها هي الأم. كما اعتمدت بعدها النسخ الثلاث ولم أترك الإِشارة إلى مخالفة النسخ إلا مثل "قال الشيخ أيده الله" فإن الدعاء للشيخ محذوف في كثير من المواضع في بعض النسخ وكذلك ما هو تحريف، خاصة في النسخة الأحمدية، وكذلك لم أهمل شيئاً مما جاء في النسخة الأم إلا بعض تحريفات في الرسم لم أشر إليها كل مرة اكتفاء بما قدمته.
فالعمل الأول: هو تحقيق النص وقد وقع القيام به على أكمل وجه إن شاء الله تعالى.
وقد اكتفيت في التعليقات في أسفل الصحيفة باختلاف النسخ دون إضافة شيء آخر خوف التشويش على القارىء.
٢) إبراز المشروح من الأحاديث وجعله تحت أرقام مسلسلة على الجانب الأيمن حتي يتميز المشروح من الشرح في كلام الإِمام.
٣) إثبات أرقام الصحيفة والجزء من نسخة مسلم بحيث أذا أراد الناظر
стр. 261
الرجوع إلى متن مسلم ينظر في آخر المشروحات فيجد الرقم المشير إلى تعيين موضع الحديث من نسخة المتن.
وقد أشرت إلى أرقام النسخة التي طبعها المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي في خمسة أجزاء سنة (١٣٧٤) حيث إنها أصح النسخ مع سهولة المراجعة فيها.
٤) شكل الأحاديث المشروحة كلها بالشكل الكامل صونا لها من التحريف.
٥) شكل ما يشكل من الكلمات اللّغوية، وكذلك الأبيات الشعرية.
٦) ترقيم الآيات القرآنية مع الشكل.
٧) شكل الأحاديث النبوية المستدل بها في الشرح.
٨) جعل ذيل للأعلام وتراجمهم، وكذلك الكتب الواردة في النص.
٩) تخريج الأحاديث الواردة فيه في ذيل الكتاب.
١٠) نسبة الأبيات إلى قائليها، والإِشارة إلى بحورها في الذيل كذلك.
١١) فهارس للأعلام والكتب والمسائل.
وقد قسمت الكتاب إلى ثلالة أجزاء: الجزء الأول من أول الكتاب إلى آخر كتاب الجنائز، الجزء الثاني من الزكاة إلى آخر اللقطة، الجزء الثالث إلى الختم.
стр. 262
نسخه مخطوطة المدينة المنورة الجزء الأول (صفحة الغلاف) صوره
نسخة مخطوطة المدينة المنورة بداية الجزء الثاني صوره
стр. 263
المُعْلم بفوائد مسلم
стр. 264
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً
الحمد لله منَزِّل الأحكام. مفصِّل (١) الحلال والحرام. ومتعبَّد (٢) كافة الأنام، بشرائع الإسْلام، على لسان نَبِيّه (٣) محمد عليه أفضلُ الصلاة وأطيب السلام، وعلى أهله البررة الكرام، وصحابته القدوة الأعلام (٤).
هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإِمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي (٥) المازري ﵁ حين القراءة عليه لكتاب مُسْلِم بن الحجاج ﵀ في شهر رمضان المكرم (٦) من (٧) سنة
стр. 265
تسع وتسعين وأربعمائة (٨) منقولاً ذلك (٩) بعضه بحكاية لفظ الفقيه (١٠) الإِمام أيده الله وأكثره (١١) بمعناه.
قال الفقيه وفقه الله: كتاب مسلم هذا من أصح كتب الحديث. قال مؤلفه: انتقيته من نحو ثلثمائة ألف حديث. وقال بعض (١٢) الناس: ما تحت أديم السماء أصحّ منه. يريد في كتب الحديث. وكان مُسْلم من جملة أصحاب البخاري لما ورد (١٣) نيسابور، ولما امتحن البخاري فيها (١٤) بالمسألة المشهورة نفر عنه (١٥) أصحابه إلا مسلماً فإنه لزمه وتوفي (١٦) في العشر الأواخر من رجب من سنة مائتين وإحدى وستين.
١ - (*) قال مسلم في مقدمة (١٧) كتابه: لو عزم لي (١٨) وقضي لي (١٩) بتمامه.
