القسمة، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٢٥٢)(٢٥٣) أي ذوات القسط وهو العدل. قال غيره: وأما قسط بغير ألف فمعناه جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾: (٢٥٤) يقال: قسط يقسط قسطاً وقسوطاً إذا جار. والإِقساط والقسط العدل. والقسوط (٢٥٥) والقسط الجَوْرُ.
٨٢ - قوله ﷺ في ذِكْرِ نُزُولِ عِيسَى: "وَلَتُتْرَكُنَّ القِلَاصُ لَا يَسْعَى عَلَيْهَا وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاء" (٢٥٦) (ص ١٣٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: القِلاص جمع قلوص، والقلوص من الإِبل بمنزلة الفتاة من النساء والحدث من الرجال. وقوله: وَلَتَذْهَبَنَّ (٢٥٧) الشحناء، في العداوة والضغن.
٨٣ - قال الشيخ -وفقه الله-: قال مسلم: "حدثنا ابن أبي عمر نا سُفْيان عن الزُّهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قَسَم رَسوُل الله ﷺ قَسْمًا" الحديث (ص ١٣٢).
قال بعضهم: قال أبو مسعود: هذا الحديث إنما يرويه ابن عُيَينة عن معمر عن الزهري، قاله الحميدي. وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن الصباح الجرجرائي (٢٥٨) كلهما عن سفيان عن معمر عن الزهري بإسناده
стр. 317
سواء. وهذا هو المحفوظ عن سفيان. وكذا قال علي بن عمر في كتاب الاستدراكات في هذا الإِسناد.
٨٤ - قوله ﷺ : "مَا مِنَ الأنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيءٍ إلَاّ قَدْ أُعْطِيَ من الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وَإنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا" الحديث (ص ١٣٤).
قال الشيخ: -وفقه الله-: أشار ﷺ بقوله "وحيا" إلى معنى بسطه العلماء فقالوا: فإن معجزته ﵇ يبعد أن يتخيل فيها أنها ضرب من السحر، وإنما هو كلام معجز ولا يقدر السحرة أن يأتوا لذلك بما يتخيل تشبيهاً به (٢٥٩) كما فعل في عصا موسى وغيرها، لأنهم أتو بعصيّ وحبال يتخيل أنها تسعى فيحتاج التمييز بينهما وبين ما أتى به موسى ﵇ إلى نظر، والنظر عرضة الزلل فيخطىء الناظر فيعتقد أن ذلك سواء.
٨٥ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرج مسلم الحديث الذي فيه: "يَبْعَث الله ريحاً من اليمن" عن أحمد بن عبْدة الضبي (٢٦٠) حدثنا عبد العزيز وأبو علقمة قالا نا صفوان عن عبد الله بن سلمان عن أبيه عن أبي هريرة، قال سمعت: النبيء ﷺ ... " الحديث (ص ١٠٩).
هكذا في هذا الإِسناد: عبد الله بن سلمان. قال البخاري في باب عبد الله: "عبد الله بن سلمان أخو عُبيد الله" (٢٦١) الأغر المدني مولى جهينة، ثم قال في باب عبيد الله: عبيد الله بن سلمان الأغر المدني مولى جُهَنية، روى
стр. 318
عنه مالك وابن عجلان وسليمان بن بلال. قا بعضهم: عبد الله، وعبيد الله أصح.
٨٦ - قوله "كَانَ ﵇ حِينَ يَخْلُوا بغَارِ حِرَاء يَتَحَنَّثُ فيه" الحديث (ص ١٣٩).
قال الشيخ: حراء جبل بينه وبين مكة قدر ثلاث أميال عن يسارك إذا سرت إلى منى. ويجوز فيه التذكير والتأنيث وتذكيره أكثر. وقوله: يتحنث، أي يتعبد. قال مسلم. وقد تقدم أن: يتحنث معناه يفعل فعلاً يخرج به من الحنث. والحنث الإِثم.
٨٧ - وقوله في الحديث: "تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ" (ص ١٣٩).
أي ترعد بوادره وتضطرب. والبوادر من الإِنسان وغير اللحمة التب بين المنكب والعنق، قاله أبو عبيد في الغريب المصنف.
٨٨ - وقوله: "زَمّلُونِي" (ص ١٣٩).
أي دثروني بالثياب.
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله "كان يتحنث بحراء" أي يتعبد. واختلف الناس هل كان متعبداً قبل نبوته بشريعة أم لا؟ فقال بعضهم: إنه كان غير (٢٦٢) متعبد أصلاً، ثم اختلف هؤلاء: هل ينتفي ذلك عقلاً أو نقلاً؟ فقال بعض المبتدعة ينتفى عقلاً لأن في ذلك تنفيراً عنه وغضاً من قدره إذا تنبأ عن أهل تلك الشريعة التي كان من جملتهم، ومن كان تابعاً فيبعد منه أن يكون متبوعاً. وهذا خطأ والعقل لا يحيل هذا. وقال آخرون
стр. 319
من حذاق أهل السنة: إنما (٢٦٣) ينتفى ذلك من جهة أنه لو كان لَنُقل ولتداولته الألسن وذكر في سيرته، فإن هذا مما جرت العادة به بأنه لا ينكتم. وقال غير هاتين الطائفتين: بل هو متعبد، ثم اختلفوا أيضاً: هل كان متعبداً بشريعة إبراهيم أو غيره من الرسل. فقيل في ذلك أقوال، ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢٦٤) ﵇ في توحيد الله تعالى وصفاته.
٨٩ - قوله: "وَتَحْمِلُ الكَلَّ" (ص ١٣٩).
قال ابن النحاس: الكَلُّ الثقيل من كل شيء في المؤُونة والجسم. والكَلُّ أيضاً (٢٦٥) اليتيم.
٩٠ - وقوله: "وَتَكْسِبُ المَعْدُوم" (ص ١٣٩).
قال ابن النحاس: يقال كسبت الرجل مالاً وأكسبته مالاً. وأنشد: [الطويل]
فَأكْسَبَنِي مَالاً ... وَأكْسَبْتُهُ حَمْدًا
٩١ - قوله: "هَذَا النَّامُوسُ" (ص ١٣٩).
قال أبو عبيد في مصنفه: الناموس جبريل (٢٦٦). وقال المطرز: قال ابن الأعرابي: لم يأت في الكلام فاعول لام الفعل سين إلا الناموس والجاسوس والجاروس والفاعوس والبابوس والداموس والقاموس والقابوس والعاطوس
стр. 320
والفانوس والجاموس. فالناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، والجاروس الكثير الأكل. والفاعوس (٢٦٧) الحية، والبابوس الصبي الرضيع.
قال غيره: وجاء في شعر ابن أحمد يذكر ولد الناقة: [البسيط]
حَنَّتْ قَلُوصِي إلَى بَابُوسِهَا جَزَعًا ... وَمَا حَنِينُكَ أمْ مَّا أنْتَ وَالذَّكَرُ
قال الهروي: لم يعرف في شعر غيره، والحرف غير مهموز. قال: ومنه حديث كعب "أنَّ عَابِد بَنِي إسْرَائِيلَ مَسَحَ عَلَى رَأسِ الصَّبِيِّ فَقَالَ: يَا بَابُوس"، والداموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والعاطوس: دابة يتشاءم بها (٢٦٨)، والفانوس: النمام، والجاموس: ضرب من البقر. قال ابن دريد في الجمهرة: جاموس أعجمي، وقد تكلمت به العرب قال الراجز:
وَالأقْهَبَيْنِ الفِيلَ وَالجَامُوسَا
قال: والجاسوس كلمة عربية فاعول من تجسس، قال غيره: والحاسوس بالحاء غير معجمة من تحسس وهو بمعنى الجاسوس.