قال الفقيه -أيده الله-: لا يظن بمسلم أنه أراد (٢٠) لو عزم الله لي
стр. 266
عليه، لأن إرادة الله سبحانه (٢١) لا تسمى عزماً. ولعله أراد سهّل (٢٢) لي سبيل العزم أو خلق (٢٣) فىّ قدرة عليه.
٢ - ذكر مسلم قوماً مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة، وذكر قوما (٢٤) لا يبلغون إلى رتبهم (٢٥) في ذلك وإن لم يخرجوا عن كونهم عدولاً مثل عطاء بن السائب ويزيد بن زياد وليث (٢٦) بن أبي مسلم (ص ٥) (*).
قال الفقيه الإِمام -أيده الله-: إن قيل: كيف استجاز هاهنا أن يقول: فلان أعدل من فلان (٢٧) مع أنه ﷺ قال في الطبيبين: "لَوْلَا غَيْبَتُهُمَا لأعْلَمْتُكُمَا (٢٨) أيُّهَا أطَبُّ" قيل دعت (٢٩) الضرورة هاهنا لذكر هذا لأنه موضع تعليم والحاجة ماسة إليه لأن العلماء إذا تعارضت (٣٠) الأخبار عندهم قدموا خبر من كان أعدل وعولوا عليه وأفتوا (٣١) الناس به، ولم تدع ضرورة إلى ذكر (٣٢) الأطب من ذينك الطبيبين كما دعت مسلما
стр. 267
هنا. لاسيما وقد يجوز استرشاد الطبيب الموثوق (٣٣) بعلمه المرجو النفع بمداواته وإن كان هناك أوسع منه علماً بالطب ولا يجوز الأخذ برواية (٣٤) الناقص في (٣٥) العدالة وأن يقدم على رواية الأعدل منه. وقد أجيز التجريح (٣٦) للشهود للضرورة إليه (٣٧) ولم يمنع لكونه غيبة. وقال ﷺ فيمن استشير في نكاحه: "إنه صعلوك" (٣٨) وقال (٣٩) في الآخر: "إنه لا يضع عصاه عن عاتقه" ولم ير ذلك غيبة لما كان مستشارا في النكاح ودعت (٤٠) الضرورة إليه. وقد اعتذر صاحب الكتاب عن نفسه في ذلك بأن القصد بيان منازلهم (٤١) اتباعاً (٤٢) لقول النبيء ﷺ : "أنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" (٤٣). والذي قلناه أبسط.
٣ - قال مسلم: فَإِنْ (٤٤) عُثر فِيهِ (ص ٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: معناه: فإن اطلع، من قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (٤٥). يقال: عثرتُ (٤٦) منه على خيانة، أي
стр. 268
اطلعت. وأعثرت غيري أطلعته، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٤٧) أي أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان.
٤ - قوله: ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (ص ١٠).
قال الشيخ -أيده الله-: الكذب عند الأشعرية الإِخبار عن الأمر على ما ليس هو به. هذا حد الكذب عندهم ولا يشترطون في كونه كذباً (٤٨) العمد والقصد إليه، خلافاً للمعتزلة في اشتراطهم ذلك. ودليل هذا الخطاب يردُّ عليهم لأنه يدل على (٤٩) أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب، وأما قوله ﵇: "فَلْيتَبَوَّأ" فإن الهروي قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ (٥٠) تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ (٥١) أي اتخذوها منازل، وقوله تعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (٥٢) أي نتخذ منها منازل. ومنه الحديث: "فليتبوّأ مقعده من النار" أي لينزل منزله منها.
٥ - قوله: ﷺ : "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (ص ١٠).
قال الشيخ -أيده الله-: رواه شُعبة عن خُبَيْب بن عبد الرحمن عن حَفْص بن عاصم: أن رسول الله ﷺ ... فأتى به مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة. هكذا روي من حديث مُعاذ بن مُعاذ وغُندر وعبد الرحمن بن مهدي
стр. 269
عن شُعْبة وفي نسخة أبي العباس الرازي (٥٣) وحده في هذا الإِسناد عن شعبة عن خُبيب عن حفص عن أبي هريرة مسنداً ولا يثبت هذا (٥٤).
وقد أسنده مسلم بعد ذلك من طريق علي بن حفص المدائني عن شعبة، قال علي بن عمر الدارقطني (٥٥): والصواب أنه (٥٦) مرسل عن شُعبة كما رواه مُعاذ وغُندر وابن مَهْدي.
٦ - قال الشيخ -وفقه الله-: وخرّج مسلم بعد هذا (٥٧): حدثنا (٥٨) سَلَمَةُ بن شَبِيب قال حدثني الحُمَيْدي قال نا (٥٩) سفيان قال سمعت جَابِرًا يُحَدِّثُ بنحو من ثلاثين (٦٠) حديثا ما أستحلّ أن أذكر منها شيئاً (ص ٢١).
قال بعضهم: سقط ذكر سلمة بن شبيب بين مسلم والحميدي في نسخة أبي العلاء ابن ماهان. والصواب ما رواه أبو أحمد وغيره، كما تقدم لأن مسلما لم يلق الحميدي.
٧ - قال الشيخ -وفقه الله-: وقال مسلم: في حديث آخر:
стр. 270
وحدثني (٦١) حسن (٦٢) بن الحكم قال: سمعت يحيى (٦٣) القطان: ضعف حكيم بن جبير وعبد الأعلى، وضعف موسى بن دينار (٦٤). هكذا صواب هذا الكلام (٦٥). وفي (٦٦) أكثر النسخ: وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنَ موسَى ابْنِ دِينَارٍ (ص ٢٧).
وهذا وهم وموسى بن دينار هو المكي وضَّعفه يحيى. وقد نقل أبو جعفر العُقَيلِي في كتابه في الضعفاء كلام يحيى هذا في موسى بن دينار وعبد الأعلى وحكيم بن جُبَيْر.
٨ - قال الشيخ -وفقه الله-: قالَ مُسلم في حديث آخر: روى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سَلَمَة عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "كَانَ النّبِيء ﷺ يُقَبِّلُ وَهْوَ صَائِم" (ص ٣٢).
قال بعضهم: في نسخة الرازي روى الزهري وصالح بن كيسان. وهو وَهم. والصواب: (٦٧) صالح بن أبي حَسَّان. وهذا الحديث ذكره النّسائي وغيره من طريق ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن (٦٨) صالح بن أبي حَسَّان.
стр. 271
١ - كتاب الإِيمان
٩ - قوله: ظَهَرَ قِبلَنَا نَاسُ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ (١) العِلْمَ، وفي رواية أخرى: وَيَتَفَقَّرُونَ العِلْم يَزْعُمُونَ (٢) أنْ لَا قَدَرَ وَأنَّ الأمْرَ أُنُفُ" (ص ٣٧).
قال الشيخ -أيده الله-: يقال: تقفرت الشيء إذا قفوته.
قال أبو عُبَيد: يقال: قفوته، إذا اتبعت أثره واقتفرت الأثر تبعته. قال ابن السكيت: يقال: قفر أثره واقتفر أثره.
وقوله: "إن الأمر أُنف". قال الهروى: أي يستأنف استئنافاً من غير أن سبق به سابقُ (٣) قضاء (٤) وتقدير وإنما (٥) هو مقصور على اختيارك
стр. 272
ودخولك فيه، وأنف الشيء أوله، وأنف السيل (٦): أوله وابتداؤه (٧).
قال امْرُؤُ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أنْفهِ ... لَاحِقُ الصُّقْلَيْن مَحْبُوكٌ مُمَرٌّ (٨)
وفي الحديث: "لكلّ شيء أُنفةٌ وأُنْفةُ الصلاة التكبيرة الأولى"، قوله أُنْفَةُ الشيء: ابتداؤه. هكذا الرواية (٩) والصحيح: أَنفة (١٠). وفي حديث أبي مسلم الخولاني "وضَعَهَا في أُنُفٍ من الكلإِ" يقول تَتَبَّع بها المواضع التيِ لم تُرع قبل الوقت الذي دخلت فيه، وفي الحديث: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا" أي مستأنفاً (١١).