قال الشيخ وفي كتاب مسلم: إن هؤلاء الكلمات بلغن قاعوس البحر، وقد قال ابن دريد في الجمهرة: والكابوس هو الذي يقع على الإِنسان في نومه (٢٦٩). والناموس موضع للصائد وناموس الرجل صاحب سره.
стр. 321
٩٢ - قال الشيخ -وفقه الله-: "قَوْلُ وَرَقَةَ (٢٧٠) يَا لَيْتَني فِيهَا جَذَعًا" (ص ١٣٩).
فقوله "فيها" يعني النبوة. وقوله "جذعاً" يعني شاباً فيها، يعني حين تظهر النبوة حتى أبالغ في نصرته (٢٧١). والأصل في الجذع سن الدواب وهو هاهنا استعارة، والظاهر أن يكون انتصب جذع على الحال.
والتقدير: يا ليتني في حين نبوته في حال الشباب، ويصح أن يكون "جذعاً" منصوباً على أنه خبر كان المحذوفه. والتقدير: يا ليتني أكون فيها جذعاً. وهذا على طريقة الكوفيين. ومثل ما يضمر (٢٧٢) فيه كان عندهم قول الله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٢٧٣) تقديره عند الكسائي: يكون الانتهاء خيراً لكم. ومذهب البصريين أن "خيراً" إنما نتصب هاهنا بإضمار فعل دل عليه قوله ﴿انتهوا﴾ والتقدير عندهم (٢٧٤): انتهوا وافعلوا خيراً. وحكى عن أبي عبيد كقول الكسائي فيه، وقال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف تقديره: انتهوا انتهاء خيراً لكم.
٩٣ - وقوله: "نَصْرًا مُؤَزَّرًا" (ص ١٣٩).
يعني بالغاً.
٩٤ - قال النبيء ﷺ : "فَجُثِثْتُ (٢٧٥) مِنْهُ فَرَقًا" (ص ١٤٣).
يروى فحثثت بالحاء غير معجمة. ومعناه: أسرعت خوفاً منه، ويروى
стр. 322
فَجُثثت، ويروى فجئثت. قال الهروي يقال (٢٧٦): جئف الرجل وجئث (٢٧٧) وجثّ أي فُزِع.
٩٥ - قوله ﷺ : "مَا أنَا بِقَارىءٍ" (ص ١٣٩). قيل: (ما) هنا نافية، وقيل استفهامية كأنه (٢٧٨) قال ﷺ : "أي شيء أقرأ؟ " وقد ضعَّفُوا الاستفهام بإدخال الباء ولو كان استفهاماً لكان ما أنا قارىء وإنما تدخل الباء على (ما) (٢٧٩) النافية فتكون الباء تأكيداً للنّفي.
٩٦ - قوله ﷺ في حديث الإِسْراءِ: "فُرِض عَلَيَّ فِي كُلّ يَوْم خَمْسِينَ صَلَاةً. ثُمَّ ذَكَرَ مُرَاجَعَةَ رَبَّه سُبْحَانَهُ حَتَّى رَدَّهُ إلَى خَمْسٍ" (ص ١٤٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا بيستدل به على مَنْ منع نسخ لشيء قبل فعله إذ لم يفعل من هذه الصلوات شيئاً (٢٨٠) بعد.
واختلف الناس بالإِسراء برسول الله ﷺ فقيل: إنّما كان جميع ذلك مناماً واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٢٨١)، وقيل بل جميعه كان حقيقة في اليقظة. واستدلوا بقوله : ﴿أَسْرَى (٢٨٢) بِعَبْدِهِ﴾ (٢٨٣) ولم يقل: بروح عبده، ولا
стр. 323
ينتقل من الحقيقة (٢٨٤) إلى المجاز إلا بدليل. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان مناماً لما استبعده الكفَّار وكذَّبوه فيه وافتتن به أيضاً بعض من كان أسلم من الضُّعفاء حتى ارتد، وغير بعيد أن يرى الإِنسان مثل ذلك في المنام، وقيل: أيضاً (٢٨٥) الإِسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان في اليقظة، وما بعد ذلك منام، ويصح لقائل هذا القول أن يبني فيقول قوله (٢٨٦) ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الإِسراء نهايته كما قال: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ كان بالجسد، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ (٢٨٧)، يريد ما كان في المنام بعد ذلك، احتج للقائل (٢٨٨) بهذا التفصيل بأن ذلك خرج مخرج التمدّح والإِخبار بتشريفه ﷺ ولا يقع التمدح بالأدون مع وجود الأرفع، فلو كان قد صعد إلى السماء بجسده لكان يقول: أسرى بعبده إلى السماء، فهو أبلغ في المدح من أن يقول: "إلى المسجد الأقصى".
٩٧ - وقوله ﷺ : "فَإذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِيِنِه أسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أسْوِدَةٌ" الحديث (ص ١٤٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: أسودة جمع سواد مثل قذال وأقذلة. وزمان وأزمنة وسنام وأسنمة. قال الهروي: السواد الجماعات، قال غيره: فكأنه قال: فإذا رجل عن يمينه جماعة وعن يساره جماعة، والسواد أيضاً: الشخص، يقال: لا يفارق سوادك سوادي، أي شخصك شخصي.
стр. 324
٩٨ - قوله ﷺ : "ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإذَا فِيهَا (٢٨٩) جَنَابِذُ اللُّؤلُؤِ" (ص ١٤٩).
قال الهروي: قال ابن الأعرابي: الجُنْبُذة القبة وجمعها جنابذ. قال الشيخ: وقع في البخاري: حبائل اللؤلؤ، وقد قيل: إن الصواب ما في كتاب مسلم.
٩٩ - قوله ﷺ في صِفَةِ مُوسَى ﵇: "ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ" (ص ١٥٣).
الضرب: الرجل الذي له جسم بين جسمين ليس بالضخم ولا بالضئيل. قال طرفة (٢٩٠): [الطويل]
أنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ ... خِشاش كَرَأسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ
الخشاش (بكسر الخاء وفتحها وضمها) كلها بمعنى واحد، وهو اللطيف الرأس. قاله ابن السكيت. وقال أبو عبيد: في مصنفه: الخِشاش (٢٩١) الرجل الخفيف، وأيضاً الحية. وأيضاً ما يخش به أنف البعير. وأما الخشاش بالفتح فشرار الطير.
١٠٠ - قوله ﷺ : "لَهُ جُؤَارٌ" (ص ١٥٢).
الجؤار: رفع الصوت. وهو مهموز (٢٩٢) من قوله تعالى: ﴿فَإلَيْهِ (٢٩٣)
стр. 325
تَجْأرُونَ﴾ (٢٩٤) أي ترفعون أصواتكم وتستغيثون، يقال: جأر يجأر (٢٩٥). قال عدي ابن زيد: [الرمل]
إنَّنِي وَالله فَاقْبِلْ حَلْفَتِي ... بِأبِيلٍ كُلَّمَا صَلَّى جَأرْ
١٠١ - قوله ﷺ : "عَلَى نَاقَةٍ جَعْدَةٍ خِطَامُهَا خُلْبَةٌ" (ص ١٥٢).
الخلبة (بخاء معجمة مضمومة) هو الليف. وفيه لغتان خلبة (باسكان اللام) وخلبة (بضم اللام) (٢٩٦) قاله ابن (٢٩٧) السكيت. والجعدة المجتمعة الخلق الشديدة الأسر (٢٩٨).
١٠٢ - قوله ﷺ : "شُقَّ مِن النَّحْرِ إلَى مَرَاقٌ البَطْنِ" (ص ١٥١).
قال ابن قتيبة: هو (بتشديد القاف) قال غيره (٢٩٩): مراق البطن ما سفل منه.
١٠٣: وقوله ﷺ : "يَنْطُفُ رَأسُهُ مَاءً" (ص ١٥٦).