وقال تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (١٢)، أي ماذا قال الساعة، مأخوذ من استأنفت الشيء إذا ابتدأته. وروضة أنف: لم تُرْعَ، وكأس أنف: ابتدىء الشرب بها (١٣) ولم يشرب بها قبل ذلك.
وأما قوله: "لَا قدر" فلا يقول به المعتزلة على الإِطلاق وإنما يقولون
стр. 273
إن الشر والمعاصي تكون (١٤) بغير قدر الله تعالى، لكن من لم يتشرع من الفلاسفة ينكر (١٥) القدر جملة. وأما ما ذكر من تبري ابن عمر منهم (١٦) وقوله: لا يقبل من أحدهم ما أنفق، فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة أو على جهة التكفير للقدرية على أحد القولين في تكفيرهم عندنا إن كان أراد بهذا الكلامِ تكفير من ذكر.
١٠ - قوله في الحديث: "تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا" (ص ٣٨).
أي مولاتَها، قيل معناه: أن يكثر استيلاد السراري حتى تكون الأم كأنها أمَةً لابنتها لَمَّا كانت مِلْكا لأبيها. وقيل: يحمل على أنه يكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان حتى يملك المشتري أمه وهو لا يعلم لكثرة تداول الأملاك لها. وفي بعض طرق الحديث: "تَلِدَ الأمةُ بَعْلَهَا" (١٧) وهو من هذا المعنى لأنه إذا كثر بيعهن قد يقع الإِنسان في تزويج أمه وهو لا يعلم.
١١ - "وَتَرَى العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ" (ص ٣٨).
قال الهروي: العالة الفقراء، وفي حديث آخر: "خَيْر مِنْ أنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً" أي فقراء. والعائل الفقير، والعَيْلة الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (١٨).
يقال: عال الرجل عَيْلة إذا افتقر، وقال (١٩) غيره: وأعال الرجل، إذا كثر عياله.
стр. 274
١٢ - قوله ﷺ للسائل (٢٠): "تعْبَدَ الله لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْثًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَة وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ" (ص ٣٩).
قال الشيخ -أيده الله-: أما التقييد في الصلاة بأنها (٢١) مكتوبة فبيّن وجهه، لأن منها نوافل ليست بمكتوبة. وأما التقييد في الزكاة فيحتمل أن يكون تحرزاً من زكاة الفطر لأنها ليست بفرض مكتوب على أحد القولين وتحرزاً من الزكاة المقدمة قبل الحول فإنها تجزىء عند بعض أهل العلم وليست بمفروضة حينئذ ولكنها تسمى زكاة.
١٣ - قوله: ﷺ لِمَن سَأله عَن الفُرُوض فَأجَابَهُ فَقَالَ السَائِلُ: لَا أزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أنقُصُ مِنْهُ (٢٢) فقال ﷺ : "أفْلَحَ إنْ صَدَقَ" (ص ٤٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: أما فلاحه بأن لا ينقص فبيّن، وأما بأن لا يزيد فكيف يصح هذا، وكيف يقرّه عليه، والتمادي على ترك سائر السنن حينئذ (٢٣) مذموم يوجب الأدب عند بعض أهل العلم. فلعله قال هذا ولم تُسَنَّ السنن حينئذ، أو يكون فهم عنه أنه لا يغير الفروض التي ذكر بزيادة ولا نقصان وأن ذلك مراده بهذا القول.
١٤ - ذُكِرَ أن ابن عُمر ﵁ رَدَّ الرَّاوِى عَنْه لما قال: "وَحجِّ البَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ إلَى أنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ رمضَانَ" وقال: هكذا سَمِعْتُهُ من رسول الله (٢٤) ﷺ (ص ٤٥).
стр. 275
قال الشيخ -أيده الله -: يحتمل أن تكون مشاحَّة ابن عمر في هذا لأنه كان لا يرى نقل الحديث. بالمعنى وإنْ أدَّاه بلفظ ينوب مناب ما سمع وهو مذهب بعض أهل الأصول، وإن أبدل لفظًا لا يحتمل بلفظ لا يحتمل (٢٥) أن يكون يرى الواو توجب الترتيب كما قال بعضهم فيجب التحفظ على الرتبة المسموعة من النبيء ﷺ لأنه قد يتعلق بذلك أحكام فقد يستدل على تقدمة إطعام الفطر في رمضان على الهَدايا الواجبة في الحج إذا (٢٦) أوصى بهما وضاق الثلث عنهما بهذه التقدمة الواقعة في الحديث لإِشعارها بأن ما قدم آكد، والمراد (٢٧) في الوصايا تقدمة الآكد.
١٥ - قوله: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الدُّبَّاء والحَنْتَم والنَّقِيرِ وَالمُقَيَّرِ" (ص ٤٦).
الدّباء (٢٨) ممدود قال الهروي: الدباء القرعة كانت (٢٩) ينتبذ فيها وَتُضَرَّى (٣٠). قال أبو عبيد: والحنتم: جرار خضر كانت تحمل فيها إلى المدينة الخمر. وذكر ابن حبيب أن (٣١) الحنتم الجر (٣٢) وكل ما كان من فخار أبيض أو أخضر (٣٣).
стр. 276
قال بعض أهل العلم: ليس كما قال ابن حبيب وإنما الحنتم ما طُلي من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره وهو يعجل الشدة في الشراب وأما الفخار (٣٤) الذي لم يطل فليس كذلك وحكمه حكم الجر.
قال أبو عبيد: النقير أصله النخلة ينقر جوفها ثم يشدخ فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يَهْدِر (٣٥) ثم يموت.
١٦ - وفي كتاب مسلم: "أنَّ النَّقِيَر جذْع يُنْقَرُ فِيهِ فَيَقْذِفُونَ فِيهِ منَ القُطَيْعَاءِ" (ص ٤٩).
قال ابن ولَاّد: القُطَيْعَاء (٣٦) بالمد نوع من التمر يقال له: الشِّهْرِيز (٣٧). قال غيره: والمقير ما طُلِي بالقار وهو الزفت.
قال الشيخ -وفقه الله-: أما الحنتم فروى ابن حبيب عن مالِك أنه رخص (٣٨) في الحنتم.
وروى القاضي أبو محمد المنع (٣٩) منه على التحريم.
وأما المنقور فروي عن مالِك الكراهية والرخصة فيه. وأما الدباء والمزفّت فكره مالك نبيذهما. قال ابن حبيب: والتحليل أحب إليّ.
стр. 277
١٧ - قوله: ﷺ : "فَاشْرَبُوا فِي أسْقِيَةِ الأدَمِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أفْوَاهِهَا" (ص ٤٩).
الأدم: جمع أديم، وهو الجلد الذي قد تم دباغه وتناهى. قال السيرافي: لَا يُجْمَع (٤٠) فَعِيل على فَعَل إلا أديم وأدَم، وأفيق وأفَق، وَقَضِيم وقَضَم. القَضِيم الصحيفة. والأفِيق الجلد الذي لم يتم دباغه.
١٨ - قوله: "وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ" (ص ٤٣) (٤١).
قال الشيخ -وفقه الله-: ينبغي أن يتأمل هذا مع قول النحاة: إن لفظة (ذا) إنما تضاف إلى الأجناس، فلعل الإِضافة هاهنا مقدر انفصالها والإِضافة بمعنى تقدير الانفصال موجودة.
١٩ - قوله في الحديث: "سَلُونِي" (ص ٤٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: خرجه (٤٢) مسلم عن زُهير بن حرب عن جرير عن عمارة عن أبي زُرْعة (٤٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ الحديثَ. ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو زُرعة اسمه عبيد الله. وأبو زُرعة روى عنه الحسن بن عُبيد الله، وأبو زرعة كوفي من أشجع.
قال بعضهم: وقع هذا الكلام لمسلم في رواية ابن مَاهَان خاصة وليس في رواية الجُلودي ولا الكسائي منه شيء. قال: وبين أهل العلم خلاف في هذه الجملة. أما قوله: أبو زُرعة اسمه عبيد الله، فقد قاله في كتاب
стр. 278
(الطبقات. وقال البخاري في) (٤٤) تاريخه ومسلها (في كتاب الكنى له: أبو زرعة هذا اسمه هَرِم وخالفهما يحيى بن معين) (٤٥) فقال أبو زرعة بن عمرو واسمه عمرو بن عمرو. وكذا ذكره النسائي في الأسماء والكنى من تأليفه.