أي يقطر، والنطف القطر. يقال: نطف ينطفُ، وينطِف (بضم الطاء وكسرها) من المستقبل. وجاء في الحديث الآخر: "يقطر رأسه ماء".
١٠٤ - قوله ﷺ : "في صِفَة الدَّجَّالِ جَعْدٌ قَطَطٌ" (ص ١٥٥).
стр. 326
أي شديد الجعودة. يقال: شعر جعد ورجل جعد، قال الهروي: الجعد في صفات الرجال يكون مدحاً ويكون ذماً، فإذا كان ذما فله معنيان:
أحدهما: القصير المتردد، والآخر: البخيل (٣٠٠): يقال: رجل جعد اليدين وجعد الأصابع أي بخيل، والجعد إذا كان مدحاً له أيضاً معنيان أحدهما: أن يكون شديد الخلق، والآخر: أن يكون شعره جعداً غير سبِط، فيكون مدحاً له لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، قال غيره: فالجعد في صفة الدجال ذم، وفي صفة موسى ﵇ مدح.
١٠٥ - قوله ﷺ في صفة الدجّال: "كأنّ عيْنَهُ عِنَبةٌ طافية" (ص ١٥٥).
قال الأخفش: طافية بغير همز أي ممتلئة قد طفت وبرزت، قال غيره: وطافئة بالهمز أي قد (٣٠١) ذهب ضوؤها وتقبضت. قال عيسى بن دينار وغيره: سمي الدجال (٣٠٢) مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين (٣٠٣)، فهو فعيل بمعنى مفعول، [وسمي عيسى ﵇ مسيحاً من أجل سياحته في الأرض وأنه لم يكن له موضع يستقر فيه من الأرض فهو فعيل بمعنى فاعل (٣٠٤). قال الهروي: قال ابن الأعرابى: المسيح الصدِّيق، وبه سمي عيسى ﵇، والمسيح الأعور. وبه سمي الدجال. [وقال الحربي: سمي عيسى (٣٠٥) مسيحاً بمسح زكرياء إياه، أو يكون اسماً خصه الله تعالى به. وقال ابن عباس: سمي بذلك لأنه كان (٣٠٦) لا يمسح ذا عاهة إلا
стр. 327
برىء (٣٠٧) قال غيره: عن قال في الدجال مسّيح على فعّيل (بكسر الميم وتشديد السين) فليس بشيء] (٣٠٨).
١٠٦ - قال الشيخ -وفقه الله-: قال مسلم: "حدثنا محمد بن المُثَنَّى عن محمد بن أبي عَدِيّ عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك، لعله قال (٣٠٩): عن مالك بن صَعْصَعَة [رجل من قومه. قال نبي الله ﷺ : "بَيْنَمَا أنَا عِنْدَ البَيْتِ" الحديث (ص ١٤٩).
قال بعضهم: هذا الحديث محفوظ عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة] (٣١٠) دون شك ولا ارتياب، قال الدارقطني: لم يروه عن أنس ابن مالك عن مالك بن صعصعة غير قتادة.
١٠٧ - قول عائشة ﵂ لِلَّذِي سَألَهَا: هَلْ رَأى النَّبيءُ ﷺ رَبَّهُ؟ "سُبْحَانَهُ لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ" الحديث (ص ١٦٠).
стр. 328
قال ابن الأعرابي: تقول العرب عند إنكار الشيء: قفّ شعري واقشعر جلدي واشمأزت نفسي.
قال الشيخ وفقه الله: وإنكارها في هذا الحديث (٣١١) وفي غيره على من سألها عن الرؤية محملهُ عند أهل العلم على أنها إنما (٣١٢) أنكرت (٣١٣) الرؤية في الدنيا لا أنها ممن تحيل جواز رؤية الباري سبحانه كما قالت المعتزلة.
١٠٨ - وقوله ﷺ حِينَ سَألَهُ أبُو ذرّ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ تعالى؟ قال: "نور أنَّى أرَاهُ" وفي نُسْخَةٍ أخرَى "نُورَانّي" (٣١٤). وفي طريق أخرى أن القائل قال له: "لو رأيتُ رسول الله ﷺ لَسَألْتُهُ. فَقَالَ: وَعَنْ أيِّ شَيْءٍ كنتَ تَسألُهُ؟ قُلْتُ (٣١٥): هل رَأى رَبَّهُ؟ قال أبو ذر: سَألْتُهُ. فَقَالَ: رَأيْتُ نُورًا" (ص ١٦١).
قال الشيخ -وفقه الله-: إن قيل ظاهر الخبرين متناقض لأن الأول فيه: أن النور يمنع رؤيته، والثاني فيه: أن النور مرئي. قلنا: يصحّ أن يكون الضمير في قوله "أراه" عائداً على الله سبحانه، وقوله "نور أنّى أراه" يعني أن النور أعشى (٣١٦) بصري ومنعني من الرؤية، كما جرت العادة بإعشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه، فيكون انتهاء رؤيته ﷺ إلى النور خاصة، وهو الذي أدرك؛ فإذا أمكن هذا التأويل لم يكن ذلك مناقضاً للخبر الآخر، بل هو مطابق له لأنه أخبر فيه أنه رأى
стр. 329
نورا، وكذلك في الأول، والرواية التي فيها: "نُورانّي" أشد إشكالا. ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلنا أي خلق النور (٣١٧) المانع لي من رؤيته فيكون من صفات الأفعال.
١٠٩ - وقوله ﷺ : "حِجَابُهُ النُّورُ"، وفي رواية أخرى: "النَّارُ (٣١٨) لَو كَشَفَهُ لأحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهه مَا انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (ص ١٦٢).
قال الشيخ: الضمير الذي في "وجهه" يعود على المخلوق لا على الخالق إذ الحجاب بمعنى الستر إنما يكون على الأجسام المحدودة والباري جلت قدرته ليس بجسم ولا محدود، والحجاب في اللغة المنع، ومنه سمي المانع من الأمير حاجباً لمنعه الناس عنه، ومنه الحاجب في الوجه لأنه يمنع الأذى عن العين، والإِنسان ممنوع من رؤية الخالق في الدنيا، فسمي منعه حجابا. ولما كان النور والنار المانعين (٣١٩) في العادة من الإِدراك، وهما من أشرف الأشياء المانعة أخبر ﵇ أنه لو كشف عن النار أو النور المانعين من الإِدراك في العادة لأحرقت وجوه المخلوقين، وإن كان الباري سبحانه لا تقابله الأنوار (٣٢٠) وتقابل المخلوقين وتمنعهم من الرؤية.
[قال الشيخ -وفقه الله-: وأما تفسير السبحات فقال الهروي (٣٢١): سبحات وجهه. نور وجهه تعالى. وفي كتاب العين: سبحة من نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا ليعلم قول أهل اللغة في هذه اللفظة لا على أتباعهم فيمن يرجع الضمير إليه، وإطلاق هذا اللفظ الذي قالوه] (٣٢٢).
стр. 330
١١٠ - وقوله ﷺ فِي أهْل الجَنَّةِ: "مَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَين أنْ يَنْظُرُوا إلَى رَبِّهِمْ إلَاّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهِهِ" (ص ١٦٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: كان ﷺ يخاطب العرب بما تفهم ويخرج لهم الأشياء إلى الحس حتى يقرب تناولهم لها، فعبر عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بذلك.
١١١ - وقوله ﷺ : "هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَهَلْ تَضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليس دُونَهَا حِجَاب؟ " وفي الحديث الآخر: "هَلْ تضامون؟ " (ص ١٦٤).