وأما قوله: أبو زرعة روى عنه الحسن، فقد قاله البخاري أيضاً، وقد خولف في ذلك فقيل: الذي يروي عنه الحسن رجل آخر يروي عن ثابت ابن قيس اسمه هرِم. قاله (٤٦) ابن المَدِيني. وإليه ذهب ابن الجَارود في كتاب الكنى. ثم ذكر ابن الجَارُود ترجمة أخرى فقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، روى عن عمارة بن القَعْقَاع والحارث العُكْلِي وأبو حيان التيمي. وكذا ذكر النسائي ترجمتين كما فعله ابن الجارود سواء.
وأما قوله في رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفي من أشجع، فقال بعضهم: لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع وأبو زُرعة الذي في هذا الإِسناد هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البُجَلِي وأين تجتمع أشجع وبُجَيْلة إلَاّ أن يريد رجلاً آخر.
٢٠ - قوله في وفد عبد القيس: "آمُرُكُمْ بِأرْبَعٍ" وقع في بعض طرقه: "أتدْرُونَ مَا الإِيمَان؟ شَهَادَةُ أنْ لَا إلَهَ إلَاّ الله". وَذَكر بَعْد ذلك الصلاةَ والزَّكَاةَ، وفي بعض طرقه: "آمُرُكُمْ بأرْبَعٍ: الإِيمَان بالله" ثم فَسَّرها لهم فقال: "شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلاّ الله" وقال بعد هذا (٤٧) "وإقَامِ الصَّلَاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ" (ص ٤٨).
стр. 279
قال الشيخ -وفقه الله-: ظن بعض الفقهاء أن في هذا دِلَالة (٤٨) على أن الصلاة والزكاة من الإِيمان خلافاً للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن (٤٩) ذلك ليس من الإِيمان. وهذا الذي ظنه غير صحيح لاحتمال أن يكون الضَّمِير في قوله: ثم فسّرها لهم، عائداً على الأربع لا على الإِيمان كما ظن هذا الظانُّ ويحتمل في الحديث الثاني أن يكون قوله "وإقام الصلاة" معطوفاً أيضاً على "الأربع".
٢١ - قال الشيخ: "قَوْلُ حَنْظَلَةَ: "سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بن خَالِدٍ يحدث طَاوُسًا أن رَجُلا قَالَ لِعَبْدِ الله بن عمر: ألَا تَغْزُو" الحديثَ (ص ٤٥).
هكذا أتى مجرداً في رواية الجُلودي. وفي نسخة ابن الحذاء عن أبي العلاء: عكرمة يحدث عن طاوس أن رجلاً. وهذا وهم والصحيح الأول.
٢٢ - قوله ﷺ لوفد عبد القيس: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أوْ بالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى" (ص ٤٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: معنى خزايا: أذِلّاء ومهانين. ومنه قوله تعالى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (٥٠) يقال: خَزِيَ الرجل يَخْزَى خِزْيا إذا هلك وهان. وَخَزِيَ خَزَايَةً إذا استحى. و"خَزَايَا" جمع خَزْيَان مثل حَيَارَى جمع حَيْرَان. وقوله "ولا ندامى" مراده به جمع الواحد الذي هو نادم ولكنه جاء هاهنا على غير القياس اتباعاً لخَزايا، قال ابن قُتيبة وغيره: قال الفراء وغيره: العرب إذا ضمت حرفاً إلى حرف فربما أجروه على بِنيته ولو أفرد لتركوه على جهته الأولى (٥١) من ذلك قولهم: إني لأتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة غدايا لما ضمت إلى العشايا وانشد:
стр. 280
[البسيط]
هَتَّاكُ أخْبِيَةٍ وَلَاّجُ أبْويَةٍ ... يَخْلِطُ بالجَد مِنْه البِرَّ واللِّينَا
فجمع الباب أبوية إذ كان متبعاً لأخبية ولو أفرده لم يجز، قال الفراء: وأرى قوله (٥٢) في الحديث "ارْجعْنَ مَأزُورَاتٍ غَيْرَ مَأجُورَاتٍ" من هذا. ولو أفرد لقال (٥٢): مَوْزُورَات، قالَ غيره: وإنما يجمع على ندامى الندمان الذي هو النديم (٥٣). وقال القَزَّاز في جامعه (٥٤) يقال لنادم (٥٥) ندمان، فعلى هذا يكون الجمع جارياً على الأصل لا على جهة الإِتباع.