قال الشيخ: فيه رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري سبحانه، ويروى (بتشديد الراء وبتخفيفها) فالتخفيف مأخوذ من الضير، والأصل فيه تُضْيَرُون، والمعنى: لا يخالف بعضكم بعضا ولا تتنازعون، يقال: ضاره يضيره ويضوره، وأما تضارُّون (بالتشديد) فمعناه ومعنى التخفيف واحد فيكون على معنى لا تضارِرون (٣٢٣) أحدا، وتسكن الراء الأولى وتدغم في التي بعدها، ويحذف المفعول لبيان معناه. ويجوز أن يكون على معنى (٣٢٤) لا تضارَرُون (٣٢٥) بفتح الراء الأولى، أي لا تنازعون ولا تجادلون فتكونوا (٣٢٦) أحزابا يضر (٣٢٧) بعضكم بعضا في الجدل، ويقال (٣٢٨):
стр. 331
ضاررته مضارة إذا خالفته، وأما من روي: لا تضامُّون (بالميم وتشديدها) فمعناه: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر كما تفعلون بالهلال. ومن رواه (بتخفيف الميم) فمعناه لا ينالكم ضيم في رؤيته، فيراه بعض دون بعض، بل تستوون في الرؤية، وأصله تُضْيَمُون على وزن تفعلون، وألقيت فتحة الياء على الضاد فصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، والضيم الذل (٣٢٩).
١١٢ - قوله ﷺ : "يَأتِيَهُمُ الله فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَهَا فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ" (٣٣٠).
قال الشيخ: يحتمل أن تأتيهم صورة مخلوقة، فيقول: أنا ربّكم، على سبيل الاختبار والامتحان، فيقولون: "نَعُوذُ بِالله مِنْكَ فَيَأتِيَهُمُ الله فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا". الإِتيان هاهنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وقد جرت العادة في المحدثين أن من كان غائباً عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلا بإتيان أو مجيء فعبّر بالإِتيان هاهنا والمجيء عن الرؤية على سبيل المجاز.
١١٣ - وقوله: "فِي صُورَتهِ الَّتِى يَعْرِفُونَهَا" (ص ١٦٤).
أحسن ما يتأول (٣٣١) على أنها صورة اعتقاد، كما يقال: صورة اعتقادي في هذا الأمر. والاعتقاد ليس بصورة مركبة، فيكون المعنى يرون الله على ما كانوا يعتقدونه عليه من الصفات التي هو عليها.
стр. 332
١١٤ - قوله ﷺ : "فَيخرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا (٣٣٢) فَيُصَبُّ عَلَيْهمْ مَاءُ الحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّة فِي حَمِيلِ السَّيْلِ" (٣٣٣) (ص ١٦٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: "امتحشوا" معناه أحرقوا، قال الهروي: قال ابن شميل: الحبة (بكسر الحاء) اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت من قابل (٣٣٤) نبتت. قال أبو عمرو: الحِبَّة نبت ينبت في الحشيش الصغار، قال غيره: قال ابن دريد في الجمهرة: كل ما كان من بَزْر العشب فهو حبة، والجمع حبب، قال الهروي: وقوله في حميل السيل: قال أبو سعيد الضرير: حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء، فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا. وإنما أخبر ﷺ عن سرعة نباتهم.
١١٥ - وقوله في الحديث:" أي رَبّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأحْرَقَنِي ذَكَاهَا" (٣٣٥) (ص ١٦٥).
قال الهروي: كل مسموم (٣٣٦) قشيب ومقشب، وقال الليث: القِشْبُ اسم السم. وقال عمر ﵁ لبعض بنيه: قشبك المال، أي ذهب بعقلك، والقَشْبُ (٣٣٧) خلط السم بالطعام.
стр. 333
روي عن عمر ﵁ أنه وجد من معاوية ريحاً طيبة وهو محرم، فقال: من قشبنا. أراد أن ريح الطيب على هذه الحال قشب كما أن ريح النتن قشب، ويقال: ما أقشب بيتهم، أي ما أقذره (٣٣٨).
وقوله "ذكاها" أي تلهبها. قال ابن قتيبة في تفسير هذا الحديث: ذكاها أي اشتعالها. قال ابن ولّاد: الذكا تلهب النار مقصور غير ممدود.
[الكلام في الضحك والتَجلّي] (٣٣٩)
١١٦ - وقوله ﷺ : "فَلَا يَزَالُ يَدْعُو الله حَتَّى يَضْحَكَ الله مِنْهُ فَإذَا ضَحِكَ الله مِنْهُ قَالَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ" (٣٤٠) (ص ١٦٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول إذ الضحك في البشر علامة على ذلك (٣٤١). ويقال: ضحكت الأرض، إذا ظهر نباتها. وفي بعض الحديث "فَيَبْعَثُ الله سحاباً فَيَضْحَكُ أحْسَن الضَّحِكِ" فجعل انجلاءه كل البرق ضحكا على الاستعارة كأنه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضحك مجازاً.
١١٧ - وفي حديث آخر بَعْدَ هَذَا: "يَقُولُ الله تَعَالَى لِلرَّجُلِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ فَتَتَخَيَّلُ لَهُ (٣٤٢) أنَّهَا مَلأى: فَيَقُولُ الله لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ: فَيَقُولُ اتَسْخَرُ بِي أوْ تَضْحَكُ بِي وَأنْتَ المَلِكُ" (ص ١٧٣).
قال الشيخ: يتعلق بهذا الحديث سؤالان، فيقال: ما معنى قوله "تسخر
стр. 334
بي، أو تضحك بي وأنت الملك؟ " وهب أنكم تأوَّلتم الضحك على ما ذكرتم (٣٤٣) من الرضا وغيره، وهذا غير متأت هاهنا.
والسؤال الثاني: أن يقال: كيف يقال للباري سبحانه: أتسخر مني؟ وِإنما: ساغ ذلك في الشرع على وجه المقابلة، كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣٤٤)، ﴿وَيَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ (٣٤٥).
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال من عادة المستهزىء من المخلوقين والساخر أن يضحك، فوضع هاهنا "تضحك" موضع: تستهزىء وتسخر. لما كانت حالة (٣٤٦) للساخر.
وأما الجواب عن السؤال الثاني فإن هذا هاهنا لم يقع إلا على جهة المقابلة وهي إن لم تكن موجودة في اللفظ، فهي موجودة في معنى الحديث لأنه ذكر فيه أنه عاهد الله مراراً أن لا يسأل الله تعالى غير ما سأله، ثم غدر، وحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر أن قوله تعالى له (٣٤٧): ﴿ادخل الجنّة﴾ وتردده إليها وتخيله أنها ملأى ضرب من الإِطماع له والسخرية به جزاء على ما تقدم من غدره، وعقوبة له فسمي الجزاء على السخرية سخرية، فقال: أتسخر مني، أي تعاقبني بالإِطماع (٣٤٨).
стр. 335
١١٨ - قوله في الحديث: "فَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ" (ص ١٧٨).
التجلي في لسان العرب معناه: الظهور، فيكون المعنى هاهنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٣٤٩) معناه: ظهر. والضحك ذكرنا أنه يعبر به عن الرضا وإظهار الرحمة، فيكون المعنى على هذا: يظهر لهم وهو راض، ويكون ذلك مجازاً خاطب ﵇ به العرب على ما اعتادت من لغتها.
١١٩ - إخباره في حديث الشفاعة: "وَذِكْرُهُمُ الخَطَايا" (ص ١٨٠).
يحتج به من يجوّز وقوع الصغائر من الأنبياء ﵈.
١٢٠ - أخبر ﵇: "أنَّ آدَمَ ﵇ يَقُولُ: ائْتُوا نُوحًا فَهْوَ أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله سُبْحَانَهُ" (ص ١٨٠).
وقد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح ﵉، فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضاً لم يصح قول النَّسَّابِين إنه قبل نوح لما أخبر به الرسول ﷺ من قول آدم ﵇: إن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا وصح أن يحمل ذلك على أن إدريس كان نبيئا غير مرسل.
١٢١ - قوله في الحديث: "تَحْطِمُ (٣٥٠) بَعْضُهَا بَعْضًا" (ص ١٦٨).
قال الهروي: سميت النار الحُطمة، لأنها تحطم كل شيء، أي تكسره وتأتي عليه.
стр. 336
١٢٢ - قوله: "انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ" (ص ١٦٦).
معناه: انفتحت واتسعت.
١٢٣ - وقوله: "قَدْ عَادُوا حُمَمًا" (ص ١٧٠).
الحمم: الفحم، واحدتها حممة. قال طرفة: [السريع]
أشَجَاكَ الرَّبْع أم قِدَمُه ... أمْ رَمَادٌ دارِسٌ حُمَمُهْ (٣٥١)
١٢٤ - قوله:"فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ" (٣٥٢) (ص ١٧٣).
قال الهروي: ضبائر جمع ضِبارة (بكسر الضاد) مثل عمارة وعمائر، والضبائر: جماعات الناس، يقال: رأيتهم ضبائر، أي جماعة (٣٥٣) في تفرقة.
١٢٥ - قوله: "حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ" (ص ١٧٣).
أي ضواحكه. والنواجذ هاهنا هي الضواحك، وليست بالنواجذ التي هي أقصى الأضراس، لأن ضحك رسول الله ﷺ إنما كان تبسما، وقال الأصمعي: هي الأضراس.
وفي حديث آخر: "إن الملكين قاعدان على ناجذي (٣٥٤) العبد
стр. 337
يكتبان "قال أبو العباس: النواجذ الأنياب، وهو أحسن ما قيل في النواجذ لأن في الخبر أنه كان ﷺ جُلّ ضحكه التبسم (٣٥٥).
١٢٦ - وقوله: "جِسْرُ جَهَنَّمَ" (ص ١٦٩).
قال يعقوب بن السكيت: فيه لغتان فتح الجيم وكسرها.
١٢٧ - وقوله: "كَلَالِيبُ" (ص ١٦٩).
هو جمع كَلُّوب على وزن فعّول بفتح أوله مثل سَفُّود. والحسك جمع حسكة، وهي شوكة حديدة صلبة.
١٢٨ - وقوله:"فَيَنْهَسُ نَهْسَةً مِنْهَا" (٣٥٦) (ص ١٨٤).
قال الهروي: قال أبو العباس: النهس (بالسين غير معجمة) هو بأطراف الأسنان، والنهش (بالشين) هو بالأضراس.
وقوله: "نهس منها نهسة" أي أخذ منها بأطراف أسنانه (٣٥٧).
١٢٩ - وقوله: "حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الجَنَّةُ" (ص ١٨٧).
أي تقرب لهم وتدنى منهم (٣٥٨).
١٣٠ - قوله: "فَيَقُومَانِ (٣٥٩) جَنَبَتَيِ الصِّراطِ" (ص ١٨٧).
стр. 338
قال الشيخ -أيده الله-: جنبتاه ناحيتاه. يقال: جنبتا الوادي وجانباه وضفتاه وناحيتاه.
١٣١ - قوله ﷺ : "إنِّي خَبَأتُ دَعْوَتِي" (ص ١٩٠)
معناه: ادخرتها لأمتي.
١٣٢ - قوله: "يربأ أهْلَهُ" (ص ١٩٣).
الربيئة هو الطليعة والعين. وأنشد المطرز: [الوافر]
فَأرْسَلْنَا أبَا عَمْرٍو رَبِيئًا
١٣٣ - قوله: "فَانْطَلَقَ إلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ" (ص ١٩٣).
هى صخور بعضها على بعض. يقال: بني داره فرضم فيها (٣٦٠) الحجارة رضماً، ومنه الحديث "وكان البناء الأول من الكعبة رضماً".
١٣٤ - قوله ﷺ : "وَجَدْتُهُ فِي غُبَّرَاتٍ مِنَ النَّارِ" (ص ١٩٥).
الغُّبَّرَاتُ: البقايا، وفي رواية أخرى: "غَمَرَات منها" أي في شيء كثير منها.
١٣٥ - قوله: "فَأخْرَجْتُهُ إلَى ضَحْضَاحٍ" (ص ١٩٥).
الضحضاح: ما رق من الماء على وجه الأرض، ومنه وصف عمرو ابن العاصي يذكر عمر ﵄ جَانب غمْرتها، ومشى ضَحْضَاحَهَا، وما ابتلت قدماه يقول: لم يتعلق من الدنيا بشيء.
стр. 339
١٣٦ - قوله: "لَا رُقْيَةَ إلَاّ مِنْ عَيْن أوْ حُمَةٍ" (ص ١٩٩).
الحُمَة: السم.
١٣٧ - قوله: "فَأسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى قُبَّةٍ مِن أدَم" (٣٦١) (ص ٢٠١).
قال الليث والمطرز، قال ابن الكلبي: بيوت العرب ستة: قبة من أدَم، وَأُقْنَة من حجر (٣٦٢)، وخيمة من شجر، ومِظلة من شعر، وبجاد من وَبَر، وخباء من صوف.
١٣٨ - قوله ﷺ في الحديث: "يَدْخلُ الجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا
بِغَيْرِ حِسَابِ، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قال: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقونَ،
وَلَا يَتَطَيَّرونَ، وَلَا يَكْتَوُون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (ص ١٩٨).
احتج (٣٦٣) بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوي مكروه، وجل مذاهب العلماء على خلاف ذلك واحتجوا بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره ﷺ لمنافع الأدوية، والأطعمة كالحبة السوداء، والقُسط، والصّبر وغير ذلك، وبأنه ﷺ تداوى، وبأخبار عائشة ﵂ بكثرة تداويه، وبما علم من الاستشفاء برقاه، وبالحديث الذي فيه: أن بعض أصحابه (٣٦٤) أخذوا على الرقية أجرا، فإذا ثبت هذا صح أن يحمل ما في
стр. 340
الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيّين (٣٦٥) لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وحده، وهذا التأويل نحو التأويل المتقدم في حديث الاستمطار بالنجوم (٣٦٦).
جاء قبل كتاب الطهارة بلغ -والحمد لله وحده- مقابلة.
стр. 341
٢ - كتاب الطهارة
١٣٩ - قوله ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ" (ص ٢٠٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل هذا الحديث وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بقوله "شطر الإِيمان"، أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى نصف أجر الإِيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله ﷺ : "إنّ قُلْ هُوَ الله أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن"، وسنذكر ذلك بعدُ إن شاء الله.
والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإِيمان: أن الإِيمان يجُبُّ ما قبله من الآثام، وقد أخبر ﵇ أن الوضوء أيضاً تذهب عن الإِنسان به الخطايا إلا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به إلا مع مضامّة الإِيمان له فكأنه لم يحصل به رفع الإِثم إلا مع شيء ثان، ولما كان الإِيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه.
وفي هذا الحديث أيضاً حجة على من يرى أن الوضوء لا يفتقر إلى نية.
وهذه المسألة مما اختلف الناس فيها على ثلاث مقالات، فقال الأوزاعي وغيره: الوضوء والتيمّم جميعاً لا يفتقران إلى نية.
стр. 342
وقال مالك في المشهور عنه: إنهما يفتقران إلى نية: وروي عن مالك قولة شاذة: إن الوضوء يجزىء بغير نية.
وقال أبو حنيفة: أما التيمم فلا بد فيه من نية، وأما الوضوء فلا.
فأما الأوزاعي ومن وافقه فيحتج بالأوامر التي وقعت بالوضوء، ولم تذكر فيها النية. ويحتج أيضاً بأن الوضوء ليس من العبادات كالصلاة وشبهها، وإنما وجب لغيره وكان شرطاً في صحته فحلّ محل غسل النجاسة، وستر العورة، وشبه ذلك من شروط الصلاة المجزئة بغير نية.