٢٣ - قوله عن ابن جريج: "أخبرني أبو قَزَعَة: أن أبا نَضْرَةَ أخْبَرَهُ وَحَسنًا أخْبَرَهُمَا أنَّ أبَا سَعِيد الخُدْري أخبره أنَّ وَفْدَ عَبْد القَيْسِ" الحديثَ (ص ٥٠).
قال الشيخ: في هذا الضمير من قوله: "أخبرهما" إشكال على (٥٦) من يرجع، فقال بعضهم: أبو نضرة هو المخبر لأبي قَزعة وللحسن (٥٧) معه، وإنما اغتر هذا بظاهر سياقة مسلم، والصواب في الإِسناد عن ابن جُريج: أخبرني أبو قَزعَة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه (٥٨) أن أبا سعيد أخبره وإنما قال: أخبره ولم يقل: أخبرهما، لأنه رد الضمير إلى أبي نَضرة وحده
стр. 281
وأسقط (٥٩) الحسن لموضع الإِرسال. والحسن هاهنا هو الحسن البصري ولم يسمع من أبي سعيد، وبهذا اللفظ (٦٠) خرجه ابن السَّكَن في مُصنّفه: عن ابن جُريج أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة العبدي وحسنا أخبراه أن أبا سعيد أخبره. وأظنه من إصلاح ابن السكن، كذلك خرجه أبو مسعود الدمشقي عن مسلم بن الحجاج عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي قزعة عن أبي نضرة وحده عن الخدري. ولم يذكر الحسن لأنه لم يلق الخدري ولا سمع منه. وفي مسند البزَّار (٦١) الكبير: عن ابن جريج أخبرني أبو قزعة نا أبو نضرة وحسن عن الخدري أن وفد عبد القيس .. الحديث. قال البزَّار: هو الحسن البصري.
٢٤ - قوله في حديث الانْتِبَاذ فِي الأسْقِيَةِ: "إنّهم اعْتَذَرُوا بِكَثْرَةِ الجِرْذَان في أرْضِهِمْ وَأنّهَا تَأكُلُهَا فَلَمْ يُعْذِرْهُم بذلِكَ" (ص ٤٩).
قال الشيخ: يحتمل أن يكون إنما راجعوه لأنهم اعتقدوا أنه إنّما (٦٢) يبني كثيراً من شرعه على المصالح وأن من المصلحة الرخصة عند الضرورات فلم يعذرهم ﷺ لأنه اعتقد أنه ليس بأمر غالب يشق التحرز منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة. وواحد الجرذان جُرَذ (بضم الجيم وفتح الراء وبالذال المعجمة) على مثل (٦٣) نُغَر وصُرَد.
٢٥ - قوله ﷺ لِمُعَاذٍ: "إنّكَ سَتَأتِي قَوْمًا أهْلَ كِتَابٍ ... " الحديث إلى قوله: "فَإذَا عَرَفُوا الله فَأخبْرهُم" (ص ٥١).
стр. 282
قال الشيخ: هذا يدل على أنهم غير عارفين بالله تعالى وهذا مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويُظهرون معرفته لِدلالة السمع عندهم على هذا وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله سبحانه من كذب رسوله وظنه ساحراً وممخرقاً (٦٤) لأنهما معلومان لا يشترط ارتباط واحد (٦٥) منهما بالآخر. ودلالة (٦٦) السمع الواردة بالمنع عند هؤلاء مع ما ورد من الظواهر المخالفة لها مستقصاة في أصول الديانات.
٢٦ - قوله: "فِي حديث يَحْيىَ بن عبد الله عَن أبي مَعْبَدٍ (٦٧) عن ابن عَباس عن مُعَاذ. وقال (٦٨): بَعَثَنِي رسولُ الله" الحديث (ص ٥٠).