ويحتج مالك عليه (١) بحديث "الأعمال بالنيات"، وبهذا الحديث المتقدم فإنه لو لم يكن من آكد العبادات لم يجعله شطر الإِيمان، فإذا أوجب ذلك كونَه عبادة افتقر إلى نية عند المخالف وعندنا. وعليه من الحجاج كثير (٢).
وأما تفرقة أبي حنيفة بين الوضوء والتيمم فضعيفة، لأن البدل إذا افتقر إلى نية فأحرى أن يفتقر المبدل منه (٣).
وأشبه ما وجه له به قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) والتيمم القصد والمقصود منويّ.
١٤٠ - قوله ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" (ص ٢١٢).
قال الهروي في قوله ﷺ : "وَإذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأوْتِرْ" (٥) الاستجمار
стр. 343
هو التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، وبه سميت جمار مكة، وجمرت: رميت الجمار.
قال الشيخ -وفقه الله-: اتفقت أحاديث كثيرة على تكرير غسل الوجه واليدين في الوضوء، واختلف في تكرير مسح الرأس وغسل الرجلين، والأظهر أن ذلك لتأكيد أمر الوجه واليدين ألا ترى أنهما يثبتان في التيمم، ويسقط غيرهما، ووجه القول بأن مسح الرأس لا يكرر أن المسح تخفيف، والتكرير تثقيل، ويتنافى الجمع بين التخفيف والتثقيل.
ووجه نفي التحديد عن غسل الرِّجلين أنَّهما ينالهما من الأوساخ في الغالب ما لا ينال غيرهما، وقد لا يحصل الإِنقاء في المرتين والثلاث لهما، فكان الأحوط أن يوكل الأمر إلى الإِنقاء من غير حدّ، ومرادنا بذكر الإِنفاء ما يلزم إزالته في الوضوء.
١٤١ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرج مسلم حَديثًا عَن وَكِيعٍ عن سُفيان عن أبي النضر عن أبي أنس أن عُثْمَان ﵁ تَوضَأ بالمَقَاعِدِ" الحديث (ص ٢٠٧).
قال بعضهم (٦) قيل: وَهِم وكيع في قوله: عن أبي أنس. وإنما هو عن أبي النضر عن بسْر بن سعيد عن عثمان بن عفان ﵁. هكذا قال أحمد بن حنبل. قال الدارقطني: هذا مما وهِم فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقية أصحاب الثوري الحفاظ ورووه عن الثوري عن أبي النضر عن بسْر بن سعيد عن عثمان.
١٤٢ - قال الشيخ وفقه الله: "وخرّج مسلم أيضاً في باب ما يقال بعد الوضوء، حدثنا محمد بن حاتم عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، قال وحدثني
стр. 344
أبو عثمان، عن جبير بن نُفَيْر، عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإِبل" الحديث (ص ٢٠٩).
قال بعضهم: القائل في هذا الإِسناد: وحدثني أبو عثمان، هو معاوية بن صالح. وكتب ابن الحذاء في نسخته قال ربيعة بن يزيد: حدثني أبو عثمان عن جُبَيْر، والذي أتى في النسخ المروية عن مسلم كما ذكرناه أولاً هو الصواب، والذي كتب ابن الحذاء وَهْمٌ.
١٤٣ - قال الشيخ: "وخرّج مُسْلِم أيضاً في باب المسح على الخفين حدثنا محمد بن نُمَيْر نا أبي نا زكرياء عن عامر قال: حدثني عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة" الحديث (ص ٢٣٠).
ثم عقب بعد ذلك فقال: حدثني محمد بن حاتم قال: نا إسحاق بن منصور، قال: نا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبيء ﷺ هذا. قال بعضهم: هكذا رُوي لنا عن مسلم إسناد هذا الحديث عن عمر بن أبي زائدة من جميع الطرق ليس بينه وبين الشعبي أحد.
وذكر أبو مسعود أن مسلما خرجه عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله ابن أبي السفر، عن الشعبي، وهكذا قال الجَوْزقي في كتابه الكبير قال: رواه زكرياء عن عامر الشعبي، عن عروة، ثم قال: ورواه عمر بن أبي زائدة عن بن أبي السفر عن الشعبي.
وذكر البخاري في تاريخه: أن عمر بن أبي زائدة سمع من الشعبي وأنه كان يبعث ابن أبي السفر، وزكرياء إلى الشعبى يسألانه.
وفي الباب بعد هذا: حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، نا يزيد بن زُرَيْع نا حميد، نا بكر، نا عروة بن المغيرة بن شعبة (ص ٢٣٠).
стр. 345
قال بعضهم: قال أبو مسعود: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع عن يزيد بن زريع عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس، فقالوا فيه: حمزة ابن المغيرة، بدل عروة، وأما الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى ابن بزيع لا إلى مسلم: والله أعلم.
١٤٤ - قال الشيخ وفقه الله: "ذكر ﵇ خُرُوجَ الخَطَايَا مَعَ الوُضُوءِ" (ص ٢١٥).
ومعنى هذا أن الخطايا تغفر عند ذلك لا أن الخطايا في الحقيقة شيء يحل في الماء، وإنما ذلك على وجه الاستعارة الجارية في لسان العرب.
قال الشيخ -وفقه الله-: وذكر النبيء ﷺ في حديث آخر: "أنَّ من تَوَضَّأ نَحْوَ وُضُوئِهِ (٧) ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهمَا نَفْسَهُ" الحديث (ص ٢٠٤).
فإن قيل: ما هذا الذي يغفر له بالركعتين، وقد ذكر أن الخطايا تخرج مع الماء؟ قيل: يحتمل أن يريد ما يحدث من الإِثم ما بين وضوئه وصلاة الركعتين، ويحتمل أيضاً أن يغفر له ما اكتسب بقلبه، وبغير أعضاء الوضوء.
وقوله: هاهنا "لا يحدث فيهما نفسه" يريد الحديث المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد. والله أعلم.
وقوله: "يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لأنه أضافه إليه فقال: "يحدث".
١٤٥ - قوله ﷺ : تَردُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من آثارِ الوُضُوءِ" (ص ٢١٧).
قال الشيخ -أيده الله-: قد استوفى ﷺ في قوله: "غرًّا محجّلِين"
стр. 346
جميع أعضاء الوضوء، لأن الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديه ورجليه، فاستعار للنور الذي يكون بأعضاء الوضوء يوم القيامة اسم الغرة والتحجيل على جهة التشبيه. قال الهروي: روي عن أبي عمرو بن العَلاء في تفسير غرة الجنين أنه لا يكون إلا الأبيض (٨) من الرقيق، قال: وأما الأيَّامُ الغُرّ التي روي عن رسول الله ﷺ صومها فَهْيَ البيض.
قال الشيخ -وفقه الله-: وقع في طرق بعض هذا الحديث: "فَلَا يُذَادَنَّ" على جهة النهي. ومعناه على هذا: أن لا يفعلوا ما يكون سبباً لذودهم عن حوضي، وأكثر الروايات ليذادنّ بلام التأكيد.
١٤٦ - قوله ﷺ : "بَيْنَ ظَهْرَانَيْ (٩) خيل دُهْم بُهْم" (ص ٢١٨).
قال الهروي: في قوله تعالى ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (١٠)، قال بعضهم: الدهمة عند العرب السواد. قال مجاهد: مدهامتان مسودتان، وقوله: بُهْمٍ، قال الهروي عند حديث النبيء ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عُرَاةَ حُفَاةً بُهْمًا". البهم واحدها بهيم وهو الذي لا يخالط لونه لون سواه.
زيارته ﵇ القبور (١١):
١٤٧ - قوله ﷺ لَما أتى المَقْبُرَةَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِنَ، وإنَّا إنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُون" (ص ٢١٨).
قال الشيخ ﵁: سلامه ﷺ يصح أن يكون حجةً
стр. 347
لمن يقول: إن الأرواح باقية لا تفنى بفناء الأجسام، وفي غير هذا الكتاب من الأحاديث "أنَّ الأرْوَاحَ تَزُورُ القُبُورَ".
وقوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" إن كان المراد لاحقون في الموت فهذا أمر معلوم، ويكون هاهنا الاستثناء من شيء موجب على سبيل التبري من الاستبداد، وعلى التفويض إلى الله، ومثله قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شَاءَ الله﴾ (١٢) وهو خبر صدق، وإن كان أراد بقوله: "بكمَ لاحقون" في الممات على الإِيمان فيكون الاستثناء على حقيقة إذ لا يدري الإِنسان على ماذا يوافي، إلا أنه ﷺ ، ومن أخبر عنه من أصحابه أنه من أهل الجنة معصوم من الوَفاة على الكفر، فيكون الكلام عائدا على من يجوز ذلك عليه من أصحابه، أو يكون قبل أن يوحى إليه بالعصمة لمن ثبتت له العصمة من الوفاة على الكفر.
١٤٨ - قوله ﷺ : "وَأنا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ".
قال الهروي: يقول (١٣): أنا أتقدمهم إليه، يقال: فرطت القوم، إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيّىء لهم الدلاء والرشاء (١٤). وافترط فلان ابناً له أي تقدم له ابن، وفي الحديث "أنَا وَالنَّبِيئُونَ فُرَّاطٌ لَقَاصِفِينَ" (١٥) أي متقدمون في الشفاعة.
قال ابن الأنباري: قوله: لقاصفين، يعني لقوم كثير متدافعين مزدحمين.
وقيل: "فرّاط إلى الحوض"، ويقال: فرط منه إلى (١٦) كلام قبيح،
стр. 348
أي تقدم، ومنه قوله : ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (١٧). وفي حديث أم سلمة قالت لعائشة ﵄: "إن رسول الله ﷺ نَهَى عن الفَرْط (١٨) في الدين" قال القتبي: الفرط السبق والتقدم.
١٤٩ - قوله: "كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ" (١٩) (ص ٢٢٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: الشوص أن يستاك عَرْضا، وكذلك المَوْص قال: وقد قال قائل لأعرابية: اغسلي ثوبي، قالت: نعم وأموصه، تريد أغسله ثانية برفق. قال الهروي: وفي الحديث: "كان يشوص فاه بالسواك" أي يغسله، وكل شيء غسلته فقد شصته ومصته. وقال أبو عبيد: شصت الشيء نقيته. وقال أبو بكر بن الأنباري عن ابن الأعرابي (٢٠): الشوص: الدلك والموص: الغسل.
١٥٠ - قوله ﷺ : "مِنَ الفِطْرَة الاسْتِحْدَادُ" (ص ٢٢١) وفي حديث آخر: "غَسْلُ البُرَاجِمَ" (ص ٢٢٣) (٢١).
قال الهروي: الاستحداد حلق العانة بالحديد، وقد تقدم تفسير البراجم.
стр. 349
١٥١ - قوله: "إن النبيء (٢٢) ﷺ توضأ فمَسَحَ بِنَاصِيَتِه وعلى العِمَامة" (ص ٢٣١).
يحتج به لأبي حنيفة في أن الواجب من مسح الرأس الناصية وحدها منتهى النَّزعَتَين (٢٣) ويحتج به ابن حنبل في أن المسح على العمامة جازٍ (٢٤) كما يجزي المسح على الخفين (٢٥).
ومذهب مالك خلافهما جميعاً. وبأن (٢٦) المسح على العمامة غير جاز، وأن الوجوب عن مسح الرأس ليس بمقصور على الناصية خاصة ويعارض قول كل واحد منهما بقول صاحبه، ويجعل الحديث حجة عليهما جميعاً، فنقول لأبي حنيفة: إن كان الوجوب يختص بالناصية فلِم مَسح على العمامة؟ ونقول لابن حنبل: إن كان المسح على العمامة جائزاً، فَلِم بَاشر الناصية بالمسح؟
وقد ذكر ابن حنبل أن المسح على العمامة روي عن النبيء ﷺ من خمس طرق صحيحة.
واشترط بعض القائلين بجواز المسح على العمامة أن تكون لبست على طهارة كما كالخفين. وزاد بعضهم: وأن تكون (٢٧) بالحنك ليكون في نزعها مشقة فحينئذ تشابه الخف.
وأقوى ما يحتج على ابن حنبل مقابلة أحاديثه بظاهر القرآن في قوله
стр. 350
تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ﴾ (٢٨). وهذا ظاهره المباشرة، ويبقى هاهنا النظر ما بين تقدمة ظاهر القرآن على الأحاديث أو تقدمة الأحاديث على الظاهر وليس هذا موضع استقصائه. وأحسن ما حَمَل عليه أصحابنا حديث المسح عَلَى العِمَامَة أنه ﷺ لعله كان به مرض منعه كشف رأسه فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة.
١٥٢ - قَولُ حُذَيْفَةَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ فَانْتَهَى إلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ" الحديث (ص ٢٢٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر فيه "أن النبيء ﷺ بال قائما". وقد اختلف في وجه ذلك فقيل: بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الحدث في الغالب، وقيل: إنما فعل ذلك لوجع كان به. وقيل: لعل تلك السّباطة كانت فيها نجاسات رطبة وهي رخوة يأمن إذا بال قائما أن يتطاير عليه، ويخشى إن جلس ليبول أن تنال ثيابه النجاسة ولذلك بال قائما.
وذكر فيه: "أنه قال لحذيفة: ادْنُة، قال حذيفة: فدنوت حتي قمت عند عقبيه" وفي الحديث أنه قال "لما أراد قضاء حاجته تَنَحَّ عنّي فَإِنَّ كُلَّ بَائِلَةٍ تُفِيخُ". يصح حمل الحديث الأول على أنه أمن خروج الحدث، وأراد أن يستتر بالقائم خلفه على الناس، والحديث الثاني على أن هذه الوجوه فيه مفقودة.
وذكر في حديث السباطة أنه ﷺ مسح على خفيه.
وقد اختلف قول مالك ﵀ في المسح على الخفين. فروي عنه في قولة شاذة: أنه لا يمسح عليهما في سفر ولا حضر، وروي عنه: أنه يمسح عليهما في السفر والحضر، وروي عنه أنه يمسح عليهما في السفر خاصة.
стр. 351
قال الشيخ -وفقه الله-: أما القول بأنه لا يمسح في السفر ولا في الحضر، فإن المالكية لا يعرّجون عليه ولا يكاد كثير منهم يعرفه، وأظن أن صفة ما روي فيه عن مالك أنه قال: لا أمسح، فإن كانت الرواية هكذا فقد يتأول على أنه إنما اختار ذلك في خاصة نفسه، لا أنه ينكر جواز ذلك وإن كان لفظ الرواية يقتضى إنكار جواز مسح السفر فإنه يكون وجهه التمسك بالآية وتقدمَتهَا على أحاديث المسح، وقد أشار مالك فيما روي عنه إلى ذلك فقال: إنما هي أحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع.
فأما جواز المسح فالحجة له (٢٩) الأحاديث الواردة في المسح. وقد ذكر بعض التابعين من بلوغها في الكثرة ما ربما دل على أنها ترتفع عن رتبة أخبار الآحاد وتلحق بما هو متواتر في المعنى والمفهوم، كمثل ما ذهب إليه أهل الأصول فيما نقل من الأخبار في بعض آيات الرسول ﷺ أنها متواترة على المعنى والمحصول.
وأما وجه القول بالتفرقة بين الحضر والسفر في المسح فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت في السفر، ولأن السفر محل الرخص، وقد خص (٣٠) بالقصر والفطر، والتنفُّل عندنا على الدابة، وشبه ذلك.