قال الشيخ: قال بعضهم: وقع عند ابن ماهان عن أبي معبد الجُهَني، وذِكر الجهني هاهنا وَهْم. وإنما هو أبو معبد مولى لابن عباس واسمه نافذ.
٢٧ - قوله في "حديث أبي بكر مَعَ عُمَر ﵄ في الرِّدِّةِ: والله لأقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ" (ص ٥١).
قال الشيخ وفقه الله: فيه دليل على القول بالقياس وكذلك في قوله: "أرَأيْتَ لَوْ لَمْ يُصَلُّوا"؟ (٦٩)، فكأنه (٧٠) إذا سلم له القتل على الصلاة قاس الزكاة عليها لَمَّا وردا في القرآن مورداً واحداً.
стр. 283
٢٨ - "وَأما قَوْله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً" (ص ٥١).
فقيل المراد به صدقةَ عام، يقال: أخذ منه عِقال هذا العَام، إذا أخذ صدقته. قال (٧١) الكسائي قال الشاعر: [البسيط]
سَعَى عِقَالا فلم يترك لنا سَبَدا (٧٢) ... فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرُو عِقَالَيْن
قال أبو عبيد: والعقال أيضاً اسم لما يعقل به البعير. قال: "وقد بعث محمَّد ﷺ محمدَ بنَ مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقرانهما": وكان أيضاً عمر (٧٣) ﵁ يأخذ مع كل فريضة عقالا وَرِوَاء (٧٤). قال الشيخ: فيحتمل أن يكون هذا هو المراد بالحديث.
وقاله (٧٥) على جهة المبالغة في التقليل.
٢٩ - قوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَاّ الله دَخَلَ الجَنَّة" (ص ٥٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس فيمن عصى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإِيمان، وقالت الخوارج: تضره المعصية ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت
стр. 284
الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به. قلنا: محمله على أنه غفر له وأخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، فيكون المعنى في قوله "دخل الجنة" أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب. وهذا لا بد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة. فلا بد من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع.
وفي قوله "في هذا الحديث وهو يعلم" إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مُظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه. وقد قيد في حديث آخر بقوله "غير شَاكٍّ فيهما" (٧٦). وهذا أيضاً يؤكد ما قلناه.
٣٠ - قوله: "لَوْ أذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا" (ص ٥٦).
النواضح من الإِبل: العاملة في السقي. قال أبو عبيد: الناضح: البعير الذي يستقي (٧٧) الماء، والأنثى ناضحة، قال غيره: ومنه الحديث "وَمَا سُقِيَ مِنَ الزَّرْعِ نَضْحًا فَفِيه نِصْفُ العُشُرِ".
٣١ - قوله ﷺ في حديث معاذ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَاد عَلَى الله؟ " (ص ٥٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد حقاً شرعياً لا واجباً بالعقل كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى، ووعده الصدق (٧٨) صار حقاً من هذه الجهة.
стр. 285
والوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج المقابلة للفظ (٧٩) الأول، لأنه قال في أوله: "ما حق الله على العباد؟ ". ولا شك أن لله على عباده (٨٠) حقاً فاتبع اللفظ الثاني الأول كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٨١) وقال تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٨٢).
٣٢ - وأما قوله في الحديث: "وَأخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأثُّمًا" (ص ٦١).
قال الهروي في تفسير غير هذا الحديث: تأثم الرجل، إذا فعل فعلاً يخرج به من الاثم. وكذلك تحنث، ألقى الحنث عن نفسه، وتحرج ألقى الحرج عن نفسه. قال الشيخ: والأظهر عندي أنه لم يرد في هذا الحديث هذا المعنى (٨٣) لأن في سياقه ما يدل على خلافه.
٣٣ - قوله ﷺ في حديث ابن الدُّخْشُم (٨٤): "ألَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّهُ (٨٥) لَا إلَهَ إلَاّ الله وأنِّي رَسُولُ الله؟ فَقَالُوا: إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هو فِي قَلْبِهِ.
فَقَال ﷺ (٨٦) لَا يَشْهَدُ أحَدٌ أنْ لَا إلَهَ إلَاّ الله وَأنِّي رَسُولُ الله فَيَدْخُلَ النَّار"، الحديث (ص ٦١).