ويصح أن يجعل حديث السباطة المتقدم حجة على المسح في الحضر لأن الغالب أن السباطة، وهي المزبلة، إنما (٣١) تكون في الحواضر، وقد قال: "سباطة قوم" فأضافها إلى قوم مخصوصين، ولو كانت في الفلوات لم تكن كذلك.
وهل من شرط جواز المسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة أم لا؟
стр. 352
مذهب داود أنه يجوز المسح عليهما إذا كان قد لبسهما ورجلاه طاهرتان من النجاسة وإن لم يكن مستبيحاً للصلاة والفقهاء على خلافه.
وسبب الخلاف قوله ﷺ "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" هل ذلك محمول على أن الطهارة اللغوية أو الشرعية. وهذا المعنى قد اختلف أهل الأصول فيه، وهو تقدمة الاسم العرفي على اللغوي، أو تقدمة اللغوي على العرفي، والخلاف فيما ذكرنا كالخلاف في قوله "توضؤوا مما مست النار" هل يحمل ذلك على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد أو على الوضوء الشرعي.
واختلف القائلون باشتراط الطهارة الشرعية: هل يجزي أن يمسح عليهما المتيمم. وهذا على الخلاف في التيمم: هل يرفع الحدث أم لا؟
واختلف فيمن لبس خفين على خفين هل يمسح على الأعلين؟ والخلاف مبنى على الخلاف في القياس على الرخص. وكذلك اختلف في المُحْرِم إذا تعدى فلبس الخفين هل يمسح عليهما؟ وينبني الخلاف (٣٢) على الخلاف في سفر المعصية: هل تباح فيه الرخص (٣٣) كأكل الميتة وشبه ذلك؟
فإن غسل الرجلين خاصة بنية الطهارة، ثم لبس خفيه، وأكمل بعد ذلك بقية وضوئه فإنه يختلف في جواز المسح عليهما، ويبنى الخلاف على أصلين مختلف فيهما جميعاً، وهما: هل يصح الوضوء مع التنكيس أم لا؟ وهل يرتفع الحدث عن كل عضو بتمام غسله أو يتوقف ارتفاع الحدث عن إكمال الوضوء؟ فمن صحح الوضوء مع التنكيس، ورأى أن الحدث
стр. 353
يرتفع عن كل عضو بغسله خاصة اقتضى مذهبه جواز المسح في المسألة المذكورة.
١٥٣ - قوله: "أُمِرْنَا بِإعْفَاءِ اللِّحَى" (ص ٢٢٢).
قال أبو عبيد: هو أن تكثر وتوفر. يقال: عفا الشيء إذَا كثر وزاد، وأعفيته أنا، وعفا إذا درس، وهو من الأضداد، ومنه الحديث "فعلى الدنيا العفاء" أي الدروس، ويقال التراب.
١٥٤ - قوله ﷺ : "فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا" (ص ٢٣٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الإِناء عند الوضوء: هل ذلك عبادة، أو معلل بالنظافة؟ فاحتج من قال: عبادة، بقوله: ثلاثاً، قالوا: ولو كانت علته النظافة ما احتيج إلى التكرير إذ ذلك يحصل في مرة واحدة. وهذا الذي قالوه مثل ما احتج به أصحابنا على الشافعي في غسل الإِناء من ولوغ الكلب وأنه لو كان من النجاسة لأجزأت المرة.
واحتج من قال: إنه معلل بالنظافة بقوله ﷺ "فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ"، وإذا كان الجسد طاهراً فأكثر ما في ذلك أن تنال يده أوساخ.
وفائدة الخلاف في هذه المسألة هل يؤمر المتوضىء بغسل يده وإن كانت نقية، أو كان قد عرض له في أثناء الوضوء ما نقض طهارته: هل يؤمر بغَسْل اليد ثانية، وإن كان غَسَلَها أولاً؟ فمن جعل ذلك عبادة أمره بالغسل في الوجهين. ومن عَلّل بالنظافة (٣٤) لم ير ذلك مأموراً به.
стр. 354
١٥٥ - في حديث سَلْمَان ﵀: "نَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ لِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ، وَأنْ نَسْتَنْجِيَ بالِيَمِينِ أوْ أنْ نَسْتَنْجِيَ بِأقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أوْ عَظْمٍ" (ص ٢٢٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: اتفق المذهب على النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند البول والغائط في الفلوات واختلف في جواز ذلك في القرى والمدائن إذا لم تكن مراحيض مبنية على ذلك. وظاهر المذهب أن المراحيض إذا كانت مبنية على شكل يقتضي استقبال القبلة واستدبارها أنه لا يكلف الانحراف، وقول أبي أيوب في الحديث: "ونحن ننحرف ونستغفر الله" (٣٥) يدل على أنه يرى الانحراف ولو كانت مبنية.
ووجه الخلاف الذي قدمناه عندنا في استقبالها في المدائن معارضة قوله ﷺ "لا نستقبل القبلة" بفعله ﵇ حين رآه ابن عمر ﵁ عَلَى لَبنَتَيْن (٣٦) فمن أنزل فعله ﷺ منزلة قوله خصص عموم قوله بفعله، ومن رأى أن الأقوال تقدم على الأفعال لم يخصص، ومنع ذلك في المدائن.
وقد يُتأوَّلُ أيضاً حديث ابن عمر ﵁: أن اللبنتين كانتا مبنيتين. وذلك من القسم الذي أشرنا إلى الاتفاق عليه من أصحابنا.
ويصح أن نبني الخلاف من جهة المعنى على اختلافهم في تعليل منع استقبال القبلة للبول في الفلوات: هل هو لحرمة القبلة أو المصلين إليها من الملائكة؟ فمن جعله لحرمة القبلة منعه في المدائن على السطوح، وفي الشوارع، وإن كان مستتراً بالحيطان لأن قبلته إلى الحيطان، ومن علله بالمصلين لم يمنع لوجود السواتر.
واختلف عندنا في كشف الفرج عند الجماع مستقبل القبلة: هل ذلك مثل
стр. 355
استقبالها للبول والغائط؟ وسبب الخلاف هل ذلك لأجل العورة أو لأجل الحدث؟ فمن جعل العلة الحدث جعل الجماع بخلاف البول في الاستقبال.
وفي بعض روايات الحديث "وَلَكِنْ شَرّقُوا أوْ غَرِّبُوا" (٣٧)، وهذا محمول على أنه إنما خاطب به قوماً لا تكون الكعبة في شرق بلادهم، ولا غربها، ولعل كذلك الأمر في مدينة الرسول ﷺ .
١٥٦ - "ذكر النهي عن الاستنجاء باليمين" (٣٨).
وفي بعض الأحاديث أيضاً "النهي عَنْ مَسِّ الذّكَرِ بِاليمين" (٣٩) فينبغي لمن أراد أن يستجمر من البول أن يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرا لِيَسْلم (٤٠) على مقتضى الحديثين.
وقوله "وَأنْ يَسْتَجْمِرَ بثلاثة أحجار" (٤١) يحتج به من قال من أصحابنا: لا يقتصر على أقل من ثلاثة ولو حصل الإِنقاء بدونها، وهذا نحو ما ذكرنا من حجة من قال: تغسل اليد ثلاثاً قبل إدخالها في الإِناء، وإن كانت نقية.
وأما قوله: "لا يستنجى بروثة ولا عظم" فقد قيل: علة منعه لأجل أنه زاد الجن وعلف دوابهم. وقيل: لأن الروثة تزيد في نجاسة المكان، والعظم لا ينقى لملوسته، وعَقْدُ "ما يجزىء الاستنجاء عندنا به كل مُنَقٍّ طاهر، ليس بمطعوم، ولا ذي حرم".